فاروق الشرع .. السياسة الخارجية السورية   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

فاروق الشرع
غسان بن جدو
غسَّان بن جدُّو:

مشاهدينا المحترمين..السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، من يرصد تفاعلات وتطورات الملف العربي-الإسرائيلي خلال العقود الماضية ليجد عنتًا شديدًا في التقرير بأن سوريا كانت، ولا تزال أحد أهم الأركان الصعبة؛ أي حرب ينبغي أن تكون بها، وأي سلام أو تسوية لا يمكن أن تكون إلا بها، تسع سنوات مضت منذ انعقاد مؤتمر مدريد، ولم يتوصل الجانبان السوري والإسرائيلي إلى صيغة اتفاق على الرغم من أن الطرفين يرفعان عاليًا عنوان السلام، لا، بل إن دمشق أعلنت أن السلام هو خيارها الاستراتيجي، وربما لا نتنكب الصواب إن أشرنا إلى أن سوريا استطاعت وبمهارة أن تستخدم ما لديها من أوراق قوة في المفاوضات المفتوحة أو في اللقاءات المغلقة كما حدث في (شبرستاون) لكن إلى متى؟

طبعًا هذا التساؤل قد يكون متنًا محسوبًا في الاستراتيجية السورية لدى المعنيين لكنه يبدو ملحًا لدى آخرين سيما بعد وفاة الرئيس الراحل حافظ الأسد وتقلد الدكتور بشار الأسد مقاليد الرئاسة، وهذا المعطى تحديدًا هو الذي يزيد في أهمية الاندفاع في اتجاه معرفة توجهات السياسة الخارجة السورية ومواقف قيادتها من تطورات عدة وملفات دائمًا مفتوحة، وإن تجمدت أحيانًا كملف التسوية مع تصاعد حدة الأزمة الداخلية في إسرائيل، والملف الفلسطيني مع اقتراب العد التنازلي لإعلان السلطة الوطنية الفلسطينية دولتها المستقلة كل ذلك والولايات المتحدة تتهيأ للانتخابات الرئاسية هذا بالإضافة إلى الملفين اللبناني والعراقي وغيرهما.

لذا يسعدنا أن نستضيف وزير الخارجية السوري الأستاذ فاروق الشرع في لقاء خاص من مكتبه الخاص مباشرة على الهواء من دمشق، مرحبًا بكم معالي الوزير فاروق الشرع.

فاروق الشرع:

مرحبًا بكم.

غسَّان بن جدُّو:

وإذ أشكركم أولاً على قبولكم هذه المقابلة على الهواء مباشرة مع قناة الجزيرة وقد علمت بأنها المقابلة الأولى المصورة -على الأقل- منذ سنوات طويلة، اسمح لنا أن ندخل في صلب الموضوع مباشرة، طبعًا الرئيس الراحل حافظ الأسد طبع السياسة الخارجية السورية ببصماته، في كلياتها على الأقل، وحتى في بعض تفصيلاتها، لكن لسوريا الآن رئيس جديد الدكتور بشار الأسد، هل يمكن أن نتحدث عن وجود ثوابت أو وجود متغيرات في السياسة الخارجية السورية؟

فاروق الشرع:

بدون شك سوريا نالت هذه السمعة الطيـبة في الوطن العربي، وفي العالم بثوابتها، لأنها كانت متمسكة أولاً: بالشرعية الدولية، وثانيًا: بحقها المشروع في استعادة أراضيها المحتلة، وثالثًا: إيمانها بشعبها، بأمتها، بقدرتها على الصمود مهما صعبت الأحوال، ومهما كبدنا ذلك من تكاليف، أنا أعطي مثلاً واحدًا قبل انهيار الاتحاد السوفيتي كانت سوريا تدعو العالم لتحقيق سلام عادل وشامل، وعقد مؤتمر دولي تحت رعاية الدولتين العظميتين وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة وخصوصًا القرارين 242 و 338، هذا الموقف الذي كان في السبعينات، وفي الثمانينات هو نفسه الموقف الذي التزمنا به، والتزمت به الولايات المتحدة بالذات مع الاتحاد السوفييتي السابق ثم روسيا حاليًا بأن تنهض به.

ومؤتمر مدريد عقد على أساس هذه الثوابت، المتغيرات بطبيعة الحال هي التفاصيل والأساليب للوصول إلى الهدف، أما الهدف لا يتغير، نحن نطالب بكل ما لدينا من مسؤوليات، نطالب بالحقوق الكاملة للشعب العربي، الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى خط الرابع من حزيران، وتنفيذ قرارات مجلس الأمن وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.

الأسلوب للوصول إلى هذا الهدف يتغير بطبيعة الحال، الآن أنا أعتقد أن سوريا كما كانت في الماضي ما تزال مصممة على متابعة نفس الطريق، سوريا كما كانت صامدة في الماضي في عهد الرئيس القائد الراحل حافظ الأسد هي مصممة أيضًا وجادة في تحقيق السلام، وفي الصمود إذا كانت إسرائيل رافضة لهذا السلام، أنتم تعلمون أن الرئيس الدكتور بشار أعلن في خطاب القسم أن سوريا مازال خيارها الاستراتيجي هو السلام، وإذا كانت إسرائيل جادة في السلام فسوريا جادة في السلام، لكن الآن المطلوب كما كان في قمة (جنيف) بين الرئيسين حافظ الأسد و(بل كلينتون)، المطلوب هو أن تعترف إسرائيل بأن الانسحاب من الجولان يجب أن يكون كاملاً إلى خط الرابع من حزيران 1967م دون هذا الاعتراف ودون الموافقة على ترسيم الحدود، وفق هذا المطلب لا أعتقد أن هناك إمكانية، ولا يوجد سوري -على كل حال- يمكن أن يوافق على غير ذلك.

غسَّان بن جدُّو:

لكن يبدو -طالما تتحدث عن تغيرات في إطار الأسلوب- أن إسرائيل وحتى الإدارة الأمريكية تتوقع مرونة أكثر من قِبَل السياسة الخارجية السورية في عهد الدكتور بشار الأسد.

فاروق الشرع:

ماذا تعني المرونة؟ هل تعني المرونة أن نعطي جزءًا من أرضنا إلى إسرائيل؟ هذا مستحيل، إذا كانت المرونة تعني ذلك، فمعنى السلام يصبح مختلفًا تمامًا عما يفهمه العالم أجمع، إذا كانت إسرائيل تريد السلام فعلاً، ونحن نريد السلام، فيجب ألا يبقى أي جزء من أرضنا تحت احتلالها أو سيطرتها بدون ذلك كيف يمكن إقامة سلام؟

أنتم تعلمون أن هناك قطاع واسع من الشعب في كل مكان في الوطن العربي من المغرب حتى الخليج يشكك حتى في السلام، وحتى قسم من هؤلاء المواطنين يرفضون -حتى- استخدم كلمة سلام، ويفضلون تسوية عليها، لأنهم يشعرون باستحالة تحقيق السلام مع إسرائيل، بسبب سياستها غير السلمية، بسبب احتلالها للأراضي العربية، بسبب ممارساتها ضد الشعب الفلسطيني، ضد الشعب اللبناني، وضد العرب عمومًا، بسبب ملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين شُردوا في كل بقاع العالم.

إسرائيل هي التي يجب أن تخضع لامتحان، وهي التي يجب أن تكون مرنة، وليس الجانب العربي، لا الجانب الفلسطيني ولا الجانب السوري ولا الجانب اللبناني.

غسَّان بن جدُّو:

طيب ماذا تطلبون من إسرائيل حتى تكون مرنة؟ كيف تفهمون المرونة الإسرائيلية بالتحديد؟

فاروق الشرع:

المرونة الإسرائيلية تنطلق كالمرونة العربية، أنا أعتقد أن العرب كانوا مرنين أكثر مما يجب منذ قيام إسرائيل وحتى الآن، أنا أقول لك شيئًا واحدًا: لو أن ركزوا على موضوع اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 48 وحتى الآن، باعتقادي أن إسرائيل كانت ستحاصر في الساحة الدولية كلها، ولا يستطيع الولايات المتحدة ولا أي بلد آخر أن يدافع عنها، شردت مئات الألوف من الفلسطينيين، ترفض إعادتهم هذه نقطة.

النقطة الثانية: أنها ارتكبت بحق العرب كثير من المجازر، ولا أريد أن أدخل في تفصيلاتها من دير ياسين حتى قانا مرورًا بمذبحة الحرم الإبراهيمي الشريف، العرب لم يرتكبوا أي مجزرة ضد اليهود، أو لم يستهدفوا حتى المدنيـين في إسرائيل أعطيك مثالاً آخر: خلال حروب العرب مع إسرائيل منذ قيام إسرائيل احتلت أراضي عربية مرة ومرتين وأكثر من ذلك، وقصفت مدن هنا، قريـب من هذا المكتب، شارع أبو رمانة قصفته -على كل حال- بالطائرات، سوريا لم تقصف مدنًا إسرائيلية، مع ذلك يوجد يهود سوريون في سوريا لم يتعرض لهم أي مواطن سوري بأي أذى خلال تلك الحروب، لا في عام 67 ولا في عام 73، ولا إبان الغزو الإسرائيلي للبنان في عام 82، هناك كُنُس عديدة في سوريا، حوالي عشرين أو أكثر لم يتعرض لها أي مواطن سوري بأي ضرر، بأي أذى، في حين أن إسرائيل عندما تحصل حادثة بسيطة لباص أو مشكلة بسيطة في داخل إسرائيل يخرج بعض القادة الإسرائيليين، ويقولون:

اقتلوا العرب، اطردوا العرب، فالمطلوب مرونة من جانب إسرائيل، هي التي يجب أن نعترف كم ألحقت من الأذى والضرر والعدوان بالجانب العربي، العرب لم يكونوا بادئين في أي مرحلة باستثناء عام حرب تشرين (أكتوبر) 73 التي في الأساس كانت حرب تحرير، ولم تحصل اشتباكات إلا فوق الأرض العربية المحتلة.

غسَّان بن جدُّو:

معالي الوزير..رئيس الوزراء الإسرائيلي سبق مقابلتنا هذه بساعات، وصرح إذا كانت إرادة السلام موجودة في سوريا فسوف تلقى ردًّا إيجابيًّا، وعلى سوريا -يضيف (باراك) - التقدم لإبرام سلام الشجعان، كيف تقرءون في هذا التصريح أو هذا النداء الرغبة من قبل باراك؟

فاروق الشرع:

لا شك أن أي تصريح إيجابي من قبل الجانب الإسرائيلي ستأخذه سوريا بجدية، لكن أنا أود أن أجيب مباشرة على هذا الطرح هو يريد أن تتقدم سوريا، ونحن في (شبرستاون) قلنا له بصريح العبارة وأمام الرئيس كلينتون ووزيرة الخارجية الأمريكية: أن إسرائيل عندما تكون جاهزة بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة أو ستة أشهر، وتوافق على ترسيم الحدود إلى خط الرابع من حزيران 1967، ستكون سوريا جاهزة، وقلت قبل قليل أن الرئيس الدكتور بشار أعلن في مجلس الشعب في خطاب القسم استعداد سوريا وخيار سوريا الاستراتيجي للسلام.

غسَّان بن جدُّو:

إذا أردنا تحديدها بوضوح، وواضح ماذا تريد سوريا من خلال السلام، أو كيف يمكن أن تصل إلى تسوية أو سلام مع إسرائيل، ولكن ما هي مطالب سوريا تحديدًا لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل؟

فاروق الشرع:

مطلب سوريا استعادة أراضيها المحتلة، ومطلب سوريا أن تعترف إسرائيل بأن هذه الأراضي العربية التي اُحتلت في عام 67 يجب أن تعود كاملة غير منقوصة وأي تفاوض حول أن جزءًا من الأراضي سيـبقى تحت الاحتلال هو مرفوض بالنسبة لسوريا، وأنا أعتقد أن هذا الموقف هو الذي ينال رضا الناس، يحظى بإجماع شعبي في سوريا، وخارج سوريا.

وأعتقد أن إخواننا الفلسطينيين بدءوا يطالبون بشكل واضح وصريح بالانسحاب الكامل إلى خط الرابع من حزيران عندما ثبتت سوريا خلال السنوات الماضية منذ انعقاد مؤتمر (مدريد) أن الانسحاب يجب أن يكون كاملاً إلى خط الرابع من حزيران 67.

غسَّان بن جدُّو:

معالي الوزير..هل تعتقد بأن الأزمة الداخلية الآن الموجودة في إسرائيل، والتي يعيشها باراك بشكل كبير، والعودة القوية لليمين الذي يُوصَف باليمين المتطرف أو الليكود، هل تعتقد أولاً: أن هذه الأزمة الداخلية تعنيكم من قريب أو بعيد؟

وثانيًا: هل تعتقد أن هذه الأزمة وآفاقها يمكن أن تؤثر سلبيًّا على عملية السلام خاصة على الجانب السوري-الإسرائيلي؟

فاروق الشرع:

بطبيعة الحال أن أي أزمة في أي بلد في المنطقة تعنينا، لأننا نعيش في منطقة تنعكس فيها التطورات على بلدان الجوار، كما نعتقد أن هذه الأزمة التي تعيشها إسرائيل الآن هي وليدة للسياسة الإسرائيلية المتناقضة التي لم تستطع أن تحقق السلام بسبب تعنـتها وبسبب تحالفاتها -من جهة أخرى- المعادية للسلام، أنا لم أكن متفائلاً منذ بداية تشكيل هذه الحكومة.

ونحن في سوريا كلنا كنا نشعر بأن تركيبة الحكومة الإسرائيلية بهذا الشكل لا يمكن أن يؤدي للسلام، كيف يمكن أن تجمع بين الليكود أو اتجاه الليكود في إسرائيل وبين من يريدون السلام في حكومة واحدة؟

غسَّان بن جدُّو:

تقصد حزب (شاس)؟

فاروق الشرع:

طبعًا أنا لا أقصد الليكود كحزب، هو في المعارضة، ولكن يكفي أن تعلم بأن المهاجرين الروس الذين شاركوا في حكومة باراك لم يدلوا بأي تصريح يؤيد السلام أو عملية السلام أو الانسحاب من أي أرض عربية سواءً كانت في الجولان أو في فلسطين، باراك دفع ثمن هذه التناقضات، وهو يدفعها حتى الآن، وأعتقد أن الخطوات التي ستـتخذ من الآن فصاعدًا ستكون لها انعكاسات كبيرة في المنطقة.

غسَّان بن جدُّو:

نعم، تفضلت الآن -معالي الوزير- بذكر أنك من البدء كنت تشكك في هذه الحكومة الإسرائيلية ونواياها نحو السلام، ولكن هل تشكك في باراك؟

أنا قرأت لك محاضرة -معالي الوزير- في 27 من يناير من هذا العام هنا في دمشق تتحدث بأن الوفد الإسرائيلي المفاوض في (شبرستاون) كان وفداً يعني جزء منه من الليكود، وحتى اعتبرت أن المظاهرات التي كانت تحتج على باراك، هي وكأنها كانت تكتيك أصلاً من باراك، هل تشكك في نوايا (إيهود باراك) شخصيًّا في الوصول إلى سلام؟

فاروق الشرع:

منذ (شبرستاون) وما أعقب اجتماع الـ (شبرستاون) في قمة جنيف كل ذلك أكد لنا أن باراك إما أنه غير جاد في السلام أو أنه غير قادر على صنع السلام، وآخر قمة التي عقدت في كامب ديفيد رقم 2 تؤكد هذا الشيء، واضح أن رئيس الحكومة الإسرائيلية يحاول أن يكسب شعبية على أساس الافتراض بأن التنازلات العربية هي التي ستعطيه شعبيته داخل إسرائيل، وهذا شيء خطير، حاول أن يمارسه في جنيف، ولكنه فشل، ويحاول الآن أن يمارسه، وآمل أن يكون مصيره نفس المصير الذي لاقاه في جنيف.

غسَّان بن جدُّو:

عفوًا تقصد حاول ممارسته في جنيف عبر الرئيس بل كلينتون؟

فاروق الشرع:

عبر الإدارة الأمريكية نعم؛ لأنه -بتقديري أنا- وبعد أن حدثت تطورات منذ جنيف حتى الآن، وخصوصًا في الأسابيع الأخيرة، أصبح الموقف الأمريكي منحازًا بشكل واضح للجانب الإسرائيلي، كنا نعتقد حتى قمة جنيف بأن الإدارة الأمريكية تحاول بقدر ما ألا يكون انحيازها بهذا الشكل السافر..أما منذ قمة جنيف والآن تتأكد الصورة أكثر بأن الانحياز لإسرائيل كان كاملاً.

غسَّان بن جدُّو:

طيب في هذا الإطار ثمة انتخابات رئاسية على الأبواب، هل تعتقدون بأن الموقف الأمريكي أو الدور الأمريكي الراعي -كما يصفونه- لعملية التسوية يمكن أن يتطور إيجابيًّا -في رأيكم- مع مجيء رئيس جديد سواء كان بوش أو آل جور أم أن المسألة ليست بهذه الصورة؟

فاروق الشرع:

نحن في سوريا نعتقد بأن الوضع العربي هو الأساس في توجه المجتمع الدولي، وفي مقدمة هذا المجتمع الدولي الولايات المتحدة، نحن نعتقد بأن تصحيح الوضع العربي، إحياء التضامن العربي هو المنطلق لجعل الآخرين يعيدون النظر في سياساتهم المنحازة لإسرائيل بهذا الشكل، لا أعتقد أن الأمريكيين أو غير الأمريكيين يمكن أن يأخذوا العرب بشكل جدِّي إلا إذا كان الوضع العربي جيدًا، وهذه المقولة ليست مسألة إنشائية أو شعارات، أنا أعتقد أنها حاجة ملحة وهي قضية حياتية بالنسبة للعرب، إن لم يحَّسنوا أوضاعهم، إن لم يتضامنوا فيما بينهم، إن لم يوحدوا رؤيتهم وإن لم يلتزموا بما يتفقون عليه ستستطيع هذه الإدارة أو الإدارة التي ستأتي بعدها إملاء شروطها على الجانب العربي.

غسَّان بن جدُّو:

تتحدث عن إحياء التضامن العربي -معالي الوزير- ولكن يـبدو -بحسب ما نقرأ من تحليلات، ونود أن نتأكد منكم من هذا الأمر- أن عددًا من العواصم العربية تطالب، وتشجع عقد قمة عربية، ولكن دمشق ليست متشجعة الآن لعقد قمة عربية.

فاروق الشرع:

على العكس سوريا أعلنت أنها ترحب بعقد قمة عربية شاملة، وفي أقرب وقت ممكن، وللأسف الذين كانوا يطالبون بالقمة العربية لم يتمسكوا بهذا الترحيب وحتى لم يشيروا إليه، لم يشيروا إلى هذا الترحيب السوري، نحن مع عقد قمة عربية، ويجب أن يسبقها -بطبيعة الحال- التشاور بيننا كدول عربية، وأيضًا يجب أن يتم الاتفاق على جدول أعمال هذه القمة، وهذا الموقف واضح، الموقف السوري واضح، أما لم يكن هناك استجابة، لم تكن هناك لأسباب -ربما- لا أريد أن استبق الأسئلة التي يمكن أن تتطرقون إليها، ولكن أقول إن هناك محاولة لأخذ غطاء عربي لتقديم تنازلات لإسرائيل، وهذا بالنسبة لسوريا مرفوض بطبيعة الحال.

غسَّان بن جدُّو:

لعلك تقصد الملف الفلسطيني سنتـناوله في وقت لاحق، لكن أشرت إلى قمة شاملة، هل تقصد قمة شاملة يحضرها الكل بدون استثناء بما فيها العراق؟

فاروق الشرع:

لا تستبعد أي بلد عربي، لا فلسطين ولا العراق.

غسَّان بن جدُّو:

بما فيها العراق، طيب، في هذا الإطار قمة كامب ديفيد الثانية -معالي الوزير- هل تعتبرها بأنها فشلت -قمة كامب ديفد الثانية- أم يمكن أن تمهد، وتؤسس لقمة حاسمة يتفق في شأنها بشكل نهائي الفلسطينيون أو السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل؟

فاروق الشرع:

باعتقادنا أن ما يجري الآن شيء كبير وخطير، وللأسف الصورة غائمة وعائمة وقليل من المواطنين العرب يدركون ماذا يحصل الآن، أنا أطرح سؤالاً بسيطًا جدًّا: ماذا يريد الجانب الفلسطيني من سوريا مثلاً أو من العرب بشكل عام؟ يعني هل الصورة والاستقبال هو الهدف أم أن هناك مضمون وجوهر يكون هو الهدف؟ إذا أعلن ما هو الهدف، واتضحت الصورة، وأنا لا أجد صورة واضحة، لأن هذه الجولات -بتقديري- لم توضح الصورة بالعكس زادتها تعتيمًا، وزادتها تشويشًا، وإذا كان الساسة لا يعلمون تمامًا ماذا جرى أو ماذا يجري في كامب ديفيد الثانية أو الثالثة التي يمكن أن تُعقد فكيف يمكن أن تؤيد موقفًا ما بشكل مسبق؟

أنت لا تضمن، ولا تعرف ماذا طُرح في كامب ديفيد، كامب ديفيد الثانية استمرت أربعة عشر يومًا، محادثات أو مفاوضات -سمها ما شئت- أربعة عشر يومًا، ماذا حصل فيها؟

نحن لا نعلم ماذا حصل فيها رغم أننا أوجز لنا بعض ما حصل من قبل نفس القيادة الفلسطينية التي فاوضت في كامب ديفيد، وأيضًا زارنا مبعوث أمريكي ( ووكر) مساعد وزيرة الخارجية في الولايات المتحدة الأمريكية، وزارنا أيضًا ( لارسون) ونقل لنا يعني بعضًا من هذه المحادثات التي جرت في كامب ديفيد.

اتصل بنا الروس، وأبلغونا ماذا أبلغوا به من قبل الجانب الفلسطيني خلال زيارة السيد عرفات لموسكو، ومع ذلك أنا أقول لك ببساطة أن حتى القيادات العربية تجهل ماذا حدث بالضبط، وهذا شيء لا سابقة له، إذا كان المفروض هو تحديد هدف فليقال بأن الانسحاب يجب أن يكون كاملاً لخط الرابع من حزيران بما في ذلك القدس، لا مفاوضات حول جزئيات وحول بيوت هنا أو جدار هناك..

[فاصل موجز الأخبار]

غسَّان بن جدُّو:

أستاذ الشرع، كنا نتحدث عن الملف الفلسطيني لا شك أنَّ ثمة فجوة أو جفوة قائمة بينكم، وبين السلطة الوطنية الفلسطينية برئاسة السيد ياسر عرفات، هذه الجفوة تحولت ربما إلى فجوة، لماذا استمرار ما يشبه القطيعة بينكم، وبين السيد ياسر عرفات إلى حد أنكم لم تستقبلوه في جولته التي أشرتم إليها؟

فاروق الشرع:

أولاً: لا توجد جفوة، لكن توجد فجوة في المواقف، ونحن دائمًا نستقبل السيد عرفات، استقبلناه قبل أوسلو، واستقبله الرئيس الراحل القائد حافظ الأسد بعد أوسلو، واستقبله أيضًا عدة مرات، وكنا نجري حتى نوعًا من التشاور وتبادل الرأي، لكن للأسف لم يكن هناك أي هدف ممكن أن يتبلور أو يتحقق جراء هذه الزيارات، لم نشعر حتى بإمكانية الالتزام بعشرة في المائة مما نتحدث عنه، وأنا لا أريد أن أدخل في تاريخ هذه المشكلة، لأننا في سوريا حريصون جدًّا على العلاقات السورية الفلسطينية أكثر مما يتصور الكثيرون، نحن لم نعطِ إسرائيل أي مبرر بسبب عدم تطابق وجهات النظر بين السلطة الفلسطينية والقيادة السورية.

نحن كنا، ومازلنا ندافع عن الحق الفلسطيني، ونعتبر أن الشعب الفلسطيني شعب مناضل وعريق في النضال، وقدم تضحيات جسيمة، ومازال ولديه الاستعداد في المستقبل أن يتابع على الطريق.

وأنا أعتقد أن الموضوع يجب أن يُؤخذ ليس بهذه البساطة كما تطرحه بعض وسائل الإعلام العربية أو العالمية، أغلبية الشعب الفلسطيني لا توافق على هذا النهج، أغلبية الشعب الفلسطيني، هل تريد..؟

غسَّان بن جدُّو [مقاطعًا]:

لكن -عفوًا- كيف قدرتم هذا أن أغلبية الشعب؟

فاروق الشرع:

نحن نقدر من حتى من الحلقة الثانية الهامة حول السلطة الفلسطينية، نحن نقدر بأساليب مختلفة حتى بزياراتنا نحن لم ننقطع إطلاقًا حتى عن الاتصال مع السلطة الوطنية الفلسطينية، أنا قلت -قبل قليل- إننا استقبلنا السيد عرفات أكثر من مرة..

غسَّان بن جدُّو [مقاطعًا]:

لكن في الفترة الأخيرة لم تستقبلوه، يعني جال على بنجلاديش وباكستان وإيران والصين واليابان وإندونيسيا..

فاروق الشرع [مقاطعًا]:

لسبب بسيط لأننا لم نستقبل مسئولاً هامًّا حتى الآن في دمشق لبحث أمور سياسية جادة، والهدف الذي يراد من هذه الزيارة إذا كان جادًا فنحن نتمنى لو أن يتأخر بضعة أسابيع.

غسَّان بن جدُّو:

لماذا؟

فاروق الشرع:

لأنني قلت -قبل قليل- أننا لسنا في وضع نبحث فيه أمورًا جادة، أما استقبال من أجل صورة فهذا شيء آخر، أنا قلت قبل قليل أن ما هو مطلوب كأنه غطاء عربي لمسعى لا يضمن حقوق العرب، ولا يضمن حقوق المسلمين في القدس، والمشكلة أنك عندما تستقبل إنسانًا يجب ألا تدفع ثمن هذا الاستقبال، وعندما تستقبل سياسيًّا فيجب أن يكون هناك أخذ وعطاء بين الزائر والمضيف بحيث أن موقفًا مشتركًا يجب أن يتبلور جراء هذا الاستقبال أو نتيجة لهذه الزيارة إذا تحقق، لو كنا ندرك أنه سيتحقق لما كان هناك مشكلة حتى لو أن الوقت لم يكن مناسبًا.

غسَّان بن جدُّو:

لكن ظاهر الأمر -معالي الوزير- بأن السيد ياسر عرفات صمد في كامب ديفيد بدليل -كما يقول- الضغط الإسرائيلي، وحتى الضغط الأمريكي بل الضغط الشخصي للرئيس (بل كلينتون) ومع ذلك صمد، ولم يقدم تنازلات. ألا تعتقد بأنه في حاجة إلى هذا السند العربي، وخاصة من قبل سوريا وغيرها؟

فاروق الشرع:

إذا صمد -فعلاً- ونحن لا نريد أن نشكك في هذا الصمود، لكن لدينا تخوفات من أن هذا الصمود هو مسألة عابرة، إذا كان هذا الصمود مستمرًا ودائمًا سيلقى الرئيس عرفات كل ترحيب في دمشق، أنا متأكد من ذلك، المسألة أبعد من عملية استقبال وفد، هناك -وأنا قلت قبل قليل- تجري أمور خطيرة حساسة لا يعلم بها حتى قادة عرب لا يعلمون ماذا جرى فيها..

غسَّان بن جدُّو [مقاطعًا]:

هل تعلمون بعض الشيء من هذا الخطير؟

فاروق الشرع:

نحن نعلم بعض الشيء نعم، ولكن لا نعلم كل شيء.

غسَّان بن جدُّو:

هل يمكن أن نطلع عليها؟ هل يمكن أن نطلع على بعض..

فاروق الشرع [مقاطعًا]:

ما نعلمه ما نعلمه يؤدي إلى شكوك كبيرة، أنا أعطيك مثالاً: موضوع القدس، إسرائيل طرحت على الجانب الفلسطيني أنها تريد السيادة تحت المسجد الأقصى، كيف يمكن أن تأخذ سيادة تحت المسجد الأقصى، من أجل الحفريات، ثم تضع شروطًا على السلطة الفلسطينية بأنها لا تستطيع أن تمارس السيادة الكاملة في القدس الشرقية؟ وعندما تتساءل السلطة كيف يمكن لزائر أن يزور القدس؟ يقال له -كما سمعنا من مبعوث الإدارة الأمريكية- أن الزائر من عمان إلى القدس إلى المسجد الأقصى يستطيع أن يصل دون أن يرى إسرائيليين في الطريق، وبالتالي هو سيصل عبر إما جسور أو أنفاق..هل أصبح العرب والمسلمون فئران حتى يصلوا على المسجد الأقصى ليصلوا فيه؟ كيف يمكن أساسًا مناقشة هذا الموضوع؟ هذه نقطة.

النقطة الثانية: مجرد القول بأن المسألة المعقدة هي القدس، وأن المسائل الأخرى قد سويت، ونحن نعلم أنها لم تسوَّ.

موضوع اللاجئين الفلسطينيين كيف يمكن أن يسوى ببضعة آلاف من أجل لم شمل العائلة؟ وكيف يمكن أن تسوى مسألة الحدود؟ وما مصير المستوطنات كلها قضايا أساسية كالقدس؟

غسَّان بن جدُّو:

في الحقيقة ثمة تضارب، ثمة من يقول إنها سويت، وثمة من يقول إنها لم تسوَّ، والقيادة الفلسطينية..

فاروق الشرع [مقاطعًا]:

ألا ترى معي إذن أن هناك نوعًا من التشويش والتعتيم وتضارب وتناقض في الاستنتاجات حول كامب ديفيد الثانية؟

غسَّان بن جدُّو:

طالما تـتحدث عن القدس..هل تعتبر معالي الوزير بوضوح أن قضية القدس وملف القدس وحل هذه القضية يعني الفلسطينيين، السلطة الوطنية الفلسطينية برئاسة السيد ياسر عرفات أم تهم القادة العرب قمة عربية قمة إسلامية من يحل هذه القضية حتى يتفق في شأنها الجميع؟

فاروق الشرع:

النوايا أساسية والالتزام أساسي، وقلت نحن على استعداد للمشاركة في قمة عربية وحتى لاستضافة قمة عربية..المسألة تتلخص ببساطة بما يلي..

غسَّان بن جدُّو [مقاطعًا]:

عفوًا،يعني سوريا مستعدة لاستضافة قمة عربية لمناقشة ماذا؟

فاروق الشرع:

مناقشة كل المواضيع التي يمكن أن يجري تشاور مسبق عربي بشأنها، وطبعًا يسبق اجتماع القمة اجتماع وزراء الخارجية، ويجب أن يتفق وزراء الخارجية على جدول أعمال القمة، نحن لا يوجد، الباب ليس مغلقًا في سوريا لا أمام السيد ياسر عرفات، ولا أمام عقد قمة، وإنصافًا للموقف السوري، وأنا يعني لا أحتاج إلى أن أدافع عن الموقف السوري فهو واضح وموقف مشرف -كما أسمع من مختلف العواصم العربية من المحيط إلى الخليج- لكن أريد أن أقول إنه لدينا مثالين: مثال لبنان ومثال فلسطين، في لبنان خرجت إسرائيل مدحورة بدون مفاوضات، في فلسطين لا توجد إلا مفاوضات.

غسَّان بن جدُّو:

هل أنكم تشجعون المقاومة والمفاوضات أنتم؟

فاروق الشرع:

المقاومة جزء من العمل السياسي، يعني هل إسرائيل أخذت هذه الأراضي بدون عنف بدون استخدام القوة بدون استخدام الحرب؟

غسَّان بن جدُّو:

لكن عذرًا سيدي الوزير..

فاروق الشرع:

لكن نحن مع السلام يجب ألا نخاف يعني يجب ألا يفرض على الجانب العربي نوع من الإرهاب، وكأن المقاومة شيء خطير، ولا يجب أن يمارس، المقاومة حق مشروع أقرته كل الشرائع الدولية.

غسَّان بن جدُّو:

لكن -عذرًا سيدي الوزير- وكأنني أسمع أصواتًا الآن في فلسطين وفي غزة أو في الضفة الغربية تقول لكم: إذا كنـتم تؤيدون المقاومة والمفاوضات في الوقت نفسه لم لا تكون هناك مقاومة في الجولان السوري على سبيل المثال، وأنتم تفاوضون؟

فاروق الشرع:

من قال لك أنه لا توجد مقاومة؟ يعني هل المقاومة مرتبطة بزاوية من الأرض؟ ليست مرتبطة بزاوية من الأرض، كل الناس يعلمون بأن المقاومة نجحت في لبنان بسبب صمود سوريا، وتنجح أي مقاومة بسبب صمود سوريا والصمود هنا نوع من المقاومة، شكل من أشكال المقاومة، أنا قلت قبل قليل المقاومة جزء من العمل السياسي، فإما أن نلجأ للعنف أو المفاوضات بدون أي بديل، لا، نحن نقول إن الصمود هو الأساس إذا لم تستطع هذه الأمة الآن أن تستعيد حقوقها وأراضيها المحتلة فلنصمد يجب ألا نفرط بحق، لأننا سنحاسب أمام الأجيال القادمة ولماذا نفرط؟!

يعني هل وضع التفريط بحق عربي -سواء فلسطيني أو سوري أو لبناني- هو المخرج لأزمتنا؟ بالتأكيد لا حتى الوضع الاقتصادي ليس مرتبطًا بالسلام، أو أن الدول العربية التي سبقتنا، وحققت سلامًا لم يتحسن وضعها الاقتصادي كما أعتقد أو كما أملت.

[فاصل إعلاني]

غسَّان بن جدُّو:

أستاذ فاروق، إذا أعلن، تعلمون جيدًا بأنه الآن السيد ياسر عرفات يجول من أجل جس النبض -لو صح التعبير- على رغبته في إعلان الدولة الفلسطينية، نود أن نعلم إذا أعلنت الدولة الفلسطينية ما هو موقفكم الآن؟

فاروق الشرع:

موقف سوريا معلن، نحن مع إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة، ولسنا مع دولة فلسطينية غير مستقلة منقوصة السيادة، نحن مع دولة فلسطينية مستقلة على الأرض الفلسطينية، ولسنا مع دولة فلسطينية على الورق.

غسَّان بن جدُّو:

يعني إذا أعلن السيد ياسر عرفات وسلطته الفلسطينية الدولة المستقلة هل ستعترفون بها أم لا؟

فاروق الشرع:

كلامي واضح جدًا، كلامي واضح.

غسَّان بن جدُّو:

أود أن، ربما أفهم من أن هذا الأمر أنه ربما هذه الدولة المستقلة التي سَتُعلن ربما تنقصها السيادة على الأرض أو ربما هي تكون على الخرائط، هل هكذا تفهمون ما يحصل الآن؟

فاروق الشرع:

تقريبًا.

غسَّان بن جدُّو:

معنا مداخلة من لندن مع السيد عبد الوهاب بدرخان نائب رئيس تحرير صحيفة الحياة، تفضل استاذ بدرخان.

عبد الوهاب بدرخان:

مساء الخير،

غسَّان بن جدُّو:

مساء الخير.

فاروق الشرع:

مساء الخيرات.

عبد الوهاب بدرخان:

الحقيقة يعني أكثر من نقطة لفتـتنا في حديثكم وخصوصًا نقاط التشكيك اللي وضعت على نتائج أعمال كامب ديفيد وهي ملفتة جدًّا، وكانت ضرورية لتوعية الرأي العام العربي. في الوقت نفسه لابد من تسجيل أن هناك الكثير من القضايا مفهومة -على الأقل- في عناوينها، يعني لا أحد يفهم ألا يكون هناك موقف عربي موحد في قضية القدس، وأن تكون هناك جرأة على عقد اجتماع عربي لإعلان موقف فيه ثوابت سواء بالنسبة إلى موضوع القدس أو بالنسبة إلى موضوع اللاجئين أو الحدود أو المستوطنات أو ما إلى ذلك، خصوصًا أن الجميع متفق على أن كل تسوية مع إسرائيل أو كل اتفاق يجب أن يستند إلى القرارات الدولية وهو ما يعتبر الثابتة الأساسية في موقف سوريا، وقد رأينا ذلك في المفاوضات بينكم وبين الجانب الإسرائيلي، كل ذلك لا يقنع أحدًا بأن سوريا لا تستطيع أن تستقبل الرئيس الفلسطيني ولو من قبيل التضامن..الحد الأدنى من التضامن.

وفي الوقت نفسه من أجل أن تنـتهز -أيضًا- الفرصة؛ لكي تعلن بدورها ما هي الثوابت التي تؤمن بها مجددًا بالنسبة إلى القدس؟ أين حدود التسوية التي تراها للفلسطينيين في القدس؟ وهل تفضح -إذا كان من مجال- وهذه قد تكون مساهمتها اللعبة التي تكمن وراء مشروع (باراك-كلينتون) من أجل القدس.

هذا ما أحببت أن ألفت إليه، في الوقت نفسه هناك الكلام عن الجمهورية السورية بالنسبة لعملية السلام، هل يمكن أن نتخيل مثلاً إمكانية استئناف المفاوضات قبل مجيء الرئيس المقبل إلى البيت الأبيض؟ ووضعه لطاقمه موضع العمل؟ وتفاهمه على الخطوط العامة لسياسة الخارجية الجديدة؟

هل يعني ذلك -إذا كان تحليلي صحيحًا- هل يعني ذلك أن استئناف التفاوض على المسار السوري لن يـبصر النور إلا بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة ومطلع السنة الجديدة؟

وفي نفس الوقت تكلمتم عن خيار المقاومة وخيار التفاوض، وهذا يجعلني أنطلق قليلاً إلى الموضوع اللبناني، خصوصًا أن الانتخابات اللبنانية جعلت العلاقة مع سوريا أحد محاورها تحت عنوان إعادة النظر في العلاقة ومراجعتها، من أجل تحسينها وبنائها على أسس أصلب، أرجو أن نسمع من سيادة الوزير شيئًا عن الفهم أو المفهوم السوري في العهد الجديد حول العلاقة اللبنانية، وإعادة النظر فيها وأشكركم.

غسَّان بن جدُّو:

شكرًا سيد بدرخان، إذن ثمة ملفان -لو صح التعبير- في مداخلة السيد بدرخان، أولاً: مع ترحيبه بما تفضلتم به من عدة إشارات، وخاصة تشكيكم في قمة (كامب ديفيد) ولكنه ليس مقتنعًا وكغيره بعدم استقبال ياسر عرفات، ويطالبكم باستقباله، وكشف ما تعتقدونه ثوابت فيما يتعلق بالقدس، والتسوية الفلسطينية، وهو يسألكم: أي حدود تراها دمشق لتسوية فلسطينية؟

فاروق الشرع:

أنا أشكر السيد بدرخان، والواقع أنه طرح أسئلة كثيرة في سؤال واحد ، سأحاول بقدر ما أستطيع أن أجيب

غسَّان بن جدُّو [مقاطعًا]:

واحدًا واحدًا،

فاروق الشرع [مكملاً]:

نقطة بعد نقطة، أولاً: أكرر فيما يتعلق بالسيد ياسر عرفات سوريا استقبلته مرارًا، ولم تحصد من هذا الاستقبال نتائج ترضي الشعب الفلسطيني بالذات، يعني البعض يتصور أن سوريا تبحث عن أن تكون القضية الفلسطينية أو فلسطين ورقة بيدها، هذا غير صحيح، هذا اتهام تنقصه المعرفة الأكيدة بحقيقة الموقف السوري، أعطيك مثالاً حصل فعلاً في أواخر الثمانينات، زارنا السيد الشاذلي القليبي كان أمينًا عامًّا للجامعة، وجاء من تونس ليقابل الرئيس القائد حافظ الأسد في ذلك الوقت طرح عليه سؤالاً محددًا:

لماذا يا سيادة الرئيس تخاصمون السيد عرفات الورقة الفلسطينية ورقة مهمة جدًّا، لماذا لا تكون بيدكم هذه الورقة؟ كان الجواب العفوي والمباشر من الرئيس في ذلك الوقت: ومن قال لك إن سوريا تبحث عن ورقة فلسطينية؟ إن سوريا كلها نحن نعتبرها ورقة بيد فلسطين، ويجب أن تُستخدم على هذا الأساس، لأنه لا يمكن التفكير -إطلاقًا- في حل سوري إسرائيلي بدون حل لقضية فلسطين، هذا الموقف كان في ذاك الوقت واضحًا وجليًّا، من الذي تركنا؟

نحن في مؤتمر (مدريد) بذلنا كل ما نستطيع للحفاظ على التنسيق مع الجانب الفلسطيني، بعد (أوسلو)، حتى بعد (أوسلو) تمنينا على الإخوان أن يستمر الالتزام بحد أدنى، أنا أذكر مرة طلب الرئيس حسني مبارك أن يستقبل السيد الرئيس السيد عرفات وتحدثت أنا مع الأستاذ عمرو موسى وقلت له قبل أن يأتي حتى تصبح هذه الزيارة ذات نتائج تنعكس مصلحة على القضية الفلسطينية، وعلينا كعرب عمومًا: أرجو أن تـتحدث مع إخواننا الفلسطينيـين، وتقول لهم: ما هي الحدود التي يمكن أن يلتزموا بها؟ نحن لا نفرض عليهم شيئًا، نحن فقط نريد أن يكون لنا مصداقية عندما نتعامل مع أي طرف في العالم، فكيف إذا كان هذا الطرف هو الممثل لقضية الشعب الفلسطيني؟

نحن نريد ما هي الالتزامات مهما كانت بسيطة، ويجري التمسك بها بعد اللقاء، ونحن لا نطلب ما لا تستطيع السلطة الفلسطينية أن تفعله.

غسَّان بن جدُّو:

لكن في المقابل-معالي الوزير-هل ترون ثمة بديلاً لما هو قائم الآن في الساحة الفلسطينية؟ أنتم تحترمون الآن أطراف من المعارضة الفلسطينية، وقبل أسبوعين التقيتم بقيادة حركة حماس، هل من دور لكم أنتم في سوريا للتقريب بين هذين الطرفين بشكل أساسي؟ طالما أنتم تريدون أن تمضي القضية الفلسطينية قدمًا في اتجاه تسوية عادلة شاملة؟

فاروق الشرع:

أنا أريد أن أقول باختصار: إن الوحدة الوطنية للشعب الفلسطيني هامة جدًّا؛ لأنها في هذه الحالة تكشف صدق أو عدم صدق أي دولة عربية من القضية الفلسطينية، يعني لا يجب أن يكون المقياس خاطئ، ويـبنى عليه مواقف، فإذا سوريا وافقت على هذا المقياس تكون مع القضية الفلسطينية، وإذا لم توافق تكون كأنها ضدها، هذا منطق غير معقول وغير مقبول، وأنا أستغرب أحيانًا أن بعض الصحفيـين يلجؤون إلى هذه المعادلة، وكأن من ينـتقد ولو 5% من مسلك السلطة الفلسطينية كأنه يتخلى عن قضية فلسطين، عمليًّا سوريا كانت وما زالت تؤيد، وتساند الشعب الفلسطيني، ولا تستطيع أي قوة أن تدعي بأنها هي فقط تمثل الشعب الفلسطيني، هناك قوى حية في الشارع الفلسطيني سواء في الداخل أو في الخارج، ونحن معروف كم نتصل، ويتصلوا بنا إخواننا الفلسطينيون، يعني هي ليست مسألة سورية فلسطينية كما يحاول البعض أحيانًا على القنوات الفضائية أن يثيروا مشكلة بين سوريا وفلسطين، نحن ضد إثارة مشكلة، كل الفلسطينيين إخواننا، ولا نقبل إثارة مشكلة وإذا كان حديثي أنا سيفهم منه يجتزأ أو يستنتج منه بأننا نريد فتح معركة مع السلطة الفلسطينية أو مع الرئيس ياسر عرفات فهو مخطئ.

نحن لا نريد فتح معركة، وليس هذا هدفنا، هدفنا تنوير الرأي العام الفلسطيني أولاً والعربي ثانيًا، والإسلامي ثالثًا، والعالمي أخيرًا، نحن قدمنا تضحيات كبيرة، ومازلنا على استعداد لتقديم تضحيات من أجل القضية الفلسطينية، هذه نقطة.

ثانيًا: السيد (بدرخان) تساءل عن الثوابت، سوريا يمكن تدفع ثمنًا باهظًا من أجل تمسكها بهذه الثوابت، لا أجد مبررًا لإعادتها؛ لأنني الآن لست في جلسة مفاوضات..

غسَّان بن جدُّو [مقاطعًا]:

نعم..نعم، نحن ذكرناها.

فاروق الشرع:

تحدثنا عنها، وثالثًا: لا تناقض بين المقاومة والتفاوض إذا كان التفاوض -فعلاً- سلاح، إذا كان سلاحًا جدير بالاستخدام، أستخدمه عند الحاجة، وعندما يحقق الغرض، وإذا لم يحقق الغرض أتوقف عن التفاوض، أما عندما تصبح العملية التفاوضية عمليًّا لا نهاية لها تصبح بيد العدو، كما قلت لا يوجد تناقض؛ لأن عدم التفاوض..مثلاً نحن لا نتفاوض الآن لما نتفاوض منذ أشهر، لماذا؟ لكي نضع إسرائيل في الزاوية، ونقول: إن إسرائيل هي التي ترفض الانسحاب من خط الرابع من حزيران، فكيف أنا أتفاوض معها، وتستمر في هذا الرفض؟!

غسَّان بن جدُّو:

هل تعتقد -معالي الوزير- أن إسرائيل الآن في الزاوية؟

فاروق الشرع:

بالنسبة لسوريا نعم، وبالنسبة للبنان نعم، وأنا قلت قبل قليل: أن في لبنان خرجت إسرائيل مدحورة دون تفاوض، وفي فلسطين تتمسك بالتفاوض دون أي انسحاب، بدليل أن أجزاء في المائة لم تنسحب منها إسرائيل في المرحلة الانتقالية، فكيف تقفز إلى الوضع النهائي، وتنسحب من كل الأرض الفلسطينية المحتلة؟ يعني سؤال بسيط لا يحتاج إلى تعقيد لدى لا الصحفيين ولا السياسيين.

غسَّان بن جدُّو:

تساءل السيد بدرخان هل يمكن أن تستأنف سوريا مفاوضاتها مع إسرائيل قبل مجيء رئيس جديد أم لا؟

فاروق الشرع:

نحن نستأنف المفاوضات في ضوء الموقف الإسرائيلي، دون هذا الموقف لا يوجد تفاوض، هدفنا وخيارنا السلام هذا صحيح، أساسًا من الخطأ الذي ارتكبناه نحن كدول عربية في الماضي أننا لم نكن نتحدث عن السلام، وكانت إسرائيل تدعي بأنها تريد السلام خلال خمسين عامًا من قيامها، وكانت تحرج العرب في المحافل الدولية على أساس أن العرب دعاة حرب، وليسوا دعاة سلام، الآن لا يجوز -أنا برأيي- لأي دولة عربية أن تقول: أنا ضد السلام، لكن ليس أي سلام، وليس بأي ثمن، هناك حقوق يجب أن تستعاد، هناك أراضي محتلة يجب أن ترحل منها إسرائيل، هناك مستوطنات يجب أن تفك، ويخرج المستوطنون منها، يعني إذا كانت إسرائيل بدها تمارس عنجهيتها وقوتها وجبروتها على العرب فأي سلام هذا الذي يُتحدث عنه؟!

غسَّان بن جدُّو:

دفعنا السيد بدرخان إلى الدخول أو اقتحام -بلطف- الملف اللبناني الذي يـبدو ملفًّا لذيذًا لدى كثير من السوريـين واللبنانيين، ويـبدو أنه ملف فيه بعض المرارة لدى بعض اللبنانيين، قالب بوضوح السيد بدرخان، وأضيف عليه أن ملف العلاقات السورية اللبنانية أصبحت مسار جدل حتى في الانتخابات البرلمانية اللبنانية التي سنشهدها في نهاية هذا الشهر، وثمة دعوات الآن لتصويب العلاقة السورية-اللبنانية، في هذا العهد الشديد، كيف ترون العلاقة السورية اللبنانية؟ على أي قاطرة أو سكة حديد ستسير هذه القاطرة السورية اللبنانية؟

فاروق الشرع:

قبل قليل قلت -ولو أنني أكرر هذه العبارة كثيرًا- أن لبنان ليس ورقة بيد سوريا، ولا تريد سوريا أن يكون لبنان ورقة بيدها، وإذا كان في إصرار وتمسك باستخدام عبارة الورقة فأنا أقول: أن سوريا أيضًا ورقة بيد لبنان، وفعلاً لبنان تمكن من دحر قوات الاحتلال الإسرائيلي، بسبب صمود سوريا، وببسالة المقاومة وتضحيات الشعب اللبناني الذي تحمل كل هذه الأهوال، هذه نقطة.

النقطة الثانية: لو افترضنا جدلاً أن سوريا في لبنان ضد مصالح الشعب اللبناني الأساسية ما كانت لتبقى في لبنان قطعًا، صحيح توجد أصوات، أصوات فردية، كيف يمكن أن نعتبر أن هذه الأصوات تمثل كل الشعب اللبناني؟

غسَّان بن جدُّو [مقاطعًا]:

جزءًا من الشعب اللبناني.

فاروق الشرع:

تمثل جزء من الشعب اللبناني، ممكن..أنا لا أزعم خلاف ذلك، ولكن هذه العلاقات السورية-اللبنانية علاقات تاريخية، علاقات مصير واحد وثقافة واحدة، تاريخ مشترك..نحن الآن لا نريد، ولا نقبل أن نفرض شيئًا على لبنان، ولكن لا يكفي أن يدعي البعض بأن سوريا يجب أن تخرج من لبنان حتى تخرج، هناك حكومة، وهناك رئيس جمهورية، هناك برلمان لبناني عندما يقررون أن القوات السورية في لبنان لم يعد هناك ما يستدعي استمراره فسوريا بالتأكيد ستأخذ هذا الموقف بكل الاعتبار.

غسَّان بن جدُّو:

الآن -معالي الوزير- أشرت إلى نقطة أساسية قلت:نحن لا نتدخل في الشئون الداخلية للبنان، لكن بعض التحفظات داخل الساحة اللبنانية، حتى من بعض الأصوات الوطنية تقول: ما هو ظاهر أن العكس هو الصحيح، ربما خطأ في ممارسة السلطة اللبنانية، وربما خطأ في التفسير، لكن وكأن ثمة تدخلاً لا نتحدث الآن عن السياسة الخارجية، ولا نتحدث عن التنسيق اللبناني السوري فيما يتعلق بملف التسوية، نحن نتحدث -حتى- عن قرارات وسياسات داخل لبنان، وثمة من يقول: إنه على سوريا ألا تـتدخل كثيرًا في شؤوننا، وربما لا تـتدخل أصلاً في شؤوننا الداخلية.

فاروق الشرع:

ربما لا توجد متابعة حقيقية للعلاقات السورية اللبنانية، إذا افترضنا جدلاً أن التدخل السوري في لبنان كان بنسبة 50% في الماضي هو الآن لا يتجاوز نسبة 10%، ومع ذلك كأن هذه الـ 40% لا قيمة لها، أنا أعتقد، ويمثل لبنان رئيس له مكانة كبيرة في أعين السوريـين، الرئيس (إميل لحود) وتأكد تمامًا أنه يمارس السيادة والسلطة الكاملة في لبنان..إذا احتاج لمساعدة سوريا فهذا طبيعي أن تقدم سوريا المساعدة، لا تعتبر هذه المساعدة تدخلاً، لا استبعد أن هناك بعض الأفراد أو مجموعات قليلة تعتبر أن انتماءها للعرب خطأ، أو لا تنـتمي إلى الأمة العربية، وتعتبر نفسها أنها تنـتمي إلى الغرب أكثر مما تنـتمي إلى الشرق، هذه إشكالية في لبنان موجودة ، فلا يجوز أن تفرض نفسها علينا، ولا على الشعب اللبناني، لأن الغالبية الساحقة من الشعب اللبناني تؤمن بالمصير الواحد بين سوريا ولبنان، وتؤمن بانتمائها العربي، وانتمائها القومي.

غسَّان بن جدُّو:

ولكنها تطالب -أيضًا- بانسحاب القوات السورية بعد أن انسحبت القوات الإسرائيلية،

فاروق الشرع:

الغالبية العظمى من الشعب اللبناني؟

غسَّان بن جدُّو:

لا لا، هذه الأطراف التي نتحدث عنها؟

فاروق الشرع:

هذه الأطراف عندما تشكل غالبية نحن سنكون في مقدمة المرحبين بذلك.

غسَّان بن جدُّو:

نعم، لا شك -معالي الوزير- كما أشرت قبل قليل بأن سوريا ساعدت المفاوضة في لبنان بأشكال متعددة، سواء من خلال صمودها أو من خلال -حتى- وجود القوات السورية هناك في لبنان؛ لأننا نعلم جيدًا أن هذه القوات السورية دخلت حتى في مجابهات مع القوات الإسرائيلية في مرحلة من المراحل، وحتى سوريا قدمت آلاف من القتلى، ما هو تصوركم لمستقبل حزب الله؟ هل تعتقدون بأن مقومات المقاومة في لبنان ما تزال موجودة؟ على حزب الله أن يـبقى كما قائم الآن أم يتحول إلى شيء آخر؟

فاروق الشرع:

طرح السؤال بهذا الشكل طرح خاطئ، لأن أولاً: سوريا ليست هي التي تحرك حزب الله..

غسَّان بن جدُّو [مقاطعًا]:

لا، أنا أقول تصوركم..رأيكم.

فاروق الشرع [مكملاً]:

وثانيًا: حزب الله ليس مستأجرًا حتى يسرحه فلان أو فلان أو الدولة الفلانية عندما تنتهي مهمته، هم يقررون إذا كانوا بحاجة لأن يستمروا في حمل السلاح وهذه التضحية الكبيرة منهم، قدموا شهداء..يجب ألا ننسى ذلك، يجب ألا نتكلم كأجانب عن موضوع لبنان.

على كل حال هذا القرار لبناني، والقرار يتعلق بالمقاومة اللبنانية، وموقفنا من لبنان ومن المقاومة معروف ومعلن، ولا يحتاج إلى تفصيلات، أما إذا كنا نريد أن نلبي ما تطلبه دولة عظمى في هذا الصدد، لو طبقنا أو امتثلت سوريا لمثل هذه الأوامر لما كانت سوريا بمثل هذه الأهمية في المنطقة.

غسَّان بن جدُّو:

معنا الآن السيد رئيس صحيفة الرأي العام الأستاذ جاسم بودي، أستاذ جاسم بودي من الكويت تفضل لو سمحت.

جاسم بودي:

مساء الخير معالي الوزير.

فاروق الشرع:

مساء الخير.

جاسم بودي:

وأرجو أن يتسع صدركم لمداخلة قصيرة يعقبها سؤال، -معالي الوزير- سوريا من الدول القليلة التي استطاعت أن تزاوج بين المبادئ والمصالح، بل وظفت في أحيان كثيرة المصالح في خدمة المبادئ، وأكثر مكان برزت فيه هذه السياسة هي في العلاقة مع العراق، ونتذكر جميعًا كم تحملت سوريا من ممارسات النظام العراقي السلبية تجاهها، الشواهد كثيرة معالي الوزير، حملات التخوين ضد دمشق في حربي 67، و 73، وإنهاء ميثاق العمل القومي عام 78، على خلفية الاتهام بتدبير انقلاب، وما رافق ذلك من إعدامات طالت من أسماهم النظام العراقي آنذاك عملاء سوريا، ثم الحروب بالواسطة في الساحتين اللبنانية والفلسطينية، ومد كل خصوم سوريا بالمال والسلاح ناهيك عن التفجيرات داخل سوريا نفسها في السبعينات والثمانينات، والتي أثبتت التحقيقات صلة العراق بها، والحملة التي تجاوزت التصريحات السياسية عند اتخاذ دمشق موقفًا واضحًا من الحرب العراقية الإيرانية.

وحتى الأمس القريب -معالي الوزير- عندما أعلنت دمشق عام 97 فتح بعض المعابر الحدودية مع العراق لتخفيف العبء عن كاهل العراقيين، وهم أهل وإخوة ونعتقد أنهم أكثر من ابتلي وظلم بهذا النظام، في اليوم نفسه تحديدًا لإعلان فتح المعبر بثت وكالة الأنباء العراقية أن عُدَي نجل الرئيس العراقي-وكان مصابًا- استقبل أحد زعماء الإخوان المسلمين في سوريا وهو البيانوني الذي بايع صدام حسين قائدًا للأمة، وفى خضم الحملة الكبيرة التي كانت تقودها دمشق -معالي الوزير- احتجاجًا على استمرار الحصار على العراق بثت الفضائية العراقية برنامجًا اسمه سفر الأبطال، تحدث فيه معارضون سوريون في العراق وطه ياسين رمضان وكال الجميع سيلاً من الاتهامات لسوريا بأنها تقاعست في حرب تشرين، هذه الحملات وغيرها -معالي الوزير- لم تتوافق ودمشق تعرف أنها لن تتوافق، لكن سوريا -كما بدأت حديثي- تميزت بتغليب المبادئ على المصالح وهي لذلك تعمل وفق حساباتها، وتستثمر سياستها الانفتاحية الحالية على العراق من أجل علاقات مستقبلية أفضل مع الشعب العراقي بغض النظر عن نظامه.

في ظل ما تقدم-معالي الوزير-عندي سؤال من شقين:

الشق الأول: هل تـثق سوريا بالنظام العراقي الحالي، وهل تستطيعون الركون إلى نياته، وما رأيكم بتهديداته الأخيرة للمملكة العربية السعودية والكويت؟

الشق الثاني: كيف يمكن لسوريا أن توظف علاقاتها الآخذة في التحسن مع العراق لخدمة العراق والكويت والوضع العربي عمومًا، فتقنع بغداد بتطبيق قرارات مجلس الأمن وإطلاق الأسرى والمرتهنين الكويتيين وغيرهم، ونبذ خطاب الوعيد والشتائم والتحديد، تارة بسحب الاعتراف بالحدود، وتارة باستخدام القوة العسكرية؟ وشكرًا معالي الوزير.

فاروق الشرع:

شكرًا، شكرًا له، وقناة الجزيرة صدرها واسع ورحب.

غسَّان بن جدُّو:

وأنتم صدركم رحب وواسع.

فاروق الشرع:

جدًا،نحن كنا وما زلنا مع دولة الكويت الشقيقة وشعب الكويت، ووقفنا مع دولة الكويت وشعب الكويت في أشد اللحظات حرجًا وقساوة، في 2 آب 1990، وموقفنا معروف معلن في العالم أجمع الإخوة في الكويت يعلمون بهذا الموقف، الجامعة العربية تعلم بهذا الموقف، العراق قيادة وشعبًا يعلم بهذا الموقف، لكن إلى متى يستمر هذا الحصار على الشعب العراقي؟ ما علاقة معاقبة الشعب العراقي بحقوق الكويت؟

نحن مع حقوق دولة الكويت، ونعتبر بأن العراق أقدم على خطوة هامة عندما اعترف بالحدود التي رسمها مجلس الأمن بينه وبين..

غسَّان بن جدُّو [مقاطعًا]:

الكويت،

فاروق الشرع [مكملاً]:

الكويت، وهذه الخطوة هامة، ومع ذلك لم يحدث تطبيع بين الكويت والعراق، نحن نتمنى أن يحصل مثل هذا التطبيع؛ لأن استمرار الصراع بهذا الشكل، أنا أقول بكل بساطة، ولا تحتاج المسألة إلى فلسفة أو رؤية استراتيجية، ليس من مصلحة أشقائنا في الكويت استمرار هذا الخلاف أو الصراع أو النـزاع مع العراق، لأن المستقبل ليس في مصلحة الكويت إذا استمر هذا الصراع، وليس في مصلحة إخواننا في الخليج، يجب ألا ننسى أبدًا أننا عندما ندافع عن الكويت ندافع عن أمتنا العربية، وعندما نطالب برفع الحصار عن العراق أيضًا ندافع عن الأمة العربية، المسألة بسيطة لا تحتاج إلى تعقيد، ولا تحتاج إلى مزايدات، ولا تحتاج إلى سرد تواريخ، نحن نعرف كل هذا التاريخ المظلم الذي تحدث عنه الأخ الكويتي، ونشكره على ذلك، لكن أن نعيش في الماضي دون أن نرى المستقبل ومخاطر التحديات القادمة نكون لا نملك لا الرؤية ولا الصفاء القومي العربي الذي يؤهلنا لقيادة هذه الأمة.

غسَّان بن جدُّو:

هو سألكم ماذا يمكن أن تفعل سوريا للتقريب بين العراق وبقية الدول العربية الأخرى؟

فاروق الشرع:

نحن نختلف، صحيح في عام 97 انفتحت سوريا جزئيًّا على العراق، لكن هذا الانفتاح لم يكن إطلاقًا على حساب إخواننا في الخليج، ولم يكن أيضًا استهتارًا بقرارات مجلس الأمن، بالعكس تم ذلك كله في إطار علاقاتنا القوية مع إخواننا في دول مجلس التعاون الخليجي، وأيضًا في إطار مجلس الأمن أو قرارات مجلس الأمن، نحن نسعى ونتمنى طبعًا -وخاصة في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها كل المنطقة- أن تكون العلاقات الكويتية-العراقية، السورية-العراقية، السعودية-العراقية علاقات معقولة بالحدود الدنيا من الحفاظ على مسألة الوجود العربي، مسألة الكيان أو النظام العربي، ليس مطلوبًا أن يعانق بعضنا البعض كما يحصل أحيانًا، المطلوب أن يكون التفاهم بحدوده الدنيا والتضامن أن يكون له معنى ومغزى، وأن يكون الالتزام بيننا التزامًا حقيقيًّا، نحن لم نتخلَّ عن التزاماتنا إطلاقًا مع إخواننا في دول مجلس التعاون الخليجي، ولا أريد أن أفتح الباب واسعًا أمام القول بأن هناك التزامات لم يتم الوفاء بها.

غسَّان بن جدُّو:

هل نستطيع أن نفهم؟ هل هذا جزء من سياستكم تجاه الخليج؟ هل هو مرتبط بإعلان دمشق؟ ما هو بالتحديد؟

فاروق الشرع:

مرتبط بمصالح الدول العربية كلها.

غسَّان بن جدُّو:

طيب إلى أي حد سوريا مستعدة لتطوير علاقاتها مع العراق؟ يعني ما هي شروط تطبيع كامل للعلاقات بين دمشق وبغداد؟

فاروق الشرع:

بمقدار ما يخدم ذلك مصالح الدول العربية كلها، وفي المقدمة إخواننا في دول مجلس التعاون الخليجي؛ لأنه تربطنا بهم علاقات جيدة وودية ومتطورة، ونأمل أن تـتعمق أكثر، نحن أبلغنا، قمنا بإبلاغ واضح وصريح للمسئولين العراقيين بأننا لا يمكن أن نقيم علاقة مع القيادة العراقية على حساب علاقتنا القوية مع دول الخليج، وكانوا متفهمين لذلك، وكانوا متفهمين -أيضًا- إلى احترامنا لقرارات مجلس الأمن، لكن قرارات مجلس الأمن لا تفرض معاقبة الشعب العراقي، لا يوجد نص في قرار مجلس الأمن يقول يجب أن يُعاقب الشعب العراقي بصرف النظر عن من هو المسؤول لأننا يجب أن نتطلع إلى المستقبل.

غسَّان بن جدُّو:

في إطار علاقاتكم مع دول الخليج واضح أن علاقاتكم مع المملكة العربية السعودية متقدمة ومتطورة، وأنتم ستزورون -بحسب ما سمعنا- القاهرة والرياض قريبًا جدًّا ربما خلال يومين المقبلين، هذا التنسيق المتحول، هذا التنسيق غير المنظم بين القاهرة والرياض ودمشق هل يمكن أن يتطور إلى -لا أقول محورًا ولا أقول تكتلاً- ولكن إلى منظومة لتنسيق دائم كجزء من المنظومة العربية في غياب -على الأقل- قمة عربية؟

فاروق الشرع:

نحن لسنا مع محاور، ولسنا مع تكتلات تخلق حساسيات، لكن بالتأكيد دمشق-الرياض-القاهرة، إذا سميناه محور فهو محور هام، وهو ليس لصالح فقط سوريا والسعودية ومصر، هو لصالح كل العرب، لصالح استقرار وأمن المنطقة، لصالح إقامة سلام حقيقي عادل وشامل في الشرق الأوسط، إذا كان هذا الثلاثي قدم أو إذا استطاع أن يقدم مزيدًا من التضامن العربي، مزيدًا من التفعيل للعمل العربي المشترك، مزيدًا من حل مشكلة العراق، مشكلة العراق مع نفسه، ومع جيرانه، نكون قد قدمنا إنجازًا كبيرًا، وأنا أعتقد أن هذا الإنجاز مطلوب عربيًّا.

غسَّان بن جدُّو:

نعم لسوريا -أيضًا- علاقات واضحة مع دول الجوار ثمة قطبان -لو صح التعبير- في المنطقة علاقات سوريا معها ليست متناغمتان، متناغمتين، الأولى مع إيران والثانية مع تركيا.

هل أن ما نسمعه دائمًا من علاقات استراتيجية بين إيران وسوريا سيستمر مع الدكتور بشار الأسد وإيران الراهنة أم أن المتقلبات، المصالح، لست أدري ماذا يمكن أن يتحول هذا الأمر إلى شيء آخر؟

فاروق الشرع:

بالتأكيد ستستمر العلاقات قوية مع إيران كما كانت، وربما تتطور أكثر، لأن سوريا لا يمكن أن تفرط بعلاقة بنـتها في ظروف صعبة جدًّا، وأعطت نتائج إيجابية ليس لمصلحة سوريا فقط، وإنما لمصلحة العرب عمومًا حتى إخواننا في الخليج الذين كان لهم موقفًا سلبيًا -في مرحلة ما- من الجمهورية الإسلامية الإيرانية أصبحوا الآن يقولون بأن موقف سوريا هو الذي كان موقفًا صحيحًا، ويعتذرون حتى عن الفترة السابقة التي أظهروا شيئًا من العداء للثورة الإسلامية في إيران، أنا -كوزير خارجية لسوريا- أنصح أي دولة عربية أن تقيم علاقات جيدة مع إيران، هو في مصلحتها، لأن هذه العلاقة في مصلحة العرب، وفي مصلحة أية دولة عربية تقيم هذه العلاقة.

بالنسبة لتركيا، تركيا بلد جار مسلم، كلما تعززت الثقافة الإسلامية في تركيا تصبح تركيا أقرب لنا، وكلما ساهمنا نحن في علاقات ثنائية متطورة مع تركيا نبعدها عن إسرائيل، وهذا موقف يعني مبدئي لا يحتاج إلى كثير من التنظير، طبعًا تركيا لها سياستها المعروفة وتوجهاتها المعروفة، ونحن لنا سياساتنا المعروفة وتوجهاتنا المعروفة، إذا كانت هناك في نقاط مشتركة بيننا وبينهم سنعزز هذه النقاط، سنـزيد من تعميقها، لأن المصالح مهمة أيضًا أرضية الناس واحدة، في تركيا شعب، لا أعتقد أنه يُكِن العداء بشكل مجاني للعرب، إذا كان هناك من يكن مثل هذا العداء للعرب فلأسباب معروفة بدأت في مطلع القرن العشرين، وحصل فيها غسل دماغ لكثير من المواطنين الأتراك، لكن إذا استبعدت عملية الغسل في مرحلة من المراحل أنا أعتقد أن العلاقات العربية-التركية ستعود شيئًا فشيئًا إلى صفائها.

غسَّان بن جدُّو:

سؤالي الأخير -معالي الوزير- يتعلق بروسيا، لا شك أن روسيا دولة كبرى، وكانت راعية في عملية السلام ومع مجيء (بوتين) سمعنا على لسان وزير خارجيته بأن ثمة نهجًا جديدًا، سياسة خارجية جديدة، توجهات جديدة، بعد هذه الأشهر، هل لمستم تغيرًا في نهج السياسة الخارجية الروسية تجاه، من جهة مزيد من التقارب مع المنطقة العربية أو بالعكس يعني لا تزال السياسة الخارجية الروسية بوصلتها هي الولايات المتحدة الأمريكية والغرب بالتحديد؟

فاروق الشرع:

إذا تحدثنا باختصار شديد عن المصالح العربية الروسية أو عن الجغرافيا السياسية بالنسبة لروسيا والعرب فهناك نقاط هامة جدًّا يمكن أن يُتفق عليها بين روسيا -بصرف النظر عمن يحكمها- وبين العرب -بصرف النظر عن الأنظمة العربية التي تقوم بهذه العلاقة- هناك جغرافيا سياسية منذ أيام القياصرة أملت بعض المصالح والعلاقات مع الدول العربية، ولا ننسى أن في التاريخ المعاصر المملكة العربية السعودية كانت من أوائل الدول العربية التي اعترفت بالاتحاد السوفيتي السابق، وأقامت علاقات دبلوماسية معه.

غسَّان بن جدُّو:

على كل حال شكرًا لك -معالي الوزير- على هذه المقابلة الطيبة، ولكن أود أن ألخص بكلمات معالي الوزير السوري فاروق الشرع أكد بوضوح ردًّا على تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي (إيهود باراك) بأنه إذا تقدمت إسرائيل خطوة إيجابية فإن سوريا أيضًا ستبادلها بخطوة إيجابية، ولكنه شدد على أن السياسة الخارجية السورية فيما يتعلق بملف التسوية لا يزال قائمًا على ثوابت، على إسرائيل أن تعترف بانسحابها إلى خطوط ما وراء الرابع من حزيران، وعندما تعترف بهذه الأمور فإن كل شيء جائز.

فيما يتعلق بالملف الفلسطيني السيد فاروق الشرع يؤكد بأنه لا مشكلة أساسية، ولا أصلية مع السيد ياسر عرفات، ولا مع السلطة الوطنية الفلسطينية، ولكنه يطالب بمزيد من الثقة المتبادلة بين الطرفين وبالمصداقية.

السيد فاروق الشرع يؤكد بأن الثوابت الأساسية في السياسة الخارجية السورية لا تزال قائمة سواء في العهد السابق أو في هذا العهد، وإن كانت المتغيرات ستقتصر على الأسلوب والأداء.

السيد فاروق الشرع يؤكد على أن الأمة العربية أن تـتوجه إلى مصالح الشعب العراقي ورفع الحصار عن الشعب العراقي حتى وإن بقيت الخلافات بين الأنظمة، وهو يعير اهتمامًا لعلاقاته مع الدول الخليجية، ويؤكد على محورية وأهمية العلاقات، التنسيق الثلاثي بين سوريا ومصر والسعودية، ويؤكد على العلاقات الاستراتيجية القائمة، والتي ستستمر بين إيران وسوريا.

شكرًا لكم مشاهدينا المحترمين على حسن المتابعة، وإلى لقاء خاص آخر بإذن الله، في أمان الله، شكرًا لكم معالي الوزير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة