فتحي المصري وعواطف ضاحي   
الاثنين 1430/3/6 هـ - الموافق 2/3/2009 م (آخر تحديث) الساعة 17:07 (مكة المكرمة)، 14:07 (غرينتش)

- درس في الاندماج والتعايش
- جسور التواصل في مواجهة الغربة

 

درس في الاندماج والتعايش

فتحي المصري
عواطف ضاحي
المعلق:
إنه درس مهم لنا ولهم، فتحي المصري فلسطيني مسلم من أرض الزيتون والبرتقال يعمل مربيا للماشية في الدانمارك القصية الباردة وأولاده الثلاثة بشبابهم الغض فلسطينيون دنماركيون ويتكلمون اللغتين العربية والدانماركية بطلاقة كأمهم عواطف التي تنحدر من أب سوري مسيحي وأم دنماركية وتعلّم العربية في جامعة كوبنهاغن. هذا الامتزاج الكثيف الناجح يجعل حكاية هذه الأسرة درسا كاشفا لتصحيح المفاهيم مقدما لهواة تنميط الناس بحسب جنسياتهم أو أعراقهم أو أديانهم، فهذا الرجل الذي يطارد الأبقار الدانماركية المزهوة بنفسها راكبا جراره الأصفر الصغير في مزرعته الخاصة هو من مواليد المنافي، لم يطأ أرض وطنه فلسطين من قبل، ناضل شابا مع مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية حتى طرده الاجتياح الإسرائيلي ثانية ومن لبنان هذه المرة فلجأ إلى الدانمارك قبل ربع قرن والحب وحده مع رفيقة عمره أنقذه ومنحه الحاضر الجديد.

فتحي المصري: صار لي 25 سنة جيت على الدانمارك يعني إجيت فعلا من وضع كان ميؤوسا منه ما في.. كنت بأحمل بس أمل، الحقيبة ما بعرف شو كان محتواها ولكن كان الحظ يمكن لعب دورا أن تعرفت على زوجتي خلال فترة بسيطة من اللي كنت فيها موجود في الدانمارك وتزوجنا، كمان أشهر بسيطة بيكون صار لنا 25 سنة متزوجين، وأسسنا أسرة من ثلاثة أولاد عادل وخليل وسهيل وحاليا منعيش في مزرعتنا اللي حطينا جهد كثير كبير فيها علشان نقدر نرممها ونحدثها ونخليها منتجة بشكل جيد. حياتنا كانت طبعا في البداية ما كانت سهلة، إنسان جاي بشكل مهاجر على البلد هذه ما كان أبدا سهل بس بمساعدة زوجتي ودعمها طبعا لي ودعمي أنا لها قدرنا نؤسس أسرة فعلا متينة وقوية الحمد لله. واليوم طبعا أنا بالنسبة لي أكثر وقتي بأشتغل بالمزرعة ننتج لحم عجول وإن شاء الله الخطة منها أن نقدر نوصل لإنتاج حوالي 25 طن من اللحوم سنويا في المزرعة. هي طبعا البداية كانت كثير صعبة خاصة بين الفترة اللي تعرفت فيها أو قبل ما أتعرف فيها على زوجتي علشان كان شرط بأن أبقى في البلد هذه وأشق طريقي يعني حياة مستقرة أنه لازم إقامة لازم شغل بس كان هذا مستحيلا بدون أن يكون في زواج يعني.

عواطف ضاحي: أنا من عيلة سورية دنماركية بحيث أن والدتي أو أمي دنماركية وأبي سوري ونحن شوي بعكس العائلات الموجودة هون أمي كانت اشتغلت في المستشفى الدانماركي بسوريا هي صيدلانية وهناك تعرفت على أبي وعلى عيلة أبي وتزوجوا بالدانمارك بس رجعوا استقروا بالشام وتقريبا صاروا يعيشوا كعيلة سورية عادية يعني بقلب الشام. بالـ 1959 كانت خلقانة أختي وأجوا لهون وخلقت أنا فطبعا والدي كمان مسيحي وهم كمسيحية بسوريا يعني هم دائما بيفضلوا أن المسيحي يتزوج من مسيحية والمسيحية من مسيحي طبعا يعني وفي دائما إذا كان المسيحي بده يتزوج من مسلم بيصير في معارضة بالموضوع وهذا يعني اللي صار لما نحن جينا نتزوج.

فتحي المصري: وطبعا عارض أبوها على مسألة الزواج يعني لدرجة وصلت فيه أنه بلغ الشرطة، وطبعا يوم الزواج اليوم المقرر لأن نطلع نكتب كتابنا في بلدية كوبنهاغن إجت الشرطة ودقت الباب عند صديق كنت مقيما عنده وقالت لي أنت لازم نحقق معك على أساس أنه بدك تخطف البنت، قلت لهم هذا الحكي مش صحيح، طبعا كان في وجود مترجم علشان ما بأعرف وقتها أحكي باللغة الدانماركية، المهم تحققوا من الأوراق وكان قال بدنا نتأكد من السفارة إذا كان أوراقك الثبوتية هذه رسمية يعني وفعلا أخذتني الشرطة على السفارة وتحققوا من الأوراق أنها سليمة 100% بقى ما كان عندهم أي شغل يمنعوني من الزواج وفعلا كانوا كثير حتى كرماء معي أنه وصلني لمبنى البلدية وكانت عواطف حاملة باقة الورد وبتستنى.

عواطف ضاحي: طبعا بالفترة نفسها أحيانا الإنسان بيكون بوعي كثير غريب وبإحساس أن اللي بيعمله صح هو الصح يعني يمكن أيام كمان بيكون في إحساس أنه هو اللي بيعمله غلط بس أنا يوم اللي أخذت القرار بيني وبين نفسي بالزواج من فتحي وأنا بأتذكر يومها بشكل واضح عندي إحساس صافي جدا أن هذا القرار مظبوط وما عندي إيمان بالنصيب وما نصيب كنت يعني يمكن بعدين صار في إيمان بالنصيب بس في شيء حسسني أن هذا الشخص صار عندي ارتباط قوي فيه ولازم نبقى مع بعض فمعها يعني حسيت أن القرار هذا مظبوط. أنا طبعا دارستي الأولى هي اللغة العربية وتغلبت كثير لما تعلمت اللغة أخذت مني وقت منيح حتى يعني قدرت ألفظ شوي وطبعا من بعد ما تزوجنا وجبنا أولاد كنت مصرة أن أحكي عربي مع الأولاد حتى ما يتغلبوا مثلي ويمكن كان سهلا لأنه أصلا أنا وفتحي منحكي عربي مع بعض فجوه أو لغة البيت هي اللغة العربية وهي اللغة اللي منتفاهم فيها بشكل كثير ممتاز يعني فنقلنا اللغة هذه للأولاد وثلاثتهم حكيت معهم عربي وظلت اللغة لغتي معهم هي العربية لغاية لما كنا بالأردن.

فتحي المصري: بعد ما طلعت من لبنان وجيت على الدانمارك كان دائما حلم العودة ولم الشمل مع الأهل وفلسطين موجود في ذهني وطبعا بيلعب دورا كبيرا فيه هي الناحية الإنسانية مسألة الحرمان من العائلة من الأسرة الواحدة من البيت الواحد، طبعا الهجرة هذه بتكبر يعني بيصير الحلم يكبر مع السنوات اللي بتمر وطبعا لما بيكون إنسان عايش بغربة وحرمان من أنه يقدر يتواصل مع الأهل بحكم أنه ما عندي جواز سفر بيخولني دخول الأردن طبعا ظل الحلم يكبر ومع  الوقت لما قدرت أحصل على جنسية دنماركية أخذنا قرارا بأن نرجع على الأردن ولو أن الأردن أنا ما ولدتش فيها أنا من مواليد لبنان ولكن الظروف خلت أهلي يكونوا موجودين في عمان، جهزنا سيارة وعملنا الرحلة بحيث أن تكون رحلة العودة واجتمعنا مع الأهل وسكنا سنة وكانت الظروف يعني من الناحية الإنسانية وناحية أن الأولاد تعلموا عربي وتواصلوا مع أبي وأمي جيدة بس كنا بأتصور تسرعنا شوي في العودة على أساس ما كنا مهيئين ظروف العمل العملية يعني والمادية لأن نقدر نعمل نستمر بحياتنا في عمان، ولكن كانت تجربة تعلمنا منها وقدرت يعني من ناحية أن مش دائما الحلم بيقدر يحوله الإنسان لحقيقة ومش دائما الإنسان بيكون هو صاحب قرار نفسه بعد ما يؤسس أسرة وعائلة وبكون لهم مستقبل بيكون طبعا مرتبطا تماما مع اللي بيحيطوا حوله بالنسبة لأسرته وأولاده.

[فاصل إعلاني]

جسور التواصل في مواجهة الغربة

المعلق: يسهل جدا أن نتحدث نحن العرب عن إنعزال الدانمارك في الماضي بل عن تعاليها عن الثقافات واللغات المغايرة القصية كاللغة العربية، ولكن الحال تغير الآن بعد الاهتمام الكثيف منذ نهايات القرن الماضي بتدريس اللغة العربية وآدابها في جامعة العاصمة كوبنهاغن ليكون السؤال العكسي هو المطروح حاليا فكم من جامعة عربية تهتم بتدريس اللغة والأدب الدانماركيين؟ الدكتورة عواطف أو الجون داهي بحسب اسمها الدانماركي لديها وعي عميق بالإمكانية الكبيرة للربط بين الثقافتين فهي نفسها تجمع بينهما في داخلها وعلى لسانها جمعا لا انشقاق فيه ولا صراع وهي تنقل وعيها ذاك لطلابها الدانماركيين الذين يتعلمون العربية على يديها بمنهج شاركت هي في اتباعه وهي تزهو لا بأنها ترجمت نجيب محفوظ ومحمود درويش إلى الدانماركية بل لأن تلميذتين لها انتهيتا من ترجمة روايتين إلى الدانماركية عن العربية مباشرة ستنشران قريبا.

إتقان اللغة العربية فتح لي مجالات كثيرة للعمل خاصة بعد دخول أعداد كبير من اللاجئين إلى الدانمارك

عواطف ضاحي:
على صعيد الشغل إتقان اللغة العربية فتح لي مجالات كثيرة بالشغل وصاقب أن الفترة هذه آخر خمس سنين من الثمانينات أجت أفواج كبيرة من اللاجئين على الدانمارك أجت أفواج من الفلسطينيين من لبنان وبعدين من الخليج وأجت أفواج كثيرة من العراقيين، فبالفترة هذه يعني كبر مجال الترجمة، مثلا كنت كثير بأترجم شفهيا وكتابيا نشرات إعلامات إلى آخره وبعدين صرت أنا أدرس الترجمة للمترجمين اللي بيشتغلوا بالترجمة بالدانمارك هذه كانت خبرة كثير ممتازة وبعد ما أنهيت أطروحتي ودافعت عنها بلشت التدريس بالجامعة. الحقيقة بالتدريس بالجامعة بدأت فيه بشكل جدي بسنة 1999 كنا نستخدم مناهج قديمة وحديثة بس كنا بالإنجليزي أو بالألماني كنا نحتاج إلى منهاج باللغة الدانماركية وكان عنا إدارة كثير متفهمة وساعدتنا الإدارة على أن نبدأ نشتغل بمنهاج للغة العربية فأنا وزميلتي أولابغين عملنا منهاج أول شيء للسنة الأولى منهاج طبعا مؤسس على الإنترنت بس عملنا يعني كل سنة منطبع صفحات الإنترنت وهي الجزء الأول من تعليم اللغة العربية سنة أولى، توسع يعني الشغل على المناهج اللغوية فعملنا للسنة ثانية مناهج للمهارات اللغوية والمهارات اللغوية هي أربع طبعا الكلام والسمع والكتابة والقراءة وقد يعني عملنا في مراحل متتالية مناهج بحيث أن كل سنة تقوى المهارات اللغوية وأنا في تقديري يعني عملنا حسنا قدرنا نحسن منهاج تعليم اللغة العربية بجامعة كوبنهاغن لأنه صرنا ندرس باللغة الدانماركية فهذا كان تقدما كثيرا برأيي، وإضافة إلى المهارات اللغوية عملت منهاج للهجة الشامية وزميلتي عملت منهاج باللهجة المصرية وهاتان اللهجتان الأساسيتان اللي مندرسها هون بالجامعة وعملت منهاج للترجمة من الدانماركية للعربية لأنه عندي خبرة كثير كبيرة بالترجمة إن كانت شفهية أو كانت كتابية قدرت يعني أعمل منهاج لهذا الموضوع والحمد لله يعني بأتصور أنه قدرنا نحسن تعليم اللغة العربية بجامعة كوبنهاغن.

ماس حولم/ طالب دنماركي: الحمد لله عندنا أستاذة جون داهي هنا في جامعة كوبنهاغن علشان هي المهمة بالنسبة لي أنه أنا قادر أن أتكلم أو أعمل جملة باللغة العربية علشان أنا أتعلم المنهاج منها. والعلاقة بين الطالب والأستاذة جون داهي دي علاقة زي بين مش يعني بين صديقتين بين صاحب وصاحب بس علشان هي تقدر أنه تتكلم اللغة العربية الفصحى 100% وأنا متأكد أنه إذا ما كانش في جون داهي هنا في جامعة كوبنهاغن والله أنا ما كنتش قادر أن أكون هنا النهادره وأتكلم معكم. أنا ساكن في منطقة في الدانمارك اللي فيها مهاجرون كثير من أصل عربي والنهارده ما فيش مشكلة يعني ما عندي مشكلة أن أتكلم معهم، أنا بأعمل خطأ على طول بس هم بيفهموا وأنا بأفهم يعني 50% وده أحسن من 10% وإن شاء الله بعد خمس سنوات أنا قادر أن أفهم وأتكلم ويعني ممكن إن شاء الله أنا أصبح مترجما.

المعلق: الإقبال الملموس من الشباب الدانماركي على تعلم اللغة العربية يشير إلى الطريقة البارعة التي درب أهل هذا البلد الصغير أنفسهم على التفاعل بها مع الأحداث الكبرى في تاريخهم المعاصر كأزمة الرسوم المسيئة مثلا، إنها تدفعهم للمزيد من المعرفة طريقا وحيدا لحل المشكلات وعدم تكرار الأخطاء. ولعل الحضور الدانماركي الكثيف المتعاطف لأمسية تأبين الشاعر الملهم محمود درويش في كوبنهاغن التي شاركت عواطف في تنظيمها يؤكد لنا إمكانية أن نربح قلب هذه المملكة إذا ما أنشأنا الجسر الملائم للعبور إليهم. وهذه الأسرة الجميلة التي تمتلك روحنا وروح الدانمارك في وقت معا منذ وحد الحب بين عواطف وفتحي قبل ربع قرن في مغامرة رومانسية تشبه أفلام السينما لم تكف لحظة يوما عن القيام بدور هذا الجسر بين العرب والدانماركيين.

فتحي المصري: طبعا ما كانت مغادرة بيروت سهلة بالنسبة لي وكانت يمكن أصعب مرحلة مريت فيها بحياتي على أساس البلد اللي عشت فيها والبلد اللي عشقتها وتكونت عندي تكونت شخصيتي في بيروت رغم كل المعاناة اللي حملتها ولكن كانت مدينة يعني تعشق بيروت كان طبعا كان لازم تمر فترة طويلة حتى أقدر أستوعب وأصدق أني تركت لبنان بشكل عام وبيروت بشكل خاص، وفي آخر السنوات صرت أحب كثيرا أستعيد الذاكرة ولقيت الوقت الكافي أن أعبر أو أفرغ ذاكرتي على دفتر أو على صفحات بيضاء أعبئها بشكل المشاعر بشكل نثري أو شعر أو حتى قصة، بأحاول أطبع الذاكرة اللي اكتسبتها والذاكرة الموروثة بصفحات على أساس يكونوا جزء من قصة أنقلها على الأقل لأولادي والبعض اللي ممكن يستفيد من التجربة اللي مريت بها.

عواطف ضاحي: يعني لما يتحد مصيرك مع إنسان فلسطيني بدك تضطر تتعايش مع الواقع اللي هو بيعيشه، هي مانها مسألة تنازل بس مسألة أنه يمكن تمرق بحياتك بأشياء ما تقدر تخطط لها فيعني بدك تضطر أنه -كيف بدي أقول لك- أنه بأي لحظة تكون مستعدا أن تترك أعزاءك تترك أغراضك تترك البيئة اللي أنت متعود عليها مشان الضرورة يعني شو ما كانت طبيعة الضرورة هي هي هيك لأنه ما في وطن ما في شيء ثابت، بدك دائما أنت تكون موجود حتى تكون جزء من الواقع، الوطن اللي هو الواقع اللي أنت عايشه مع هذا الشخص فبالتالي بتصير منهم وفيهم يعني ما في اختيار، إذا ما بيصير هيك يعني ما بيمشي الحال.

من الصعب أن يعيش الإنسان لاجئا ووطنه مسروق حتى لو كان استقراره في البلد الثاني

فتحي المصري:
طبعا مش سهل أن الإنسان لما يطلع من بلد يكون لاجئ ووطنه مسروق منه ويعيش في بلد ثانية وحتى لو فيها استقرار وطبعا عنده شكّل أسرة وحياتهم سعيدة ومستقرة ولكن بيضل في بداخلنا فلسطين وطن بيسكننا وما بأتصور أن حننساه مهما كانت حياتنا هون سعيدة.

أنا.. أنا لون الهزيمة

أنا الذي رفض رداءها

أنا لقيط هذا الزمن العار

أنا النعش المحمول

ولا أدري بأي أرض أنام

أنا مرآة هذه المأساة

طال الانتظار

رُحلت بعيدا عن كل الديار

حملت ذاكرتي

انهارت تحتها قدماي

لا تسألوا اسمي أين ينام

فأنا في كل الأماكن معار

أنا المسلوب منذ رحم الإنسان

ولدت هكذا بلا عنوان

أنا رافض الهزيمة

أنا الضاد

أنا العنوان

أجوب المنافي كل المنافي

أزرع الأبناء ويزرعون الأحفاد

ويكبر المنفى والوطن

وتكبر الأسماء

سننام جميعا يوما في نفس المكان

ولن تمر المرآة هكذا

مرور الكرام.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة