أمراء الدعاية في بريطانيا   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

ناصر البدري

ضيوف الحلقة:

برنارد أنغهم: المستشار الإعلامي السابق لرئيسة الوزراء مارغريت تاتشر
لانس برايس: المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء توني بلير
كلير شورت: وزيرة التنمية الدولية سابقاً
أليستر كامبل: مدير الاتصالات بمكتب رئيس الوزراء توني بلير سابقاً
وآخرون

تاريخ الحلقة:

06/05/2004

- دور أمراء الدعاية في الحكومات البريطانية
- أليستر كامبل أمير أمراء الدعاية
- الحكومة البريطانية وحرب العراق

ناصر البدري: توني بلير رئيس الوزراء البريطاني أثناء الاحتفالات بالانتصار الساحق الذي حققه حزب العمال الجديد في انتخابات عام 1997 على حساب حزب المحافظين هذه اللحظة الغامرة بالفرحة تحققت بفضل الدور المحوري الذي لعبه أمراء الدعاية في حزب العمال الجديد في تحويل الحزب إلى عملاق سياسي لا يقهر، لكن بعد سبعة أعوام من ذلك حدث هذا.. ثم حدث هذا.. وهذا.. كيف وصل بلير إلى هذا الدرك من انعدام الثقة في حكومته بل وفي المسار السياسي بشكل عام؟ وهل يتحمل أمراء دعايته المسؤولية كاملة أم أن العبء يقع على بلير أولا وأخرا؟ ومن هم هؤلاء الأمراء؟ وهل هم حقا متنفذون إلى الحد الذي يدعي بعض خصومهم؟

دور أمراء الدعاية في الحكومات البريطانية

برنارد أنغهم: السياسيون في مختلف أنحاء العالم يحرصون دائما على تقديم أفضل صورة لهم وأنا لا أرى أي عيب في ذلك طالما أنه لا يحرف الوقائع ولا يمطت الحقائق لدرجة لا يصدقها أحد لكن (Spin) أو أسلوب أمراء الدعاية هو لَيُّ الحقائق وتحويلها إلى ما يشبه الأساطير إنه أسلوب طي الحقائق لتقديم صورة أفضل إنه تأويل محرف للإحصاءات والتلاعب بالوقت وخلق قصص إخبارية لصرف الانتباه عن القضايا الصعبة.

لانس برايس: مصطلح (Spin) هو تشبيه مقتبس من عالم الرياضة ومن الألعاب مثل البيسبول في الولايات المتحدة حيث بدأ أولا فأنت تحاول تحويل اتجاه الكرة حيث ترغب مثل ذلك في عالم الأخبار وهو إذا ظهرت قصة إخبارية فأنت تحاول توجيه تلك القصة الخبرية لخدمة مصالحك والحزب الذي تمثله والسياسيون يمارسون ذلك منذ أجيال عدة غير أن حزب العمال الجديد طور تلك الأساليب والتقنيات خاصة من قبل اليستر كامبل وبيتر ماندلسون والسياسيين الذين عملوا معهما مثل توني بلير وغوردون براون وتحولت إلى جهاز اتصالات شديد الفاعلية والانضباط.

نيكلوس جونز- خبير وصاحب مؤلفات عدة في الدعاية: الفرق بين موظف إعلامي يتقاضى راتبا من الدولة في بريطانيا وبين أمراء الدعاية هو أن موظف الإعلام يعتقد بضرورة تقديم المعلومات بالتساوي لكل وسائل الإعلام وفي نفس الوقت أما (Spin Doctors) أو أمراء الدعاية فهم ينتقون وسائل الإعلام التي يفضلها ويعطيها المعلومات، أولا اعتقادا منهم أنها ستنشرها بما يحقق مصالحهم أيضا فإن أمراء الدعاية هم أولئك الذين يفهمون طريقة عمل وسائل الإعلام وتفكير الصحفيين فإذا أدركت حاجة الصحفيين فعندئذ تستطيع إطعامهم ما يحتاجونه فإذا نظرنا مثلا إلى أمير أمراء الدعاية اليستر كامبل خاصة أثناء عمله لصالح حلف الناتو أثناء الحرب على يوغوسلافيا ويسلي كلارك رئيس قوات الناتو قال عندها عندما تخوض حربا يجب أن تقول الحقيقة ولكنك تحتاج إلى أشخاص أذكياء يوضحون لك أي جزء من الحقيقة تقول.

ناصر البدري: بل إن بعض منتقدي أمراء الدعاية أو ما يعرف بريطانيا بـ (Spin Doctors) يعتبرونهم ظاهرة اجتماعية واقتصادية شاملة يصل نفوذهم إلى مختلف جوانب الحياة.

توني بن– وزير سابق بحكومة حزب العمال ما بين 1960– 1970: أمراء الدعاية هم قساوسة الرأسمالية الحديثة هناك حاخامات في إسرائيل والملال في العالم الإسلامي وقساوسة في الكنيسة الكاثوليكية لكن قساوسة رأس المال العالمي هم أمراء الدعاية وهم يديرون العالم ويسيطرون على عقلك والتحكم في عقول الناس هو سر كل الديكتاتوريات ويتعين عليك أن تنصت للناس لا أن تحاول التحكم في أفكارهم وعقولهم.

ناصر البدري: السير برنارد أنغهم عمل أحد عشر عاما كمستشار إعلامي لرئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر وصف خلالها بأنه أمير أمراء الدعاية.

برنارد أنغهم: بكل تأكيد عملت على عرض وجهة النظر الحكومية مهما كانت لكن كنت ملتزما بالحياد ويتعين علي ألا أكذب أو أضلل الآخرين عن علم ودراية، في بعض الأحيان الأشخاص الذين كانوا يعطونني المعلومات لم يكونوا يدركون أهمية قول الحقيقة وإذا حدث وأن أخطأنا يجب أن نُصوب الأمر في أسرع الوقت ممكن كما يجب أن نحترم سلطة البرلمان ولابد من تقديم المعلومات للصحفيين بالتساوي وفي نفس الوقت وبكل حرية حال توفرها.

ناصر البدري: أثناء ولاية تاتشر التي امتدت أحد عشر عاما أسهم أنغهم في تسويق سياسات خصخصة المرافق والشركات العامة واستطاعت المرأة الحديدية كما وصفها البعض بمساعدة أنغهم اجتياز أزمات خطيرة كادت تطيح بحكومتها أهم تلك الأزمات التي واجهتها تاتشر بدأت بسلسلة الإضرابات العمالية أو ما عُرِف بخريف الغضب ثم تبعتها حرب الفوكلاند وانتهاء بضريبة الـ (Full Tax).


برنارد أنغهم: إن مارغريت تاتشر لم تكن مهتمة بتسويق سياساتها للصحفيين لكنها تعرف كيف تعرض وجهة نظرها بنجاح

برنارد أنغهم : الواقع أن مارغريت تاتشر لم تكن مهتمة بتسويق سياساتها أو بالصحفيين لكنها تعرف كيف تعرض وجهة نظرها وكنت أُقدم لها النصح كلما طلبت ذلك غير أنها كانت تقدم سياساتها بالسليقة وبكل نجاح.

ناصر البدري: انتصار المحافظين بزعامة تاتشر ثم جون ميجور في أربع دورات انتخابية تحقق على حساب حزب العمال الذي أوشكت الصراعات الداخلية بين التقليديين والإصلاحيين على تمزيقه لكن في منتصف الثمانينيات برز جيل جديد من القيادات الشابة في الحزب من أمثال توني بلير وغوردن براون وبيتر ماندلسون واليستر كامبل أعادوا الانضباط والثقة في النفس إلى الحزب وغيروا ميثاقه الداخلي واسمه من حزب العمال إلى حزب العمال الجديد.

لانس برايس: حزب العمال الجديد حركة سياسية جديدة تماما لكنه حَوَّل كل السياسات التقليدية في علاقته مع النقابات وأرباب العمل والأهم من ذلك هو طريقة عرض تلك السياسات الجديدة والبعض يعتقدون نتيجة لذلك أن حزب العمال الجديد مقتصر فقط على أساليب تسويق السياسات لكنه في الحقيقة كان أكثر من ذلك والنجاح الذي حققه يؤكد أن السياسات لها دور مهم.

نيكلوس جونز: حزب العمال الجديد جلب معه انضباطا جديدا فوسائل الإعلام تتدخل في كل شيء وتدقق في كل أمر وتعاملك بكل قسوة وعدم احترام لذلك لا تستطيع ارتكاب أخطاء لذلك يجب التزام الانضباط التام ولا تستطيع أن يكون لديك أعضاء في الحكومة يدلون بتصريحات متناقضة أو مثيرة للجدل كما أن حزب العمال الجديد أدخل أسلوبا جديدا في إظهار قدرة كاملة في التحكم في الأحداث.


ناصر البدري: أهم ما استحدثه بلير وماندلسون وكامبل هو جهاز إعلامي شديد الفاعلية والحرفية استطاعوا من خلاله التفوق على المحافظين

ناصر البدري: أهم ما استحدثه الثلاثي بلير ماندلسون وكامبل كذلك هو جهاز إعلامي شديد الفاعلية والحرفية استطاعوا من خلاله التفوق على المحافظين وأمكنهم التحكم في الرسالة الإعلامية وضبط محتواها.

كلير شورت: بعد ثمانية عشر عاما في المعارضة اقتنع الجميع في الحزب بضرورة الإصلاح والعديد من الإصلاحات أدخلت تحت رعاية نيل كينك ثم جون سميث الذي توفي بشكل مفاجئ وكان سيكون رئيس وزراء من الطراز الأول، توني بلير انتُخِب لأن الحزب كان يريد الفوز بأي طريقة وبلير أعتبر أنه شخص وسيم وذو قدرات فائقة على تسويق السياسات وتقديم صورة إيجابية عن الحزب وفي الدورة الأولى نجح في تقديم ما تم الاتفاق عليه من قِبَل أعضاء الحزب.

نيكلوس جونز: التحدي الذي واجه أمراء دعاية الحزب هو فهم الرسالة التي يريدون إيصالها ووسائل الإعلام الأنسب لإيصال تلك الرسالة ومن يستطيع تحديد الأجندة هل هو التليفزيون أو الإذاعة أو الصحافة المكتوبة وبعد تحديد طبيعة ومحتوى الرسالة والوسيلة الإعلامية الأنسب عندئذ تُقدم للصحفيين ووسائل الإعلام وهذا هو الذي فعله أمراء الدعاية في حزب العمال الجديد بزعامة توني بلير قبيل انتخابات عام 1997.

ناصر البدري: بعد ثمانية عشر عاما من التيه في المعارضة أثمرت تلك الإصلاحات عام 1997، واكتسح حزب العمال الجديد حزب المحافظين ووصل توني بلير إلى سادة الحكم وبأغلبية ساحقة وبدأ عهد جديد ظن العديد من البريطانيين أنه قطيعة مع ما ألفوه أيام حكم المحافظين.

نيكلوس جونز: عند مطلع الانتخابات العامة لعام 1997 اتُهِم رئيس الوزراء البريطاني جون ميجور بالفساد المالي بعد أن كشفت وسائل الإعلام أن أعضاء حزب المحافظين في البرلمان كانوا يتلقون أموالا مقابل طرح أسئلة والذي فعله أمراء الدعاية في حزب العمال وببراعة هو تسريب قصص وأخبار عن معاملات المحافظين لوسائل الإعلام حتى أصبحت سمة الفساد الإداري خصلة لصيقة برئيس الوزراء جون ميجور الشعب كره ذلك وصوت ضد المحافظين في الانتخابات في أسوأ هزيمة لهم على الإطلاق.

ناصر البدري: أمراء الدعاية الذين أعتمد عليهم بلير لهزيمة المحافظين انتقلوا معه إلى السلطة وتربع اليستر كامبل على عرش أمير أمراء الدعاية وأصبح المتحدث الرسمي باسم رئيس الوزراء فيما أُسنِدت المهام الاستراتيجية إلى بيتر ماندلسون وصول هؤلاء أحدث ثورة عارمة اجتاحت أغلب الأقسام والدوائر الإعلامية في (Whitehall) مقر الوزارات الحكومية وتضاعف عدد أمراء الدعاية من أقل من ثلاثين أثناء حكومة مارغريت تاتشر وجون ميجور إلى أكثر من ثمانين أميرا في السنوات الأولى من حكم توني بلير.


عمل برنارد أنغهم عند مارغريت تاتشر وكان عدد العاملين في القسم الإعلامي ثمانية أشخاص، أما الرقم الآن في مكتب رئيس الوزراء ثلاثة أضعاف ذلك وهذا يؤشر إلى الاعتماد المفرط على أمراء الدعاية

برنارد أنغهم: عندما عملت عند مارغريت تاتشر كان عدد العاملين في القسم الإعلامي ثمانية أشخاص أنا ونائب لي وثلاثة مستشارين إعلاميين وسكرتيران ومدير مكتبي، أعتقد أن الرقم الآن في مكتب رئيس الوزراء على الأقل ثلاثة أضعاف ذلك وهذا يؤشر على الاعتماد المفرط على أمراء الدعاية الآن.

ناصر البدري: زيادة أعداد أمراء الدعاية وتعاظم دورهم رأت فيه حكومة بلير ضرورة للاستجابة لتداعيات عالم أصبح قرية واحدة عالم متلاطمة أمواجه متسارعة أحداثه لا تتوقف فيه وسائل الإعلام عن طلب المزيد وصحفيون يبحثون في كل شيء ويدققون في كل صغيرة وكبيرة.

اليستر كامبل: الفرق الآن بينما هو خبر وما هو تعليق أصبح شبه منعدم فأغلب القصص الإخبارية هي شكل من أشكال التعليق، رئيس الوزراء يلقي خطابا حول موضوع ما غير أن عناوين الصحف والنشرات الإخبارية تركز على تأويل ما قاله رئيس الوزراء استنادا إلى مصادر مجهولة بدل التركيز على جوهر كلامه.

نيكلوس جونز: أمراء الدعاية مثل اليستر كامبل على قدر كبير من البراعة والفاعلية فكامبل يدرك مثلا الأخبار تنتقل في نطاق منظومة تراكمية مثل البورصات العالمية تفتح أولا في اليابان ثم سنغافورة ثم هونغ كونغ ثم إلى العواصم الأوروبية ثم في الولايات المتحدة لذلك إذا كنت تريد التأثير على مجرى قصة فلابد من فعل ذلك في بدايتها لذلك بريطانيا والولايات المتحدة وبتوصية من كامبل كانوا من الأوائل الذين أسسوا مراكز إعلامية استباقية في بلغراد وفي كابل وفي بغداد وإسلام باد لأنهم يريدون استباق الأخبار قبيل حدوثها.

[فاصل إعلامي]

أليستر كامبل أمير أمراء الدعاية

ناصر البدري: من وراء هذه النوافذ يؤكد العديد من المحللين السياسيين أن اليستر كامبل وفريق عمله أداروا غرفة أخبار متكاملة استطاعوا من خلالها إدارة دفة العديد من الأحداث السياسية وغيرها بما يخدم مصلحة الحكومة ويحقق أهدافها، بلير أثناء السنوات الأولى من حكمه استطاع بمساعدة أمراء الدعاية أن يحول أزمات حقيقية إلى مكاسب سياسية فمن الاحتجاجات على ارتفاع أسعار الوقود والتي أوشكت أن تتحول إلى كارثة وطنية إلى أزمة الحمى القلاعية التي أُجِلت بسببها الانتخابات العامة كان اليستر كامبل نجما بلا منازع وبطلا بلا منافس.

نيكلوس جونز: يستطيع كامبل أن يتنبأ بردة فعل الصحافة على قصة من القصص ولو نظرنا مثلا إلى ملف أسلحة الدمار الشامل العراقية عَلِم كامبل أن إدراج فقرة حول قدرة العراق على إطلاق أسلحته في خمس وأربعين دقيقة سيستحوذ على عناوين الصحف والنشرات الإخبارية وهو ما حدث فعلا عندما نُشِر هذا الملف.

ناصر البدري: براعة كامبل وفهمه لطريقة عمل الصحافة والصحفيين تجلت أثناء الانتخابات البلدية لعام ألفين وانتخابات عمدة لندن والتي خسر فيها العمال العديد من المجالس البلدية، توني بلير أثناء مؤتمر صحفي في ايرلندا الشمالية واجه وابلا من الأسئلة المحرجة حول أثر تلك الانتخابات على شعبيته لكن عندما أدرك كامبل الحرج الذي يعانيه رئيسه تدخل وهمس لأحد الصحفيين لكي يطرح سؤالا يغير به الموضوع الصحفي استجاب لكامبل المشهد بعد المؤتمر الصحفي غني عن التعليق، مثل هذه الممارسات أثارت موجة من الغضب واتهم بعض المعارضين رئيس الوزراء البريطاني توني بلير باحتكار ممارسة السلطة في نطاق ضيق من المستشارين غير المنتخبين.


توني بن: أمراء الدعاية مجرد مأمورين ورئيس الوزراء هو المسؤول الأول لأنه يوظفهم ويقول لهم ما يفعلون، أليستر كامبل يفعل كل يفعل بأمر من بلير وسلطته

توني بن: نرتكب خطأ كبيرا عندما نلوم أمراء الدعاية على هذه الممارسات أمراء الدعاية مجرد مأمورين ورئيس الوزراء هو المسؤول الأول لأنه هو الذي يوظفهم ويقول لهم ما يفعلون، الأسلوب الذي استخدمه توني بلير هو أمراء الدعاية ولكن ذلك ليس مجرد أسلوب وليس المحتوى فاليستر كامبل يفعل كل ما يقوم به بأمر من بلير وسلطته.

لانس برايس: هناك تركيز أكبر للسلطة في يد رئيس الوزراء وفي أيدي من يعملون معه وهذه ظاهرة بدأت مع مارغريت تاتشر وبلير لم يستحدث جديدا وأعتقد أن هذا التركيز من متطلبات عالمنا المعاصر والحاجة لاتخاذ القرارات بسرعة.

ناصر البدري: قد تكون هذه الملصقات وهذه اللافتات ربما آخر ما تبقى من حملة المعارضة الشعبية للحرب على العراق والتي أسهم أمراء الدعاية بدور أساسي في تسويقها وإقناع الشارع البريطاني بها، غير أن القائمين على هذه الحملة يؤكدون أن هذه الملصقات وهذه اللافتات ستظل هنا في مكانها قبالة البرلمان البريطاني لتذكر السياسيين والبريطانيين بشكل عام بأن رئيس وزراء بلادهم خدعهم في قرار خوض الحرب على العراق، نحو مليوني شخص خرجوا إلى شوارع العاصمة البريطانية لندن في أكبر مظاهرة حاشدة تشهدها بريطانيا للتعبير عن معارضتهم لخوض بلادهم حربا أخرى على العراق رغم كل الجهود التي بذلها أمراء الدعاية على ضفتي المحيط لإقناعهم بأهمية غزو العراق.

نيكلوس جونز: الإشكالية بالنسبة للعراق هو أنه لم يرتكب هذه المرة عملا عدوانيا ولا توجد صورا مأساوية لتبرير الحرب لذلك استعملت المعلومات الاستخبارتية لأول مرة كأداة لتبرير الحرب بعد أن كانت مجرد وسيلة تُعين السياسيين على فهم الوضع وللمرة الأولى استُخدِمَت المعلومات الاستخبارية لأغراض دعاية ولإقناع البرلمان.

اليستر كامبل: أي شيء قمت به إنما كان لأن رئيس الوزراء طلب مني ذلك سواء أيام كنا في المعارضة أو في الحكومة نفذت أوامر رئيس الوزراء على أفضل صورة أستطيع ولأنني أعتقد جازما بعدالة وصدق ما نقوم به في حزب العمال الجديد ومبادئه.

الحكومة البريطانية وحرب العراق

ناصر البدري: الأزمة العراقية أحدثت شرخا داخل المجتمع البريطاني في عمومه بل وداخل حزب العمال البريطاني ذاته، وفي مجلس العموم عارض مائة وواحد وعشرون من أعضاء حزب العمال حكومة الحزب مما شكل صدمة لرئيس الوزراء.

جون دانهم- وزير الداخلية الأسبق في حكومة العمال: العراق قضية فرقت الحزب والوطن بشكل عام غير أننا كحزب حاكم لا نريد الآن تمزيق أنفسنا نحن نحترم بعضنا البعض أنا لا أتفق مع رئيس الوزراء وهو يعتقد بصواب ما فعل ويحترم حقي في مخالفته في ذلك، الآن علينا أن ننظر إلى الأمام.

مايك اوبراين– وزير مكلف بالتجارة الخارجية: حزب العمال اتخذ قرارا صعبا بخوض الحرب على العراق ونحن نعتقد أننا قمنا بالعمل الصحيح صدام ذهب والعراقيون أحرار الآن لا يحكمهم طاغية غير أن الذي حدث في العراق استوجب علينا تبريره للحزب الذي لا يؤمن بالحروب لحل النزاعات.

ناصر البدري: غير أن تبعات الحرب على العراق لم تنته بالنسبة للحكومة ولا حتى بالنسبة لحزب العمال بل ازدادت خاصة بعد مقتل خبير الأسلحة البريطاني ديفد كيلي مما استدعى فتح تحقيق في ظروف مقتله، التفاصيل والوثائق التي كشف عنها التحقيق اللورد هاتون بغض النظر عن نتائجه النهائية المثيرة للجدل يرى العديد من المراقبين السياسيين أنها تؤكد بشكل لا يقبل الجدل حقيقة النفوذ القوي الذي يحظى به أمراء الدعاية ليس فقط في تسويق السياسات الحكومية وإنما أيضا في صياغتها، كامبل أثناء مثوله أما تحقيق اللورد هاتون بدا واضحا حجم الدور الذي لعبه هو شخصيا وأمثاله من أمراء الدعاية في تسويق الحرب على العراق وفي الكشف عن اسم خبير الأسلحة البريطاني ديفد كيلي للصحفيين.

نيكلوس جونز: عندما تطوع خبير الأسلحة ديفد كيلي للحديث مع أحد الصحفيين اليستر كامبل هو الذي كان على الهاتف يتحدث مع وزير الدفاع حول تثريب اسم ديفد كيلي لوسائل الإعلام وقد كشف أحد نقاط قوة اليستر كامبل وقدرته في المتاجرة بالمعلومات.

لانس برايس: دور اليستر كامبل تمثل في تقوية موقف الحكومة ومنع وجود تناقضات في قضيتها وجعلها أقوى ما تكون.

ناصر البدري: حدة الضغوط على حكومة بلير تضاعفت مرات عدة بعد أن اتهمت لجنة برلمانية الحكومة بالإفراط في اعتمادها على أمراء الدعاية، في غمرة ذلك فاجأ اليستر كامبل الجميع بتقديم استقالته وسط إقراره بارتكاب بعض الأخطاء.

لانس برايس: عملت فترة طويلة مع اليستر كامبل وأعرفه بشكل جيد فهو شخص مقتدر جدا وعلى درجة كبيرة من الذكاء والناس لم يعرفوا عن اليستر إلا عندما يرتكب بعض الأخطاء أو المبالغات مع الـ (BBC) والواقع أنه شخص ذو مبادئ ويعمل وراء الستار بشكل رائع وممتاز.


كلير شورت: أليستر كامبل وتوني بلير ملتصقان حتى النخاع يعملان معا بشكل دائم وكامبل يقتبس سلطته من توني بلير ورغم أن كامبل غادر الحكومة فإنه لا يزال يتردد على مكتب رئيس الوزراء

كلير شورت: اليستر كامبل وتوني بلير ملتصقان حتى النخاع يعملان معا بشكل دائم وكامبل يقتبس سلطته من توني بلير ورغم أن كامبل غادر الحكومة إلا أنه لا يزال يتردد على مكتب رئيس الوزراء لأن توني بلير لا يعرف أسلوبا آخر غير أسلوب أمراء الدعاية وهمه الوحيد هو ردة فعل وسائل الإعلام بدون التركيز على جوهر الأمور وتقديم الحقيقة كما هي.

ناصر البدري: ومن هنا يؤكد المعارضون أن مغادرة كامبل للحكومة لن يغير من أسلوبها خاصة إذا ظل توني بلير على رأسها.

نيكلوس جونز: إحدى نقاط قوة توني بلير هو أنه يفهم أهمية المقتطف الصوتي وضرورة أن يكون كلامه مختصرا وجامعا وهو يدرك أن الصحفيين يريدون الإيقاع به لكن توني بلير أستاذ في التزامه بالنص المتفق عليه.

ناصر البدري: الانتخابات البرلمانية الأخيرة سجلت أدنى مستوى مشاركة من الناخبين رغم محاولات السياسيين إقناعهم بالمشاركة العديد من المعلقين السياسيين يشيرون إلى أن اعتماد الحكومة المفرط على أساليب أمراء الدعاية أحد الأسباب الرئيسية وراء هذا العزوف الشعبي عن المشاركة في المسار الانتخابي برمته.

توني بن: لابد أن تكون لدينا قنوات شرعية للتعبير عن تطلعات الناس وأعضاء البرلمان حولوا إلى دمى والمواطنون يتساءلون لماذا ننتخبهم إذا كانوا لا يمثلون تطلعاتنا بشكل حقيقي فلابد من حدوث شيء كبير وإعادة بناء المسار الديمقراطي من الأساس.

ناصر البدري: من يحكم بريطانيا؟ وهل تحول أمراء الدعاية إلى الحكام الحقيقيين أم أنهم مجرد مأمورين؟ أسئلة ستظل محل جدل ونقاش طالما وُجِد أمراء دعاية ووجد من لا يستطيع العيش دون استنشاق هواء الدعاية هنا في بريطانيا أو هناك في الولايات المتحدة الأميركية أو في أي دولة أخرى تمكن فيها أمراء الدعاية وأوجدوا لهم موطئ قدم دائم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة