الأزمة القبرصية   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

أسعد طه

ضيوف الحلقة:

عدة ضيوف

تاريخ الحلقة:

30/11/2000

- هل يمكن تجاهل الصراعات العرقية والطائفية التي تشهدها قبرص؟
- ماذا تعني اتفاقية زيوريخ بالنسبة لجزيرة قبرص؟

- صفقة الصواريخ الروسية إلى أي مدى كثفت سحب الحرب على الجزيرة؟

- حقيقة موقف الموارنة في الجزيرة، وإلى أي الأطراف يميلون؟

- دور قوات الأمم المتحدة في المنطقة

- ما البواعث الحقيقية للأزمة القبرصية؟

رؤوف دنكطاش
هيثم الأيوبي
كريسو ستوموس
بطرس الجميل

ديف آن هيركس

إيلي حاتم

كريستوس ستيليانيدس

جون براون
بيار كازت
أسعد طه

أسعد طه: الأرض واحدة .. والعلم علمان .. والمعتقد اثنان!!

فلم لا تكوني كما الصنوان؟

أيكره الصنوان بعض بعضًا؟!

أتظلين وحدك .. بعد أن التئم من قبلك شطرين .. شقين؟!!

افعلي .. تكون لك الحياة .. يكون لك البحر .. والزهْر.

وللذين أرادوا الحرب .. الحرب!!!.

السلام عليكم، من هنا انطلقت طائرات من تلك التي شاركت في حرب السويس.. وحرب الخليج، وهنا المافيا الروسية التي اعتمدت الجزيرة كمركز جيواستراتيجي لنشاطها، وهنا يلتئم اللوبي الأرثوذكسي العالمي .. وخبراء إسرائيليون في الشطر التركي، وموساد في الشطر اليوناني، فهل يمكن بعد ذلك كله أن تكون صفقة الصواريخ الروسية لقبرص اليونانية، هي السبب الرئيسي للأزمة الحالية؟

صحيح .. ربما أرادت (إنقوسيا) أن تعطي لأزمة الصواريخ الحالية.. المفعول ذاته لأزمة الصواريخ السوفيتية (لكوبا) عام اثنين وستين، لعلها تحرك ذاك الملف الذي مازال يدور في حلقة مفرغة منذ حوالي ربع قرن.

ولكن كيف يمكن تجاهل الصراعات العرقية، والطائفية التي تشهدها دوماً قبرص؟ وكيف يمكن التغاضي عن موقعها الاستراتيجي الذي جعل منها محط أنظار وأطماع لجيرانها، ولبعض القوى الكبرى؟ وكيف يمكن أن ننسى القول: اليوناني المأثور: يجب أن تصبح قبرص نقطة انطلاق لتحقيق أحلام الإسكندر المقدوني في الشرق" قبرص.. وقائع الماضي .. ومعطيات الحاضر .. ومخاطر المستقبل، هي رحلتنا اليوم.

إذن .. ها هي قبرص" لك التي تتعمد إثارة العالم من حين لآخر، إذا ما عمد هو إلى تناسيها.. تذكره عبر مشاكلها المفتعلة بأن أزمة مازالت قائمة.

هنا .. في قلب منعطف أرضي.. يضم سواحل تركيا وسوريا.. وفلسطين ولبنان، حيث تقع هي.. بعيدة بمسافة بأربعة كيلومتر عن اليونان، وخمسة وسبعين كيلو متر عن تركيا.

يقول التاريخ: إن إدارات حاكمة متعددة.. توالت على قبرص من الفرعونية إلى الآشورية فالفارسية فالقبرصية فالرومانية فالبيزنطية، إلى أن جاء الفتح الإسلامي في أول غزوة للمسلمين في العام الثامن والعشرين الهجري 28هـ الموافق ستمائة وثمانية وأربعين بالتقويم الميلادي 648م.

ومن بعد الضعف الذي ألَّم بالدولة العباسية.. تمكن ريتشارد قلب الأسد من غزو الجزيرة عام ألف ومائة وواحد وتسعين ميلادية 1191م، غير أن السلطان المملوك (ريسبي) تمكن عام ألف وأربعمائة وستة وعشرين 426م من إعادة فتحها.. إلى أن احتلها الفينسيون بعد خمسين عاماً.

وفي عام ألف وخمسمائة وواحد وسبعين 1571م يعود المسلمون إليها مرة أخرى على يد العثمانيين الذين اضطروا بعد حوالي ثلاث قرون إلى التنازل عنها لبريطانيا عام ألف وثمانمائة وثمانية وسبعين 1878م خلال حربهم مع روسيا.. وعلى وعد من بريطانيا عبر معاهدة سرية أن تدافع عنهم ضد الخطر الروسي.

لكن بريطانيا، وخلال الحرب العالمية الأولى قامت بإلغاء المعاهدة، وأعلنت عام ألف وتسعمائة وثلاثة وعشرين 1923م، وبشكل رسمي إلحاق قبرص بالإمبراطورية البريطانية إلى أن جاء عام ألف وتسعمائة وتسعة وخمسين 1959م لتعقد اتفاقية (زيورخ) التي وضعت أهم نقاط دستور الجمهورية.

تلك التي أعلنت ولادة قبرص المستقلة في عام ألف وتسعمائة وستين 1960م.

غير أن الأسقف (ماكاريوس) رئيس الجمهورية تقدم عام ثلاثة وستين بمشروع لتعديل الدستور يهدف إلى إلغاء حق (الفيتو) الممنوح للقبارصة الأتراك، مما أدى إلى توتر شديد في العلاقات بين الطرفين.. وصل إلى ذروته عام أربعة وسبعين بالانقلاب الذي تم ضد الأسقف ماكاريوس، وإعلان الانقلابيون عن حكومة تهدف إلى ضم قبرص إلى اليونان، مما دفع بالجيش التركي إلى التدخل.. وإقامة ممر يعزل شمال قبرص بالغالبية التركية عن جنوبه بالغالبية اليونانية.

ومنذ ذلك الحين، وقبرص تعيش واقع التقسيم خصوصًا مع إعلان القبارصة الأتراك دولتهم عام ثلاثة وثمانين تحت اسم (الجمهورية التركية لشمال قبرص) انفصل الطرفان إذن، وكل منهما يحمل في ذاكرته ما يمكن أن يؤجج لحروب طويلة.

القبارصة الأتراك يقولون: إنهم كانوا دوماً عرضة لما يشبه عمليات التطهير العرقي في البوسنة عبر المذابح الجماعية والتهجير القصري.. والإبعاد الوظيفي، وأن ذلك جرى بمؤازاة عمليات واسعة لتوطين سكان استقدموا من اليونان، ولتتم اللعبة التقليدية في تغيير الميزان السكاني، لتصبح الأقلية أغلبية، والأغلبية أقلية.

القبارصة اليونانيون يقولون: إنهم بدورهم كانوا عرضة لعمليات اضطهاد واسعة رافقت دخول الجيش التركي أراضي الجزيرة عام أربعة وسبعين، وأن قسماً كبيراً منهم فقد ممتلكاته في الشطر الشمالي من الجزيرة التي أبعدوا عنها ضمن عمليات نزوح متبادلة: القبارصة اليونانيون من الشمال إلى الجنوب، والقبارصة الأتراك من الجنوب إلى الشمال.

الملفت أن الطرفين يستخدمان أحياناً نفس الصور الملتقطة للمآسي التي شهدتها قبرص، وينسب كل طرف الضحايا الطائفية في تجاهل للتاريخ الذي لا يرحم.. والذي لا يساوي أبداً بين الجاني والضحية.

إلى شطر الجزيرة الشمالي نتوجه، وعلى مدخله لافتة تؤكد للزائرين أن جمهورية شمال قبرص التركية.. ستبقى إلى الأبد، مائة وسبعون ألف مواطن.. يسكنون هذا القسم من الجزيرة، يُقال: أن سبعين ألف منهم قدموا من تركيا.. يسكنون أرضاً تبلغ مساحتها ثلاثة آلف وثلاثمائة وخمسة مخمسين كيلومتراً مربعاً 3355كم أي سبعة وثلاثين بالمائة من مجمل مساحة الجزيرة.. وفقاً للتقسيم الذي تم مع دخول الجيش التركي قبرص.

والحقيقة أن تركيا.. حاضرة دوماً في كل مكان.. في الشعارات والرموز، في الطراز العتيق للبنايات والشوارع، في العملة المستخدمة في العمل، وفي الأسواق.. وفي رتم الحركة البطيء، وفي الرابعة من عصر كل يوم.. يُرفع علم قبرص التركية متلازماً دوماً مع العلم التركي، الحياة تبدو عادية في
الشوارع، لكن تصريحات المسؤولين تشعرك بأبعاد الأزمة الراهنة، رؤوف دنكاش رئيس جمهورية شمال قبرص التركية، إن ما يحدث اليوم.. يبرهن على أن القبارصة اليونانيين لا يريدون حلاً تفاوضياً، وهم يتصرفون على أنهم أسياد قبرص.

ويزعمون أن بوسعهم تنفيذ ما يريدون على الأرض، وإذا كانت اتفاقات عام ستين 1960م قد أقرت قيام دولة من طائفتين تراعي عدم هيمنة أي منهما على الأخرى، فكيف يمكن لطائفة أن تدعي اليوم أنها حكمت الأخرى خمسة وثلاثين عاماً؟ وكيف يمكن أن يفسر ذلك.. سوى أنه نمط من العنصرية التي تعاني منها قبرص.

أسعد طه: ورغم أن التقديرات تشير إلى أن هذا الشطر من الجزيرة القبرصية يحتوي على سبعين بالمائة 70% من الموارد الطبيعية لكامل قبرص.. إلا أن الخطر الدولي الذي تعاني منه هذه الجمهورية غير المعترف بها دولياً إلا من تركيا انعكس على المستوى الاقتصادي، فيبلغ مستوى الدخل لمواطن هنا أربعة آلاف دولارًا
سنوياً، مما جعلها تعتمد في اقتصادها، وبشكل أساسي على تركيا، ولذا يبقى رصد مظاهر الولاء المطلق لتركيا مفهوماً، تركيا الحاكمة.. لا المعارضة.. وها هي صور وتماثيل أتاتورك في كل مكان.

رؤوف دنكاش (رئيس جمهورية شمال قبرص التركية): إن ما حدث في الفترة ما بين عام ثمانية وستين 1968م وعام أربعة وسبعين 1974م كان شكًلا من أشكال التطهير العرقي ضد الشعب المسلم في قبرص، وهو ما تكرر لاحقاً في البوسنة، لكن الفارق هو أن تركيا جاءت إلى قبرص لوقف المذبحة، وهي حاضرة دائماً .. ولن تسمح مطلقاً بحدوث مجزرة جديدة.

أسعد طه: وبالفعل إن الجنود الأتراك .. يراهم الزائر في كل مكان، ويقدر عدد الجيش التركي هنا بحوالي أربعين ألف جندي، وهم مدججون بأحدث الأسلحة الأميركية، وقد ارتفعت وتيرة الاستعداد القتالي لديهم مع نشوب الأزمة المعروفة بصفقة الصواريخ الروسية 300S إلى الشطر اليوناني من قبرص، وكنا قد سألنا خبيراً عسكرياً عربياً في باريس عن هذه الصفقة.

العقيد هيثم الأيوبي (خبير عسكري): الصاروخ 300S هو صاروخ سوفيتي سابقاً.. روسي حالياً، مضاد للطائرات.. بعيد متوسط المدى، ولكنه ليس صاروخاً جديداً بالمعنى الحديث للكلمة، فهو من جيل (باتريوت) تقريباً.. ماذا يزعج تركيا في هذا الصاورخ؟يزعج تركيا في هذا الصاروخ هو أنه يجعل قبرص محمية من الضربات الجوية التركية.

ما هي أهمية هذا الصاروخ؟ أهميته مرونة الحركة، سهولة الاستخدام، سرعة الصاروخ العالي بعد الانطلاق.. ألفين وأربعمائة متر في الثانية 2400م/ث في التحليق، بمعنى أنه يستطيع أن يعترض ويطارد الطائرات فوق الصوتية، يزعج تركيا -أيضاً- أن مدى الصاروخ كبير .. مائة وخمسين كيلومتر.

بمعنى أن الصاروخ قادر على التعامل مع طائرات تركيا المنطلقة من القواعد الموجودة في جنوب تركيا قبل دخولها المياه.. وقبل وصولها إلى الأجواء القبرصية، وهذا يعني قطع الطريق على الطائرة التركية من مسافة بعيدة، وقبل وصولها.

وهذه نقطة هامة جداً، لأن الآن الطائرات تطلق النار من مسافات بعيدة بواسطة الأسلحة الذكية، هذه الصواريخ باعتقادي ستلعب بالنسبة لقبرص .. دور تحييد التهديد الجوي التركي فقط، تماماً مثلما لعبت الصواريخ (سام خمسة) السوفيتية التي جاءت إلى سوريا بعد الغزو الإسرائيلي للبنان.

أسعد طه: صفقة بطاريات الصواريخ الروسية إلى قبرص اليونانية.. تبدو وكأنها رغبة قبرصية يونانية في تحريك الملف القبرصي الذي يراوح مكانه منذ ربع قرن، ويدور في حلقة مفرغة، وفي سبيل ذلك تبدو قبرص اليونانية، وكأنها على استعداد للتضحية بالدخول في حرب محدودة لتحقيق أهدافها، ولكن من يضمن أن تظل الحرب المتوقعة محدودةً، الطرف القبرصي اليوناني يعتقد ذلك باعتبار أن حلف شمال الأطلسي لن يقف مكتوف الأيدي أمام حرب بين عضوين من أعضائه، بل إن القبارصة اليونانيين يراهنون على أن هذا التدخل سيكون لصالحهم.

وأن تركيا ربما تضطر إلى تقديم تنازلات يكون أقصاها انسحاب جيشهم من الشاطر الشمالي، وإذا كان في هذا الأمر ثمة مبالغة، فإن ما يعنينا الآن هو أن نتوجه إلى الشطر الجنوبي.

على المدخل نفهم أن حرباً إعلامية ساخنة يشنها القبارصة اليونانيون، واللافتات المثبتة تؤكد ذلك، وتدين القمع والهمجية التركية على حسب وصفها.

وفي الداخل نلحظ حداثة البنى التحتية، والتي تشهد على ازدهار المنطقة، أناقة في المعمار، وأحياء راقية، ومحلات تجارية ضخمة تؤكد نمواً اقتصادياً في هذه الناحية، فمعدل الدخل السنوي للمواطن هنا يزيد بعشرة آلف دولار عن نظيره في الشطر الشمالي، أي يبلغ حوالي أربعة عشر ألف دولارًا سنوياً، كما هو المستوى تقريباً في بعض الدول الأوروبية.

ويبلغ معدل النمو خمسة بالمائة 5%، ويعتقد أن ذلك إنما يعود إلى التسهيلات التي تمنحها الشرعية الدولية لهذه المنطقة، فضلاً عن استفادتها من هروب رؤوس الأموال اللبنانية إليها أثناء الحرب في لبنان، يضاف إلى ذلك نشاط القطاع الخاص المتميز، وما يتردد عن قدوم المافيا الروسية بإمكانات وفيرة عقب سقوط الاتحاد السوفيتي.

ويبدو أن هذا التفوق الاقتصادي في حاجة إلى صواريخ روسية لحمايته كرتيستوس ستيليانيدس وزير الإعلام في الجمهورية القبرصية: أعتقد أن للحكومة القبرصية موقفاً نزيهاً وثابتاً فيما يتعلق بمسألة الصواريخ، فنحن نرى أن المسألة بسيطة للغاية، فمن اللحظة التي تبدأ فيها المفاوضات لنزع سلاح الجزيرة بأكلمها.. ستنفى حينها مشكلة الصواريخ من أساسها.

فنحن مع نزع السلاح.. ومن أجل ذلك نحن جاهزون لبحث ملفات لها علاقة بالأمن، وتخفيف حدة التوتر في المنطقة، وقد برهنا على جديتنا من خلال عشرات المقترحات في هذا الشأن، وكلها كانت كاملة ومنطقية، والكرة الآن في سلة الطرف الآخر.

أسعد طه: ستمائة وعشرون ألف مواطن يسكنون هذه المنطقة، التي تبلغ مساحتها خمسة آلاف وثمانمائة وثمانية وعشرين كيلو متراً مربعاً من بينهم اثنى عشر ألف مجند فضلاً عن ألف وستمائة وخمسين بين ضابط وخبير عسكري من اليونان، ومن الواضح أن العامل الديني يلعب دوراً مميزاً في المنطقة وفي الأزمة.

الأسقف كريسوستوموسي (رئيس الأساقفة الأرثوذكس): نحن مسيحيون أرثوذكس، نحاول أن نعلم أولادنا دينهم، كما علمنا إياه السيد المسيح، وكما تعلمون فإن هذه الجزيرة يونانية منذ أكثر ن ثلاثة آلاف سنة، وهي ما تزال يونانية بالطبع، ومشكلتنا تكمن في الاحتلال التركي لأراضينا، وكل ما نطلب به هو جلاء الجيش التركي عن قبرص، نحن بالتأكيد ضد الحرب، ولكننا مجبرون على أن ندافع عن أنفسنا.

أسعد طه: تظاهرة دينية أرثوذكسية على ما يعتبرهم القبارصة اليونانيون ضحايا التدخل التركي في قبرص، وعلى مسافة ليست ببعيدة، يقبع ضريح (أم حرام) مرضعة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أفضل حالاً من أكثر من مائة مسجد، يقول القبارصة الأتراك: إن القبارصة اليونانيين قد قاموا بتدمير هذه المساجد جزئياً أو كلياً، فيما يتهم القبارصة اليونانيون أقرانهم الأتراك بأنهم حولوا بعض الكنائس إلى مساجد، هذا التقاطع الديني للأزمة يتفاعل أكثر مع بروز عنصر آخر.

المطران بطرس الجميل (راعي إبرشية الموارنة في قبرص): نحن طالبنا الحكومة الإنجليزية التي كانت تحكم هذه الجزيرة قبل الستينات بألا نكون لا أتراك ولا يونان، وألا يخيرونا بين الاثنين، لأن لا خيار بين مسلم وبين المسيحي، نحن مجبرون ملزمون بأن نكون مع اليونانيين إذا خيرونا، الموارنة مرتبطون في هذه الجزيرة منذ أكثر من ألف سنة، وبحسب معرفتنا منذ ألف ومائتي سنة، لكن تطورات طبعاً حدثت في القرن الرابع عشر والخامس عشر، كان الأوج.

كانوا نحو ستين ألفاً في هذه الجزيرة، بعد دخول الأتراك إلى الجزيرة سنة ألف خمسة وسبعين أو واحد وسبعين، وهو الدخول الأول أخذ عدد الموارنة يتقلص، نحن اليوم في القرن العشرين سنة ألف وتسعمائة اثنين وتسعين 1992 ثلاثة آلاف ومائتان منتخب صوت مسجل في الدولة، يعني تقريباً ست آلاف أو خمس آلاف خمسمائة ماروني موجودين.

أما وضعنا الحالي فهو بكل أسف بعد ألف وتسعمائة أربعة وسبعين 1974م وحوادث ألف وتسعمائة أربعة وسبعين، تهجرنا من قرانا في شمال الجزيرة إلى جنوب الجزيرة، في هذا التهجير فقدنا كل مقوماتنا، فقدنا الأرض،لم يعد هناك أرض، أصبحت الأرض في القطاع الثاني، وفقدنا التجمع في القطاع الجنوبي أصبحنا مشردين، شخص في الضاحية الجنوبية، وشخص في الضاحية الشمالية وشخص إلى ما هنالك.

فقدنا كنائسنا، فقدنا نوادينا، فقدنا مدارسنا، فقدنا مقوماتنا الاجتماعية، ولذلك نحن طالبنا بأن تبقى الأرض مارونية، وأن تبقى القرى مارونية، وقد دخل هذه القرى اليوم، أتراك سكنوا فيها، ونحن نطالب بأن تبقى هذه القرى بعيدة عن كل مجموعة ثانية، تبقى مارونية كما كانت.

أسعد طه: نغادر الشطر اليوناني، وفي الأذهان سؤال: تُرى إذا ما اجتمعت عوامل الدين والتاريخ مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للأطراف المختلفة، فماذا تبقى من عوامل يمكن أن تشعل حرباً؟ كل ما سمعناه حتى الآن ليس سوى صدى صوت لأطراف الأزمة الحقيقية، وهو ما نحن بصدده الآن، لكنا سنعود -أولاً- إلى الخط الفاصل بين الطرفين، أو ما يسمى بالخط الأخضر، أو ما يمكن أن يكون خط النار.. إذا ما اندلعت الحرب بين الطرفين، وسنكون بصحبة الأمم المتحدة، لعلنا نفهم دورها هنا.

ضابط من قوات الأمم المتحدة: سنتابع السير .. متتبعين هذا الخط، فمن مهام الأمم المتحدة هنا، تسيير دوريات للتأكد من أن السلام بين اليونانيين في جنوب قبرص، والأتراك في الشمال، تتم المحافظة عليه.

وعندما نسير قُدماً، نرى الأتراك في الجهة اليمنى، ومن الجهة اليسرى اليونانيون، هؤلاء الجنود يسيرون كدوريات على امتداد خط النار.. وبالنظام مرة كل ساعة أو ساعتين، وذلك للتحقق من أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوقيع عليه من قبل الأتراك واليونانيين يتم تنفيذه، ولذلك فهم يتحققون من الدفاعات التي ترونها على اليمين هناك.

وكذلك من عدم وجود خروقات لاتفاق وقف إطلاق النار، ونحن الآن نحاول متابعتهم، وهو الاتفاق الموقع عام أربعة وسبعين، وهذا بشكل أساسي هو هدف ودور الأمم المتحدة هنا في قبرص، أي إنه دور محصور في محاولة الحفاظ على الأمن، ومراقبة كلا الجانبين: التركي واليوناني.

هؤلاء يراقبون الجزء تحديداً من خط النار، إنهم يراقبون أي خروقات لاتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقع عام ألف وتسعمائة وأربعة وسبعين 1974م لذا فهم يتحققون من دفاعاتهم، ويتأكدون من عدم وجود أتراك أو يونانيين في المنطقة.

والآن يجب أن نكون حذرين، وأن نحدد أين سنصور هنا، لأننا لا يمكننا التقدم أكثر من ذلك في هذه المنطقة.

ديف آن هيركس الممثلة الخاصة للأمم المتحدة: لدينا مهمتان رئيسيتان: تأمين الحماية في المناطق التي تنتشر فيها قواتنا، ومنع الاحتكاك بين الطرفين المتنازعين ،والسعي لتأمين شروط السلام، بالإضافة إلى مسؤوليات إنسانية، تندرج في إطار المهام الموكلة إلينا كقوات دولية يبلغ تعدادها هنا ألف وأربعمائة جندي.

أسعد طه: إذن جديد الأزمة القبرصية هو عزم القبارصة اليونانيين على نشر الصواريخ الروسية، وقديمها موافقة المجموعة الأوروبية على ضم قبرص لها، مما أثار مخاوف القبارصة الأتراك غير المعترف بحكومتهم، وهذه وتلك إنما هي في الحقيقة أعراض للإشكالية الأساسية، وهي الاتفاق على الشكل السياسي الذي يجب أن يحكم البلاد.

والخلاف يكمن في تفاوت وجهات نظر الطرفين في حجم السلطات التي ستمنح لكل منهما.

إيلي حاتم (أستاذ العلوم السياسية بجامعة بوسطن): أسباب المشكلة القبرصية هي أسباب سياسية، وأيضاً أسباب اجتماعية، وأيضاً وفي الناحية الثالثة: هي أسباب قانونية، دستورية متعلقة بالدستور، يعتبر القبارصة اليونانيون أن هذا الدستور فرض عليهم من البريطانيين، وهو لم يأخذ بعين النظر التوازن الديمغرافي في جزيرة قبرص، لأنه أعطى القبارصة اليونانيين اثنين وسبعين في المائة، سبعين في المائة عفواً 70%، ولقد أعطى هذا الدستور للقبارصة الأتراك ثلاثين بالمائة 30% من الحقوق، بينما هم لا يمثلون سوى ثمن عشر بالمائة من السكان في جزيرة قبرص.

وهذه الحقوق تتمثل في المشاركة في المقاعد النيابية، ولكن المشكلة الرئيسية هي تتعلق بحق الفيتو الذي أعطاه دستور عام ألف وتسعمائة وستين 1960م إلى نائب الرئيس القبرصي، أي الذي ينتمي إلى الطائفة التركية القبرصية، وبهذا الحق، أي هذا الحق الفيتو يستطيع نائب الرئيس رفض أي قرار يقوم به رئيس
الجمهورية.

ومشروع تعديل الدستور هذا الذي تخلل ثلاثة عشر نقطة أدى إلى تفاقم الوضع في جزيرة قبرص بين الطائفتين: التركية، واليونانية القبرصية، فلقد قامت هناك مشاغبات وعمليات إرهاب في الجزيرة، منها مجازر تعرض إليها القبارصة الأتراك من القبارصة اليونانيين.

أسعد طه: مقترحات الأمم المتحدة في هذا الشأن تتخلص في الدعوة إلى إعادة توحيد الجزيرة في إطار دولة فيدرالية واحدة بمنطقتين ومجموعتين مختلفتين، وحقوق متساوية، مع تقليص المنطقة التركية من سبعة وثلاثين بالمائة 37% إلى ثمانية وعشرين بالمائة 28%، وذلك بهدف إعادة نصف القبارصة اليونانيين الذين نزحوا هرباً من الاجتياح التركي.

الطرف التركي يدعم فكرة الفيدرالية كمشاركة دستورية بين شطرين أساسيين متساويين بحسب ما راعته اتفاقية زيورخ عام تسعة وخمسين، ولذلك فإن تركيا تصر على الاحتفاظ بآلية الضمانات التي نصت عليها هذه الاتفاقية، والتي تمنح تركيا وبريطانيا واليونان حق التدخل للحفاظ على استقلال الجزيرة، كما يشترط الجانب التركي اعترافاً دولياً مسبقاً بجمهورية شمال قبرص التركية قبل الدخول في شكل سياسي جديد.

رؤوف دنكاش (رئيس جمهورية شمال قبرص التركية): نحن لا نريد حكم القبارصة اليونانيين، ولن نسمح لهم بأن يحكمونا، وعليهم التخلي عن فكرة تحويل قبرص إلى جزيرة يونانية، ولو عاملونا كما نستحق كجيران، لنا وإياهم حقوق متساوية، وتخلوا عن فكرة هيمنة طائفة على أخرى، فإننا حينها التفكير في حل يجمعنا في إطار فيدرالي أو كونفدرالي.

أسعد طه: الطرف اليوناني من جهته يرفض أي صيغة تكرس برأيه تقسيم الجزيرة ضمن صيغة اتحاد بكيانين، أي أنه يرفض الوضع السياسي المتساوي، كما يرفض اعترافاً بالجمهورية الشمالية، وهو لا يتنازل في واقع الأمر عن فكرة أن قبرص جزء لا يتجزأ من اليونان.

كريستوس ستيليانيدس (وزير الإعلام في الجمهورية القبرصية): لعل ما تردده مرتبط بالدعاية السياسية التي يمارسها دنكاش، ونحن أكدنا مراراً قبولنا بالفيدرالية الثنائية ذات الطائفتين، وأن يصبح القسم التركي جزءاً لا يتجزأ من الجمهورية الفيدرالية القبرصية، وسيكون من نتيجة ذلك تفوق سكاني للقبارصة اليونانيين.

لكن ذلك لا يعني أن القبارصة الأتراك سيكونون مواطنين من الدرجة الثانية، ولعلنا أثبتنا حسن نوايانا من خلال الدعوة إلى مشاركة الطائفة التركية في مسيرة ضم قبرص إلى الاتحاد الأوروبي.

أسعد طه: القبارصة الأتراك لا يؤمنون بجدية الطرف الآخر، ولا بمصداقية دعواه.

رؤوف دنكاش (رئيس جمهورية شمال قبرص التركية): نحن نؤكد لكم: أننا مدركون لما يخططوه ضدنا، ولذلك فنحن نعد أنفسنا لمواجهة أي اعتداء محتمل من قبلهم، فمن الناحية العسكرية نراقب كل شيء ونتخذ الإجراءات المناسبة، وأعتقد أن العالم كله يدرك أن تركيا تشكل قوة عسكرية لا يستهان بها، وبالتالي يجب على القبارصة اليونانيين الامتناع عن ارتكاب أي حماقات على غرار ما فعلوه بين عام ثلاثة وستين وعام أربعة وسبعين.

وأن يأخذوا من الماضي العبر، ولا أعتقد أنهم قد يقدمون على ذلك إلا إذا كانت روسيا تدفعهم في هذا الاتجاه.

أسعد طه: يعتقد المراقبون المحليون أن روسيا أرادت بصواريخها المباعة إلى قبرص اليونانية إثارة أزمة تحاول بها إرباك خطط حلف شمال الأطلسي، الرامية إلى توسيع دائرته في اتجاه أوروبا الشرقية، وإذا اعتبرنا أن حلم العودة إلى الشرق الأوسط هو طرف روسي في مرحلة تمر بها البلاد بأزمة اقتصادية حادة، فإن الإصرار الروسي على إتمام الصفقة، يمكن أن يفسر حينئذ بأنه يعود لأسباب مادية.

واستمراراً للحديث عن الأطراف الدولية في المسألة القبرصية، فإنه يجب الإشارة إلى أنه على مساحة تقدر بأربعة بالمائة من المساحة الكلية للجزيرة القبرصية، توجد في الشطر اليوناني أكبر قاعدة جوية في العالم على أرض تعد ملكاً لبريطانيا.

وقد شُيد عليها ما يعد أضخم رادارا في منطقة البحر المتوسط.

الكابتن جون براون (الناطق باسم القاعدة البريطانية): هناك ثلاث قواعد بريطانية في هذه الجزيرة هذه هي إحداها، وقد تأسست هذه القواعد عام ستين لأسباب عسكرية، واستخدمت كموقع استراتيجي للحكومة الملكية البريطانية، ومن مهامنا اليومية مواصلة التدريبات العسكرية للقوات الموجودة هنا، وكذلك للوحدات التي تأتي من الخارج.

أسعد طه: الموقف البريطاني يأتي بالتأكيد منسجماً مع موقف المجموعة الأوروبية التي أعلنت موافقتها على انضمام قبرص لها، غير أن صفقة الصواريخ الروسية أزعجتها بلا شك، واعتبرتها عرقلةً لخططها الأمنية في البحر الأبيض المتوسط، وهو نفسه موقف الولايات المتحدة الأميركية التي باتت تنافس المجموعة الأوروبية ضمن سياستها الرامية إلى السيطرة على كل المنطقة، ويبدو أن المستفيد من ذلك كله هو الكيان الصهيوني الذي تربطه الآن معاهدات عسكرية مع تركيا.

رؤوف دنكاش (رئيس جمهورية شمال قبرص التركية): هناك دول عربية عديدة تقيم علاقات متينة مع إسرائيل فها هي مصر والأردن وكذلك فلسطين التي هي بصدد تسوية خلافاتها مع الدولة العبرية، وتوقيع اتفاق سلام معها.

ولا أفهم بالتالي، لماذا نتعرض للانتقاد إذا أقمنا علاقات صداقة مع إسرائيل، وعلى كل حال فإن إسرائيل اعترفت بالحكومة اليونانية في قبرص على أساس أنها الحكومة الوحيدة في الجزيرة، وكنا نأمل في المقابل أن تعترف بنا الحكومات المسلمة.

أسعد طه: لقد وجدت تركيا وإسرائيل الفرصة مواتية لاستغلال هذه الأزمة للتقدم في مشروع لبناء قاعدة عسكرية مشتركة في المنطقة.

كريستوفر ستيليانيدس (وزير الإعلام في الجمهورية القبرصية): في الحقيقة نحن لا نؤيد أي تحالفات في المنطقة، ولا نؤمن بالأحلاف العسكرية المتجزئة، ونرى أن الشرق الأقصى والأوسط والبلقان هي مناطق هشة، ولذلك نطالب بنظام أمني شامل مع كل دول المنطقة، وهي مسألة مبدئية بالنسبة
إلينا، وما يهمنا الآن ألا تستخدم أي اتفاقات ضد مصالحنا.

أسعد طه: ولنا -أيضاً- ن نخاف من أن يدفع العالم العربي خطورة هذه التحالفات المشبوهة، على كل حال -وفي غضون ذلك كله- تواصل الأمم المتحدة أداء دورها التقليدي، والمحدود دون مراعاة لمستجدات الأمور، ولعواقب ما يمكن أن يقع، فرق التفتيش والمراقبة تواصل عملها اليومي على الخط الفاصل بين الطرفين.

بيار كازت (الناطق باسم الهيئة العليا البريطانية): استمرار التوتر بين الفريقين، ووجود فريق ثالث يجعلني أتخوف من إمكانية ارتفاع وتيرة التوتر خصوصاً وأن البعض يسعى ويحاول إشاعة هذه الأجواء، ولحسن الحظ، لم تصل الأمور إلى حد متدن، نحن نراقب باهتمام شديد مجريات الأمور.

أسعد طه: اليوم المفتوح، هو الموعد السنوي الذي تنظم فيد الأمم المتحدة مهرجاناً موسيقياً تدعو فيه المواطنين من الطرفين لعبور الحواجز التي تمنعهم عن أقرانهم، والاستمتاع بأجواء يحضر فيها التفاؤل بما يمكن أن يكون، ويغيب عنها ما تثيره الحرب من مشاعر الخوف والحزن، فهل غابت؟

إحدى المواطنات: لا، لا لأن هناك العديد من الناس الذين لا يزالون يذكرون،لم يمض سوى أربع وعشرون سنة، وأعتقد أنه من الصعب عليهم أن ينسوا.

أحد المواطنين: إنها ثلاثمائة صاروخ، سينشرونها في قبرص، وهذا يهدد السلام، لأنه لا يمكن لأحد التكهن بما ستكون عليه ردة فعل تركيا، لا يمكن تغيير نظام القوى مع قبرص، ولكنها ستكون خطوة أولى باتجاه تطور جديد، لذا سيكون ذلك تهديداً للسلام كما أعتقد.

مواطن ثالث: نعم آمل أن يوافق الجميع على حل مشكلة قبرص بطريقة سلمية بحيث أن كل أجيال الحاضر، والمستقبل تستطيع الحياة معاً في سلام.

مواطن رابع: إذا تركتنا تلك الحكومتين فإننا نقرر مصيرنا بأنفسنا، فإن عامة المواطنين تواقين للحياة سوياً.

أسعد طه: رائع أن يكون للأمم المتحدة هذه النوايا الطيبة.

غريب أن يتحول دورها إلى دور احتفائي، مدهش أن نراها تدفن رأسها في الرمال، والعاصفة على الأبواب، متناقض أن نراها هنا وديعة، وهناك تحكم الطوق، السلام عليكم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة