البوسنة بعد اتفاق دايتون   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:09 (مكة المكرمة)، 14:09 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

خالد الحروب

ضيوف الحلقة:

جميل رافائيل: صحفي متخصص في شؤون البلقان
مأمون النحاس: القائم بأعمال سفارة جمهورية البوسنة في لندن سابقاً
سومانترا بوس: المؤلف

تاريخ الحلقة:

20/01/2003

- مدى صحة الرؤية الأكاديمية في الكتاب لمأساة البوسنة
- الوضع قبل دايتون والأجواء التي أدت إليه

- أسباب عدم قبول مسلمي البوسنة بالاتفاقيات السابقة

- تقييم التدخل الأوروبي والأميركي

- مستقبل البوسنة في ظل اتفاق دايتون

خالد الحروب: أعزائي المشاهدين، أهلاً وسهلاً بكم.

الصراع الدامي في البوسنة انتهى، ولو مؤقتاً مع توقيع اتفاق ديتون عام 95 في الولايات المتحدة وبرعاية أميركية، الاتفاق أنشأ كياناً شبه فيدرالي جمع الشرائح المتصارعة الثلاث بوشناق وكروات وصرب البوسنة في شبه دولة واحدة بنظام دوري للرئاسة، وبتوزيع بالغ الدقة للمناصب تظهر فيه الأمور وكأنها تقف على حافة الانهيار طوال الوقت.

السؤال: هل كرَّس الاتفاق نتائج سياسة التطهير العرقي التي شنها الصرب ضد المسلمين والكروات خلال سنوات الحرب؟

وهل كان تدخل الولايات المتحدة لصالح المسلمين في البوسنة أم ضدهم؟

وما هو مستقبل البوسنة في ظل الاتفاق؟

وهل يمكن القول بأنه نجح بعد مرور أكثر من سبع سنوات على تطبيقه؟

هذه هي القضايا التي يناقشها كتاب اليوم الذي هو بعنوان "البوسنة بعد اتفاق ديتون" من تأليف الأكاديمي سومانترا بوس (المحاضر في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسي).

بشكل عام يمكن اعتبار هذا الكتاب مرجعاً مهماً لكل من يتابع فصول المأساة البلقانية، إذ يتضمن تفاصيل الاتفاق وخلفياته وأسسه النظرية والعملية، ومواقف الأطراف المختلفة منه، كما يتضمن معالجات مطولة حول مفاهيم التدخل الخارجي لإحلال السلام، سواء أكانت تحت راية الأمم المتحدة أم حلف الناتو أم غيرهما.

أستضيف اليوم في الأستوديو لمناقشة هذا الكتاب الأستاذ جميل رافائيل (الصحفي المختص في شؤون البلقان والمقيم في مقدونيا) فأهلاً وسهلاً به.

جميل رافائيل: أهلاً ومرحباً بكم.

خالد الحروب: وكذلك الأستاذ مأمون النحاس (القائم بأعمال سفارة جمهورية البوسنة سابقاً في لندن وذلك أثناء سنوات الحرب)، فأهلاً وسهلاً به أيضاً.

مأمون النحاس: أهلاً بكم.

خالد الحروب: لكن ماذا يقول الكاتب عن الغاية من تأليفه للكتاب وعن الأفكار الأساسية الواردة فيه؟ هذا ما سنسمعه في سياق الحوار التالي الذي كنت قد أجريته معه في وقت سابق.

سومانترا بوس: الكتاب هو مسح واستطلاع وتحليل لنجاعة التدخل الدولي في البوسنة والذي كان يهدف في بداية الأمر إلى بناء دولة ومن ثم تطبيق العملية الديمقراطية في البوسنة في مرحلة ما بعد الحرب الدامية ما بين عام 92 وعام 95، وقد أمعنت النظر في عدد من القضايا كمسألة تقسيم البوسنة لتحليل مدى نجاح هذا التدخل إلى جانب عدد من المشاكل الأخرى.

خالد الحروب: كتابك في الأصل يتحدث عن ديتون، عن اتفاق ديتون و.. والأسس والمرتكزات التي يناقشها، ما هي هذه الأسس والمرتكزات، ما هي أهميتها؟

سومانترا بوس: اتفاقية ديتون نوقشت في بلدة وسط غرب الولايات المتحدة تُدعى ديتون أوهايو في قاعدة حربية أميركية في نوفمبر من عام 95، وأنهت الاتفاقية الحرب في البوسنة وأبقت على دولة البوسنة لتضم الجماعات الثلاث الصرب والكروات والمسلمين، إلا أن الاتفاقية أوجدت حكومة غير مركزية مثل كونفيدرالية يضم جزء منها الصرب ويعيش في الجزء الآخر المسلمين والكروات، إلا أن المسلمين والكروات غير منسجمين مما عنى تقسيم هذا الجزء أيضاً، ولكن يمكن إطلاق اسم دولة عليه، لكن يمكن القول أيضاً بأنها أكثر دولة لا مركزية في العالم أجمع.

خالد الحروب: في كتابك أنت متشكك من نجاح دولة واحدة متعددة الإثنية تحتوي على المجموعات الثلاث البوسنويون والصرب والكروات، ولكن في نفس الوقت تقول: أن تقسيم هذه الدولة هو حل أسوأ أيضاً، إذن ما هو الحل المناسب؟ أين نضع الخط بين الحل الجيد والحل الفاشل؟

سومانترا بوس: نجاح أو فشل تنفيذ اتفاقية ديتون -كما ذكرت في الكتاب- يعتمد في الأساس على طبيعة التحليل الذي تتبعه وكيف تحدد الفشل أو النجاح، وما هي أولوياتك السياسية حين تحلل نجاح أو فشل الاتفاقية، وكما ذكرت هناك ثغرات في اتفاقية ديتون، إلا أن البدائل أسوأ، فعلى سبيل المثال في حال فرض دولة مركزية يُجبر فيها الصرب والكروات على العيش معاً، فإنك تحكم عليها بالفشل على المدى البعيد، لكنني في الوقت ذاته ناقشت بقوة الدعوة التي وُجِّهت إلى تقسيم البوسنة إلى ثلاثة أقسام واحد يخصص للصرب، والآخر يخصص للمسلمين، والقسم الثالث يخصص للكروات وبيَّنت فشل هذا الطرح أيضاً.

خالد الحروب: من وجهة نظر المسلمين يعتبر اتفاق ديتون اتفاق ظالم ومجحف، لأنه كرَّس نتائج التطهير العرقي الذي عانوا منه خلال الحرب، والآن يعانون من تطهير عرقي عبر هذا الاتفاق.

سومانترا بوس: ذكرت في جزء من الكتاب بأن الجميع عانوا من حرب البوسنة، ولكن بدون أدنى شك عانى المسلمون أكثر من غيرهم من هذه الحرب وذلك لسبب بسيط وهو ضعفهم العسكري، إلا أن أعداداً كبيرة من الصرب والكروات كانوا أيضاً ضحية للحرب وتعرضوا هم كذلك لما حدث من قتل واغتصاب وترحيل جماعي للأعراق، وهو ما أُطلق عليه لاحقاً بالتطهير العرقي، ومن الإجحاف القول بأن اتفاق ديتون تجاهل المشاكل الناجمة عن التطهير العرقي، أو أنه يُنادي بشرعية ما حدث، فهو أولاً اتفاق يحافظ على الورق، ومن الناحية القانونية أيضاً على دولة تضم ثلاثة أجزاء، ويُصر على حق عودة اللاجئين المطرودين إلى ديارهم ومنازلهم الأصلية، وهذا واحد من الأعمدة الرئيسية لتسوية ديتون، وشهدت السبع سنوات الماضية وعقب انتهاء الحرب عودة 400 ألف شخص إلى منازلهم، 120 ألفاً منهم مسلمين، يعيشون في منطقة تقطنها أغلبية صربية، وهناك عشرات الآلاف من الصرب الذين عادوا إلى سراييفو.

إذن العودة حق يتمتع به الجميع كحق أساسي من حقوق الإنسان بغض النظر عن انتمائهم لأي جماعة كانت، ورغم أن أحداً يمكن القول بأن هذا الحق لم يطبق بنجاح، إلا أن عودة أكثر من 400 ألف شخص إلى البوسنة وإلى منازلهم وبيوتهم يُعتبر نجاحاً كبيراً خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن عدد سكان البوسنة لا يتعدى ثلاثة ملايين ونصف مليون شخص فقط.

خالد الحروب: ما هي الدروس التي تستنتجها خاصة في الفصل الثاني من تدخل المجتمع الدولي وانخراطه في المأساة البوسنوية والخروج بحل سلمي أياً ما كانت صيغة ذلك الحل.

سومانترا بوس: لعلك لاحظت أنني انتقدت إمكانية تحقيق التدخل الدولي للكثير لإعادة بناء المجتمعات التي مزَّقتها الحروب، ولكنني في الوقت ذاته لا أعارض التدخل الدولي، وأعتقد أنه إيجابي وبنَّاء إذا ما طبق بصورة صحيحة، وإذا ضم أهدافاً متواضعة، وهنا أريد التفريق بين التدخل لأسباب إنسانية وبهدف تقديم المساعدات للمنكوبين في مناطق الحرب، وبين التدخل الذي حدث بعد تطبيق اتفاقية ديتون، ما حدث كان عملياً بناء دولة من الصفر بكل مؤسساتها وحقق الاتفاق نجاحاً معقولاً، لكنني أعارض التدخل وفرض الانسجام بين جماعات لا تريد العيش معاً، لكن التدخل في البوسنة أدى إلى إعادة بناء مجتمع كان مُحطماً ومنقسماً.

مدى صحة الرؤية الأكاديمية في الكتاب لمأساة البوسنة

خالد الحروب: أخ جميل، إذا بدأت معك وبعدما استمعنا للمؤلف وأنت طبعاً منخرط في.. في المأساة البلقانية من سنوات.. من أهم الصحفيين العرب، هناك من 20 سنة، سؤالي: إذا قارنت.. أنت اطلعت على الكتاب.. كيف ترى الكتاب.. أهمية الكتاب من وجهة نظر من عاش المأساة البلقانية يعني يوماً بيوم وعلى أرض الواقع؟

يعني هذه الرؤية الأكاديمية هل هي منطبقة على الواقع، ما هي الجديد فيها؟ ما هي الإضافة فيها، أم هي ناقصة؟

جميل رافائيل: الحقيقة الكتاب هو بحث أكاديمي كبحث أي تلميذ أو باحث يريد الحصول على شهادة ماجستير أو شهادة دكتوراه، وأنه مُستند على وثائق رسمية وأدلة لا يمكن الاعتراض عليها، لأنه هذه الأدلة ليست شاهد من هذا القوم.. العرق أو القوم أو من ذاك وإنما هي وثائق مُدونة وموقعة ولا يمكن أحد أن يطعن فيها.

الحقيقة أنا لفت انتباهي ما قاله المؤلف في المقدمة أن اتفاق ديتون قال هو: أنهى الحرب في البوسنة، الكلام هو قريب على الحقيقة ووقف عند هذا الكلام، بس أنا اللي أريد أقوله، الأقرب و.. للواقع أن اتفاق ديتون أوقف القتال في البوسنة، ولكنه لم يحقق السلام في البوسنة، هذه نقطة مهمة.

ثاني نقطة: اللي أنا أيضاً لفت انتباهي أيضاً هو يقول: أنه عاد 400 ألف لاجئ إلى البوسنة، والظاهر إذا كنت قد فهمت حديثه بالضبط، قال: أن سكان البوسنة لا يتعدى الثلاثة ملايين وهذا غير صحيح، سكان البوسنة حسب الإحصاءات 1991 كان أكثر من 4 ملايين ونصف المليون نسمة ونصفَهم من.. ونصفُهم من المسلمين، هذه حقائق مُدونة وموجودة في خريطة رسمية ومعترف بها بكل.. أريد أختم..

خالد الحروب[مقاطعاً]: هو.. هو قال ثلاث ملايين ونص وربما يعني مثلاً نقص منهم عدد اللاجئين، إذا كان عدد المسلمين أو عدد سكان البوسنة بالعدد الذي ذكرته أربع ملايين ونص، فيمكن يكون مثلاً نقص منهم عدد اللاجئين والآن بيقول ثلاث ملايين ونصف وعاد 400 ألف ربما..

جميل رافائيل: على كل حال إذا كان بهذا الحال أجد أنا أريد أن أصل إلى نتيجة معينة في هذا شأن اللاجئين، صحيح رجعوا 400 ألف لاجئ إلى.. ولكن كم كان عدد اللاجئين؟ كان أكثر من نصف سكان البوسنة، يعني أكثر من مليونين وربع كان، وغالبية هؤلاء اللاجئين كانوا من المسلمين، إذن القضية ليس في عودة 400 ألف لاجئ، لأن من.. عندما يقول 400 ألف لاجئ هو يتحدث بالتأكيد عن الصرب اللي بعث.. أرسلوا عوائلهم لتعيش في صربيا والكروات الذين أرسلوا عوائلهم وبعض المسلمين الذين عادوا، ولكن المعادلة لازالت لم ترجع على حقيقتها الواقعية التي كانت عليها حسب التوزيع السكاني قبل حرب البوسنة، أقصد قبل 6 أبريل/ نيسان 1992 وخصوصاً أن الضرر الأكبر لحق بالمسلمين، لأن كثيرين منهم لازالوا خارج البوسنة، وأيضاً الذين عادوا لم يستطيعوا العودة.. أو الذين بقوا داخل البوسنة لم يستطيعوا العودة إلى ديارهم في مناطق الصرب والكروات رغم اتفاق ديتون.

الوضع قبل ديتون والأجواء التي أدت إليه

خالد الحروب: نعم، على كل حال سوف نناقش يعني بعد يعني لأنه هو الكتاب كله عن اتفاق ديتون، فسوف نناقش، لكن أسأل الأستاذ مأمون يعني قبل أن نصل إلى الكتاب، قبل أن نصل إلى ما بعد ديتون البوسنة ما بعد ديتون، السؤال يعني: ماذا الذي قاد إلى الاتفاق؟ يعني هو طبعاً بالفصل الأول يعني يُمهد ويشرح يعني مواقف الأطراف المختلفة الخسارات والأرباح، يعني برأيك كيف كانت الصورة التي قادت إلى هذا الاتفاق؟ وضع المسلمين الضعيف، القوي، الكروات، الصرب، والتدخلات الدولية.

مأمون النحاس: نعم، بلاشك إن وضع المسلمين قبل الحرب كانوا هم الأضعف لأنهم لم يكونوا مسلحين، لم يكونوا مستعدين، لم تكن خلفهم أي جهاز معين يمكن أن يمدهم بالمال والسلاح والتدريب وإلى آخره، الصرب كانوا هم المسيطرين على الجيش اليوغسلافي إجمالاً والكروات.. كرواتيا كانت تقف خلفهم وتمدهم بالسلاح وإلى آخره، إذن الأضعف كانوا هم المسلمين، الحرب استمرت والمسلمين نادوا يا عالم سلِّحونا، فجاءت أوروبا وأميركا والعالم كله حط حظر تزويد سلاح على يوغسلافيا، طب استثنوا المسلمين، أعطونا سلاح ندافع عن نفسينا، ما كانوا يعطوهم سلاح!! طب ادخلوا حمونا، ما كانوا يدخلوا يحمونا، الحرب استمرت قبل ديتون ثلاث سنوات ومئات الألوف من الضحايا ومعظم المسلمين سقطوا، لأن المجتمع الدولي في ذلك الوقت أو تحديداً أميركا التي كانت هي يعني ممكن أن تقول الكلمة لم تتقدم بأي شيء، وأوروبا كانت تنطلق من خصوصيات كل دولة ومصالحها الخاصة و.. كانت هناك الصراعات الخلفية تقف خلف عدم وتدخل المجتمع الدولي، إذن المسلمين عانوا الكثير، عندما بدأ المسلمين يقفون على أرجلهم بثبات وبدأ السلاح يصل إليهم بطرق معينة أصبح الأمر اختلف، وهنا رأينا التدخل قد تم، وأجبر الزعماء في ديتون على أن يدخلوا إلى القاعدة العسكرية، وقفل عليهم الأبواب، وممنوع أن تخرجوا إلى أن توقعوا، ووقعوا، وخرج الرئيس علي عزت وقال: هذا ليس أفضل ما يمكن أن نحصل عليه، ولكن شيء أحسن من ولا شيء، ولكن إذا نظرنا إنه كيف تم ذلك؟ هذا الشيء يعني لازم العالم كله يفهمه، إن المسلمين هم الخاسرين الوحيدين من هذا الاتفاق، لأنه الحرب مستمرة، الصرب سيطروا على أجزاء، وصاروا وسموها (صربيسكا ربوبليكا) أو جمهورية صربيسكا، و الكروات احتلوا ما يمكن احتلاله، والجهتين يناسبهم وقف الحرب، جاءت ديتون بشقين من الاتفاقية، اتفاقية شق عسكري وشق مدني، الشق العسكري أوقف القتال، لم ينهِ الحرب كما تفضل الأستاذ جميل أوقف القتال، وذلك كان في صالح الكروات والصرب 100%، لأنه كل منهم مسيطر..

خالد الحروب [مقاطعاً]: أيضاً في صالح المسلمين، المسلمين كانوا يعانون مثلاً.

مأمون النحاس [مستأنفاً]: لأ، ليس.. ليس في صالح المسلمين.

خالد الحروب: يعني من ناحية.. من ناحية ضحايا وكما يذكر..

مأمون النحاس: بدأ جيش البوسنة يستعيد ويستعيد قوته، ويقف على رجله، ويستعيد أجزاء ويحرر، فقُصم ظهره في ذلك الوقت وأوقف، فاللي ناسب الشق العسكري ناسب الصرب، وناسب الكروات، لأنه يحفظ لهم مكاسبهم، ولم يناسب المسلمين، لأنه أجزاء كبيرة من أرضهم أخذت، وطرد منها سكانها، فجاء المسلمين ووافقوا على الاتفاق باعتبار أن الشق المدني سيعوضهم عن الشق العسكري، أي الشق المدني اللي بيقول إنه أهم بنوده رجوع العائلات أو رجوع المهجرين واللي هجروا بالطرق العسكرية إلى مواطنهم وأراضيهم، وذلك لم يتم إطلاقاً...

أسباب عدم قبول مسلمي البوسنة بالاتفاقيات السابقة

خالد الحروب [مقاطعاً]: ولكن.. ولكن أستاذ مأمون، وأسأل يعني الأخ جميل أيضاً يعني في هذا الفصل والفصل الذي يليه يتابع المؤلف ما هي الأمور، وكيف تسلسلت الأحداث، وتم قبول هذا الاتفاق، ويذكر أيضاً: إنه المسلمين يعني تقريباً رفضوا اتفاقات سابقة على ذلك، و هم يتحملون جزئياً كما تقول وجهات نظر مختلفة، مثلاً رفضوا مبادرة مشروع المشترك المقدم من اللورد (أوين نوفانس) قدموا مشروع كان ربما أفضل من المشروع.. مشروع ديتون فيه مشروعات أخرى رفضها المسلمون، فهناك أطراف تحمل المسلمين مسؤولية الوصول إلى هذا الاتفاق المخل بحقوقهم ، لأنهم رفضوا ما كان أفضل منه في السابق، ما رأيك أستاذ جميل؟

[فاصل إعلاني]

جميل رافائيل: الحقيقة كما تفضل الأستاذ مأمون، وذكر بالتفصيل، أنا أقول أن المسلمين خدعوا كثيراً من أطراف كثيرة، وخصوصاً من الأوروبيين ومن الولايات المتحدة الأميركية، هذا واضح، وأنا لو كان موجود مجال عندي أدلة ووقائع كثيرة كثيرة جداً، أنا شاهد عليها لا مجال لتعدادها، وهناك نقطة مهمة: عندما أصبح المسلمون أقوياء، قاموا.. قامت الولايات المتحدة بالإعداد لاتفاق ديتون، لأن المسلمين أصبحوا أقوياء، واستعجلوا في توقيعه، لأن المسلمين لم يبقَ أمامهم إلا أيام ليسيطروا على مدينة بنيالوكا.. بنيالوكا أشهر مدينة الآن هي عاصمة صرب البوسنة، وكان بإمكانهم خلال أسبوع.. يسيطرون عليها، وأنذروهم وأرغموهم على وقف جيوشهم حوالي أعتقد 40 كيلو متر عن مدينة بنيالوكا، وأنا شاهد على هذه القضية.

إذاً الذي حصل أنه اتفاق ديتون فُرض فرضاً على المسلمين بدرجة كبيرة، وأنهم المسلمين كانوا معارضين إلى آخر لحظة، وحتى كما تفضل الأستاذ مأمون...

خالد الحروب [مقاطعاً]: في المقارنة أستاذ جميل، يعني مقارنة بالمشروعات السابقة.

جميل رافائيل: نعم.. نعم هو هذا اللي سأقول عنه، أنه حدث عدة مشروعات سابقة، مثلاً مشروع (خوزيه كونتريللو) اللي قدم في قبل اندلاع الحرب البوسنية بحوالي شهر، وهو مشروع أوروبي، الحقيقة كان يقسم البوسنة إلى كانتونات، وكان المسلمين وافقوا عليه في بداية الأمر في لشبونة، وكان متوقف على التوقيع، ولكن يبدو كما أنا كنت في ذلك الوقت باليوم بالضبط موجود في البوسنة، أنه صار ضغوط من أطراف مختلفة، وعلى الأرجح..

خالد الحروب: مين.. يعني من هي الأطراف المختلفة؟ الأطراف المختلفة كانت أطراف أوروبية والطرف الأميركي؟

جميل رافائيل: أنا أعتقد أن.. الأوروبيين هم أصحاب هذا..

مأمون النحاس: القرار..

جميل رافائيل: يعني التقسيم الكانتوني، ولكن أعتقد الولايات المتحدة، لأنه ربما كان صار من دول أخرى، ولكن دول أخرى كلها لا ممكن أن تخرج عن الدائرة التي تريدها الولايات المتحدة الأميركية، ربما من دول عربية إسلامية قد تكون هي محرضة من الولايات المتحدة، ولكن العنصر الرئيسي هو الولايات المتحدة، فيوم التوقيع لم.. كان على أساسه يوقع الاتفاق كما تم الاتفاق.. كما تم بالأحرف الأولى في لشبونة، الرئيس (علي عزت بيجوفيتش)، و(رادوفان كراويتش) و(ماتيه بوفان) أن يذهبوا إلى (فيلا تيتو) في ضواحي سراييفو ويوقعوا، وأنا كنت موجودة، وكنت أرى هذا..، ولكن ذهب ماتيه بوفان، وذهب كراديتش، علي عزت بيجوفيتش، وعندما استفسرت بعد ذلك قيل لي..

خالد الحروب [مقاطعاً]: علي عزت بيجوفيتش لم يذهب أو..

جميل رافائيل [مقاطعاً]: لم يذهب إطلاقاً، وعندما استفسرت عن السبب، لأن أنا رأيت من ذهب، وعندما استفسرت عن السبب قيل لي أنه حصل ضغط على علي عزت بيجوفيتش، قلت إنه..

خالد الحروب: من قِبَل..

جميل رافائيل: عدم التوقيع سيؤدي إلى الحرب، قالوا: على كل حال..

خالد الحروب [مقاطعاً]: يعني الضغط اللي حصل على الرئيس علي عزت بيجوفيتش قبيل توقيع ذلك الاتفاق، يعني من قِبَل مَنْ؟ يعني من؟

جميل رافائيل: أميركي.

خالد الحروب: ضغط أميركي، وهذا كان سنة 93 حين كنت..

جميل رافائيل: أعتقد يعني الأكبر هو أميركي.

خالد الحروب: وهذا كان في سنة مبكرة عن ديتون بسنتين ثلاثة.

جميل رافائيل: شهر. لا، كان قبل ديتون حوالي 5 سنوات أو لا قبل 92 قبل، و3 سنوات ونصف..

خالد الحروب: طب هنا السؤال.. هنا السؤال.. أستاذ جميل، هنا السؤال.. هنا السؤال بالضبط يعني.. يعني لو وقع المسلمون، وما أعرف رأي الأستاذ مأمون لو وقع المسلمون آنذاك على هذا الاتفاق لوفروا يعني عليهم وأيضاً على المنطقة سقوط يعني عشرات الآلاف من.. من.. من الضحايا والتدمير، وكل هذا الألم والمأساة التي شهدناها في السنوات اللاحقة.

مأمون النحاس: نعم، ولكن لما تيجي في وضع يعني يتناسى أو يتعامى فيه الوسطاء عن الحقوق الأساسية لشعب بكامله، زي ما تفضل الأستاذ جميل، إنه شعب البوسنة التعداد تبعه كان 4.5 أو 5 مليون، منه حوالي 53% مسلمين، أين حقوق هادول ما تناسبهم وتحطهم في نفس الميزان مع 17% كروات والباقي صرب؟! يعني ما كان فيه عدل إطلاقاً، حتى في هذاك اللحظة أن يتقبل أي عقل، يعني لو وقع في آنذاك عزت بيجوفيتش لربما قتل لربما اغتيل، لأنه كانت حقوق البوسنيين باعتبار أنها يعني بشكل عنيف كبير قد هدرت، يعني هذه الأسباب، لكن هو وضعه كانت دائماً وأبداً تحت الضغط، يعني عزت بيجوفيتش...

خالد الحروب [مقاطعاً]: أي نعم، المشكلة.. المشكلة هذه يعني صح إحنا الآن بنناقش هذه الأمور ونحن مرتاحين بعد مرور عدة سنوات، وطبعاً الأمور السياسية يعني لما تتخذ تحت الضغط والحرب الأمر مختلف، لكن يعني التأخر في اتخاذ مثلاً هذا القرار قَبِل المسلمون لاحقاً في ديتون قرار أجحف بحقهم وظلمهم أكثر وأكثر..

مأمون النحاس: أيوه، ولكن لا تنس إنه الأيدي الأجنبية والمصالح الأوروبية اللي كانت متضاربة فيما بينها كانت تلعب دور، يعني كانوا يعطوا للمسلمين يعني تأكيدات، اذهبوا للانتخابات، أعطوا صوتكم، بدكم ديمقراطية، بدكم انفصال عن يوغسلافيا، إحنا بنساندكم، إحنا موجودين، عندما وقعت الواقعة لم يجد أحد بجانبهم، طلعوا المسلمين وصوتوا قالوا إحنا ضد، إحنا عايزين الاستقلال، مش عايزين نظلنا في الكونفيدرالية اليوغسلافية، وهذا كان سبب الحرب الأساسي إنه المسلمين والكروات صوتوا ضد يوغسلافيا، بمين؟ بدعم من أوروبا، بدعم أجنبي خارجي، وعندما وقعت الواقعة الكل غسل إيده..

خالد الحروب: طيب دعني آخذ هذه النقطة اللي هي يعني.

جميل رافائيل: الـ.. ربما قد يكون السؤال الذي تفضلتم به..

خالد الحروب: اتفضل.

جميل رافائيل: وإن جاوبت سأجاوب باختصار، المشروع الآخر كان مشروع اللورد (أوين) و(سورفاتو شتوتربرغ) الوسيط الدولي، وأوين الوسيط الأوروبي اللي يعد في جنيف، وأيضا وافقوا عليه الأطراف الثلاثة، وكان على أساس توقيعه، وحسب شهادة السير (سورفاتو شتوتربرغ) وهو اللي معد التوقيع، يقول أنه الأميركان ذهبوا إلى علي عزت بيجوفيتش، ومنعوه من التوقيع، هذا الاتفاق، كان يقسم البوسنة إلى ثلاث جمهوريات تدخل في اتحاد كونفيدرالي، الحقيقة أنا شخصياً باختصار جداً مؤيد لمثل هذا الاتفاق، لماذا؟

الآن اللي حصل نتيجة ربما ضاق الوقت كان عندي موقف، بس الآن أنا..

خالد الحروب [مقاطعاً]: هذا الاتفاق كان سنة 93.

جميل رافائيل: 93.

خالد الحروب: 93..

جميل رافائيل: الآن أولاً كان أنهى الحرب في وقت كان جداً خطير على المسلمين.

ثاني شيء: اتفاق ديتون قسم البوسنة إلى قسمين، 49% يعني نصف البوسنة للصرب، و51% النصف الثاني للمسلمين والكروات، إذاً النصف الثاني للمسلمين، قل لي: أين هو مكان المسلمين بهذا النصف؟ عندما تسأل أي شخص يقول لك: مكانهم مع الكروات، الكروات يعني ناس لا حاجة إلى ذكرهم، ليسوا أقل من الصرب..

مأمون النحاس: عداوة للمسلمين..

جميل رافائيل: يعني عداوة للمسلمين أو..، إذاً القضية لو كان المسلمين أخذوا مكان مُعيَّن ثبتوا 100% إلهم، وإذا صار انفصال وانتهاء البوسنة في يوم من الأيام كان شكَّلوا جمهورية خاصة بهم في هذا إذا تتابعت الأحداث، كان شكَّلوا دولة مسلمة مؤكدة مهمة من أفضل مناطق البوسنة موجود بها، وكان هذا لا يقبله الأميركان والأوروبيون، لأنه أكره شيء عندهم أن يجدوا في البوسنة دولة مسلمة، واتفاق ديتون قضى على وجود دولة مسلمة في البوسنة من خلال دمجهم بالكروات، وهذا هو الواقع.

تقييم التدخل الأوروبي والأميركي

خالد الحروب: يعني هذا السيناريو كان ممكن أن يحدث يعني كما يشير الكتاب يمكن ربما في الفصل الثالث لو تمت الموافقة على هذه المشروعات، مشروعات سنة 93 أوين، وفانس، وغيرهم، لكن تمَّت أخير، الطرف الأوروبي أو الطرف الأميركي يبدو في الكتاب عندنا هنا، وكأنه يقوم بعمل يعني وسيط عمل نزيه محايد، بل وعمل في كتب أخرى وفي قراءات أخرى بأنه قام بعمل عظيم، يعني تدخل الأميركان في البلقان دائماً يرى الآن، ويحلل من وجهة نظر العلاقات الدولية على أنه يعني تدخل قوى كبرى.

مأمون النحاس: طب فين كان من 3 سنين لما اندبحوا المسلمين؟

خالد الحروب: هذا السؤال.. السؤال: كيف يتم.. كيف نقيِّم التدخل الأميركي والتدخل الأوروبي في هذه الحرب؟ التدخل الأميركي ينظر له على أنه تدخل جيد، والتدخل الأوروبي ينظر على أنه تدخل فاشل سمح للحرب بالامتداد، ولو لم يتدخل الأميركان لاستمرت المأساة، أستاذ مأمون.

مأمون النحاس: طبعاً يعني زي ما أنا ذكرت إنه الصراعات.. صراعات المصالح بين الدول الأوروبية هي اللي.. اللي خلَّت الحرب تستمر، وكل دولة كانت يعني لها حساباتها الخاصة، يقال طبعاً من ضمن.. هذه، إنه بعد سقوط جدار برلين والشيوعية وإلى آخره.. الواقع إنه ألمانيا لوحديها قعدت تستمر في مصالحها الاقتصادية في انتشار، من تشيكوسلوفاكيا.. للمجر، لكرواتيا، لسلوفينيا، ونطَّت عن البوسنة إلى بلغاريا ومقدونيا، وإلى آخره، هذا الزحف الاقتصادي الشنيع للألمان ما أعجب الفرنسيين ولا أعجب الإنجليز، فلابد من وضع حد لهذا الزحف الاقتصادي الرهيب للألمان، فكان الوضع إنه عند البوسنة حط حد وأوقف هناك أي زحف ثاني للاقتصاد الألماني والسيطرة فيه، يعني هذا مصلح.. هذا رأي كان من الآراء اللي إنه الصراعات بين الدول ومصالحها الاقتصادية حطت البوسنة في موضع أخذ.. ويعني جذب.

خالد الحروب: شد، شد وجذب..

مأمون النحاس: شد وجذب، وإلى آخره، ولم يقم أحد بالواقع بأكثر من النواحي يعني اجتماعات في جنيف واجتماعات في هنا وهناك، ولم يتدخل أحد تدخل عسكري، يقول للظالم: أوقف عندك هنا، وأميركا تتفرج، طب 3 سنين، طبعاً أميركا عايزة يعني إن نفرض نقول إنه أيوه أوروبا لا تستطيع أن تحل مشاكلها بنفسها، وأنا اللي بأقدر أحل، و دخلت وهنا حليت، هذا منتهى البساطة اللي كان دخلت أميركا، وحطت اللي هي عايزاه، وحطت الناس كلياتهم في أوضة واحدة، وقالت لهم: وقعوا، وما فيش تطلعوا من هون قبل ما توقعوا، وهذا اللي إجاكم..

خالد الحروب: وجهة النظر بتقول إنه أميركا تركت ما يحدث في أوروبا، لأنه هذه مسألة أوروبية داخلية، واعتقدت أن الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية الكبرى بريطانيا وفرنسا وألمانيا سوف تحلها، يعني إن آجلا أم عاجلاً هذه.. هذا.. هذا الأساس.

مأمون النحاس: 6 أشهر، سنة، سنتين!

خالد الحروب: ولكن لما طال الأمر اضطرت أميركا للتدخل وحسمت الأمر عن طريق اتفاق ديتون ثم التدخل العسكري اللاحق، ما رأيك في هذا التحليل يا أستاذ جميل؟

جميل رافائيل: الحقيقة تحليلكم يعني فيه..

خالد الحروب [مقاطعاً]: مش تحليلي أنا بأحكي لك تحليل وجهة يعني النظر الأخرى.

جميل رافائيل: نعم، أميركا عندها أطماع لابد منها في منطقة البلقان، هذه الأطماع ترتبط من.. من البوسنة تمتد وتأتي إلى صربيا وإلى كوسوفو ومروراً ببلغاريا وذهاباً إلى القواعد الأميركية في تركيا، ووصولاً إلى الأطماع اللي تريدها أميركا حتى جمهورية جورجيا السوفيتية السابقة، في بلغاريا اتفقت على ميناء (فارنا)، منطقة قريبة على ميناء فارنا يصير قاعدة أميركية مطلة على روسيا ومطلة على هاي، في كوسوفو، عملت أيضاً قاعدة (بوند ستيل) اللي هي أكبر قاعدة أميركية في جنوب شرق، في البوسنة قاعدة (توزلا) إلى آخره، في صربيا بدها تهيئ الأوضاع إلى آخره، في مقدونيا ثبتت تدخلها من خلال إثارة الحروب والنزاعات والآن في كل مطرح في مقدونيا موجود به ممثل أميركي هذا معروف، ونشوفه بعيوننا، على كل حال، أميركا إذا كان هناك.. أوروبا منقسمة، بالضبط مثل ما قال الأستاذ مأمون، لأنها تريد مصالحها، متضاربة. أحد الذين -واقعياً- شاركوا في انهيار يوغسلافيا السابقة هو (جينشر) الألماني، وزير خارجية ألمانيا في ذلك الحين.

خالد الحروب: لكن نتابع خط المصلحة الأميركية في.. في البوسنة والبلقان.

جميل رافائيل: لأ بالضبط، هو هذا اللي أريد أقول (جينشر) ما كان عنده إمكانية في ذاك الوقت، يقوم بهذا العمل لو لم يكن هناك نوع من الارتباط في العملية أو التشاور مع أميركا، إذن الدول الأوروبية الأخرى.. الحقيقة فرنسا وبريطانيا هي هذه الدول، هذه كانت تبحث مصالحها التقليدية الموجودة سابقاً في البلقان، خصوصاً عند الصرب، البريطانيين يعتبرون أصدقاء الصرب والفرنسيين كذلك، ولهذا صارت مواقفهم متضاربة، وقريبة إلى الصرب، وأضرت بالمسلمين كثيراً يعني، لكن أميركا استغلت كل هذا لغرض واحد أنه تعقيد المشكلة بحيث أنه بالنهاية تصل إلى نتيجة أنه لا يمكن أحد أن ينهي هذه المشكلة إلا الولايات المتحدة الأميركية، وكما تفضل الأستاذ مأمون فإن الوجود الدولي قبل ديتون لم يفد المسلمين إطلاقاً، وأيضاً بعد ديتون أنا بعيوني شفت في البوسنة أميركا أمرت المسلمين بتدمير أسلحتهم اللي تعودوا عليها واللي كسبوها خلال الحرب واشتروها، وأجبرتهم أن يأخذوا يشترون أسلحة أميركية، ودفعت أثمانها دول عربية وإسلامية، أعرف ها الدول بالضبط، وجات الأسلحة وصلت بعد اتفاق ديتون إلى البوسنة، وأنا رأيت.. رأيت الدبابات موجودة والمدافع و.. ولكن لا يوجد قطع غيار، لا يوجد عتاد، فسألت..

مأمون النحاس: أين هي قطع الغيار؟

جميل رافائيل: فسألت أين قطع الغيار والهاي؟ قالوا لأ عند الكروات، إذن ماذا يفعل المسلمين بالدبابة إذا لا قطع غيار ولا قنبلة عندها..؟! والحال إلى هذا اليوم هو هكذا.

خالد الحروب: طيب.. طيب ما.. يعني وجهة النظر الأخرى أيضاً التي يعني مذكورة في كتاب يعني صدر من أشهر، ربما العام الماضي عن مؤرخ بريطاني، بروفيسور في جامعة كمبردج، يعني كتب كتاب "بريطانيا وحرب تدمير البوسنة" وحمَّل بريطانيا، وحمَّل أوروبا.. بشكل خاص، وبريطانيا.. وأوروبا بشكل عام مسؤولية الدمار الذي حصل في البوسنة، وقال: إنه أوروبا هي التي منعت التدخل الأميركي وأخَّرت التدخل العسكري إلى أقصى حد، والقارئ اللي بيقرأ هذاك الكتاب، يعني العام الماضي يعني اطلعت عليه يخلص إلى هذه النتيجة، إلى إنه موقف أوروبا كان متلكئ وموقف يعني عدواني، بل ويدعو في الكتاب إلى أنها قريبة من جريمة الحرب، يعني الموقف السياسي البريطاني قريب من.. من جرائم الحرب هو الذي أخَّر الدخول الأميركي الذي جاء بدعوى أنه دخول إنساني، وليس هناك مصالح للولايات المتحدة في البلقان، بل لوقف المأساة الإنسانية، ما رأي الأستاذ مأمون؟

مأمون النحاس: أنا يعني عايز أقول لك بس حكاية صغيرة جداً. في أثناء الحرب حضر الرئيس عزت بيجوفيتش إلى لندن، وطلب لقاء (ميجور) مش بدعوة من بريطانيا، دعا.. يعني تلقائياً طلب منه أنا عايز أجي على بريطانيا لأمور عايز أبحثها مع الحكومة البريطانية، قالوا له ميجور مواعيده full ما فيش مجال، لكن إحنا هنحاول ونقلب كل مواعيدنا ممكن (دوجلاس هيرد) يستقبلك، قال ماشي الحال، حضر بطائرة..

خالد الحروب: دوجلاس هيرد وزير الخارجية.

مأمون النحاس: وزير الخارجية في ذلك الوقت، وحضر الرئيس في مطار (ستانستيف).. ستانديد.. ستانستيف..

خالد الحروب: ستانستيفرد.

مأمون النحاس: ستانستيفرد، ولم يكن في استقباله أي حد من النواحي الرسمية إلا بني آدم واحد جابوه على أساس حارس شخصي، شيء من هذا القبيل، يعني لم ترافقه بأي.. أي صفة رئيس دولة أو إلى آخره، حتى (متروسايكل) واحدة لم ترافقه، وحضرنا، وفي تاني يوم كان الساعة 10 المفروض اللقاء في.. في وزارة الخارجية، وأنا كنت موجود مع الرئيس عزت بيجوفيتش، وذهبنا للقاء، وانتظر الرئيس حوالي 10 دقائق إلى أن حضر دوجلاس هيرد طبعاً رئيس دولة، ووزير خارجية بيستقبل رئيس دولة، الله أكبر، يعني إيشي..

خالد الحروب: يعني حتى في العرف الدبلوماسي غير مقبول.

مأمون النحاس: يعني مفروض أن يكون موجود لاستقبال الرئيس عند وصوله، مش الرئيس بيوصل وبعد 10 دقائق بيحضر، وهذه حقيقة، يعني أنا ما أخاف منها، وأنا شاهد عليها يعني، ومع ذلك أنا كنت أقول للرئيس يعني هذا يعني أكثر من ذُل بالنسبة لهذه، قال لي ما علهش يعني إحنا محتاجين للناس هدولا، ففي اللقاء.. في بداية اللقاء، قال له دوجلاس هيرد للرئيس (what can I do for you mister President....?)

ما.. مش ممكن يعني اتفضل إيش، أنت عايز منا إيش؟ فالرئيس قال له في منتهى البساطة، قال له جيش البوسنة يعني هو في.. لسه في البداية أما كان اسمه جيش البوسنة سيُحطم سريعاً إذا لم تقم أوروبا بمساعدتنا أو بالتدخل العسكري لحماية مدنيينا، وإذا أوروبا مش مستعدة لهذا الـ(Level) لهذا الحد اعطونا سلاح ندافع عن نفسنا إلى أن يتم شيء معين، فما كان فيه أي نوع من إجابة إيجابية إطلاقاً في هذا المضمار، رئيس دولة يحضر إلى أكبر رئيس دولة موجودة في.. في أوروبا بيترجاه أن يتدخلوا سريعاً لحماية الشعب البوسني أو السماح إمداده بسلاح، فما كان..

خالد الحروب: يعني أنا بأذكر المصوِّغ طبعاً البريطاني الرسمي آنذاك، وأنا لا أدافع عنه، لكن أنقله كان إنه وزارة الدفاع آنذاك في مرحلة يعني تخفيض النفقات الدفاعية وتخفيض التسلح بعد انتهاء الحرب الباردة، ولذلك همَّ ليسوا في وارد لا بيع السلاح ولا تشجيع السلاح ولا دعم البوسنة أو غيرها.

مستقبل البوسنة في ظل اتفاق ديتون

لكن إذا انتقلنا الآن إلى صيغة الاتفاق يعني و.. يعني وشكل الاتفاق ومستقبله--أستاذ جميل- اتفاق ديتون طبعاً يعني خلص بهذه الصيغة يعني الهشة إلى حد ما، وسألنا إحنا المؤلف قلنا له هو في.. في الكتاب بيقول ليس هو متفائل جداً بنجاح هذا الصيغة، الصيغة حشر ثلاث مجموعات في شبه دولة كونفيدرالية، وفي نفس الوقت لما سألناه قلنا له إذن هل الحل هو في ثلاث دويلات مستقلة؟ قال أيضاً هذا الحل يعني ليس حلاً ناجعاً، فما هو الحل يعني؟ أولاً ما رأيك في هذا الشكل اللي خلص فيه، هل هو قابل للحياة اتفاق ديتون بالشكل اللي خلص فيه، وإن لم يكن كذلك الأمر فما هو الشكل الذي ممكن أن يحل بالسلام؟

جميل رافائيل: بالتأكيد أن اتفاق ديتون لم يوفر حل، كما قلنا أوقف القتال فقط، وأوقف القتال بوجود قوات أطلسية، ما يعني غداً لو انسحبت القوات الأطلسية فالاحتمال كبير جداً جداً أن القتال سيعود، إذاً ماذا فعل اتفاق ديتون؟ لم يفعل أي شيء، إذن لماذا قام الأميركان بهذا ا لشكل؟ ألم يكن هم يعلمون أنه هذا الاتفاق هش، ووجود القوات الأجنبية هي ضمانة فقط لوقف القتال، فهل هذا يعني أن القوات الأجنبية ستبقى إلى ما لا نهاية في البوسنة لكي لا يعود القتال؟

إذن أنا باعتقادي أن الولايات المتحدة عملت الاتفاق بهذا الشكل لكي تضمن وجودها العسكري في البوسنة -كما قلت قبل قليل- ضمن المخطط، القواعد العسكرية الممتدة من البوسنة إلى جورجيا، هاي نقطة.

النقطة الثانية: ماذا كان يمكن أن يكون أفضل من هذا الاتفاق؟ أنا برأيي أنه كان ممكن إعادة الأوضاع بسهولة البوسنية إلى ما كانت عليه قبل الحرب من.. خصوصاً من ناحية التوزيع السكاني. إذا كان.. أنا متأكد 100% أنه قبل الحرب البوسنية أو قبل ما يصير القتال كانت العلاقات ممتازة جداً، كنت.. أنا كنت في قبل الحرب بسنتين أو ثلاثة في البوسنة ثق إذا ما أسمع اسم الشخص ما أعرف أنه هذا كرواتي، إلا مسلم، إلا صربي، بس إذا أسمع اسمه يمكن من خلال الاسم أقدر أعرف إطلاقاً، رحت على منطقة (بيهاتش) ثق بشرفي، جلست ويا ناس صرب وكروات ومسلمين بنفس الوقت، وما هاي، إذن القضية لا يوجد خلاف -كما يريدون أن يقولون- عرقي متأصل في.. بالضبط بالبوسنة.

خالد الحروب: لكن برضو مش.. يعني العودة إلى ما قبل الحرب، يعني أو.. قبل الحرب كان اتحاد فيه يوغسلافي، كان فيه اتحاد فيه كان شكل من الأشكال التي تفككت بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وصار من.. من المفروض أن ينشأ الآن شكل جديد، فلذلك يعني.. يعني ليس بالسهولة القول إنه العودة إلى ما قبل الحرب هي الصيغة المناسبة، يعني الأستاذ مأمون، مرة أخرى إن لم يكن صيغة ديتون هي الصيغة الناجحة...

جميل رافائيل [مقاطعاً]: بس لحظة واحدة، العودة إلى الحرب اتفاق.. قبل البوسنة، اتفاق ديتون هو بشكل عام العودة إلى الوضع التوزيعي الحكومي اللي كان موجود قبل الحرب، هو سلك هذا السبيل، ولكن سلكه بطريق مثل ما يقولون غير مستقيم، سلكه بسبيل منحرف، هذا الخطأ الموجود، لو سلكه بطريق مستقيم وعادل كان هاي، هو نفس المجلس الرئاسة، المؤسسات الحكومية، التوزيع الثلاثي للوظائف العليا، كل هذه هي مأخوذة مما كان عليه الوضع قبل الحرب، هذا ما.. أخذه نفسه وثبَّته، ولكن ثبَّته بشكل منحرف خاطب.. يسهل تدخل القوى الأجنبية ولم يأخذه بشكل مستقيم لكي يكون هناك اتفاق بين الأطراف.

خالد الحروب: لو نسأل الأستاذ مأمون يعني أيضاً، يعني إذن ما هو الشكل، ما هو مستقبل يعني ونربطه بما ذكره مؤلف الكتاب يعني "البوسنة ما بعد ديتون" في الفصل الأخير وقبل الأخير، إنه ما هو المستقبل.. ما هو المستقبل لهذه المنطقة المتفجرة يعني؟ يعني كأنه هذا ديتون مجرد مسكنات..

مأمون النحاس: هو مسكنات بالفعل.

خالد الحروب: مسكنات وقد ينفجر الوضع بين لحظة وأخرى.

مأمون النحاس: كثرة التدخل اللي بيفسر فيها كل طرف من اتفاقية ديتون كما يحلو له قاعدة بتسمح للقوى الأجنبية أن تفرض على البوسنويين فرضاً يعني إجباري بكل ما يحلو لهذا الحاكم الأجنبي المحطوط في.. في البوسنة، سواء أحبوا البوسنيين ذلك أم لم يحبوا، هلا إذا رجعنا -زي ما تفضل أستاذ جميل- إلى قبل الحرب الناس.. الناس على بعضيها، يعني سواء كان صربي، كرواتي، مسلم يعني الكل كان متعايش، يعني ما كان فيه مشاكل عرقية دينية، هذه النعرات اللي أثاروها الزعماء المتعطشين للكراسي أمثال (ميلوشوفيتش) و(رادوفان كراديتش) وإلى آخره، همَّ اللي لعبوا على الوتر هذا، الوتر هذا انتهى، يعني الناس تعبت منه، مش مستعدة ترجع له، الناس كانت في طبيعة عيشتها اليومية في نفس البناية العمارة الواحدة صربي فوق، مسلم، كرواتي جنبيه، هذا متزوج من مسلمة، متزوج من.. ومتعايشين والكل يسعى إلى لقمة عيشه يعني وماشي الحال، الآن الوضع طبعاً بعد .. يعني سيلزم وقت طويل شوية إلى أن النفوس تعود إلى.. إلى.. إلى طبيعتها وتخرج العمليات الثأرية وإلى آخره، بشرط أن كل شعب أو.. أو نقول المسلمين بالذات يأخذوا حقوقهم كاملة غير منقوصة، طالما إنها منقوصة طالما إن ما فيش سلام يحل.

خالد الحروب: يعني وهذا تكون على شكل دولة مستقلة، يعني حل الثلاث دويلات هو الحل الأكثر نجاحاً يمكن في المستقبل.

مأمون النحاس: مؤقتاً.. مؤقتاً.. مؤقتاً إلى أن.. تغدق دول أوروبا وأميركا على البوسنة بالمشاريع الاقتصادية اللي بتنمي وضعية الناس وبتحسن من مستوى معيشتها، وبتخلي كل بني آدم يركض وراء لقمة عيشه مرتاح بدون ما يلجأ إلى الأحزاب القومية اللي بتضرب على الوتر والنعرة الدينية، وإلى آخره، الآن اللي تم في البوسنة كلاهيته همَّ صلحوا لهم البيوت، عملوا لهم شوارع، عملوا لهم أكم من أوتيل، كذا..

خالد الحروب: أي نعم.

مأمون النحاس: لم يغدقوا عليهم بالمال الذي يعملوا المصانع و.. وتشغيل القوى، وإلى آخره، يعني معاش البني آدم في البوسنة 200، 300 مارك بالشهر، هذا ما يعني بيؤدي..

خالد الحروب [مقاطعاً]: شكراً جزيلاً أستاذ مأمون، يعني مع الأسف لم يتبقَ لنا وقت إلا أن نشكركم، وكذلك نشكر أعزاءنا المشاهدين على متابعتهم لنا جليس هذا اليوم الذي كان كتاب "البوسنة بعد اتفاق ديتون" من تأليف الأكاديمي سومانترابوس (المحاضر في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية)، ونشكر ضيوفنا في الأستوديو الأستاذ جميل رافائيل (الصحفي المتخصص في شؤون البلقان)، والأستاذ مأمون النحاس (القائم بأعمال سفارة جمهورية البوسنة سابقاً في لندن) وشكري الجزيل أيضاً إلى فريق البرنامج، ومع تحيات خالد الحروب، دمتم بألف خير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة