الابتلاء وسنن النصر والتمكين   
الجمعة 1433/2/11 هـ - الموافق 6/1/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:52 (مكة المكرمة)، 11:52 (غرينتش)

- حكمة الابتلاء ومفهومه
- أنواع الابتلاء وأسبابه

- الابتلاء وعلاقته بالتمكين

- تخلف النصر وأسبابه

- الظلم ونصرة المظلوم

عثمان عثمان
يوسف القرضاوي
عثمان عثمان:
مشاهدينا الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر:51]، لماذا تقع الابتلاءات وكيف يتولد النصر من قلب المحن وما سنن النصر والتمكين، الابتلاء وسنن النصر والتمكين موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الشيخ العلامة يوسف القرضاوي، مرحبا بكم سيدي.

حكمة الابتلاء ومفهومه

يوسف القرضاوي: مرحبا بكم أخ عثمان.

عثمان عثمان: بداية مولانا ما مفهوم الابتلاء؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه {رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} [الكهف:18]، {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران:8]، قبل أن أجيب عن سؤالك أخ عثمان لا بد أن نجيب عن سؤال يسأله كثير من المسلمين في بداية السنة الميلادية هل يجوز للمسلم إنه يهنئ غير المسلمين بهذه السنة وأنا أقول نعم يجوز له أن يهنئ غير المسلمين ويهنئ إخوانه المسيحيين بل يهنئ المسلمين لأن هذه السنة سنة شمسية يعنى عندنا إحنا سنتان السنة القمرية اللي هي معروفة طبيعيا الشهور بالقمر والسنة عرفها القرآن إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله فهذه سنتنا نحن المسلمون ونحن أيضا يجوز إننا نهتم بالسنة الشمسية لأنها يعني سنة طبيعية مبنية على حركة الشمس فنحن نهنئ إخواننا بعامهم ونهنأ أنفسنا أيضا بهذه الدورة الجديدة، ولذلك كان المصريون في القديم عندهم شهور يعني غير الشهور العربية معروفة طوبا وبابا وهاطور وكيهك وأمشير وهذه الأشياء يعرفون بها الزراعات وهذه الأشياء فلا مانع وينبغي إنه الناس يهنئ بعضهم بعضا بهذه الأشياء هذا مما يقتضيه الخلق البر واللي جاء به الله {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} [الممتحنة:9] فهذا من البر ومن القسط، من البر أن يعني تجاملهم في مسراتهم في أعيادهم في أفراحهم ليس هذا مما يخالف الإسلام في شيء.

عثمان عثمان: هل هناك صيغة محددة لهذه التهنئة؟

يوسف القرضاوي: كمبارك عليك هذه السنة، كل عام وأنتم بخير، أي صيغة من هذه الصيغ تدعو الله له أن يهديه إلى كل خير.

عثمان عثمان: ومظاهر الاحتفال مولانا بهذه المناسبة؟

يوسف القرضاوي: أيضا تستنكر الأشياء يعنى يفعلها بعض المسلمين وأنت لا توافق عليها كما أنكرت في خطبتي الجمعة يعني الجماعة الذين عملوا الكنيسة في نيجيريا جماعة اسمهم بوكو حرام ولا مش عارف إيه وضربوا كنيستين وهذا لا يقبله الإسلام، لا يريد الإسلام أن تكون علاقة الناس بين المسلمين أن يهدموا بعضهم كنائس بعضهم وأن والتانيين يردوا عليهم يضربوا المساجد أو يضربوا المدارس الإسلامية، هذا لا يجوز فنحن ننكر هذه الأشياء وبالعكس ينبغي أن تكون علاقة المسلمين بإخوانهم الذين هم من جنس واحد من أبناء جنس واحد من أبناء الجنس الواحد القرآن سماهم إخوة يعني القرآن قال{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ} [الشعراء:105-106] {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ} [الشعراء:123-124] {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ} [الشعراء:141-142] بعدين {كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ } [الشعراء:176-177] لماذا هنا قال أخوهم ولم يقل هنا لأن هو واحد منهم هنا لم يكن من الأيكة ما كنش من هو من أهل ثمود وإذ قال إلى ثمود أخاهم صالح ففي أخوة مدنية غير الأخوة الدينية، فهذه أشياء يجب أن نعترف بها وللأسف في بعض الناس أحيانا يعني بعض الناس يقولون أنا قلت لا تنتخبوا غير المسلمين أنا لم أقل هذا قط، بعض الناس حرف كلامي أنا قلت لا تنتخبوا غلاة العلمانيين، حتى العلمانيين المعتدلين، في علمانيين معقولين بس يقول لك أنا علماني يعني بتعبيرنا مدني ليس علماني ضد الدين في علماني ضد الدين زي العلماني الذي يعادي بهذا يعني نحن نقف ضده لأنه يحارب ديننا إنما العلماني العادي الكثير من الناس بصلي ويصوم وليس له موقف ضد الدين ما دام يعني يعترف بأن الشريعة الإسلامية المصدر العام للقوانين وهذا متفق عليه في كل الوثائق كوثيقة الأزهر التي عملها متفق علي هذه القضية فلا أدري من أين جاءوا من كلامي وقالوا إن الشيخ قرضاوي قال لا تنتخبوا غير المسلمين لم أقل هذا أنا، حزب الحرية والعدالة في مصر الذي انبثق عن الإخوان المسلمين هم اللي أنشئوا هذا الحزب هذا الحزب وكيله واحد مسيحي قبطي رفيق حبيب وكيل الجماعة، فعندهم يعني أقباط ومسيحيون يعني هم يرشحونهم يعني فكيف نقول لا تنتخبوا، فهذا من التحريف الذي يحدث والافتراء على بعض الناس وهم أحياء يعني يتحدثون ويرزقون مع الخلق.

عثمان عثمان: طبعا نحن عملنا حلقة حول الانتخابات وتحدثنا بشكل واضح.

يوسف القرضاوي: نعم، نعم.

عثمان عثمان: ولنا فقط مسألة بسيطة مظاهر الاحتفال عند المسلمين بعيد الميلاد تتشابه مع غير المسلمين هناك من يسأل عن هذه الإشكالية؟

يوسف القرضاوي: هو الذي ننكره إنه في أحيانا في بعض البلاد لا يحتفلون بالأعياد الإسلامية ويحتفلون بالأعياد المسيحية، في عيد إسلامي ما حدش يهتم به ولما ييجي العيد المسيحي يعملوا يعني احتفالات كبري والشوارع تمتلئ بأشياء وحاجات هذا لا ينبغي المفروض البلد الإسلامي يظهر فيه العيد الإسلامي أكثر من أي عيد آخر وخصوصا إذا لم يكن من أهل البلد ناس من أصحاب هذا الدين كما في قطر والكثير من البلاد الخليجية.

عثمان عثمان: نعود إلى موضوعنا مولانا.

يوسف القرضاوي: نعم.

عثمان عثمان: الابتلاء ما المقصود به ما مفهومه؟

يوسف القرضاوي: الابتلاء معناه في اللغة العربية، الامتحان، الاختبار يبتلي الله الناس يعني يختبرهم يمتحنهم ببعض الأحداث يعني يصيبهم ببعض مصائب الدنيا ليختبر هل يصبرون عليها هل يكونون رجالا عند هذه الشدائد أم يسقطون تماما ويضيعون كما نرى في كثير من البلاد الغربية بلاد تكثر فيها الانتحارات وتكثر فيها مصائب الناس هذا دليل على اليأس من رحمة الله واليأس هذا ليس من لوازم الإيمان بل هو من لوازم الكفر، الله تعالى يقول {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87]، {قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ} [الحجر:56] فهؤلاء الضالون والكافرون حينما تصيبهم مصيبة يسرع ليرمي نفسه من آخر أعلى طابق في البتاع أو يضرب نفسه بسكينة أو يأكل سما أو ينتحر بأي طريقة هذا لا ينبغي للإنسان فربنا يصيب الإنسان ببعض هذه المصائب مصائب الدنيا بعضها يصيبه ده بشيء طبيعي لأن هذا من طبيعة الإنسان، الطبيعة الإنسانية تقتضي إنه الإنسان يعيش حياة ابتلائية كما قال الله تعالى {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} [الإنسان:2] يعني من أول ما يخلق يبتلى كما قال تعالى {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد:4] يكابد المشقات والمتاعب منذ طفولته هذه طبيعة الإِنسان يعني وطبيعة الدنيا التي يعيش فيها الإِنسان، سيدنا علي لما سئل عن الدنيا صف لنا الدنيا قال (ماذا أصف لك من دار أولها بكاء وأوسطها عناء وآخرها فناء)، أولها بكاء كما قال يعني ابن الرومي قال (لما تؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد وإلا فما يبكيه منها وإنها لأفسح مما كان فيه وأرغد) يتولد يبكي دليل على إنه الدنيا هذه دار بكاء ودار متاعب، فهذه طبيعة الحياة الدنيا كما قال الشاعر: جُبلت على كدر وأنت تريدها صفوا من الآلام والأكدار   ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار

فطبيعة حياة الإِنسان وطبيعة الدنيا التي يعيش فيها تجعله يتعرض للآلام والأحداث والمصائب التي تؤذي الناس، الإِنسان كما يقول معرض في دنياه إما لنعمة زائلة أو لبلية نازلة أو لمصيبة قاتلة، يعني متعرض لهذا كله نعمة تزول منه بلية تنزل به مصيبة تقتله أو تقتل أحدا من أهله أو أقاربه أو أصحابه أو أصدقائه، هذه شأن الحياة الدنيا.

أنواع الابتلاء وأسبابه

عثمان عثمان: حول الابتلاء مولانا جاءني عدة من الأسئلة على صفحة الفيس بوك للبرنامج تتحدث أن هناك ابتلاءا ربما يكون عقابا وهناك ابتلاء للتمحيص والاختبار، اختبار قوة إيمان المرء كيف نفرق بينهما؟

يوسف القرضاوي: هناك ابتلاءات عدة من الابتلاءات أن ابتلاء الإنسان بالتكليف مما يبتلى به الإنسان ربنا بكلفه بالأمانة الإلهية، يعني ربنا يعني خلق السموات والأرض فأبينا أن يحملن الأمانة وحملها الإنسان، أمانة التكاليف فالتكليف بأوامر الله ونواهيه وفرائضه والحلال والحرام والمحب المحبوب والمكروه وهذه الأشياء أمانة التكليف هذه ابتلاء من الله سبحانه وتعالى هل يتحمل الإنسان أو لا يتحمل، وأيضا الابتلاء الشخصي فالإنسان يعني يكلف بأشياء شخصية يعانيها وبعدين الابتلاء الاجتماعي الناس بعضهم مع بعض {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ } [الفرقان:20] وخصوصا إذا كان الإنسان صاحب دعوة صاحب رسالة زي الأنبياء والرسل وأتباع الرسل وورثتهم الذين يحملون رسالات الله إلى البشر فهؤلاء يتعرضون أكثر من غيرهم {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ} [الفرقان:31]، خلق الله آدم وإبليس وخلق يعني إبراهيم ونمرود وخلق موسى وفرعون وخلق محمدا وأبا جهل وهكذا كل واحد له عدو يقف ضد رسالته وضد دعوته هؤلاء أكثر من غيرهم، أصحاب الرسالات يتعرضون للأذى أكثر مما يتعرض الآخرون ولذلك النبي علية الصلاة والسلام يسألونه أي الناس أشد بلاء قال (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل) يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلبا اشتد بلاءه وإن كان في دينه رقه ابتلي على حسب دينه وما يزال البلاء ينزل بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة، الناس تتفاوت في البلاء منهم يأخذ قدرا صغيرا ومنهم يأخذ قدرا أكبر منه ومنه فيبتلى في بلاءات كثيرة حتى يمشي على الأرض وليس عليه لأن البلاءات تكفر الخطايا للإنسان.

عثمان عثمان: نعم كيف نميز بين البلاء الذي هو مصيبة تقع على الانسان {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم} [الشورى:30]، وبين أن يكون اختبارا ليبلوكم؟

يوسف القرضاوي: هناك الكثير من البلاءات الإنسان يبتلى بحسب البلاء الذي ينزل به وحسب سبب البلاء، واحد لم يفعل شيئا ولكن أبتلي لأنه يدعو إلى الله لأن الناس تحاربوه لأنه متدين الناس يعني يسخرون منه لأنه ملتحي أو لأنه يعني يذهب إلى الصلوات يعني في الليل في صلاة الفجر في كذا هذا لا ذنب له فهذا يعني يثاب على ما ابتلي به والله سبحانه وتعالى يقول {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد:31]، ربنا يبتلى هؤلاء ليعلم منهم من يجاهد ومن يصبر ومن لا يجاهد ولا يصبر، فهناك ناس لا تجاهد أبدا وناس لا تجاهد ولا تصبر وناس تجاهد ولذلك في يعني الصبر أنواع في صبر وفي مصابرة، الصبر إنك تصبر على ما ينزل بك من بلاء، المصابرة أن تصابر غيرك تكن أشد من غيرك لأن الناس يعني ربنا ذكر عن أهل الشرك أنهم يصبرون يعنى {وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص:6] {إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا } [الفرقان :42] محمد كان عايز يضلنا عن آلهتنا لكن صبرنا عليها، فهذا صبر ولكن المؤمنون أشد صبرا من هؤلاء صابروهم يعني اغلبوهم في الصبر مصابرة يعني تقتدي بالاثنين كل واحد بصابر الثاني كأنه يسابقه في الصبر {فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ } [البقرة :148] فإذا كان هو أقوى صبرا وأقوى عدة ويصابره ويغالبه في الصبر هذا شأن الإنسان المؤمن.

عثمان عثمان: كيف يجب على المؤمن أن يكون سلوكه مع الابتلاء؟

يوسف القرضاوي: سلوكه مع الابتلاء أن يصبر على الابتلاء ولا يسخط على قضاء الله ولا يجزع من المصائب التي تنزل به، الإنسان المؤمن يأخذ المصائب أول ما تنزل به المصيبة أولا كما علمنا الله {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ } يقول الله تعالى {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ } [البقرة :155] شوف ولنبلونكم يعني اللام للقسم والنون للتوكيد يعني وهذا دليل على أنه البلية والمصائب دي نازلة نازلة لنبلونكم وهذا موجود بالقرآن كثير {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ } [آل عمران:186] دائما بهذا التأكيد ولنبلونكم بشيء يعني عشان ما يكبرش المصائب بشي يعني بشيء بسيط من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين، هكذا قال الإسلام في أول ما ذهب الرسول إلى المدينة حينما واجهه العالم بعد الهجرة ولنبلونكم بهذه الأشياء قال { وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة :155-156-157]، فهم يقولون هذا يقولون بألسنتهم إنا لله نحن لله ولسنا لأحد من البشر ولذلك بعضهم يقول إن لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى إنا لله وإنا إليه راجعون، سنرجع إلى الله كلنا ويعطينا الجزاء الحسن فمن صبر واحتسب أعطاه الله ما يستحق ومن جزع نال جزاءه فالمؤمن يصبر ويتصبر وفي الحديث (من يتصبر يصبره الله) يتصبر يعني يتكلف بالصبر ويتحمل الصبر ويتعلم يعني حتى إذا كانت مش طبيعته أنه صبور يحاول يكلف نفسه بالصبر من يتصبر، يصبره الله، فهذا يتعلم لأن الأنبياء جميعا هم يعني قادة الصبر وقادة الصابرين في العالم {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ} [الأحقاف :35] أولوا العزم من الرسل مين نوح وإبراهيم وموسى وعيسى هم مع محمد عليهم الصلاة أولوا العزم من الرسل أصحاب العزيمة الكبيرة وأصحاب الرسالات العظمى التي نالوا فيما من المشقات ما نالوا، يعني حتى يعني سيدنا نوح ظل ألف سنة إلا خمسين عاما، شوف لما واحد يصبر على قومه ألف سنة أجيال تذهب وأجيال تأتي أكثر من ثلاثين جيلا أو ثلاثة وثلاثين لو اعتبرنا الجيل ثلاثين سنة مثلا فأجيال ذهبت وأجيال وهم كما هم بالعكس لا يجد إلا فاجرا كفاره العصا منها العصية والحية لا تلد إلا حيية، فينبغي للمؤمن أن يتعلم من الأنبياء، ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عثمان عثمان: نناقش مولانا بعد الفاصل إن شاء الله علاقة الابتلاء بالتمكين والنصر وما هي سنن النصر، سنذهب إلى فاصل قصير ثم نعود، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

الابتلاء وعلاقته بالتمكين

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي نناقش فيها الابتلاء وسنن النصر طبعا نعالج في هذا القسم من البرنامج علاقة الابتلاء بالتمكين وسنن النصر، مولانا ما علاقة الابتلاء بالتمكين؟

يوسف القرضاوي: سئل الإمام الشافعي رضي الله عنه أيهما أفضل للمؤمن أن يبتلى أو يمكن، فقال للسائل وهل يمكن إلا بعد أن يبتلى! إن الله مكّن لإبراهيم ولموسى ولداود ولغيرهم من الأنبياء وأتباعهم بعد أن ابتلاهم فالابتلاء هو سبيل للتمكين لا ابتلاء لا تمكين إلا بعد الابتلاء، الله تعالى يقول {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّه} ابتلى إبراهيم بأشياء كثيرة وبعدين مكن لإبراهيم ولذرية إبراهيم {وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً} مكن لموسى بعد أن ابتلاه، مكن ليوسف {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ} [يوسف :56] مكن له ، مكن لداود {وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} [البقرة :251] وقبل ذلك لم يكن له تمكين، فالله يمكن عباده بعد أن يبتليهم لا يأتي التمكين عفوا هكذا بدون ابتلاء، لا بد للإنسان أن يبذل جهدا ويعمل ما يستطيع حتى يستحق أن يمكن له في الأرض.

عثمان عثمان: ولكن هذا الابتلاء مولانا قد يطول حتى يقول بعض الناس متى نصر الله هل هذا السؤال مشروع؟

يوسف القرضاوي: هو التمكين ليس من ضرورياته النصر قد يكون هناك تمكين بلا نصر يعني أنا أعتبر يوسف عليه السلام مكن له في الأرض كان هو سيد مصر عزيز، مصر في يده التخطيط والاقتصاد والتمويل وخزائن الأرض وكل غلات الدنيا تحت يده { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } [يوسف :55] مكن من خزائن الأرض ولكنه لم تنتصر دعوته، لم تنتصر دعوة التوحيد في مصر، كانت مصر وثنية في ذلك الوقت، في ذلك الوقت كان يعني يحكمها هؤلاء الذين جاءوا من العرب الهكسوس أو الرعاة أو كذا، لم تنتصر دعوته لم تكن معه جماعة وهذه الجماعة تقاتل وتجاهد في سبيل دعوته حتى كان يقول ﺇنه التمكين شيء والنصر شيء آخر، النصر له شروطه أن تقوم جماعة والجماعة تدعو إلى الله وتصطدم بالطواغيت والذين يحرسون الوثنية في الأرض لأن كل وثنية لها حراسها كما تعلم النبي صلى الله عليه وسلم حينما دعا إلى التوحيد وقامت الوثنية تدافع عن نفسها، وآذته في مكة وحاربته في المدينة حتى نصره الله عليها والله تعالى يقول {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج : 40] {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ} [الحج : 41] لما يكون جماعة {وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}[الحج : 41] فهناك أحيانا يكون نصر وأحيانا لا يكون نصر وأحيانا يتخلف النصر.

تخلف النصر وأسبابه

عثمان عثمان: أسباب تخلف النصر؟

يوسف القرضاوي: لا يكون نصر في هذا، لم تأت جماعة كبيرة تستحق أن تنتصر وتقيم الدعوة وتحقق الدولة وتحقق الآمال فيذهبون هؤلاء كما القرآن ذكر لنا في سورة البروج مؤمنين أصحاب الأخدود الذين قتلهم أصحاب الأخدود، {قُتِلَ أصحاب الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}[البروج : 4-10] فتنوهم بالتعذيب وبالقتل وبالامتحان بالنار أخاديد شقوا أخاديد في الأرض لما لاقوها أنهار ورموا فيها هؤلاء أحياء قتلوهم، فتنوا المؤمنون والمؤمنات ولم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب، فهؤلاء لم ينتصروا لم يهيأ الله لهم أسباب النصر كانوا مجموعة قليلة انتصر عليهم هؤلاء وخلد الله ذكراهم وجعل مقره عندهم في عليين فأجرهم في الآخرة لكن لم ينتصروا ليس كل جماعة تنتصر إذا استحقت شروط النصر تنتصر، وشروط النصر، النصر له شروط له أسباب، القرآن لما ذكر لنا في سورة البقرة الملأ من بني إسرائيل لما أراد الله أن ينصرهم {إذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْْ}[ البقرة: 246] وبعدين قالوا ابعث لنا ملكا نقاتل فبعث الله لهم طالوت فاعترضوا على طالوت قَالُواْ {أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}[ البقرة: 247] وبعدين طالوت بدأ يدعوهم والدعوة أن تمشوا على النهر فمن شرب منه فليس مني{فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُم ْلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ }[البقرة: 249] من المؤمنين الصادقين وهم فئة قليلة معه {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}[البقرة: 249] ليس بكثرة العدد ولا بكثرة العُدد إنما المهم أن توجد القوة الفتية المؤمنة المستعدة، {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ}[الأنفال: 60] تتهيأ للقتال وتتهيأ للجهاد وتستعد بكل المقومات المقدور عليها ما استطعتم من قوة يعني كلما تقدر عليه، هم الذين يستحقون النصر.

عثمان عثمان: اسمح لنا مولانا أن نأخذ بعض المشاركات الأخ مهني أبو غزة من الجزائر، السلام عليكم.

مهني أبو غزالة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

عثمان عثمان: تفضل يا أخي باختصار لو سمحت.

مهني أبو غزالة: تحياتي لك أخ عثمان وتحيات إجلال وإكبار إلى فضيلة الشيخ، شيخ الأقصى شيخنا الفاضل نحبه بالله الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، سؤالي بإيجاز هو المعلوم أن الابتلاء ينقسم إلى نوعين: ابتلاء الخير وابتلاء الشر، بالنسبة للشيخ القرضاوي أيهما أشد على المرء أو على المؤمن هل هو ابتلاء الشر أم ابتلاء الخير وتحياتنا إلى الشيخ القرضاوي حفظه الله وأدامه وأطال الله في عمره إن شاء الله، السلام عليكم.

عثمان عثمان: شكرا أخ مهني أبو غزة كنت معنا من الجزائر، مولانا يسأل عن أن هناك ابتلاء بالخير وهناك ابتلاء بالشر، أيّ الابتلاءين أشد على المؤمن؟

يوسف القرضاوي: الله تعالى يقول {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}[الأنبياء: 35] يعني الإنسان يبتلى بالخير ويبتلى بالشر وأحيانا يكون الابتلاء بالخير أشد على الإنسان من الابتلاء بالشر وبالمصائب، أن يبتلى بالنعمة يبتلي الإنسان بنعمة الله عز وجل فكثير ما يصبر على المصيبة ولكنه إذا ابتلي بالنعمة بطر وأشر وخرج عن الحد طغى، {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ}[الفجر: 11-12] فأحيانا يكون الابتلاء بالنعمة هو الفاصل في هذه القضية، أحيانا الجماعة تبتلى بالشدائد تصبر عليها وتخرج منها نادية فإذا ابتليت بالنعم بالسلطان، السلطان فتنة عظيمة الكثير من الجماعات السلطان يقهرها وتنسى أنها صاحبة رسالة وصاحبة دعوى تفتن في دنياها تتيه في هذه ولا تصبر على حر ما ابتلاها الله به، فأحيانا يكون الابتلاء بالنعمة أشد من الابتلاء في النقمة، والسعيد من صبر في الحالتين، إذا ابتلي بالضراء..

عثمان عثمان: صبر.

يوسف القرضاوي: يصبر، إذا ابتلي في السراء يشكر كما جاء في حديث ثوبان رضي الله عنه (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)، فهذا شأن المؤمن في السراء والضراء يكون شاكرا أو صابرا.

عثمان عثمان: الأخ أحمد تطراوي من الجزائر السلام عليكم.

أحمد تطراوي: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، تحية لعثمان عثمان وتحية لدكتورنا يوسف القرضاوي.

يوسف القرضاوي: حياك الله.

أحمد تطراوي: أخي عثمان سؤالي ما هو رد الشيخ عند قوله تعالى {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97] ما علاقة هذه الآية بالابتلاء والتمكين، السؤال الثاني أخي عثمان ما هو الفرق بين إرادة الإنسان الحر في الأرض وبين الاستسلام للقضاء والقدر مثلما يقول العلمانيون الغربيون أي كيف نوفق بين حرية الإرادة والامتثال للقضاء والقدر، تحياتي أخي عثمان.

عثمان عثمان: شكرا جزيلا، السؤال الأول {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً} إلى آخر الآية {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} ما علاقة الابتلاء والتمكين بهذه الآية؟

يوسف القرضاوي: حتى المؤمن إذا ابتلي ببلاء يفلسف هذا البلاء حتى أنه يجعل البلاء نعمة تستحق الشكر، زي سيدنا عمر ما قال: (ما ابتلاني الله ببلاء إلا رأيت لله تعالى عليّ فيه أربع نعم) كل بلاء كل مصيبة تنزل به ينظر إليها فيجد فيها أربعة نعم من نعم الله تعالى، يقول أول نعمة أنها لم تكن في ديني، بلاء يصيب الإنسان في دينه وبلاء يصيبه في دنياه، وإحنا نقول (اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ومبلغ علمنا)، سيدنا يوسف ابتلي ببلاءين بلاء في دنياه وبلاء في دينه، بلاء في دنياه يسجن، وبلاء في دينه أردوا به أن يزني، وامرأة العزيز راودته عن نفسه وقالت للنساء {وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ }[يوسف: 32- 33] فصبر على محنة الدنيا ولم يرض أن يصيب المحنة في دنياه، فأول شيء قل أنه لم يكن في ديني كانت محنة في دنياي، الشيء الثاني لم يكن أكبر منه لأن كل مصيبة أكبر منها بعض الشر أهون من البعض، الناس يقول لك كل حاجة ما هو أكبر منها، فربنا كونه ابتلاك بالأصغر وترك الأكبر، ابتلاك بالأخف وترك الأشد فهذه نعمة من الله عز وجل تستحق الشكر، الأمر الثالث قال أنني لم أحرم من الرضا به ربنا لما يرزقك الرضا ينزل بك البلاء وتنزل بك المصائب والآلام وأنت صابر عليها وراضِ بها، راض بقضاء الله تعالى وقدره فتتلذذ بالبلاء بما ابتلاك الله به ولا تستنكف منه فهذه نعمة ثالثة، النعمة الرابعة أني أرجو ثواب الله على هذا البلاء فشيء آخر أنني مترقب إن ربنا يثيبني على هذا البلاء لأنه قال إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، يعني كل عمل له حساب إلا الصبر فلا حساب له ولذلك عن بعض السلف امرأة أصابتها عظمة دخلت في رجلها، دخلت من باطن رجلها وطلعت من ظاهرها، فابتسمت وقالت الحمد الله قالوا كل هذا الوجع وتبتسمين فقالت لهم إن حلاوة ثوابي أنستني مرارة وجعي، حلاوة الثواب فهذا شأن المؤمن ينزل به البلاء لكنه يفلسف البلاء يجعله نعمة من نعم الله كما فعل سيدنا عمر وكما كان يفعل الصالحون دائما بعضهم قالوا تبتسم وفيك هذه المصائب كلها قال أحمده وابتسم أنه جعل لي لسانا يذكره وقلبا يشكره يكفي أن عندي لسان يقول سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله وعندي قلب يشكر نعمة الله عز وجل.

عثمان عثمان: قبل أن نجيب على السؤال الثاني لأحمد تطراوي نأخذ الأخ علي مطاوع من مصر، السلام عليكم.

علي مطاوع: السلام عليكم ورحمة الله.

عثمان عثمان: تفضل أخي.

علي مطاوع: تحية لك أخي عثمان تحية لشيخنا الفاضل الحقيقة الابتلاء ونحن في هذه الأيام نبتلى كثيرا وخصوصا عندما يكون الابتلاء اقتتال طائفتين من المؤمنين يقول تعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}[الحجرات:9] فسؤالي لفضيلة الشيخ هل هناك لما نشاهده من اقتتال في الوطن قام أهل الدين أو علمائنا بالصلح والتوفيق بين طائفتين..

عثمان عثمان: أي اقتتال تقصد يا أخي الكريم، أي اقتتال تقصد؟

علي مطاوع: على سبيل المثال مثلا سوريا اليمن..

عثمان عثمان: واضح سؤالك شكرا..

علي مطاوع: وماذا عن قاعدة دفع المفاسد مقدم على جلب المنافع حتى لو قلنا سنأتي على حق طائفة، الصلح قد يؤدي إلى منفعة لكن المساعدة على الاقتتال قد تؤدي إلى فساد أكبر، أليس العمل بهذه القاعدة واجب الآن؟

عثمان عثمان: شكرا جزيلا أخي علي مطاوع من مصر، وهنا قبل أن نجيب على سؤاله الأخ أحمد تطراوي يسأل ما الفرق بين الإرادة الحرة وبين الاستسلام للقضاء والقدر هل نستسلم للقضاء والقدر ولا نعمل لتغيير الواقع؟

يوسف القرضاوي: العمل لتغيير الواقع ليس ضد الاستسلام للقضاء والقدر، ليس معنى الاستسلام للقضاء والقدر أن تترك الأمور كما هي لأ، الشرع جاءنا بأن الاستسلام للقدر ليس معناه أن تترك كل شيء يجري كما هو لا بد أن تقاوم الشر، لا بد أن تقاوم الظلم، لا بد أن تحارب الطغيان لا بد أن تنصر المظلوم لا تترك المظلوم يفترس الظالم وأن تتفرج عليه، لأ هذا لا يجوز كما أنك مطلوب منك أن لا تظلم مطلوب منك أن تُعين المظلوم على الظالم، لا تترك الظالم يأكل المظلوم وحده، فالاستسلام للقدر كما يقول الدكتور محمد إقبال شاعر الإسلام في الهند يقول المؤمن الضعيف يعني يستسلم للقضاء والقدر والمؤمن القوي يعتقد أنه قضاء الله الذي لا يرد وقدره الذي لا يستطيع أحد أن يقف ضده، هو يعتقد هو قضاء الله وهو قدر الله كما قال سيدنا المجيرة بن شعبة لما سأله رستم قائد الفرس من أنتم، أنتم منين جيتوا لنا منين، العرب اللي كنتم تيجوا تسألوا منا جزية أو شيء جئتم الآن تقاتلوننا في ديارنا، قالوا لهم نحن قدر الله ابتلاكم الله بنا وابتلانا بكم فلو كنتم في سحابة لارتفعنا إليها أو لنزلتم إلينا نحن قدر الله، فهذا مفروض المؤمن يعتقد أنه هو قدر الله يعني لا يسكت على البلاء فليس هناك تناقضا الرضا بالقضاء والاستسلام للقدر، ولكن مقاومة الشر ومقاومة الظلم والوقوف مع، المفروض إننا إحنا في سوريا نقف مع سوريا، نقف مع المظلومين ضد الظالمين هذا الشعب يُقتل، الأخ مصلح نصلح بين من، هناك قاتل ظالم، ما بعثت الجامعة العربية بعثة، بعثت بعض البعثة المفروض تبعث 500 بعثت قليلا منهم، أقل من 100 فهم مش قادرين يفعلوا شيئا، إذا كنت تريد لازم تطلب منهم، هم أولا يسحبوا المقاتلين والناس اللي بتوع الأمن والشبيحة والدبابات والأشياء الموجودة في الشوارع اسحبوها ويتركوا هؤلاء الناس وحدهم يعني اللي عايز يحتج ويخرج ما دام غير مسلح يعمل ما شاء، ويخرجوا المعتقلين ما فعلوا شيئا من هذا ويكذبون على الناس، هؤلاء يجب أن ينصروا المفروض أن تقف مع المجاهدين في سبيل الله، المجاهدين في الحق الذين ينتصرون للشعوب المظلومة، الشعوب التي لا تستطيع أن تقول نعم، ولا كما تريد، نحن المفروض نحن مع الشعوب مع المظلوم، المفروض الإنسان دائما يكون مع المظلوم ضد الظالم.

الظلم ونصرة المظلوم

عثمان عثمان: نأخذ الأخ ربعي عبد المالك من الجزائر، السلام عليكم، انقطع الاتصال، مولانا نعود إلى موضوع الشعوب المظلومة والمقهورة عندما نرى سفك الدماء، القتل، الإجرام، هل لنصرة المظلوم بالذات خصوصية معينة عند الله عز وجل؟

يوسف القرضاوي: المظلوم بالذات، الله سبحانه وتعالى لا يتركه لا بد أن ينصره الله، الله يتكفل بأن ينصر المظلوم، {اشْتَدَّ غَضَبِي عَلَى مَنْ ظَلَمَ مَنْ لا يَجِدُ نَاصِرًا غَيْرِي} [حديث قدسي] الإنسان الذي ليس له ناصر إلا الله عز وجل، الله تعالى سينصره كما جاء في حديث الترمذي (ثلاثة لا ترد دعوتهم الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين) فهذا المظلوم ربنا يتركه لأنصرك ولو بعد حين، المسألة بس ما تستعجلش، ربنا لا يعجل بعجلة أحدنا كل شيء عنده في أجل مسمى، أحيانا الناس ربنا يقول فاصبر كما صبر أولي العزم من الرسل ولا تستعجل لهم، عادة الناس خلق الإنسان من عجل فيريد النصر العادل لكن لأ ربنا كل شيء عنده له وقت معين، فاصبر اصبر حتى يأتي الوقت فسينصره الله..

كما قال الشاعر:

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا فالظلم ترجع عقباه إلى الندم

تنام عينك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم

عين الله لا تنام أبداً، سيحقق الله آمال المظلومين سيستجيب دعوتهم سيخذل الظالمين سيأخذهم أخذا أليما شديداً سيأخذهم أخذ عزيز مقتدر كما أخذ فرعون وهمان وقارون والظالمين من قبل، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}[الشعراء: 227]

كما قال الشاعر:

أتهزأ بالدعاء وتزدريه وما يدريك ما صنع الدعاء

سهام الليل لا تخطئ ولكن لها أمد وللأمد انقضاء

فيمسكها إذا ما شاء ربي وينفذها إذا نفذ القضاء

عثمان عثمان: أخ عبد الله يسأل هل يمكن أن يتحول النصر إلى فتنة؟

يوسف القرضاوي: النصر يتحول إلى فتنة إذا انتصر من لا يستحق أن ينصر، إنما النصر لا يتحول إلى فتنة بغير شيء، الأصل أن النصر له حقوقه إذا انتصر المؤمنون ماذا يفعلون، الله تعالي يقول { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ}[الحج 40-41 ] هذا حقيقة النصر تحقق الدعوة التي قمت من أجلها، الآمال اللي دعوت الناس إليها دعوت إلى العدل الاجتماعي إنك تراعي الضعفاء إنك تنصر الذين يستنصرونك تأخذ بأيديهم فلا بد أن تعمل هذا، هذا ليس فيه فتنة، الفتنة بأنك تغر بالنصر وبالقوة وتستعدي وتأكل أموال الناس بالباطل تستعدي على الناس بغير الحق، تفسد في الأرض، هذه هي الفتنة ولكن هذه أبعد ما تكون عن أهل الإيمان، أهل الإيمان يعرفون لله حقه ويخافونه عند حدوده ويكونون مع المؤمنين الصادقين ويدعون الله تعالى أن يرزقهم التوفيق والسداد حتى يقوموا بنصرة أهل الحق ومقاومة أهل الباطل إنه سميع مجيب.

عثمان عثمان: في الختام أشكركم مولانا فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل، وهذا عثمان عثمان يترككم في أمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة