الحركيون الجزائريون   
الاثنين 30/11/1425 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

عبدالحميد بلعروسي
سامي كليب
سامي كليب:

الجزائريون يعتبرونهم خونة لأنهم قاتلوا إلى جانب الجيش الفرنسي ضد بلادهم، وهم يعتبرون أنهم أنصفوا بلادهم، لقتالهم ضد جبهة التحرير إلى جانب الجيش الفرنسي، لكن فرنسا التي استخدمتهم طويلا أبقتهم على قارعة الطريق، وهكذا بعد 37 عاماً من استقلال الجزائر لا يزال الحركيون يعيشون على هامش الحياة. ترددوا طويلاً قبل الموافقة على الحديث إلينا، فهم يعيشون عقدة الذنب، ولكن أيضاً عقدة الخوف، وبعد تردد دام أكثر من شهرين قَبِل أحد مسؤوليهم أن يحدثنا قناعة منه بأنه ينصف نفسه، ويساعد أبناءه ويصحح بعض التاريخ .. إنه عبد الحميد بلعروسي.

كلمة حركي، من أين أتت؟

عبد الحميد بلعروسي:

كلمة حركي مشتقة من كلمة حركة، التي تعني النشاط والحيوية، الحركيين كانوا نشيطين وفعالين.

سامي كليب:

هل كانوا يعملون في القضايا الاجتماعية، أم أن الكلمة جاءت من مفهوم عسكري؟

عبد الحميد بلعروسي:

الكلمة جاءت من مفهوم عسكري، لأن الحركيون كانوا عسكريين.

سامي كليب:

من هم الحركيون تحديداً، من كان الحركيون في الجزائر آنذاك؟

عبد الحميد بلعروسي:

إنهم رجال رفضوا نظام الحزب الواحد، ورفضوا العنف، ولم يقبلوا أن يتم تجريد البعض وذبح البعض الآخر، في حين أنهم جميعاً أبناء القرية نفسها وأبناء عائلة واحدة أحيانا كثيرة.

سامي كليب:

معنى هذا بالنسبة للمعنى السياسي والمفهوم السياسي الذي قاتلوا لأجله، ولكن أين كانوا تحديداً في الجيش الفرنسي؟ في أي وحدات؟

عبد الحميد بلعروسي:

الحركيون كانوا جنوداً إضافيين، وقد شكلوا فرقاً مساعدة للجيش، كانوا يقومون بالعمليات نفسها كالجيش، ولكنهم لن يتمتعوا بالمنافع نفسها.

سامي كليب:

لماذا؟

عبد الحميد بلعروسي:

في ذلك الوقت كان العسكري يتمتع بعلاوة، هذه العلاوة تضاف إلى راتبه للتعويض عن الخطر الذي يترصده، بالإضافة إلى حسنات أخرى حسب مرتبه، أما الحركيون فقد انخرطوا في الجيش براتب لا أدري من أقره، لكنهم كانوا يتقاضون آنذاك 500 فرنك فرنسي يومياً.

سامي كليب:

هل كان الجزائريون آنذاك في الجيش الفرنسي يعاملون –إذن- معاملة ثانوية بالرغم من أن الجزائر كانت معتبرة آنذاك جزائر فرنسية؟ إذن كان هناك تمييز بين الجزائري والفرنسي.

عبد الحميد بلعروسي:

كانت الجزائر آنذاك فرنسية، بالنسبة إلينا كنا نقاتل من أجل بلدنا، أي فرنسا.

سامي كليب:

سنعود إلى ذلك سيد بلعروسي بعد قليل، أود أن أتحدث عن تجربتك الشخصية أنت، متى التحقت بالجيش الفرنسي؟

عبد الحميد بلعروسي:

أنا التحقت بالجيش الفرنسي في أوائل شهر آب/ أغسطس عام 56 بعدما كنت قد بقيت 5 أشهر في المنطقة المحظورة.

سامي كليب:

أين كانت هذه المنطقة المحظورة؟

عبد الحميد بلعروسي:

في الجزائر كل منطقة لم تكن تحت الهيمنة العسكرية المباشرة، أي التي لم يكن فيها وجود عسكري كانت تعتبر محظورة، إذًا لا يمكن تحديد منطقة معينة، لأن كل الجبال والمناطق التي لا وجود عسكر فيها كانت تعتبر مناطق محظورة.

سامي كليب:

نعود إلى تجربتك الشخصية من البداية.

عبد الحميد بلعروسي:

في البداية كنت ساعي بريد، ثم تحولت إلى التجارة، متجري كان مزدهراً، ولم يكن يوجد سواه في المنطقة، كانت نقطة استراتيجية، كان ذلك عام 56 في شهر آذار، في عام 55 أقام الجنود مقراً ثابتاً لهم في متجري،

سامي كليب[مقاطعاً]:

فرنسيون؟

عبد الحميد بلعروسي:

أجل فرنسي، في أول آذار/ مارس ترك الجنود المقر من دون إنذار خلال الليل، في اليوم التالي ذهبت إلى المتجر كالعادة، كان مقفلاً آنذاك ولكنني كنت يومياً أتفقد المكان، لم يكن هناك أحد طبعاً، وكانت المنطقة كلها مطوقة من الإرهابيين ومن جبهة التحرير الوطني، شاهدت بأم العين كل ممتلكاتي تحترق، أبنيتي وتجاري.

سامي كليب:

هل عرفت من الذي أحرق المحل؟

عبد الحميد بلعروسي:

أعرف من حرق المحل، كانوا إرهابيين من المنطقة أو مقاومين كما كانوا يعرفون في ذلك الوقت.

سامي كليب:

حين تقول إرهابيين يعني جبهة التحرير؟

عبد الحميد بلعروسي:

أجل جبهة التحرير، كانوا مقاومين من جبهة التحرير أحرقوا وكالتي، وأحرقوا شاحنتي وسيارتي ودراجاتي النارية، لقد حرقوا كل شيء، رأيت بأم العين كل ممتلكاتي تحترق، وأنا بقيت سجيناً لخمسة أشهر في المنطقة المحظورة .. حوالي الثاني عشر من آب/ أغسطس عام 56 حين حصلت عملية عسكرية كبيرة، وقد أطلقوا عليها تسمية: الأمل، فنجحت في الالتحاق بالوحدات الفرنسية.

سامي كليب:

بالرغم من أنه عام 56 كانت جبهة التحرير طلبت من كل الجزائريين العاملين في المؤسسات الفرنسية مغادرة هذه المؤسسات.

عبد الحميد بلعروسي:

كان هذا الإجراء ينطبق على الذين يشغلون وظائف إدارية مهمة، وظائف سياسية أو إدارية، أما ساعي البريد فوظيفته اجتماعية، فهو يوزع مساعدات اجتماعية على النساء وعلى الأطفال، فكيف نطلب من موظف يوزع هذه المساعدات أن يستقيل من مهمته؟! إنه يفعل ذلك من أجل الآخرين، صحيح سيخسر راتبه، ولكن المواطن سيخسر كل شيء.

سامي كليب:

بعد ذلك أصبحت مترجماً ودليلاً.

عبد الحميد بلعروسي:

طلب مني الجيش أن أكون مترجماً ودليلاً للوحدات، عملت مترجماً لأنني كنت أعرف الجنود، لأنهم تمركزوا قَبْلاً في وكالتي -كما قلت لك- وكان قائد الكتيبة يكن لي الاحترام بسبب نزاهتي، لذلك فقد استخدمني الجيش آنذاك، كان على المرء أن يختار فريقه.

عبد الحميد بلعروسي:

لماذا فضلت فرنسا على جبهة التحرير؟

عبد الحميد بلعروسي:

أجل اخترت فرنسا لأني رأيت أنها الخير الأحسن لبلدي ولعائلتي.

سامي كليب:

هل كانت فرنسا آنذاك تقوم بأعمال أفضل من جبهة التحرير؟ نعلم أنه في فترة الجهاد الجزائري –إذا صح التعبير- كانت فرنسا أيضاً –أو الجيش الفرنسي- يقوم بفظاعات مماثلة، هل كنت تعلم أيضاً بتلك الفظاعات؟

عبد الحميد بلعروسي:

لم تكن الأمور التي قام بها الطرف الفرنسي دائماً قانونية .. مارس الفرنسيون التعذيب وأساءوا أحيانا التصرف، لكن كما يقال ما من حرب نظيفة، للأسف ما سمعته عن ممارسات الطرف الآخر يتخطى المعقول.

سامي كليب:

كنت تعتبر أن جبهة التحرير هي حزباً إرهابياً مثلاً، هل كنت تعتبر أن جبهة التحرير حزب إرهابي، أم أنه يقاتل من أجل تحرير الجزائر، وأنت لا تريد هذا التحرير؟

عبد الحميد بلعروسي:

الاثنان معاً، أولا لم يكن خياري المفضل اعتماد العنف أو تحقيق الاستقلال من دون تحضير، كنت أفضل أن يعرضوا علينا مثلاً استقلالاً ذاتياً على مدى مراحل لتأهيل كوادر، والسماح لمن عليه المبادرة أن يفعل ذلك في ظروف حسنة، ومن كان عليه تولي الحكم أن يتعلم مهنته في ممارسة الحكم، ولكن مع اختياري لفرنسا فإنني أقر بأنها لم تقم بكل ما يجب عليها في الجزائر، ولكنها فعلت الكثير من أجل هذا البلد.

سامي كليب:

طيب، بعد ذلك أصبحت رئيساً لبلدية في الجزائر حتى العام 59.

عبد الحميد بلعروسي:

أجل أصبحت رئيساً لبلدية، وكنت لا أزال في عداد الجيش، سكان البلدة عانوا الأَمَرَّين من الجيش ومن جبهة التحرير، وفي أحد الأيام دخل رجال من جبهة التحرير إلى القرية، وخطفوا ستة عشر رب عائلة وقتلوهم.

سامي كليب:

هل رأيتهم؟

عبد الحميد بلعروسي:

طبعاً رأيناهم ولم يكن المشهد جميلاً، لم يكن المشهد جميلاً أبداً، لا يمكن إلا لمجرم دنئ أن يقترف جريمة مماثلة، لقد ضاق ذرع السكان الذين كانوا واقعين بين نارين، وبما أنني كنت أنتمي –سابقاً- إلى طبقة الوجهاء في المنطقة، وأتحدر من عائلة نبيلة، فقد طلب الناس من أبي –رحمه الله- طلبوا منه أن أدير أعمالهم، أي أن الناس –بصراحة- طلبوا مني أن أصبح رئيساً للبلدية، وقد قبلت ذلك.

سامي كليب:

هل كان بعض أفراد عائلتك مع جبهة التحرير؟

عبد الحميد بلعروسي:

كان واحد من أفراد عائلتي مع جبهة التحرير، كان حركياً وحارب إلى جانبي ولكن عندما أهانه يوماً ضابط فرنسي سلم سلاحه واستقال، وترك الجيش.

سامي كليب:

هو الوحيد؟ هل كان هناك آخرون؟

عبد الحميد بلعروسي:

كان الوحيد.

سامي كليب:

كل المنطقة التي كنت فيها كانت مع الحركيين ومع الجيش الفرنسي؟

عبد الحميد بلعروسي:

كل الجزائر كانت إلى جانب الحركيين وفرنسا، كان الشعب يعيش في حال رعب شديد، وقد تم تضييق الخناق عليه، لو لم يتم ترهيب الشعب بالخنجر وبالرشاش لما أيد أكثر من 10% من الجزائريين جبهة التحرير.

سامي كليب:

هل بعض الناس الذين كانوا مع الحركيين -ومعك تحديداً- والذين تعرفهم أصبحوا فيما بعد مسؤولين في الجزائر بعد التحرير؟

عبد الحميد بلعروسي:

الحركيون الذين بقوا في الجزائر أُعدِموا جميعاً، أعدموا جميعاً بعدما جردتهم فرنسا من أسلحتهم.

سامي كليب:

طيب، حين تقول إن كل الجزائر كانت مع الحركيين ومع فرنسا، وفي الوقت نفسه نلاحظ أن الذين تعرضوا للتعذيب –ربما- وللترحيل هم جزء بسيط من الجزائر، لماذا اختيروا هم وليس غيرهم؟

عبد الحميد بلعروسي:

أولاً لم يكن بالإمكان طبعاً قتل كل الجزائريين، ثانياً تم اغتيال 150 ألف حركي في الجزائر، قتلوهم لأنهم كانوا عسكريين، ويعرفون استخدام السلاح والدفاع عن أنفسهم، إن إبقائهم على قيد الحياة يحمل بعض المخاطر، إذن قتلوهم ليظهروا للشعب أنهم قادرون على التخلص من كل الذين لا رغبة بوجودهم، لأنهم قد يُشكِّلون خطراً فيما لو حصلوا على السلاح طبعاً.

سامي كليب:

في العام 61 تركت الجيش الفرنسي لأنك كنت مستاءً من الأوضاع، فقد تغيرت القيادة العسكرية الفرنسية، وجاء ضباط لم يحترموا كثيراً الحركيين الذين عملوا معهم، هل لك أن تخبرنا عن تلك الفترة بالضبط؟

عبد الحميد بلعروسي:

عام 61 بدأت أشعر بأن تصرف الجيش الفرنسي يتغير رويداً رويداً، ولاحظت أننا ما عدنا نتمتع بالإمكانات نفسها، فلم يعد الجيش الفرنسي يشجعنا على القيام بأعمالنا كجنود بالمعنى اللفظي للكلمة، بل أنه أخذ يحاول إعاقة عملنا وإعاقة أيضاً ما نقوم به، وبما أن هدفي آنذاك لم يكن البقاء في الجيش، فقد توجهت نحو القطاع المدني، ودخلت في الدائرة الإدارية المدنية، وبما أنني -كمدني بلا سلاح- كنت حينها أشكل ضحية سهلة، فقد دخلت إذن في هذه الدائرة بصفتي مساعد إداري.

سامي كليب:

ماذا يعني الـ(SE)؟

عبد الحميد بلعروسي:

(SE) تعني -كما قلت- الدائرة الإدارية المدنية، عندما استقال آنذاك 80% أو أكثر حتى من رؤساء البلديات، احتمت الدوائر الإدارية المدنية بالأحوال الشخصية وبإحصاء السكان، وكانت تعمل كوسيط بين الجيش والسكان.

سامي كليب:

سيد بلعروسي .. الجزائر عرفت ثورات عديدة -في الواقع- في تاريخها ضد الفرنسيين، وكان ربما أشهرها ثورة عبد القادر الجزائري، ألم تكن معجباً بتلك الثورات وتعتبر أنها ستؤدي إلى الاستقلال؟

عبد الحميد بلعروسي:

كانت الثورات السابقة نبيلة -إن أمكن القول-، لا يسعني إلا الإشادة بالذين قاموا بهذه الثورات، ولكن...

سامي كليب[مقاطعاً]:

مثلاً عبد القادر الجزائري.

عبد الحميد بلعروسي:

عبد القادر الجزائري قام بثورة نبيلة، قاتل من أجل شعبه وأنا أحيي ذكراه، نحن اليوم في القرن العشرين، وأعتقد أنه يحق لكل شعب أن يحصل على السيادة وعلى الاستقلال الذاتي، لا يمكن لأي شعب أو بلد خاضع للهيمنة أن يعيش سعيداً، لقد حصلت ثورات كثيرة، وأظن أن فرنسا ضيعت فرصاً كثيرة لفتح صفحة جديدة مع مستعمراتها القديمة ومع الجزائر، كانت غلطتها الأولى عندما احتلت الجزائر، كان عليها أن تتساءل حينها عما إذا كانت ستجعل من الجزائر مستعمرة أو مقاطعة فرنسية، وإذا كانت أرادت جعلها مقاطعة كان عليها العمل على ذلك منذ اللحظة الأولى لجعلها مقاطعة فرنسية، كما هو الحال بالنسبة لـ (كورسيكا).

أما بما أنها أرادت أن تستعمرها، فكان لابد لها أن نترقب حصول انفجار في أحد الأيام، لقد حاربنا أكثر من ثلاثين سنة في الجيش الفرنسي، إنني لا أتحدث عن حروب القرن الماضي، بل أتحدث عن الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، عندما تخلت فرنسا عن الجنود الجزائريين من دون أن تعوض عليهم. في الحرب العالمية الثانية وعدت فرنسا بمساعدة القادة الجزائريين والشعب الجزائري، ولكنها لم تقم بشيء بعد انتهاء الحرب، إن فرنسا نسيت محاربيها وتخلت عنهم.

سامي كليب:

هل كانت فرنسا أو الجيش الفرنسي يعاملون من يسمون بالأقدام السوداء، وتحديداً اليهود الجزائريين، معاملة أفضل من معاملة الحركيين في قلب الجزائر؟

عبد الحميد بلعروسي:

أجل كان هناك تمييز في المعاملة، في عام 1945، حصلت انتفاضة (اصطيف)، حصلت هذه الانتفاضة لأن فرنسا لم تفعل شيئاً لمساعدة الجزائريين، وقد قمع الجنرال (دوفال) هذه الانتفاضة بشكل عنيف .. لا بل بشكل إجرامي. (دوفال) برر بنفسه تصرفه أمام الحكومة الفرنسية بالقول إنه أمَّن لها السلام لمدة عشر سنوات، لكن فرنسا لم تأخذ بالاعتبار هذا الإنذار، أقرت فرنسا قانوناً عام 57 يمنح اليهود حقوق المواطنية الكاملة، واستثنت الجزائريين الذين كانوا يعاملون كمواطنين من الفئة الثانية!!

سامي كليب:

وأنت قبلت أن تبقى مع فرنسا رغم هذه المعاملة؟

عبد الحميد بلعروسي:

القضية لا تتعلق بالقبول أو بعدم القبول، كل شخص يعيش وضعاً مماثلاً عليه أن يختار بين أسوأ الحلين، هناك فرق بين الحالتين، لم تقم فرنسا -كما قلت- بكل ما كان عليها القيام به، ولكن يجب ألا ننسى فضلها ونتنكر لكل ما قامت به فعلاً، لم تقم بكل واجبها، ولكنها حققت أموراً إيجابية..

سامي كليب:

طيب، بلعروسي إحنا نشاهد بعض الصور القديمة، ونشاهد بعض الفظاعات التي ارتكبت، والتي تقول إن جبهة التحرير ارتكبتها، هل يمكن تأكيد هذه الصور أولاً من الناحية التاريخية؟ وما الذي يثبت لنا أن الذين قُتِلوا قُتِلوا على أيدي جبهة التحرير وليس على أيدي الفرنسيين؟

عبد الحميد بلعروسي:

لقد حُددت المناطق التي قُتِلوا فيها، ودُوِّنَت على كل صورة، المدنيون اكتشفوا القتلى وتحقق الجيش من موتهم، صحيح أن الجيش قتل بعض المشبوهين في الجزائر، وقتل بعض الذين وجدت في حوزتهم أسلحة، ولكن لم أر أبداً جندياً يذبح أحداً، إنها جريمة اقترفها الإرهابيون بهدف نشر الرعب بين الناس ولارضاخهم.

سامي كليب:

هل أنت رأيت بنفسك بعض ما ارتُكِب آنذاك؟

عبد الحميد بلعروسي:

طبعاً، رأيت بعض الأشخاص في حالة مزرية، رأيت بعض الذين قتلتهم جبهة التحرير في حالة يُرثَى لها، يكفي أن ننظر إلى هذه الصور، إنها صور حقيقية أخذت فعلاً على الساحة الجزائرية.

سامي كليب:

هل فقدت أحد أبناء عائلتك على أيدي جبهة التحرير؟

عبد الحميد بلعروسي:

نعم .. نعم.

سامي كليب:

مَن مثلاً؟

عبد الحميد بلعروسي:

عمي، كان عمره حوالي 74 عاماً تقريباً آنذاك، كان بديناً جداً ولا يمكنه التنقل بسهولة، فلا يستطيع إيذاء أحد، لا نعرف من الذي أصدر حكماً بحقه ولماذا ثم خطفه، كان رب عائلة خطفوه وقتلوه من دون أي اتهام أو محاكمة، لم يكن هناك أي حكم..

سامي كليب[مقاطعاً]:

هل حاولت جبهة التحرير الاتصال بكم مباشرة –مثلاً- من أجل إقناعكم بالعدول عن الوقوف إلى جانب الجيش الفرنسي والوقوف إلى جانبها؟

عبد الحميد بلعروسي:

أكثر من مرة اتصلوا بي، ووجهوا إليَّ رسائل بهذا المعنى.

سامي كليب:

كيف كان يتصرف الجنود الفرنسيون مع أبناء الجزائر آنذاك، خصوصاً مع الذين وقفوا إلى جانبهم؟ الحركيين تحديداً؟

عبد الحميد بلعروسي:

 أقول لك بصراحة: إن كل شخص يتصرف على هواه وحسب طبعه وحسب طريقته بالتصرف، ولكن تصرف الفرنسيين في الجزائر كان يعكس موقف المجموعة، كان تصرف الجنود يعكس طبع الضباط، عرفت أشخاصاً حاولوا التحريض على المشاكل عن عمد، وعرفت أشخاصاً نبلاء قاتلوا بشرف وقاتلوا بكرامة كأي جندي نزيه.

سامي كليب:

كيف كانت تجري اللقاءات بينكم؟ هل كان هناك مثلاً من علاقات اجتماعية يومية مع الجنود الفرنسيين؟ هل كانت من سهرات مشتركة؟ هل حصل زواج مثلاً مشترك بين الفرنسيين وبين بعض أبناء الجزائر؟

عبد الحميد بلعروسي:

حصلت زيجات مختلطة بين جنود فرنسيين وفتيات جزائريات، ولديَّ دليل على ذلك، لي صديق يعيش في (تولوز) وهو متزوج من جزائرية من قريتي، سأقول لك بكل صراحة -ويمكنني أن أثبت ما سأقول- في الأعياد، مثلاً في عيد الأضحى كان سكان البلدة يقدمون الخراف والكُسكُس إلى الجنود في مراكزهم، وكانوا يقدمون يومياً أربعة أو خمس أو ست أو حتى عشر أسلال من الفاكهة إلى الجنود، وعندما كنت هناك -أي عندما كنت رئيساً للبلدية- لم أرَ قط جندياً يستفز مدنيًا، كانت التعليمات واضحة، كنا نحارب جبهة التحرير واستبعدنا المدنيين عن هذا الصراع.

سامي كليب:

بعد عام 61 تغيرت الأمور.

عبد الحميد بلعروسي:

أجل بعد عام 61 سئم الجيش من الوضع، لم يعد الجيش كما كان سابقاً، شعرنا ببعض التغيير وربما وصلت تعليمات من المسؤولين بهدف محاولة تهدئة الوضع، ما يمكنني قوله هو: أننا لم نعد نقم بدورنا كاملاً كعسكريين.

سامي كليب:

هل كنت تتصور يوماً أن جبهة التحرير سوف تفوز بالحرب وتنتصر وتحقق الاستقلال؟

عبد الحميد بلعروسي:

لم أعتقد يوما أن جبهة التحرير ستحرر الجزائر، لكن حتى ولو كنت مقتنعاً بذلك لكنت استمريت في نضالي، لأنني كنت أعرف أن الجزائر ستخضع للفوضى والبلبلة فيما لو تخلت عنها فرنسا.

سامي كليب:

هل كان الفرنسيون يميزون بين ما هو قبائلي الأصل وبين ما هو عربي؟

عبد الحميد بلعروسي:

للأسف، للأسف الشديد لم تميز فرنسا بين قبائلي الأصل والعرب...

سامي كليب[مقاطعاً]:

لماذا تأسف؟

عبد الحميد بلعروسي:

أقول للأسف لأنه كان بإمكانها الأخذ بالاعتبار بعض الفروقات، وكان بإمكانها معاملة الناس وفقاً لهذا التمييز، لا يمكن إدارة شؤون شعب إن تجاهلنا نقاط حساسياته.

سامي كليب:

هل أنت تعتبر أن هناك فروقات كبيرة في الجزائر بين العربي والقبائلي؟

عبد الحميد بلعروسي:

سأقول لك أمراً، عند القبائلي المتر هو 100 سنتيمتر، بينما المتر عند العربي هو 90 سنتيمتر، القبائلي حازماً ولا يعرف المراوغة.

سامي كليب:

لأنه قبائلي؟

عبد الحميد بلعروسي:

أتكلم عن القبائلي بشكل عام وليس عن قبيلة معينة.

سامي كليب:

نسبة القبائليين في الحركيين هل كانت كبيره جداً؟

عبد الحميد بلعروسي:

كبيرة جداً، كان هناك قبائليون كثيرون في الجيش الفرنسي...

سامي كليب[مقاطعاً]:

أكثر من العرب؟

عبد الحميد بلعروسي:

أكثر.

سامي كليب:

بالرغم من أن القبائليين أيضاً كانوا من أشد الذين قاتلوا ضد الجيش الفرنسي من أجل استقلال بلادهم؟

عبد الحميد بلعروسي:

بالنسبة للقبائليين الأمور كانت واضحة، الذين كانوا مع الفرنسيين قاتلوا بكل ولاء وبكل شجاعة، والذين كانوا ضدهم فعلوا الشيء نفسه، أنا قاتلت إلى جانب فرنسا وأعتقد أنني أثبتت ولائي وقوة نضالي، البعض الآخر كـ(عمروش) الذي كان قائداً للثورة في الجزائر مات في بلاده، مات بعد ما قاتل من أجل بلاده –بكل ولاء- على رأس الفريق الذي أختاره، ولا يسعني شخصياً إلا أن أحيي ذكرى هذا الرجل، لأنه مقاتل، لقد ولد في بلده وقاتل من أجل بلده ومات في بلده، لم يقاتل بالنظرات –كما فعل البعض- من بعيد، من تونس أو المغرب أو أي بلد أوروبي آخر...

سامي كليب[مقاطعاً]:

تتحدث عن جبهة التحرير أيضاً؟

عبد الحميد بلعروسي:

بالإجمال.

سامي كليب:

هل أنت كنت تعتبر نفسك -كحركي في الجزائر- جزائرياً أم فرنسياً؟

عبد الحميد بلعروسي:

كانت فرنسا جزائرية، والجميع كان يعتبر نفسه فرنسياً، قلت لك إن الشعب الجزائري لم يكن مناهضاً لفرنسا في ذلك الوقت، الشعب الجزائري لم يكن يُكِن العداء لفرنسا، أصبح مناهضاً لها تحت ضغط القوة والإرهاب، ولكن في البداية كان الجميع يعيش بسلام ويعيش بهدوء، كان الرخاء يعم البلاد على الرغم وجود فئة من الشعب أغنى من الفئة الأخرى، وأعتقد أن الوضع اليوم -بعد خمسين عاماً- ليس أفضل من السابق.

سامي كليب:

هل وعدتكم فرنسا آنذاك أنه في حال انتصرت جبهة التحرير سوف تحمي كل الحركيين الذين وقفوا إلى جانبها؟

عبد الحميد بلعروسي:

إن الدعاية التي بثتها السلطات الفرنسية في البداية كانت توحي بأن اتفاقات (إفيو) سَوَّت كل الأمور بما فيها مصير الحركيين، بالطبع الذين يعرفون قيمة الوعود تنبهوا للأمر وتركوا الجزائر، ولكن الحركيين الذين صدقوا الوعود دفعوا حياتهم ثمناً لها.

سامي كليب:

أود فقط من أجل أن يفهم المستمعون الذين لا يعرفون الكثير عن اتفاقات (إفيو) أن نقول أن هذه الاتفاقات هي التي قررت أو شرَّعت استقلال الجزائر، ويقال أن موضوع الحركيين لم يتم التطرق إليه خلال تلك المحادثات، هل ذلك صحيح ولماذا؟

عبد الحميد بلعروسي:

لقد قيل إن المحادثات تطرقت إلى موضوع الحركيين، وقيل أن الاتفاقات نصت على اعتبار الحركيين الذين يريدون البقاء في الجزائر مواطنين بصفة كاملة، ولكن في الواقع تمت خيانة الحركيين، لقد جُرِّدوا من السلاح وتم التخلي عنهم، أما بالنسبة للذين جاءوا إلى فرنسا وكانوا بضعة آلاف فقد تم طردهم بناء على أمر من وزير الشئون الجزائرية آنذاك.

سامي كليب:

كيف حصلت؟ هذه نقطة في الواقع مهمة جداً، كيف حصل التخلي عن الحركيين عسكرياً في الجزائر؟ كيف حصل؟ هل فعلاً أقفلت الثكنات العسكرية الفرنسية أمام الحركيين، ورفضت طلباتهم بالهجرة، ولم تتم حمايتهم آنذاك؟

عبد الحميد بلعروسي:

هذا صحيح لأن الضباط والموظفين الإداريين الفرنسيين في الجزائر تلقوا الأوامر بمنع إجلاء الحركيين إلى فرنسا، وكما ذكرت لك الذين حالفهم الحظ بدخول الأراضي الفرنسية تم إبعادهم لاحقاً إلى الجزائر، إذا كانت السلطات الفرنسية وقيادة جبهة التحرير اتفقتا على أمر ما، فهو التحضير لإبادة الحركيين.

سامي كليب:

إذن شاركت فرنسا بالقضاء عليكم؟

عبد الحميد بلعروسي:

لا أرى أي تفسير آخر، ولكنني أعتقد أن تجريد أي فرد من السلاح، وأن تسليمه إلى عدوه يعني الموت المحتم له.

سامي كليب:

سنعود قليلاً –لو سمحت- إلى العودة والمجيء إلى فرنسا، أنت مثلاً كنت متزوجاً في الجزائر، هل كنت قادراً على أن تساعد عائلتك على المجيء إلى فرنسا بفضل بعض الضباط الفرنسيين من أصدقائك، أم أن الخطوط قطعت فوراً بين البلدين وأصبحتم ضحية الاتفاق بين فرنسا وجبهة التحرير من جهة، وضحية موقفكم في الجزائر أيضاً؟

عبد الحميد بلعروسي:

عند وصولي إلى فرنسا وعند حصول الجزائر على استقلالها، لم يكن بإمكاني العودة إلى هناك، لقد قرعت كل الأبواب وتوجهت إلى كل الوزارات، من وزارة الداخلية إلى رئاسة الوزراء إلى وزارة المحاربين القدامى، حتى إلى رئاسة الجمهورية، ولكن لم يكن باستطاعة أي منها أن يساعدني.

سامي كليب:

ماذا كانوا يقولون لك؟

عبد الحميد بلعروسي:

كل وزارة كانت تطلب مني التوجه إلى الوزارة أخرى، كانوا يقولون إن هذه القضية ليست من صلاحياتهم، وصل بي الحد إلى الاستنجاد باللجنة الدولية للصليب الأحمر، وما زلت أنتظر الجواب.

سامي كليب:

هل بقيت على اتصال مع عائلتك -على الأقل- بالهاتف؟

عبد الحميد بلعروسي:

في مرحلة ما كانت الاتصالات مقطوعة تماماً..

سامي كليب [مقاطعاً]:

كم كان وقت الانقطاع؟

عبد الحميد بلعروسي:

أنا غادرت الأراضي الجزائرية عام 62، وتحديداً قبل ثلاثة أشهر من إعلان الاستقلال، وخلال الأيام الأولى لمجيئي إلى فرنسا وصلتني بعض الأخبار من والدي الذي بقي في الجزائر، ولكن هذه الأخبار انقطعت تماماً منذ آب/ أغسطس أو أيلول/ سبتمبر عام 62 حتى عام 64 على ما أذكر.

سامي كليب:

سنتين .. بعدها عاودت الاتصال مع العائلة؟

عبد الحميد بلعروسي:

نعم استطعت الحصول على بعض الأخبار عبر أصدقاء غادروا الجزائر لاحقاً، وكنت على علاقة طيبة معهم، ولقد استمرت هذه العلاقة حتى اليوم، بعض أبناء المنطقة التي كنت مسؤولاً عنها يقيمون حاليًا في فرنسا ويكنون لي الاحترام.

سامي كليب:

ومتى رأيت أولادك للمرة الأولى؟

عبد الحميد بلعروسي:

رجعت الجزائر عندما كان عمر ابني البكر 12 عاماً، وقد التقيت به بعد 30 عاماً.

سامي كليب:

هنا في فرنسا؟

عبد الحميد بلعروسي:

هنا في فرنسا.

سامي كليب:

كيف كان اللقاء بينكما؟ هل كان يعتبر أنك تركت العائلة وتخليت عنها؟

عبد الحميد بلعروسي:

هناك طبعاً صلة الدم والشعور بالارتباط العائلي، ولكن الألفة بيننا ليست كما يفترض أن تكون، وما يحز بقلبي –فعلاً- هو عدم تمكني من تربية أبنائي، ومن إعطائهم الحنان الأبوي الذي يستحقونه، إن مأساة أبنائي هي أنني لم أستطع أن أحضرهم إلى فرنسا على رغم كل الجهود التي قمت بها لدى السلطات الفرنسية.

سامي كليب:

سيد بلعروسي .. هل أبناءك يعتبرون أن والدهم خان الجزائر، كما يقول الجزائريون بعد التحرير؟

عبد الحميد بلعروسي:

نعم، بالواقع لديهم شعور بأنه كان بإمكاني أن أتصرف بطريقة أفضل، من جهتي قمت بما يمكنني القيام به آنذاك، وقد قاتلت بأفضل ما استطعت.

سامي كليب:

سيد بلعروسي، المعروف أنه في اللحظات الأخيرة للثورة الجزائرية انضم إليها الكثير ممن كانوا في صفوف الحركيين وفي صفوف الجيش الفرنسي، هل تعرف بعض الحالات من هؤلاء؟ وهل ذلك صحيح؟

عبد الحميد بلعروسي:

أجل، بالواقع عند اقتراب موعد الاستقلال بعض الذين كانوا إلى جانب الإدارة الفرنسية أو بعض الذين بقوا على الحياد انضموا إلى جبهة التحرير الوطني، كما أن بعض المخبرين للجيش الفرنسي، وبعض أنصار هذا الجيش انضموا أيضاً إلى جبهة التحرير بهدف القضاء على الذين كانوا يعملون لحسابهم، كان هناك أناس من كل اتجاهات، وقد أطلق عليهم اسم مقاتلي الساعة الأخيرة هؤلاء كانوا سيئين، أسوأ من الآخرين ربما..

سامي كليب:

نعود إلى الجانب الفرنسي، كيف تعيشون في فرنسا منذ اللجوء إليها بعد حرب التحرير؟

عبد الحميد بلعروسي:

إن مجيئنا إلى فرنسا لم يتم بالشكل الذي كنا نتمناه، لقد واجهنا صعوبات كثيرة لأن سمعة الحركيين في فرنسا كانت سيئة، وكما تعرفون خلال حرب الجزائر ف...

سامي كليب[مقاطعاً]:

ما هي هذه الدعاية التي سبقتكم؟

عبد الحميد بلعروسي:

كنا نعتبر متعاملين ومرتزقة وخونة، وأشخاصاً باعوا قضيتهم، في حين كنا بريئين من هذه التهم تماماً، وكنا قادرين على تحمل المسؤولية، وكنا نحب بلدنا وشعبنا كثيراً .. كنا نتمنى أن تخرج الجزائر من هذه المحنة بأقل قدر ممكن من الضرر، للأسف لم يستمعوا إلينا .. الأحداث الحالية أعطتنا الحق فيما كنا نقول.

سامي كليب:

ولكن كيف كان يعيش الحركيون في فرنسا؟ وهل تغيرت هذه الظروف اليوم؟ هل فعلاً كانت ظروف حياتهم صعبة جداً كما يقال وكما نقرأ؟

عبد الحميد بلعروسي:

الحركيون عاشوا دائماً في ظروف صعبة في فرنسا واستقبلوا بشكل مشين عند مجيئهم إلى هذا البلد، وهو تصرف يمكن أن ننظره من بلد غير متحضر وليس من فرنسا، إن قضية الحركيين تبقى نقطة سوداء في تاريخ فرنسا.

سامي كليب:

مثلاً هل هناك بعض الأمثلة الواقعية؟

عبد الحميد بلعروسي:

واقعية، في الوقت الراهن، وبعد 37 عاماً لا يزال أبناء الحركيين يعيشون في مخيمات في الجبال وفي القرى النائية وفي تجمعات سكنية مؤقتة، إن 60% من أبناء الحركيين يحتجون على أوضاعهم عبر إضرابات منتظمة، أبناؤنا نفذوا في آب/ أغسطس الماضي إضراباً عن الطعام في قلب باريس، ووسط عدم مبالاة السلطات الفرنسية، منذ 37 عاماً نطالب بحقوقنا الأساسية، إذا كان فرنسيو الجزائر قد حصلوا على تعويضات جزئية عن ما لحقهم من أضرار، فإن الحركيين لم يحصلوا على أي تعويض حتى الآن.

سامي كليب:

رغم كل التغيرات السياسية التي حصلت يعني تُعامَلون بالطريقة نفسها من قِبَل اليسار واليمين الفرنسيين؟

عبد الحميد بلعروسي:

أقر بأن اليسار الفرنسي لا يُكِنُّ لنا الاحترام الذي نشعر به من أحزاب اليمين.

سامي كليب:

وهل لذلك اتهمتم بأنكم أقرب إلى (جون ماري لوبان) وجبهته العنصرية؟

عبد الحميد بلعروسي:

الحركيون غير منخرطين في أي حركة سياسية، لسنا مع أي طرف، لسنا من أتباع اليمين المتطرف ولا اليسار المتطرف.

سامي كليب:

كم عدد الحركيين اليوم في فرنسا؟

عبد الحميد بلعروسي:

حوالي 450 ألف مع عائلاتهم.

سامي كليب:

وهل الجيل الثاني أو الجيل الثالث ينجح في الحصول على وظائف عالية في المجتمع الفرنسي، أم أن أولادكم –أيضاً- يعيشون نفس الظروف -كما تقول- وهناك بطالة كبيرة في صفوفهم؟

عبد الحميد بلعروسي:

بعضهم اندمج في المجتمع الفرنسي من دون مشاكل، ولكن للأسف البعض الآخر يواجه صعوبات كبيرة، لأنه عند وصول الحركيين إلى فرنسا وُضِعوا في مجمعات معزولة، ووضعوا في أماكن خاصة بهم.

سامي كليب:

ماذا كان يوجد في تلك المخيمات؟ هل كان يوجد منازل مع كل التجهيزات الضرورية، أم فعلاً مخيمات كما نشاهد مثلاً في المخيمات الفلسطينية؟

عبد الحميد بلعروسي:

كانت تضم منازل متواضعة جداً، لقد تم نشرهم في مجمعات بعيدة الواحدة عن الأخرى حتى لا يشكلوا قوة ضاغطة، وقد أبعدوهم عن المدن الكبرى بهدف أن يلفهم النسيان، لقد تُرِكوا لمصيرهم.

سامي كليب:

حين نستند إلى ما تقوله بشأن المعاملة الفرنسية للحركيين فيما بعد، نشعر وكأنه جبهة التحرير كانت على حق في مقاتلة فرنسا إذن.

عبد الحميد بلعروسي:

فرنسا لم تعط الجزائريين ما كانوا يستحقوا، وقد ذكرت ذلك سابقاً، فرنسا لم تقم بكل ما كان عليها القيام به من أجل الجزائر، ولكن هذا لا يبرر إدانتها بشدة فبعد خمسين عاماً تشهد فرنسا إضرابات دموية للأسباب نفسها، وللمطالب التي أدت أهداف الجزائر قبل خمسين عاماً، ليس الوضع مثالياً في جميع البلدان، لا يمكن لأي بلد أن يحقق كل المطالب، يجب أن نعي ما تم تحقيقه في الجزائر.

ماذا كان يوجد في العاصمة الجزائرية سابقاً؟! ما نسميه بالجزائر البيضاء آنذاك كان حي (القاصدة) والباقي شيدته فرنسا، إنني لا أدافع عن تصرف الفرنسيين، لا .. بل أنني أقر بأنه كان بإمكان الفرنسيين التصرف بطريقة مختلفة والقيام بإصلاحات تتناسب أكثر مع الواقع الجغرافي، ولكنني لا أريد أن أكون ناكراً للجميل.

سامي كليب:

سيد بلعروسي .. الحركيون قاموا بعدة إضرابات في الآونة الأخيرة في فرنسا من أجل تحسين ظروفهم، وتحديداً أولادكم الذين قاموا بالإضراب، هل هم يعيشون فعلاً حتى اليوم في ظروف صعبة جداً؟

عبد الحميد بلعروسي:

إن أولاد الحركيين يعيشون في ظروف صعبة جداً، لقد عاشوا دائماً في ظروف صعبة، إذا كان بعضهم نجح في الحياة فإن الغالبية العظمى لا تزال عاطلة عن العمل.

سامي كليب:

هناك من يقول في فرنسا -بعض الكُتَّاب- إنكم كنتم تُستَخدمون من قِبَل الفرنسيين خلال حرب التحرير كلحم المدافع، واليوم تُستَخدمون كلحم انتخابي، لو فسرنا كلمة كلمة ما يقال، بمعنى أنكم كنتم تُستَخدمون من أجل القتال في الجزائر، واليوم كورقة انتخابية، هل فعلاً أنتم كحركيين تشعرون بأن الأحزاب الفرنسية تستخدمكم بين الوقت والآخر كورقة انتخابية؟

عبد الحميد بلعروسي:

في الواقع الجيش الفرنسي استخدمنا حسب الشروط المؤاتية له، والتي تخدم أهدافه، إضافة إلى ذلك كنا نعرف جغرافياً البلاد ونتكلم اللغة العربية، ونعرف الأساليب التي تستخدمها جبهة التحرير الوطني، لقد استغل الجيش خبرتنا هذه.

سامي كليب:

يعني كنتم تقومون بالعمليات الأكثر قسوة في الجزائر؟

عبد الحميد بلعروسي:

كنا دائماً على رأس الفرق العسكرية، لأننا –كما ذكرت– كنا نعرف اللغة والطبيعة الجغرافية للبلاد، ولكن عما إذا كان استغلنا الفرنسيون لأغراض انتخابية فهذا أمر ممكن، هناك محاولات عدة لاجتذابنا لأغراض خاصة، الأشخاص الذين يتسمون بالوعي لا يقعون في هذا الفخ.

سامي كليب:

أرى أن وسام استحقاق يزين صدرك، تحديدًا على السترة، مَن الذي أعطاك هذا الوسام؟ وفي أي مناسبة؟ هل هو مسؤول فرنسي أيضاً أراد أن يستغلك انتخابياً؟

عبد الحميد بلعروسي:

لديَّ عدد من الأوسمة، منها: وسام الشرف الذي سلمني إياه رئيس الجمهورية شخصياً، رئيس الجمهورية منحني إياه بصفتي العسكرية السابقة، ولكنه لم يساوم عليه، سلمني إياه بصفة رسمية من دون أن يطلب من تأييداً انتخابياً أو خدمات أخرى...

سامي كليب[مقاطعاً]:

الرئيس (جاك شيراك)؟

عبد الحميد بلعروسي:

لقد شرفني الرئيس جاك شيراك بمنحي هذا الوسام.

سامي كليب:

هل الرئيس (جاك شيراك) هو أقرب للحركيين من الرئيس (فرانسوا ميتران) مثلاً؟

عبد الحميد بلعروسي:

أعتقد أنه أكثر الأشخاص ولاءً تجاه الحركيين.

سامي كليب:

اليوم وبعد 37 عاماً على استقلال الجزائر، و38 عاماً على رحيلك من الجزائر، لو خيرت في مكان الإقامة هل تذهب إلى الجزائر أم تبقى في فرنسا؟

عبد الحميد بلعروسي:

أبقى في فرنسا مهما حصل، هناك حالياً حوالي أربعة ملايين جزائري يودون القدوم إلى فرنسا، فإذا منحتهم فرنسا التسهيلات لذلك فإنني أشك في أن يبقى شعب جزائري في الضفة الأخرى من المتوسط، ليس لديَّ أي منفعة من العودة إلى الجزائر، ليس ليس لأنني لا أحب هذا البلد الذي يتمتع بمناخ جيد جداً، ولكن للأسف أفضل أن أبقى في فرنسا، لقد اتخذت هذا الخيار منذ زمنٍ بعيد وأقمت في فرنسا وأشعر دائماً بأنني مرتاح جداً في هذا المجتمع الذي أعيش فيه.

سامي كليب:

ولكن سيد بلعروسي، ألا تشعر أن الجزائر أيضاً هي بلدك .. البلد الذي ولدت فيه، وترعرعت فيه، أم أنك تعتبر أن فرنسا هي البلد الحالي والمقبل والبلد السرمدي بالنسبة لك؟

عبد الحميد بلعروسي:

أحتفظ دائماً بشعور الانتماء إلى بلدي الأم، بلدي الذي علمني أشياء كثيرة، منها مثلاً: مبادئ الولاء والصراحة إضافة إلى أطباع أخرى يتحلى بها البربر، ولكنني أفضل حالياً العيش في فرنسا، لأنني أحب حضارة الشعب الفرنسي، وبيني وبينه نقاط تشابه كبيرة.

سامي كليب:

قد يكون السؤال في الواقع متأخراً جداً، فهمت من كلامك أنك لا تعتبر نفسك عربياً، ولكن مع ذلك سأطرح عليك السؤال: هل تعتبر أنك عربي؟

عبد الحميد بلعروسي:

أنا من البربر، وأنا مسلم متعلق جداً بمبادئي، ولقد احتفظت بكل ما هو جيد وإيجابي من هذه الثقافة، ومن الحضارة الفرنسية تبنيت المبادئ الصالحة، وتخليت أيضاً عن الأشياء التي تتعارض مع قناعتي الشخصية.

سامي كليب:

لو سألتك في نهاية هذا الحديث عما أنت نادم عليه، هل تندم على شيء معين في كل تجربتك؟

عبد الحميد بلعروسي:

لقد تصرفت دائماً انطلاقاً من مبدأ الولاء، شاركت في حرب الجزائر، ولكنني لم أطلق النار أبداً على شخص أعزل، لم أنهب، ولم أتعدَ على أحد، ولم أستغل نفوذي، لقد عمدت دائماً إلى إجبار الجنود على دفع ثمن كل ما يأخذونه حتى للأكل أقول هذا لأؤكد أنني كنت دائماً نزيهاً، وفي كل الظروف وفي كل الأحوال، أنا فرد من أفراد الشعب الجزائري ولا أتنكر لشعبي ولا لوطني، ولكن أنا أيضاً ابن فرنسا، لأن الجزائر كانت حينها أرضاً فرنسية، إنني لا أتنكر لا لأصلي الجزائري ولا لانتمائي الفرنسي، قمت بواجبي كما أملاه عليَّ ضميري، وأنا مستعد اليوم لمواجهة أي شخص يلومني على ما قمت به أو أن يصف عملي بالمخجل.

سامي كليب:

سيد بلعروسي لا شك أن أولادك يتحدثون العربية، وربما يشاهدون هذه الحلقة، ماذا تود أن تقول لهم ، الأولاد الذين لا يزالون في الجزائر؟

عبد الحميد بلعروسي:

إذا كانوا يشاهدون هذه الحلقة فأنني أحييهم وأحيي شجاعتهم، لقد ترعرعوا من دون والدهم، ولكنني أقول لهم أنني أحبهم كثيرا وإنني لم أخنهم ولم أتخل عنهم، الخيانة جاءت من الإدارة الفرنسية وليس من والدهم، وأنني احتفظ بالوثائق التي تثبت أنني سعيت دائماً لدى السلطات الفرنسية لإجلائهم عن الجزائر، ولكن للأسف كل الأبواب كانت مقفلة في ذلك الوقت، حيث كانت كلمة حركي تدخل في إطار المحرمات، لم يكن لدينا الحق في لفظ هذه الكلمة، لأن السلطات كانت تريد أن نعيش في الخفاء، ولا تريد أن يتعرف الشعب الفرنسي على قضية الحركيين، وأن يتحرك لإجبار الحكومة لتسوية أوضاعهم.

سامي كليب:

شكراً جزيلاً.

عبد الحميد بلعروسي:

شكراً يا سيدي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة