سياسة التدرج في تطبيق الأحكام   
الجمعة 1433/8/17 هـ - الموافق 6/7/2012 م (آخر تحديث) الساعة 12:45 (مكة المكرمة)، 9:45 (غرينتش)
عثمان عثمان
محمد كمال إمام

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا}[الإسراء:106] هل يصلح مبدأ التدرج في تطبيق الأحكام سياسة في الحكم والدعوة؟ وما الذي يصلح أن يكون مرحليا من الأحكام؟ سياسة التدرج في تطبيق الأحكام موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الدكتور محمد كمال إمام أستاذ الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية والذي ينضم إلينا عبر الأقمار الصناعية من القاهرة مرحبا بكم دكتور.

محمد كمال إمام: أهلا وسهلا أخي عثمان.

مفهوم التدرج التشريعي

عثمان عثمان: مفهوم التدرج دكتور تداخل مع مفاهيم عدة مثل النسخ والتغيير والتأجيل بداية كيف تشرحون ذلك؟

محمد كمال إمام: بسم الله الرحمن الرحيم، بداية أحب في هذه المناسبة أن أهنئ الشعب المصري بتجربته الديمقراطية وباختياره لرئيس مدني هذه نقطة بداية هامة أحب أن أعبر فيها عن امتناني لوطني وتقديري لأمتي، أما موضوع التدرج في الشريعة الإسلامية فنحن نبدأ بتعريفه لغة واصطلاحا لأن أقرب تعريف إليه هو ما جاء عند الراغب الأصفهاني في مفرداته لأن كلمة سنستدرجهم أي أننا سنأخذهم درجة درجة أو كما جاء في بعض معاجم اللغة نرقيهم درجة درجة مثل الصعود إلى المنازل على سبيل المثال، والتدرج بالمعنى الاصطلاحي هو سلطة ولي الأمر ولي الأمر المسلم في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بعد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم تطبيقا جزئيا بهدف الوصول إلى التطبيق الكامل للشريعة الإسلامية، إذن التطبيق الجزئي هو تطبيق ينصرف إلى واقع الحال إلى الظروف الواقعية لأن عالمنا العربي والإسلامي تحيط به ظروف تتعلق به اجتماعيا تحيط به ظروف دولية تحيط به ظروف سياسية وكل هذه الظروف قد لا يكون من الملائم فيها أن نبدأ دفعة واحدة بتطبيق مجمل الشريعة الإسلامية بأحكامها المختلفة فتكون سياسة أي سياسة شرعية سلطة ولي الأمر في أن يتحرك ويطبق ما يمكن تطبيقه لأن الأحكام الشرعية كما تعلم مربوطة بالاستطاعة والوسع {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا}[البقرة:286] وأيضا لا يكلف مجتمعا إلا وسعه لأنه إذا جاز هذا الأمر في مجال الفرض من أجل الحرص على الفرض فبالتالي يكون جائزا في إطار الجماعة من أجل الحرص على مصالح الأمة الإسلامية.

عثمان عثمان: طبعا الآن مع وصول الإسلاميين إلى الحكم بعد الثوران العربي سنتحدث في هذا الموضوع ربما مطولا لكن قبل ذلك مع علاقة التدرج بالنسخ أو كما يسأل السيد جمال الطواب هل فقه التدرج هو أحد فروع فقه المقاصد الذي يهتم بالمرابي البعيدة للشريعة؟

محمد كمال إمام: هو حقيقة نستطيع أن نقول إن هناك فرق كبير بين النسخ وبين التدرج أولا النسخ ارتبط بالتدرج في مرحلة الخطاب التشريعي في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، بعض الأحكام الشرعية مثل منع السرقة وغيرها جاء التحريم مباشرة، جاء التحريم درجة واحدة، وبعض التشريعات التي تحتاج إلى تغيير العادات جاء التحريم فيها على درجات فعلى سبيل المثال القرآن الكريم ذم الخمر مرتين قبل أن يحرمها في الثالثة، والصلاة كانت في البداية صلاتين ثم أصبحت خمس صلوات في اليوم والليلة، إذن التدرج هنا هو تدرج مرتبط بالنسخ لأن الله سبحانه وتعالى هناك ما يسميه الأصوليون تأخير البيان إلى وقت الحاجة والله أعلم بعباده وأعلم بقدراتهم وأعلم بأنهم إذا ما نزلت عليهم الشريعة دفعة واحدة فقد لا يتحملونها، وليس في الدين حرج وليس في الدين إلا اليسر ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما وبالتالي إذن نحن في مجال هذه القواعد التي تتعلق بمقاصد الشريعة الإسلامية السمحة نقول إن الإسلام جعل النسخ في داخل الفترة التي كان فيها الرسول صلى الله عليه وسلم، النسخ غير التدرج لأن التدرج يتم بعد عصر الرسول ووجد كسبب للمشروعية في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، أما النسخ فهو رفع حكم سابق بدليل لاحق وبالتالي هذا الرفع لا يكون إلا من رسول الله ولا يبلغه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيانا لأمر الله ولا نسخ بعد ختام الرسالة وبعد صعود الرسول إلى الرفيق الأعلى، إذن النسخ هو أمر جرى في عصر الرسالة ولكنه لا يجري في أي عصر من العصور والذين يتحدثون عن نسخ لبعض أحكام القرآن تحت مسمى تاريخية هذه الأحكام أو تحت أي مسمى من المسميات إنما يعارضون المنهج الأصولي الذي بنيت عليه الأحكام الشرعية تنزيلا واستنباطا ونزولا..

عثمان عثمان: أيضا يخالفون إجماع الأمة في ذلك مفهوم التدرج دكتور تم استغلاله من قبل البعض للقول بنسبية الأحكام، الأحكام الشرعية، هل يصح أن يكون التدرج مدخل للنسبية؟

محمد كمال إمام: هؤلاء هم الذين ربطوا بين، ربطوا بين نسبية التشريع وبين تاريخية النصوص القرآنية والأحكام القرآنية وأرادوا من هذه النسبية أن يقولوا أنه حينما يأتي زمان متغير بمشاكله متغير بطبيعة أفراده متغير بمشكلاته فهذا يعني إسقاط الأحكام الشرعية القديمة وإنشاء أحكام جديدة لأن المسائل نسبية وليست مطلقة، الأحكام الشرعية كخطاب لله يتعلق بالزمان والمكان وينظر إلى الإنسان حيث كان ولا يتوقف عند عصر دون عصر ولا جيل دون جيل فهو خطاب عام للمسلمين جميعا بل للبشرية كلها، هذا الخطاب لا يتغير ولكن هذا الخطاب التكليفي عند تطبيقه على دنيا الناس لا بد من توافر شروط معينة في التطبيق، لا بد من توافر أسباب معينة لا بد من إزالة موانع معينة وهذا بالدقة الأصولية ربط بين الحكم التكليفي وبين الحكم الوضعي، أنت لا تستطيع أن تنزل عقوبة السرقة إذا كان  السارق جائعا..

عثمان عثمان: حتى نوضح المسائل أكثر للمشاهدين..

محمد كمال إمام: أو إذا كان السارق مالكا للمال..

عثمان عثمان: نعم، الحكم الوقفي، الحكم الوضعي والحكم التكليفي ما معنى ذلك؟

محمد كمال إمام: نعم الحكم التكليفي هو الحكم الذي يقول أن هذا الشيء حرام وهذا الشيء واجب وهذا الشيء مباح وهذا الشيء مكروه وهذا الشيء مندد يعني ما نسميه الأحكام التكليفية الخمسة التي هي الوجوب والندب والحرمة والكراهة والإباحة عند أغلب الأصوليين..

عثمان عثمان: نعم.

محمد كمال إمام: أما الحكم الوضعي فهو أن يكون الشيء سببا أو يكون شرطا أو أن يكون مانع على سبيل المثال الميراث واجب وأن يرث الوارث مورثه هذا من الأمور التي أوجبتها الشريعة الإسلامية وقسمت الفرائض لكن لا بد من توافر شروط، هذه الشروط لا بد أن تتوافر قبل توزيع التركة وأيضا لا بد من ارتفاع الموانع فألا يكون الوارث قاتلا للمورث هذه أمور واقعية تحدث في دنيا الناس ولا يمكن تنزيل الأحكام التكليفية على الواقع إلا إذا كان الواقع قد وجدت فيه الشروط التي يتطلبها النص قد وجدت الأسباب التي يقتضيها يعني على سبيل المثال لا تستطيع أن تصلي العصر قبل دخول وقته مع أن الصلاة واجبة لا تستطيع أن تصوم في رمضان قبل دخول وقت رمضان، فهذه أسباب، أما الموانع فهي التي تمنع الإنسان من أن يستطيع الامتثال إلى هذا التكليف لسبب من الأسباب أو لظرف من الظروف.

الحكمة من نزول القرآن مفرقاً

عثمان عثمان: دكتور القرآن الكريم نزل منجما مفرقا حسب المناسبات ولعله من هنا جاء القول بمبدأ التدرج ما دلالات نزول القرآن منجما مفرقا تدريجا؟

محمد كمال إمام: هو نزول القرآن مفرقا أو مدرجا أو تدريجيا هذا نزول للقرآن الكريم حتى يستطيع المسلمون أن يستوعبوا أحكام شريعتهم ولذلك لم ينزل القرآن دفعة واحدة وكان إذا أراد الله وشاء أن ينزله مرة واحدة لأنزله مرة واحدة ولكنه يريد أن يعرفه الناس وأن يستوعبوه وأن يتهيئوا له ولذلك كانت تنزل الآية أو الآيتين يعني لا تنزل السورة الكاملة الطويلة وإنما كانت تنزل الآية وكانت تنزل الآيتين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشرح هو هذه الآيات للمسلمين ويحفظ المسلمون هذه الآيات ويفقهونها في مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا التنزيل المنجم للقرآن الكريم له طبعا أكثر من حكمة منها ليطمئن قلب الرسول صلى الله عليه وسلم في الساعات الحرجة من تبليغ الرسالة إلا أنه أيضا يمثل مشروعية للتدرج لكن التدرج في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم هو تدرج في الخطاب الشرعي الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند الله، أما التدرج في أيامنا وفي عصرنا فهو التطبيق الجزئي لأحكام الشريعة الإسلامية وهذه..

عثمان عثمان: ولكن قبل الدخول إلى ذلك دكتور

محمد كمال إمام: حينما نريد أن نطبق الشريعة الإسلامية..

عثمان عثمان: نعم، قبل الدخول إلى ذلك هناك.

محمد كمال إمام: نعم.

عثمان عثمان: هناك من يثير إشكالا حول موضوع نزول القرآن الكريم تدريجيا مفرقا، وهذه الإشكالية حول إطلاقية أحكامه وصلاحيتها لكل زمان ومكان يعني ربما ذكرتم سابقا هناك من ينظر إلى بعض الأحكام الشرعية على أنها تاريخية يعني موضوع نزول القرآن مفرقا أثار البعض حوله إشكالية كيف يمكن توضيح ذلك والرد على من يثير هذه الإشكالية؟

محمد كمال إمام: هي ليست هناك إشكالية بالمعنى الدقيق عند يعني ليست هناك إشكالية بالمعنى الدقيق عند من يؤمنون بالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا ويكون هذا الإيمان صحيح وقائم على عقل منفتح قادر على استيعاب المصادر الإسلامية لأن خطاب الله سبحانه وتعالى ليس خطابا متزامنا في عصر الرسول وإنما هو موجه إلى الإنسان حيث كان {وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة لِلْعَالَمِينَ}[الأنبياء:107] والرسول وإن كان جاء بلسان قومه إلا أنه جاء للناس جميعا وبالتالي إذن نحن لا ينبغي أن ننظر إلا أحكام القرآن الكريم حينما تنزل منجمة أو آيات القرآن الكريم حينما تنزل في وقت على وقت هذا أدى إلى معرفة أسباب النزول ونشوء علم أسباب النزول الذي له بعض الأهمية عند تطبيق الشريعة الإسلامية وتنزيلها في دنيا الناس لكنه لا يعني أن الناس حينما يتغير العصر ينبغي عليهم أن يمتنعوا عن تطبيق الشريعة الإسلامية بأحكامها التي نزلت في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ويأتوا بشريعة عقلية جديدة وإلا فإنهم ينفصلون عن الإسلام ليست المسألة مسألة تتعلق بأن هذه أحكام تاريخية لأ هذا القول يؤدي إلى الانفصال عن الإسلام نحن نقول إن الإسلام دين للبشرية جميعا وإن أحكامه باقية حتى يرث الله الأرض ومن عليها وإن تطبيق هذه الأحكام له ظروف واقعية ينبغي أن تنظر سواء كان التطبيق متعلقا بالفرض أو كان التطبيق متعلقا بالجماعة، لا بد أن ننظر في أحوال الناس وأن يشترك في النظر في هذه الأحوال ليس رجل القانون وحده وليس رجل الشريعة وحده وإنما رجال السياسة ورجال الاقتصاد ورجال الاجتماع ورجال الإعلام كل هؤلاء ينبغي أن يجتمعوا حتى يتم تطبيق الشريعة تطبيقا صحيحا يحقق المقاصد الشرعية من نزول الأحكام لأنه قد يكون الحكم الواجب تنزيله إذا ما نزل على فرد معين لا يحقق مقاصد الشريعة ولا يحقق الغرض المقصود منه ومن هنا كان موقف الخليفة الثاني عمر بن الخطاب في عام الرمادة في موضوع السرقة وكان أيضا موقف عمر بن الخطاب في المؤلفة قلوبهم والنصوص هنا نصوص شرعية قاطعة، القرآن الكريم {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}[المائدة: 38] أيضا القرآن الكريم يتحدث عن المؤلفة قلوبهم وعن نصيبهم من الزكاة ومع ذلك نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى هؤلاء ثم أعطاهم أبو بكر ثم جاء عمر فتوقف في أرض السواد أيضا حينما رأى أن توزيع الغنائم على الجنود وترك الأجيال القادمة يؤثر في حياة الأجيال القادمة بما يتجاوز مقاصد الشريعة الإسلامية لم يقم بهذا التقسيم وإنما ترك الأرض حرة للأجيال القادمة.

التدرج في تطبيق الشريعة

عثمان عثمان: دكتور يعني ذكرتم أن التدرج سياسة للشريعة في جملة من الأحكام كتحريم الخمر تقسيم الميراث وفرضية الجهاد وغيرها يعني هل كان التدرج سياسة عامة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام؟

محمد كمال إمام: لا التدرج، التدرج لم يكن سياسة عامة ولكن كان توجيها عاما يعني الرسول صلى الله عليه وسلم حينما أرسل معاذ ابن جبل إلى اليمن أرسله وكلفه بأن لا يشق على الناس وأن يتدرج في تطبيق الشريعة وأن يتدرج في الدعوة إليها، لكن الآن المواقف التي اختلفت نحن لسنا في عصر الرسالة وإنما في عصر وصلتنا فيه الشريعة الإسلامية كاملة والآن ليس تدرجا في الخطاب وإنما هو تدرج في التنزيل الواقعي للشريعة، المسلمون عاشوا قرونا طويلة تحت الشريعة الإسلامية وتحت مظلة أحكامها ولم يتكلموا عن تدرجها لكن عندما حدث انفصال ما بين الواقع وبين الشريعة واستبعدت الشريعة على مدى قرنين أو ثلاثة من الزمان في أغلب الدول الإسلامية من التطبيق العودة إلى تطبيقها مرة أخرى في ظروف فكرية واجتماعية وسياسية واقتصادية ودولية جديدة يحتاج إلى أن تكون هناك سلطة للسياسة الشرعية هذه حينما تم التدرج في عصر الرسول هذا بمشيئة إلهية بعلم إلهي حينما يتم التدرج الآن إنما يتم سياسة شرعية وبقرار وبسلطة من ولي الأمر لأنه يريد أن لا يفاجئ الناس، وهذا حدث يعني على سبيل المثال نجد أن الخليفة عمر بن عبد العزيز ذهب إليه ابنه وقال له: لماذا لا تلزم الناس بالأحكام دفعة واحدة؟ فإذا بالخليفة عمر بن عبد العزيز يقول له: إن إلزامهم بها دفعة واحدة قد يؤدي إلى أن يبعدوا عن الإسلام وقد تحدث الفتنة وبالتالي إذن راعى أن التطبيق العملي له ظروفه واقعية ينبغي لولي الأمر مراعاتها بل إنني قرأت في كتاب البيان والتحصيل للإمام ابن رشد الجد أن بعض الناس دخلوا إلى الإسلام في شهر رمضان وليسوا على دراية بالإسلام هم يريدون الدخول فيه ولمعرفة أحكامه، فقال سئل الإمام مالك هل نطعمهم؟ أي أن لا يصوموا هذا رمضان، هل نطعمهم أم أننا نفرض عليهم الصيام؟ قال: أرى أن تطعموهم حتى يتعلموا أحكام الإسلام، يعني هذا لون من التدرج في فتوى للإمام مالك أوردها ابن رشد الجد في كتابه البيان والتحصيل، والتدرج سنة كونية ليس التدرج يعني الله سبحانه وتعالى خلق العالم متدرجا وفي ستة أيام وكان يمكن أن يخلق العالم في لحظة واحدة وفي دقيقة واحدة وفي ثانية واحدة، التدرج الإنسان يبدأ صغيرا ثم يكبر وهكذا، التدرج سنة كونية فحينما نحوله إلى سنة اجتماعية بقصد أن لا نشق على الناس وبقصد أن تتحقق مقاصد الشريعة الإسلامية في رفع الحرج والدخول إلى مداخل اليسر على المجتمع هذا أمر ضروري ومهم في تطبيق الشريعة الإسلامية.

عثمان عثمان: ما هو التدرج المشروع عن أي تدرج نتحدث في زماننا المعاصر أسمع الإجابة إن شاء الله بعد أن نذهب إلى فاصل قصير فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

آلية تطبيق سياسة التدرج في الوقت الحاضر

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان سياسة التدرج في تطبيق الأحكام مع الدكتور محمد كمال إمام أستاذ الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية، دكتور التدرج في الخطاب الإلهي أو الشرعي كان في زمن النزول في زمن النبي عليه الصلاة السلام انقضى هذا الزمن اليوم نتحدث عن تدرج ما التدرج المشروع عن أي تدرج نتحدث هنا؟

محمد كمال إمام: نحن نتحدث عن التدرج الذي يقوم به ولي الأمر من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية ونعرفه على النحو التالي بأنه التطبيق الجزئي لأحكام الشريعة الإسلامية بعد عصر الرسول الذي يقوم به ولي الأمر كسلطة من سلطاته التي منحتها له السياسة الشرعية من أجل التطبيق الجزئي للشريعة الإسلامية وصولا إلى التطبيق الكلي للشريعة الإسلامية، الشريعة الإسلامية مجموعة من المذاهب وهذه المجموعة من المذاهب فيها أحكام قد تختلف من مذهب إلى مذهب وكل مجتمع له مشكلاته وظروفه وعاداته وبالتالي ولي الأمر ينبغي ممثلا في الهيئات التشريعية أن يختار قانونا يلاءم مصالح الناس يحقق مقاصد الشريعة لا يشق عليهم ونحن قد نقل إلينا الفقه الإسلامي مركبا بطريقة تعليمية كما نقرأ في موسوعات الفقه الإسلامي وهذه الطريقة التعليمية تصلح في مجال التدريب العقلي، تصلح في مجال التكوين الذهني، تصلح في مجال الدراسة والتدريس ولكنها لا تصلح في مجال التشريع، في مجال التشريع لا بد من الوصول إلى مجموعات قانونية مستمدة من الشريعة الإسلامية قانون تجاري، قانون مدني، قانون جنائي، قانون زراعي، قانون دولي يتعلق بحقوق الإنسان تقسيم الأحكام الشرعية إلى مجموعات ثم النظر أي هذه المجموعات أولى بالتطبيق الفوري من الأخرى، ما هي التطبيق الذي يؤدي إلى التمهيد لبقية تطبيق الأحكام، وهنا أقصد إلزام الناس بالشريعة الإسلامية أي إلزام القاضي بتطبيق هذا الجزء وتأجيل الجزء الآخر إلى مرحلة أخرى، لكن ليس معنى ذلك أنني أدرج هذا في مجال الإعلام أدرج هذا في مجال التربية على الإعلام أن يقوم بتهيئة المجتمع نحو النظر إلى الشريعة الإسلامية باعتبارها كل لا يقبل التبعيض وأن تطبيقها من الأمور المهمة للمسلم لأنها جزء من إيمانه، كل هذا لا بد أن يكون واضحا في الإعلام وأن يكون واضحا في مناهج التربية وان يكون واضحا في مناهج التعليم أنا أتكلم وهذا يؤدي إلى تهيئة الظروف لكن أنا أتكلم عن تطبيق الشريعة الإسلامية قضائيا الإلزام بها بسلطة ولي الأمر قد لا يستطيع ولي الأمر أن يلزم..

عثمان عثمان: نعم دكتور.

محمد كمال إمام: لظروف اجتماعية داخلية..

عثمان عثمان: اسمح لي دكتور أن.

محمد كمال إمام: أن يلزم بها مرة واحدة أو دفعة واحدة.

عثمان عثمان: نعم اسمح لي أن نأخذ فضيلة الدكتور أحمد الريسوني الخبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي السلام عليكم دكتور..

أحمد الريسوني: وعليكم السلام ورحمة الله ومرحبا.

عثمان عثمان: حياك الله من الذي يقود اليوم فقه التدرج؟

أحمد الريسوني: بسم الله الرحمن الرحيم أولا أحيي الأستاذ الكريم الدكتور محمد كمال الدين إمام وأؤكد أولا وقبل كل شيء كذلك أن قضية التدرج ليست قضية اختيار، قضية التدرج هي حسم مقضي من أراد أن يتجاوزه فإنه إنما يسمح لنفسه فشلا وتخبطا فإذن ليس اختيار لا مفر منها لكن كيف نتدرج؟ ما هي خطوات هذا التدرج؟ هذا هو الذي يكون محل الاجتهاد والتقدير، أما التدرج طبعا كما أكد الأستاذ محمد كمال الدين إمام التدرج نتحدث الآن بالدرجة الأولى عن التدرج التي تقوده الدولة ويقوده ولاة الأمر ويقوده زعماء الأمة فهم الذين يقودون هذا التدرج ولكن التدرج باعتباره كما يقول دائما العلماء والدارسون هو سنة كونية، الإنسان يتدرج بمفرده في نفسه ويتدرج في أولاده وأسرته والداعية يتدرج، فالجميع لكن الآن نتحدث عن التدرج الذي تقوده الدولة لأننا نتحدث عن نهضة عامه وعن إصلاحات عامة وعن تطبيق الشريعة في هذه  الظروف التي نحن فيها فهذه الأمور فعلا يقودها ولي الأمر..

عثمان عثمان: دكتور يعني هنا أريد أن أدخل بعد الثوران العربي، الثورات العربية كان هناك وصول للإسلاميين إلى الحكم سواء كان في تونس والآن في مصر على سدة الرئاسة رئيس ينتمي إلى حركة إسلامية تقود مشروعا إسلاميا حضاريا كيف يمكن ليعني مع هذا الوصول للإسلاميين كيف يمكن أن يطبقوا مفهوم التدرج في الأحكام الشرعية؟

أحمد الريسوني: نعم طبعا الإصلاح بصفة عامة والإصلاح الإسلامي كما هو معروف يشمل المجالات اللي هي التشريعية كلها بدءا بالإصلاحات الدستورية إلى كافة القوانين إذن هنا تدرج في كل هذه المجالات التشريعية هناك التدرج لا يمكن أن نأتي بخبراء فيعكفوا على إعداد قوانين 100 قانون أو ما إلى ذلك ثم يضعونها أمام مختلف مؤسسات الدولة لا فالتدرج هو تفصيل القوانين والاجتهادات القانونية المبنية على الشريعة الإسلامية تفصيلها وتوليدها وتشكيلها شيئا فشيئا بالنظر في كل يوم إلى الحالة التي نحن فيها وإلى الحالة التي نحن التي تحيط بنا وإلى الظروف التي نحن نتعارك معها، هذا هو هذا وجه ومظهر من مظاهر التدرج ومن مظاهر التدرج الضرورة التي أرى وأغتنم هذه الفرصة للتذكير بها لأني سبق وأن كتبت فيها وهو أن تقديم البدائل مقدمٌ على محاربة الرذائل الإصلاح دائما يعمل على جبهتين على جبهة تقديم البدائل والإصلاحات والأعمال الصالحة وجبهة مقاومة الأعمال الفاسدة وإبطالها وتنحيتها لكن الذي يقع تقع الغفلة عنه عادة هو بناء البدائل وبناء المصالح مع التركيز بالمقابل على التصارع مع المفاسد، التصارع مع المفاسد يجب أن يكون رقم اثنين كما في الآيات والأحاديث دائما الأمر بالمعروف مقدم عن النهي عن المنكر فنحن نعول على الأمر بالمعروف ونعول على إقامة المعروف، المعروف الذي لا يناقش فيه أحد أي مجتمع أي معارض أي صاحب رأي إذا أتيت بأشياء صالحة ونافعة للناس في أخلاقهم ومجتمعهم وعلاقاتهم وفي حياتهم المعيشية وفي إداراتهم سيرحبون لكن حينما تشرع في محاربة الفساد أنت حينئذ تخوض معارك ولك خصوم ولك معارضون ولك مناوئون فإذن تقديم البدائل وإنجاح البدائل قبل محاربة الرذائل كذلك من الأمور تطبيقا لهذا الأصل نحن نعرف أن الأنظمة الفاسدة التي سقطت والأنظمة الفاسدة بصفة عامة أفسدت المجتمعات ولم تفسد الدولة فقط ليست الدولة هي التي تحتاج إلى إصلاح نحن بحاجة إلى إصلاحات لمجتمعاتنا في أخلاقهم وثقافاتهم وعاداتهم وعلاقاتهم الاجتماعية هذا أيضا لا ينازعك فيه أحد، الإصلاحات في هذا الميدان هذا من التدرج والتركيز عليه من التدرج لأن هؤلاء لم يجد مقاومة ولن يجد إلا الترحيب فليست الدولة وحدها وليست الدولة وحدها تعيش في المجتمعات، الآن عندنا في مجال مثلا السياحة هناك فساد كبير في السياحة لكن العمل الحقيقي المتدرج هو أن نبدأ بالسياحة البناءة أن نبدأ بالسياحة النظيفة أن نبدأ بالسياحة البناءة التي لا شبهة فيها دون حتى ولو لم نحارب من السياحة الفاسدة شيئا أتركها ونمي الجانب الآخر نمي ما عندك اقتراحاتك بدائلك السياحة الطبيعية والسياحة الثقافية والسياحة الاجتماعية والسياحة الأثرية والسياحة يعني هناك أشكال كثيرة من السياحة..

عثمان عثمان: لكن دكتور هنا، هنا إشكالية البعض..

أحمد الريسوني: نعم.

عثمان عثمان: في المجتمعات الإسلامية الآن يدعو إلى تطبيق الإسلام جملة واحدة ومحاربة كل أنواع الفساد مما ذكرتم من أشكال السياحة الغير نظيفة يعني أنت الآن هنا أمام تحديات، تحديات الإصلاح وتقديم البدائل وتحدي آخر هو الرؤية المخالفة لما تقول؟

أحمد الريسوني: لا الرؤية المخالفة هي عبارة عن يمكن تسميتها بخيار الفشل الذي يريد أن يقفز على الواقع المحلي في قريته ومدينته ومحافظته ووطنه والعالم من حوله هذا إنما يقفز إلى الفشل المحقق فعليه نحن لا نقول له اختر بين التطبيق الكامل والتطبيق المتدرج وإنما نقول له اختر بين التطبيق الناجح المتدرج وبين الفشل الكامل فليس هناك نجاح دون تدرج، فالقفز على التدرج أو محاولة القفز عليه إنما هو قفز في الحفرة وفي الهاوية هذه مسألة محسومة ولا، لا ينبغي الخضوع لها لا بد من التدرج ومن يدعي غير التدرج فأنه مزايد وإلا فهو غافل يبحث عن الفشل المحقق.

الأنظمة الفاسدة والتدرج في الإصلاح

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور أحمد الريسوني الخبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي كنت معنا من جدة في المملكة العربية السعودية شكرا جزيلا لك دكتور يعني هناك جملة كبيرة من الأمور التي تحتاج إلى الإصلاح نتحدث عن عقود من الزمن كان فيها أنظمة فاسدة أفسدت الحياة العامة والحياة الخاصة وأفسدت أيضا الأنظمة والقوانين من أين يبدأ التدرج في الإصلاح؟

محمد كمال إمام: أخي عثمان يعني تأكيدا لما قاله صديقي العلامة الدكتور أحمد الريسوني نحن في عالم واقعي تأثر بمؤثرات مختلفة داخلية وغربية وحدثت فجوة بين الشريعة والواقع وهذه الفجوة الحمد لله أنها لم تصل إلى جفوة بمعنى أن العالم العربي استرد عافيته الروحية وقدراته على الثورة وقدراته على البقاء وكل هذا يصب في مجال العودة إلى الذات مجال تطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقا حسنا لن يعد هناك مجال للقول بما قيل عند بعض الدعاة بأنهم ينبغي أن نطبق الشريعة الإسلامية جملة واحدة، هذا الكلام أعرف أهدافهم هو أنهم يريدون أن يأخذوا من الحماس الثوري والحماس الإسلامي الموجود على أن يتحول هذا الحماس إلى تشريعات قانونية تصب في دنيا الناس مرة واحدة لكن ما نريده ليس هو الصب مرة واحدة ليس التطبيق دفعة واحدة وإنما ما نريده هو نجاح هذه التجربة نجاحا حقيقيا يحقق مصالح الناس، نحن نقول أن المجموعة القانونية ينبغي أن ترتب ما بين مجموعة وسائل ومقاصد ونبدأ بمجموعة المقاصد قبل مجموعة الوسائل أو مجموعة الوسائل قبل مجموعة المقاصد على سبيل المثال أيهما أجدى بالتطبيق؟ أن أنظر إلى تطبيق الحدود الآن أو أنظر إلى القواعد أو القوانين التي تتعلق باحترام حرية الإنسان وحقوق الإنسان وحرمات الإنسان حتى أعطي للعالم الذي من حولي أن لدي بالفعل قوانين تحمي حقوق الإنسان تحمي هذه الحريات..

عثمان عثمان: هنا أريد أن اسأل دكتور ما الذي يقبل، ما الذي يقبل التدرج وما الذي لا يقبله في واقعنا المعاصر اليوم؟

محمد كمال إمام: لأ هناك بعض الدعاة لا يقبلون التدرج ويرون أن..

عثمان عثمان: أتحدث في الأحكام الشرعية بعيدا عن الدعاة، في الأحكام الشرعية.

محمد كمال إمام: في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)) وهي بعد نزول القرآن الكريم وبعد رحيل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى لا مجال إلا أن تطبق دفعة واحدة ومرة واحدة ومن يمتنع عن تطبيقها فهو آثم وأن الجهاز القضائي مطالب بتطبيقها مرة واحدة كل هذا يصلح في مجال الدعوة يصلح في مجال أن ندعو الناس إلى تطبيق الشريعة الإسلامية واحترامها، أما عندما تتحول إلى نصوص قانونية وإلى نصوص تشريعية فلا بد أن ننظر إلى المفاسد والمصالح ولا بد أن ننظر إلى قدرات المجتمع وإذا كان الإسلام قد أباح تأجيل الحدود وتطبيقه على الحامل وعلى المرضعة من أجل تحقيق مصلحة فردية، ألا يكون هذا التأجيل وهذا التدرج مطلوبا من أجل تحقيق مصلحة الإسلام ككل ومن أجل تحقيق مصلحة الأمة الإسلامية ككل، نحن نقول إن الطريق الوحيد إلى العودة الصحيحة إلى الشريعة الإسلامية تطبيقا وتنزيلا إنما يحتاج إلى التدرج باعتبار أن عملية الإلزام بالنص القانوني أمام القاضي لا ينبغي أن تتم دفعة واحدة هذا أمر ينبغي أن نهيئ له القضاة.

عثمان عثمان: أريد أن أنقل لك هنا دكتور، نعم أريد أن أنقل لكم هنا يعني سؤال أحد السادة المشاهدين أسامة الكبوني سؤال وفيه وجهة نظر كيف يمكن التدرج في تطبيق أحكام الحدود في الشريعة الإسلامية بعد أن انتهى عصر التنزيل وكيف السبيل إلى ذلك؟

محمد كمال إمام: التدرج هنا التدرج هنا لا يتعلق بالحد ذاته كحكم شرعي وارد في القرآن الكريم وإنما يتعلق بتنزيله على دنيا الناس، هل الواقع الاجتماعي في ظل الظروف التي يعيشها الناس ظروف اقتصادية وظروف اجتماعية كلها سلبية؟ هل يمكن أن نطبق هذه الحدود حينما توقف الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ونظر إلى مسألة تطبيق حد السرقة أو المؤلفة قلوبهم أو غير ذلك إنما نظر إلى الواقع، الحدود خطاب  شرعي دائم ولكن عند تنزيله يتعلق بواقع الناس، هل واقع الناس يحتمل تطبيق الحد هل واقع الناس على المستوى الفردي والجماعي يحتمل أن نأتي بهذه الحدود وننزلها مرة واحدة أو أن يتم تهيئة الناس والمجتمع فكريا وثقافيا واقتصاديا وأن تنمو أخلاقهم وأن تنمو اقتصادياتهم وقدراتهم على العمل وقدراتهم على التفكير وقدرتهم على الحياة أن لا أسدي لشخص يعيش تحت حد الفقر وأطبق له عليه عقوبة السرقة أو حد السرقة أن لا أنظر إلى حد المعصية الكبرى وأنا أرى وسائل الإعلام مليئة بكثير من الأشياء التي تشد الناس إلى المعاصي ثم أقول أن علي أن أطبق الشريعة الإسلامية تطبيقا هذه الشبهات تجري في واقع الناس.

عثمان عثمان: لكن البعض دكتور يتخوف هنا أن يؤدي هذا التدرج يخاف أن يؤدي أن ينتهي هذا التدرج إلى إلغاء النصوص وإلى تمييع الإسلام ما هي الضوابط التي تحول دون ذلك؟

محمد كمال إمام: يا أخي عثمان نحن منذ البداية، أخي عثمان نحن منذ البداية عرفنا التدرج بأنه سلطة ولي الأمر بعد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم في التطبيق الجزئي لأحكام الشريعة الإسلامية بهدف الوصول إلى التطبيق الكلي لا ننظر إلى قضية إلغاء، فهذه لا يملكها أي مسلم لا يستطيع أي مسلم حاكما كان أو محكوما أن يلغي حكما شرعيا، نحن نتكلم عن عملية التنزيل عن عملية التطبيق التي هي وقائع اجتماعية تحدث في دنيا الناس، أنت لا تستطيع أن تطبق حتى لو قلت بحد السرقة لا تستطيع أن تطبقه إلا إذا فحصت الحالة التي أمامك سواء الاجتماعية أو الحالة السياسية أو الحالة الاقتصادية لترى ظروف الأفراد وظروف المكلفين وظروف المجتمع والعالم الدولي الذي تعيش فيه، هذا ليس لأنني أحكم المجتمع الدولي  شريعتي ولا أحكم الأفراد في شريعتي وإنما حتى يتم تنزيلها تنزيلا صحيحا على دنيا الناس لا بد من أن أتدرج في هذا التطبيق وفي هذا التنزيل بما يحقق المقاصد الإسلامية من الأحكام الشرعية، الأحكام الشرعية لها غايات في المجتمع هذه الغايات تتعلق بمآلات تطبيق الأحكام لا بد من النظر إلى مآلات تطبيق الأحكام قبل تطبيق الأحكام.

عثمان عثمان:  لتنتقل معي إلى..

محمد كمال إمام: الفقه الإسلامي.

عثمان عثمان: نعم، إلى جانب آخر كيف يمكن تفعيل سياسة التدرج في الدعوة إلى الله عز وجل سواء كانت هذه الدعوة مع المسلمين المقصرين والغير ملتزمين بأحكام الشرع أو مع غير المسلمين؟

محمد كمال إمام: نحن قلنا أخي عثمان قلت أن التدرج الأصل فيه أن التدرج في تطبيق الأحكام الشرعية يعني في إلزام الناس قضاء بها وهذا لا يعني أن أمتنع في الإعلام عن الحديث عن الإسلام وأحكامه وتشريعاته ولا أمتنع عن تعليم تشريعات الإسلام في الجامعات وفي المدارس ولا أن أمتنع كداعية عن تهيئة المجتمع إلى تلقي أحكام الإسلام والنظر إليها باعتبارها جزءا من الدين كما أنها جزء من الشريعة التي ينبغي أن تطبق، هذه مسائل التدرج هنا في الإلزام القضائي في صدور تشريعات يتم تطبيقها من خلال المجالس التشريعية، أما تهيئة المجتمع من خلال الداعية ومن خلال برامج الإعلام ومن خلال مناهج التعليم فهذا أمر ينبغي أن يظل مستمرا ولا تجزئة فيه، التجزئة فيه تكون في الأساليب بمعنى أن الأسلوب الذي أخاطب به المجتمع الأقل علما غير الأسلوب الذي أخاطب به المجتمع الأكثر علما أن أخاطب به المجتمعات التي الفقيرة غير المجتمعات الغنية، المجتمعات الإسلامية غير المجتمعات الغربية، هذه تغير في الأساليب لكن يظل الخطاب باقيا ومستمرا ولا تأجيل فيه ولا تدرج فيه، أما الإلزام القضائي الذي هو سلطة ولي الأمر في تطبيق أحكام الشريعة تطبيقا جزئيا فهذا هو ما نتكلم فيه حول مبدأ التدرج فيه لا يمكن أن نقفز مرة واحدة وأن ننادي دفعة واحدة بصناعة كل فروع القانون وتطبيقها على الناس مرة واحدة هذا يشق عليهم يخالف مبدأ اليسر الذي جاءت به الشريعة الإسلامية يسبب حرجا وأنا أقول إن ميزان المصالح والمفاسد ميزان مفتوح على أولياء الأمور الصادقين المخلصين الورعين الذين يعرفون الله سبحانه وتعالى ويتقونه أن ينظروا إلى مجتمعاتهم وأن لا يخونوا الله فينا وعليهم أن يعني ينظروا إلى أماناتهم نظرة صحيحة وأن يقولوا أن هذا يطبق الآن وهذا يطبق غدا لكن الجميع سوف يطبق في نهاية الأمر..

عثمان عثمان: نتحدث الآن نتحدث الآن..

محمد كمال إمام: هذا من فقه المرحلة بأن التقسيم إلى مراحل.

عثمان عثمان: هذا في المجتمع الإسلامي، لكن هناك مسلمون الآن يعيشون في الغرب يعيشون في فرنسا في أوروبا في أميركا، كيف يمكن أن نستفيد من حديث معاذ رضي الله عنه الذي ذكرتموه آنفا عندما بعثه النبي عليه الصلاة والسلام إلى اليمن ليدعو أهل اليمن هناك أهل الكتاب كيف يمكن أن نستفيد من هذا الحديث في وجود المسلمين في الغرب وفي دعوة إلى الله عز وجل وفي ممارسة حياتهم اليومية مع أحكام الشريعة؟

محمد كمال إمام: طبعا الذي يعيش في الغرب هو يعيش في ظل مجتمع له قوانينه التي ينبغي أن تحترم، وله أيضا يعني سياساته التي ينبغي أن لا يتم القفز عليها نحن نقول أن المسلم في المجتمعات الغربية في جانب العبادات في جانب أحواله الشخصية ينبغي أن تتاح له الفرصة وهذا حق من حقوق الإنسان الذي كفلته المواثيق الدولية ينبغي أن يحافظ لهذا المسلم في هذه المجتمعات المتعددة الأعراق والأديان على أن يؤدي شريعته من زاوية العبادات وأن يؤدي شريعته من زاوية الأحوال الشخصية، أما في مجال التطبيق المتعلق بالقوانين فهذه قوانين تفرضها الدولة وهو ليس إلا مواطن في هذه الدولة أو مهاجرا إلى هذه الدولة أو متعلما في هذه الدولة عليه أن يحترم هذه القوانين وأن يلبي أوامرها ونواهيها، ولا يستطيع أن يخرج عن النظام العام في الدولة كما أننا نحن نطالب الأجنبي الذي يعيش في بلادنا أن يحترم النظام العام في دولتنا الإسلامية أو في دولنا العربية، فعلى المسلم في أي دولة غربية بقدر الاستطاعة أن يحترم أحكام دولته التي يعيش فيها، هذا أمر ضروري ومهم ولكن ليس معنى ذلك أن تلزمه هذه الدولة بأن يتخلي عن أسس دينه عن أصول دينه فيما يتعلق بالعبادات فيما يتعلق في بعض المعاملات التي يرى أنها لا تتلاءم مع شريعته وإذا ما جرى التعامل معها من خلاله فإنما يكون ذلك تحت مظلة الضرورة أو نظرية الضرورات التي تبيح المحظورات.

عثمان عثمان: هذا في الجانب القانوني في التعامل مع الدولة التي يقيم فيها المسلم في البلاد الغربية لكن ماذا عن دعوة المسلمين لغير المسلمين في تلك البلاد أو دعوة المسلمين لغير المسلمين الملتزمين في تلك البلاد، هل يمكن أن نقيس المجتمعات تلك بالمجتمع قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام وبالتالي يتم التعامل في الدعوة وفقا لتلك الحالة؟

محمد كمال إمام: أنا أتصور أن الدعوة تكون بالتعريف الصحيح بالإسلام وبالنموذج الإسلامي الذي يقدمه المسلم، النموذج الصحيح، كما اشتهر الإسلام وانتشر في دول كثيرة في إفريقيا ودول كثيرة في آسيا وجنوب شرق آسيا من خلال التجار المسلمين لما أبرزوه من أخلاق وبما أبرزوه من سماحة وبما أبرزوه من حسن تعامل في الدين معاملة لا بد من أن يكون المسلم نموذجا أخلاقيا في بلاد غير المسلمين حتى يكون هذا النموذج يحتذي به يقتدي به يستمع إلى كلامه يعني لا ينبغي أن يكون متصارعا ولا أن يكون شاذا ولا أن يكون مندفعا ولا أن يكون سبابا ولا أن يكون شتاما، الدعوة الإسلامية تعني أن أخاطبهم بالموعظة الحسنة {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَـــكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}[فصلت: 34] نحن هناك أسلوب للدعوة وبالتالي أيضا لا بد من مراعاة المصالح والمفاسد، إذا كانت الدعوة في هذا المكان سوف يترتب عليها مفاسد على المسلمين الذين يقيمون في هذه الأمكنة أكثر من المصالح التي تعود عليهم فيأتيهم أن يدعو أنفسهم وأن يصلحوا من أنفسهم وأن يربوا أولادهم تربية سليمة وأن يحصنوا أنفسهم من عوامل كثيرة ممكن أن تحيط بهم فتؤذي عقيدتهم أو تؤذي شخصياتهم على كل حال إذن هناك مجال يتعلق إذا لم أتمكن من دعوة الغير فلابد من دعوة النفس، ودعوة الغير إنما تكون بالنماذج الحسنة بالقدوة الطيبة ثم بعد ذلك يأتي التعريف الصحيح بالإسلام، ليس الإسلام بحاجة إلى أن ندعو الغير دعوة صداميه أو نجعلهم يحاربوننا ونحاربهم في داخل هذه المجتمعات نحن نريد أنا في مرة زرت الولايات المتحدة الأميركية فوجدت المسجد الكبير في واشنطن مغلقا لماذا مغلق؟ لأنه هناك خلاف ما بين الشيعة والسنة وغيرهم حول من يؤم الناس ومن كذا هذه صورة غير طبيعية نموذج سيئ يقدم لا ينبغي أن يحمل المسلمون الذين يذهبوا إلى البلاد الأوروبية يحملون مشاكلهم ويحملون اختلافاتهم ويحملون صراعاتهم التي يعيشونها في مجتمعاتهم إلى هذه المجتمعات، هذه مجتمعات مفتوحة لها طريقتها في التفكير لها قيم ولعا قوانينها وكل قانون في أي دولة ينبغي أن يحترم.

عثمان عثمان: إذن نختم بالآية يقول الله عز وجل {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[النحل:125] أشكرك فضيلة الدكتور محمد كمال إمام أستاذ الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية كنت معنا من القاهرة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل، وهذا عثمان عثمان يترككم في أمان الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.    

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة