موضوعات من فلسطين ونيبال وبريطانيا وغيرها   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 2:20 (مكة المكرمة)، 23:20 (غرينتش)

مقدم الحلقة

جميل عازر

تاريخ الحلقة

10/06/2001

- وقف إطلاق النار بين الفلسطينيين والإسرائيليين
- الاضطرابات في نيبال و تأثيرها على الهند والصين

- فوز حزب العمال البريطاني بفترة حكم ثانية

- رامز فيلد وتسويق الدرع الأميركي في أوروبا

- يوم البيئة بين مخاطر التلوث والأولويات الاقتصادية

جميل عازر
جميل عازر: مشاهدينا الكرام أهلاً بكم إلى هذا العدد الجديد من (الملف الأسبوعي) وفيه: وقف إطلاق نار بين الفلسطينيين والإسرائيليين بادرة واقعية أم عدم إقرار بالواقع؟

نيبال مملكة عريقة الحضارة فقدت معظم أفراد أسرتها المالكة، فهل تعود إلى حياتها الاعتيادية؟

ورامز فيلد ومحاولة تسويق الدرع الأميركي الصاروخي في أوروبا، ومقدونيا ليست من أولوياته.

وقف إطلاق النار بين الفلسطينيين و الإسرائيليين

السلطات الإسرائيلية في القدس تهدم منزلاً فلسطينيا
التساهل مع الفلسطينيين ليس من سمات رئيس الحكومة الإسرائيلية وهذا استنتاج بديهي نظراً إلى السوابق، فكيف أحجم (أرئيل شارون) حتى الآن عن الرد على عملية التفجير في تل أبيب حيث قتل أكثر من عشرين إسرائيلياً؟ ربما يكون السؤال محيراً إلى حدٍ ما، ولكن شارون لديه حسابات سياسية ربما ترغمه على وضع الاعتبارات العسكرية في المرتبة الثانية من أولوياته، غير أن من المؤكد أن الضغوط الدولية وخاصة الأميركية كانت العامل الأقوى الذي حمل شارون وياسر عارفات أيضاً على إعلان وقف إطلاق نار يظل تنفيذه رهن حسن نية المتطرفين من الجانبين، اللهم إن كانت هناك نية حسنة.

سمير خضر: لن يكون شارون أول ولا آخر زعيم سياسي يتخلى عن القاعدة الجماهيرية التي أوصلته إلى قمة هرم السلطة، آلاف من المستوطنين ومن نشطاء اليمين المتطرف، ومن دعاة نقاء الدولة اليهودية احتشدوا على أسوار القدس من أجل هدفٍ واحد: الضغط على شارون لحمله على قتل العرب والقضاء على الفلسطينيين انتقاماً لعملية تل أبيب، والواقع أن أحداً لم يكن يشك في أن شارون سيرد على هذه العملية بالأسلوب الذي اشتهر به، الرد العسكري، وكان العالم سيتفهم، ولم يكن ليلومه بسبب ارتفاع عدد الضحايا المدنيين، ولكن ما الذي حدث؟ وهل تنكر شارون لماضيه العسكري الدموي؟! ما حدث هو العكس إذا استطاع شارون تحقيق أهداف الضربة العسكرية دون أن ينفذها، فقد اختار وربما بسبب ضغوطات سياسية دولية أكبر منه تحويل عملية تل أبيب إلى نصر سياسي وكان له ذلك، فشارون كان يسعى إلى الحصول على استسلام فلسطيني كامل وغير مشروط بدون تقديم أي تنازل سياسي، وسعى إلى ذلك من خلال المطالبة بوقف لإطلاق النار، لكن الفلسطينيين كانوا يرفضون لسببين، الأول: أنه لم تكن هناك حرب بين الطرفين، بل جانب إسرائيلي مدجج بالسلاح يشن حرباً من طرف واحد على شعب لا سلاح لديه سوى التمسك بالأرض، وثانياً: أن الفلسطينيين كانوا يقولون: أن عرفات غير قادر على وقف الانتفاضة حتى وإن أراد ذلك.

وتحت وطأة التهديد الإسرائيلي والضغط الدولي اضطر الرئيس الفلسطيني إلى الإعلان عن موافقته على وقف إطلاق النار ليجنب شعبه مأساة جديدة، وكان هذا النصر الأول لشارون، أما النصر الثاني: فقد تمثل في الانخفاض الملموس لحدة العنف الأمر الذي مكن إسرائيل من القول: بأن عرفات لا يستطيع السيطرة على شعبه ادعاء غير صحيح.

بالطبع لم يرضى إعلان وقف إطلاق النار كثيراً من الفلسطينيين لكن حسابات السياسة الدولية فرضت واقعاً جديداً كان لابد لعرفات من التعامل معه، وهكذا حصل شارون على ما يريد وتحول التعاطف الدولي مع الانتفاضة إلى تعاطف مع إسرائيل التي نجحت في تلميع صورتها الدولية، وبدأ شارون يرفع من سقف مطالبه مطالباً باعتقال مئات من ناشطي الانتفاضة من التيارين الوطني والإسلامي، لكن الإعلان عن وقف إطلاق النار شيء ومتابعته وتثبيته شيء آخر، وكان لابد من عودة العراب الأميركي من جديد إلى الساحة الشرق أوسطية، وتم ذلك من خلال مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية C.I.A، فـ (جورج تنت) تابع الملف الأمني منذ بدء عملية أوسلو عام 93، وجهازه يشرف منذ ذلك الحين على تدريب وتسليح قوات الأمن الفلسطينية، ولا أحد يجهل أيضاً عمق العلاقات بين C.I.A وجهاز الموساد الإسرائيلي، ومع الفلسطينيين والإسرائيليين يشعر (تنت) وكأنه في داره ومع تلاميذه، لذا فهو قادر إلى حدٍ كبير على فرض ما لا يمكن لغيره إملاؤه على الطرفين.

الاضطرابات في نيبال و تأثيرها على الهند والصين

جميل عازر: قد تكون نيبال مملكة عريقة الثقافة تمتد جذورها في عمق التاريخ الهندوسي إلا أن لأحداث التي وقعت فيها أخيراً مضاعفات تنطوي على خطورة بالنسبة لاستقرار تلك. الدولة المحصورة بين العملاقتين الهند والصين، فاغتيال عدد من أعضاء الأسرة المالكة بمن فيهم الملك والملكة وولي العهد يثير مخاوف على مستقبل نظام الحكم الملكي ومستقبل البلاد في آن، فللاضطرابات في نيبال سوابق، إذ توجد فيها معارضة شيوعية تريد الإطاحة بالنظام الملكي والتخلص من جميع المصالح الهندية في البلاد، فإذا بدأت هذه المعارضة بالذات في تصعيد حملتها فإن ذلك سيثير قلق الحكومتين في دلهي وبكين.

الاضطرابات في نيبال
حسن إبراهيم: تقع نيبال، المملكة الهندوسية، بين الهند والصين أكبر دولتين في العالم سكاناً، وهي من أكثر الدول فقراً، ولكنها تشتهر كمركز روحي للهندوس، وبعض البوذيين، ومن ينشدون عبادة التأمل والسكينة، وكمركز سياحي لعشاق تسلق الجبال الذين تستهويهم قمم الهملايا، وهي نيبال التي أنجبت بعضاً من أشرس المقاتلين الذين اثبتوا جدارتهم منذ أيام الإمبراطورية البريطانية في شبه القارة الهندية، ولا تزال توجد من (الجرك) النيباليين كتيبة في الجيش البريطاني إلى يومنا هذا رغم تسريح العديدين من أفرادها بعد عودة هونج كونج إلى الصين عام 97.

لكن نيبال المملكة تعيش أياماً عصيبة وهي تحاول استجلاء الظروف الغامضة التي قتل فيها ملكها (بيرندرا) وزوجته (أشوايرا) وابنتهما الأميرة (سوتي)التي لم يمض على زواجها أربعة أعوام، وابن الملك الأصغر (درجان) وشقيقة الملك وشقيقة الملكة، حدثت هذه المجزرة في قصر (ناليان هيتي) ولكن لا تزال توجد شكوك حول الرواية الأولى عن أن ولي العهد الأمير (دبندرا) هو الذي ارتكب الجريمة لرفض والديه تزويجه من فتاة يعشقها وهي نصف هندية اسمها (ديفياني رانا) ثم أطلق النار على رأسه وتوفي لاحقاً في المستشفى.

وهناك ارتياب في أن العملية كانت انقلاباً دبره عمه (جناندرا) الذي آل إليه العرش للمرة الثانية منذ عام 50 عندما نصب ملكاً بعد هروب الأسرة الحاكمة إلى الهند إثر اضطراب سياسية في البلاد.

ورواية رئيس الوزراء أن مدفعاً رشاشاً قد أطلق عن طريق الخطأ هي تفسير أقل تصديقاً، وستظل الأسئلة مطروحة حتى رغم إعلان الملك الجديد عن تشكيل لجنة لتحقيق في مجزرة الأول من حزيران وإعلان نتائجه لاحقاً.

ورغم بقاء نيبال مملكة أو تحت سيطرة أسرة حاكمة على مدى تاريخها، فليس كل النيباليين يرضون بالنظام الملكي ويحترمونه، فالحزب الشيوعي الماوي يرفض هذا النظام بشكله الحالي ويدعو إلى إنشاء جمهورية ديمقراطية أو على الأقل ملكية دستورية حقيقية، وبما أن الملك جزء لا يتجزأ من السلطتين التنفيذية والتشريعية، فإن النظام الديمقراطي الحديث العهد في نيبال سيكون رهن السياسة التي سيتبعها الملك الجديد الذي يعين أعضاء مجلسه الاستشاري (براش باري شاد) والذي يتمتع بصلاحيات تتجاوز البرلمان المنتخب ، وبما أن الملك يعتبر في المثيولوجيا النيبالية تجسيداً للإله الهندوسي (بجنو) فإن التقليديين في البلاد لا يقبلون بفكرة علمانية النظام الملكي، وبينما أحرقت جثامين الملك والملكة وأعضاء الأسرة الحاكمة وفقاً للشعائر الهندوسية ورش رمادها في نهر (باجمات) المقدس فإن استقرار وضعه في تلك المملكة يظل مرهوناً بعودة الثقة بين القصر والجمهور ما لم يصعد الشيوعيون من تمردهم.

فوز حزب العمال البريطاني بفترة حكم ثانية

جميل عازر: تمكن حزب بالعمال البريطاني للمرة الثانية على التوالي من العودة إلى الحكم بأغلبية ساحقة، فقد كانت نتيجة الانتخابات العامة وفقاً للتوقعات وجاءت مخيبة لحزب المحافظين الذين أعلن زعيمه (وليام هيلد) استقالته من هذا المنصب فور اتضاح مدى الهزيمة التي لحقت به، ولعل في النتيجة ما يشير إلى أن سياسة العمال بشأن القضايا الداخلية وإزاء قضية انضمام بريطانيا إلى نظام النقد الأوروبي متمثلاً باليورو تستميل الغالبية العظمى من الناخبين رغم أن نسبة الذين شارك منهم في التصويت تعتبر أدنى بكثير مما عرفته انتخابات عديدة سابقة.

والانتخابات الإنجليزية
خالد القضاة: الانتخابات التشريعية البريطانية أفرزت نقطتين تعتبران سابقة في البلاد منذ بداية القرن العشرين، فقد فاز حزب العمال بأغلبية ساحقة على الرغم من تراجع نسبة المشاركة بشكل كبير لم تهبط إليها منذ ثمانين سنة، كما أصبح (توني بلير) أول رئيس وزراء من حزب العمال منذ الحرب العالمية الثانية يتولى الحكم فترتين متتاليتين، المعركة الانتخابية في بريطانيا تدور بشكل أساس بين الأحزاب التقليدية الرئيسية الثلاثة وهي حزب العمال، وحزب المحافظين، وحزب الأحرار الديمقراطيين، ولكن خاض هذه الانتخابات أحد عشر حزباً آخر تمثل مختلف القوميات الاسكتلندية وويلز وايرلندا الشمالية بعنصريها الكاثوليكي والبروتستانتي.

نجح حزب العمال في إقناع البريطانيين ببرنامجه تحت شعار: "طموحات لبريطانيا" حاول من خلاله أن يرسم صورة واعدة للمستقبل، ورغم مرور أربع سنوات منذ تسلم الحكم فإن العمال يقولون: إن مهمتهم بدأت لتوها، وفي هذا إشارة إلى أن خطة الحزب لإصلاح الخدمات العامة خاصة في قطاعي التعليم والصحة لم تكتمل بعد وأنه مازال هناك الكثير من العمل، لقد كان في يد زعيم العمال سلاح قوي لإقناع الناخبين بجدوى سياسته، فقد اعتمد (بلير) على نجاحه في خفض معدلات البطالة والتضخم إلى أدنى مستوى في القارة الأوروبية، وأوروبا وعملتها الواحدة كانتا محوراً مهماً للنقاش أثناء الحملة الانتخابية، فسياسة المحافظين في هذا الصدر تختلف عن سياسة بقية الأحزاب في نهجها المتحفظ إزاء الاندماج في أوروبا وتبني اليورو عملة رسمية بدلاً من الإسترليني، غير أن محللين سياسيين يرون أنه بالرغم من عدم رضا البريطانيين تماماً عن أداء العمال وبالذات في مجال الخدمات التعليمية والصحية فإن الناخب قرر منحه فرصة أخرى في ظل التحسن الواضح في الأداء الاقتصادي خلال السنوات الأربع الماضية.

منتقدو بلير ومعظمهم من حزب المحافظين يقولون: إن الرجل لم يواجه أزمات حقيقية في فترته السابقة، وبالتالي لم يتعرض لامتحان يدل على قدراته، لكنهم يعولون الآن على أنه سيواجه امتحاناً صعباً لوعوده وخصوصاً في مجال الانضمام إلى العملة الواحدة وفي الاقتصاد والبنية التحتية في بريطانيا.

وإذ يعكف حزب العمال الجديد -كما يحلو لبلير أن يسميه- على فترة حكم جديدة فإن أمامه من التحديات على الصعيدين الداخلي والأوروبي ما يجعل من تحقيق الوعود الانتخابية عملية تحتاج إلى تضافر مختلف ألوان الطيف السياسي في بريطانيا رغم الأكثرية العمالية الساحقة في مجلس العموم.

جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً: يوم البيئة العالمي إحياؤه وسط مهاترات سياسية تقودها الولايات المتحدة وتحذيرات دولية من مخاطر إهمال قضايا البيئة.

رامز فيلد وتسويق الدرع الأميركي في أوروبا

قام وزير الدفاع الأميركي (دونالد رامز فيلد) بجولة سعى خلالها إلى تسويق الدرع الأميركي الصاروخي في تركيا أولاً، ثم أوكرانيا، ولدى الأوروبيين، وكان لابد للوزير الأميركي أن يصطدم في كل محطاته بأولويات السياسيين هناك والتي تختلف عن أولويات استراتيجية واشنطن في كنف الإدارة الجديدة، فتركيا وأوكرانيا لديهما متاعب اقتصادية تعلو في حسابات الحكومتين على قضايا ثانوية كالدفاع عن الولايات المتحدة ضد أخطار وهمية، وفي البلقان هناك قلق أوروبي من الوضع في مقدونيا حيث يدعو (رامز فيلد) إلى تقليص الوجود العسكري في المنطقة.

نظام الدرع الصاروخى الأميركي
سمير خضر: عندما يبدأ وزير دفاع أميركي بجولة خارج بلاده يكون الهدف منها معروفاً حتى قبل أن يغادر مبنى البنتاجون، (دونالد رامز فيلد) زعيم التيار اليميني المحافظ في إدارة بوش اختار أن يبدأ جولة أوروبية من تركيا، وكيف لا وهذا البلد يتحكم فيه العسكر منذ نشأته ويعتبر التحالف مع واشنطن جزءاً لا يتجزأ من عقيدته السياسية والاقتصادية والعسكرية، ففي تركيا توجد قاعدة (أنجرلك) الجوية إحدى أهم القواعد التي تنطلق منها الطائرات الأميركية لتعزيز الحصار على العراق، رامز فيلد يعتبر تركيا العنصر الأساسي في سياسة واشنطن الخارجية على مدى العقد القادم، فموافقتها على ما يسمى بالعقوبات الذكية عنصر أساسي في استمرار السياسة الأميركية تجاه العراق.

لكن الوزير الأميركي لم يحصل في أنقره على وعد قاطع بهذا الخصوص، إذ وضعت تركيا جملة من الشروط الاقتصادية وخاصة فيما يتعلق بتدفق النفط العراقي إليها وقدرة واشنطن على تعويضها وهذا ما لم يستطع رامز فيلد تقديمه، حتى مبادرة الدفاع الصاروخي لم يستطع تسويقها بالشكل المطلوب لدى الحكومة التركية التي لا تبدو مقتنعة بما تقوله واشنطن حول التهديدات الصاروخية المرتآة من العراق وإيران وكوريا الشمالية.

ومن حكم أو تحكم العسكري في تركيا طار رامز فيلد إلى أوكرانيا ليحاول بيع نفس المطالب للرئيس (ليونيد كوتشيما) الغارق في مشاكل داخلية قد تطيح بنظامه أبكر مما تتوقعه واشنطن، وذلك بسبب اتهامه بتدبير اغتيال أحد الصحفيين المناهضين لحكمة.

غير أن الامتحان الحقيقي لرامز فيلد كان على الساحة المقدونية حيث لا تزال المعارك الطاحنة تدور على الحدود الشمالية بين القوات الحكومية والمتمردين الألبان، وبالطبع فإن ما يجري في مقدونيا له تبعاته على مجمل الوجود العسكري الأميركي في البلقان سواء في البوسنة أو كوسوفو أو في مقدونيا نفسها، ويبدو أن الوضع في مقدونيا كان الشاغل الأكبر لاجتماع حلف الأطلسي في بروكسل إذا كان رامز فيلد يحاول إقناع حلفاء الولايات المتحدة بضرورة تبني، أو على الأقل عدم معارضة نظام الدرع الصاروخي الذي يريد الرئيس بوش نشره في المستقبل القريب، لكن الأوروبيين كانوا قلقين أكثر من موقف الإدارة الأميركية من البلقان، فواشنطن هي التي ورطت أوروبا في البوسنة، وهي التي دفعتهم إلى المشاركة في حرب كوسوفو، وهي التي وطدت أسس النظام الحالي في مقدونيا واستخدمت أراضيه كموطئ قدم في الحرب ضد (ميلوشيفيتش) وها هي واشنطن ورامز فيلد بالذات تنادي بتقليص الوجود العسكري الأميركي في هذه المنطقة، وبالنسبة لأوروبا فإن هذا لا يعني سوى شيء واحد ترك الأوروبيين يتدبرون أمورهم لوحدهم في البلقان، وفي هذه الحالة لماذا يقبلون إذن بنظام الدرع الصاروخي الذي يحمي الولايات المتحدة وحدها؟ هذا إذا افترضنا وجود تهديد حقيقي.

جميل عازر: وكنت قد تحدثت عبر الهاتف إلى الدكتور وحيد عبد المجيد (رئيس تحرير التقرير الاستراتيجي في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية) وسألته أولاً: لماذا كل هذا القلق الأوروبي من الوضع في مقدونيا بالذات؟

د. وحيد عبد المجيد: لأنه الوضع في منطقة البلقان بشكل عام كان هو مصدر الخطر الأكبر على استقرار أوروبا خلال السنوات العشر الأخيرة، يعني بدءاً من تفكك يوغسلافيا إلى مشاكل النظام السابق في صربيا، إلى الانفصالات المتعاقبة، إلى مشاكل كوسوفا والتدخل الأميركي العسكري فيها هي.. هذه هي المنطقة الوحيدة غير المستقرة في أوروبا والخبرة التاريخية بتجعل الأوروبيين في قلق شديد جداً من هذه المنطقة إنه.. إنه اندلاع أي حرب فيها يمكن أن يؤثر تأثير سيئ جداً على كل يحدثه الأوروبيون من تقدم وعلى العالم الغرب بشكل.. بشكل عام.

جميل عازر: طيب هل أصبح يوجد فرق في الأولويات الاستراتيجية الأميركية بالمقارنة مع أولويات الأوروبيين في منطقة البلقان ذاتها؟

د. وحيد عبد المجيد: هو الحقيقة طول الوقت كان هناك يعني تدين في الأولويات لكن بيختلف الموقع من.. من لحظة إلى أخرى، ومن أزمة إلى أزمة تالية، يعني.. يعني في.. في الفترة الماضية كان الأميركيون أكثر سعياً إلى حسم الوضع في.. حسم الأزمات البلقان بسرعة وبقوة إذا استدعى الأمر، الآن الولايات المتحدة بتشعر أنها يعني حققت أهم هدف كانت سعى إليه في السنوات الماضية هو: تغيير النظام الحاكم في يوغسلافيا، لأنه الولايات المتحدة كانت بتعتبر إنه المشكلة مصدرها هذا النظام بالأساس، في حين إنه الأوروبيين لأنهم أكثر يعني اقتراباً من منطقة البلقان وربما أكثر معرفة، بعضهم أكثر معرفة بها يدركون أن المشكلة أكثر تعقيداً من.. من استبداد نظام بنظام آخر يعني فـ..

جميل عازر [مقاطعاً]: طيب بالنسبة.. بالنسبة لجولة دونالد رامز فيلد (وزير الدفاع الأميركي) في.. في أوروبا بوجه عام، وبالنسبة لمحاولة تسويق الدرع الصاروخي الأميركي، هل تعتقد أن الأميركيين بدأوا يشعرون أن الأوروبيين لا يولون مسألة الأمن الأميركي قدراً من الأهمية يوازي اهتمام الأميركيين، اهتمام واشنطن بالأمن الأوروبي؟

د. وحيد عبد المجيد: لا، هو طبعاً الاختلاف على قضايا الأمن العالمي، وفي القلب منها قضايا الأمن الأوروبي، بدأ منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، لأنه كما نعلم إنه التحالف الأميركي الأوروبي -اللي كان يعني رأس الرمح فيه هو حلف الأطلنطي- كان مرتبطاً بوجود تهديد مباشر وخطر يعني كان الأوروبيون يعتبرونه خطراً قريباً جداً من حدودهم وهو الخطر السوفيتي وليس في الأخير هم المقام الأول.

جميل عازر: إذن.. إذن هل يمكن القول: إن الأميركيين يسعون إلى تكوين تهديد جديد لكي يبقوا مع الأوروبيين في حالة وئام بالنسبة لموضوع الأمن؟

د. وحيد عبد المجيد: لا هو.. هذا صعب جداً، يعني طبعاً فيه محاولات ومن الطبيعي أن.. أن توجد هذه المحاولات وهناك يعني مؤشرات لها خلال السنوات الماضية، لكن في الحقيقة القضية.. قضايا الأمن والتهديد ومواجهة التهديد هذه القضايا واقعية جداً يعني ما لم تكن ملموسة في الواقع بصعب صناعتها، يعني هنا لا يعني لا يمكن الاعتماد فيها على الهواجس والأحاسيس والتنبؤات لأنه ما لم يكن هناك أساس واقعي ملموس سيكون من الصعب جداً على الولايات المتحدة إنها تقنع أحد بأن هناك تهديد يواجهه لأنه يواجهها.

يوم البيئة بين مخاطر التلوث والأولويات الاقتصادية

جميل عازر: بين التلوث واختفاء مساحات شاسعة من الغابات في أنحاء الأرض وبين الفيضانات والجفاف واتساع ثقب رقعة الأوزون تكمن أعتى المخاطر التي تهدد البيئة، فإحياء يوم البيئة العالمي أو مناسبات مماثلة على الصعيد الدولي لم يعد كافياً لوقف التدهور الناجم عن نشاط الإنسان في حالة البيئة على اختلاف جوانبها في البر والبحر والجو، هنالك ما يدعو إلى الفزع لأنه ربما يكون الوقت قد فات لإنقاذ الكوكب من كوارث محققة إذا استمر السياسيون في وضع الاعتبارات الاقتصادية فوق البيئة.

التلوث الناجم عن الحرائق
حسن إبراهيم: بينما أحيا العالم اليوم العالمي للبيئة تجد الدول الصناعية الكبرى تقود مسيرة تدمير المنظمة للموارد الطبيعية في هذا الكوكب، فمصانع هذه الدول تفرز يومياً تشكيلة من الغازات يأتي على رأسها ثاني أكسيد الكربون وهو الغاز المتهم بالتسبب في ظاهرة الانحباس الحراري، ولعل التصدع الذي مازال مستمراً في طبقة الأوزون بسبب إفرازات غازات (الكلورو فلورو كربون) يفسر تصاعد الأصابة بالسرطان، وخاصة سرطان الجلد في أنحاء كثيرة من العالم، فطبقة الأوزون هي خط الدفاع الأول ضد الأشعة فوق البنفسجية المسببة لأنواع كثيرة من هذا الداء، وحيث يسهل الحديث عن إجراءات حماية البيئة يسهل أيضاً تناسي ما تنطوي عليه من تبعات اقتصادية، فالأساليب الصناعية الحديثة تتطلب استثمارات لا تقوى على تحملها دول صناعية تقليدية مثل الهند والصين وبعض دول أميركا اللاتينية، لكن دولاً غنية مثل الولايات المتحدة وهي أكبر منتج لغازات الانحباس الحراري لا ذريعة لها في التقاعس عن تبني سياسة صناعية أقل تلويثاً للبيئة رغم ارتفاع الثمن، وربما يكون مثل هذا الاعتبار إضافة إلى ضغوط عمالقة الصناعة الأميركية وراء رفض الرئيس (بوش) التصديق على بروتوكول (كيوتو) وكأنه للتأكيد على أهمية العامل الاقتصادي أعلن مجلس الدوما الروسي مصادقته على مشروع قانون يسمح باستيراد نفايات نووية لمعالجتها أو دفنها في الأراضي الروسية لما تنطوي عليه من إيرادات مالية مغرية تحتاج إليها الخزينة الخاوية، فالاعتبارات الاقتصادية تحتل الأولوية إلى حد أنها قد تضع مستويات السلامة في وضع هامشي وتتستر على نواحي النقص في التكنولوجيا القادرة على التعامل مع كميات كبيرة من مثل تلك النفايات التي قد تنهال على روسيا من دول مستهلكة للطاقة النووية مثل بريطانيا وفرنسا واليابان.

في كل كارثة تعزى إلى الانحباس الحراري نجد دول العالم الثالث الأكثر تضرراً والأقل قدرة على مواجهة الآثار الشديدة، ومع ذلك فإنها مطالبة قبل غيرها بالالتزام بقيود بيئية تحاول الولايات المتحدة الإفلات منها، غير أن هذا لا يبرئ ساحة العالم الثالث من انتهاكات خطيرة للبيئة، وعلى سبيل المثال هناك الغابات الاستوائية في البرازيل وجنوب شرقي آسيا ووسط أفريقيا وقد بدأت مساحتها بالانكماش، فالاستخدامات المتعددة للأخشاب جردت كينيا مثلاً من معظم غاباتها، وإذا بقى معدل للاستهلاك هناك على حاله لأصبحت كينيا مجردة من الغابات، والسؤال هنا: هل من طرف واحد مسؤول عما يلحق بالبيئة من أضرار؟ ومن يبدأ بإجراءات تصحيح الأخطاء لحماية البيئة؟ واضح أن هناك تفاوتاً في حجم المسؤولية، ولكن لم يعد في إمكان البشرية أن تقف مكتوفة الأيدي بينما يتصارع السياسيون في مؤتمرات تشهد مناقشات عقيمة مطولة قد تسفر عن قرارات لا يلتزم بها أحد، وفي هذه الأثناء يتواصل اختفاء مساحات شاسعة من الغابات الاستوائية وتتزايد ظاهرة اختناق العالم ضراوة.

جميل عازر: وبهذا نأتي إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي) ونشير إلى أن بإمكانكم الوصول إلى مضمون كل حلقة من حلقات هذا البرنامج بالصوت والصورة والنص عبر موقع الجزيرة نت في الشبكة المعلوماتية الإنترنت.

على أننا سنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة