موضوعات من إندونيسيا وسريلانكا وفلسطين ومقدونيا   
الجمعة 15/4/1425 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 2:21 (مكة المكرمة)، 23:21 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

28/7/2001

- انتهاء أزمة الرئاسة في إندونيسيا
- هجوم نمور التاميل على مطار العاصمة السريلانكية
- شارون واستمرار سياسة الاغتيالات
- عودة الحرب في مقدونيا
- رفض أميركا تنفيذ معاهدة الأسلحة البيولوجية

جميل عازر
جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى هذه الجولة في "الملف الأسبوعي" ونستعرض فيه إندونيسيا انتهاء أزمة رئاسة الجمهورية وميغاواتي سوكارنوبوتري لا تستعجل تشكيل حكومة جديدة.
سيريلانكا نمور التاميل يوجهون ضربة موجعة اقتصادياً ومعنوياً للحكومة في كولومبو.
المسرح الفلسطيني الإسرائيلي، سياسة اغتيالات ينفذها شارون لتفريغ السلام من مضمونه.

انتهاء أزمة الرئاسة في إندونيسيا

عبد الرحمن واحد وميغاواتي سوكارنو
أخيراً أصبح لإندونيسيا رئيس بل رئيسة جمهورية ونائب لها، ويبدو أن أزمة الرئاسة قد انتهت، ولكن ميغاواتي سوكارنوبوتري لم تشكل حكومتها بعد، حيث يتحتم عليها أن تمارس لعبة التوازنات بشكل دقيق إذا أرادت الحصول على دعم لمعالجة مشاكل إندونيسيا وهي كثيرة دون اصطدام بالتكتلات السياسية التي تقف لها بالمرصاد، وهي عديدة.
وهناك من يقولون: إن ميغاواتي جاءت إلى الحكم لتثأر لوالدها أول رئيس إندونيسي بعد الاستقلال، ولكن في هذا تسطيحاً للأولويات التي تنتظر ميغاواتي خاصة وأن إندونيسيا عانت ولاتزال من حالة عدم استقرار وتحديات لوحدة أرخبيلها.
تقرير/حسن إبراهيم: وأخيراً خرج الرئيس عبد الرحمن واحد من القصر الرئاسي، ومهما تكن الانتقادات التي وجهت إليه والتهديدات غير المسؤولة التي أطلقها في أواخر أيامه فإن للرجل إنجازات لا ينكرها أحد، فواحد الذي تمرس في النضال ضد نظام سوهارتو واشتهر بصلابة مواقفة ورفضه الانحناء أمام العواصف، ولعل هذا ما أدى إلى إصابته بجلطتين دماغيتين عام 97 أفقدتاه البصر تقريباً، حجة من يدافعون عن واحد هي أنه قد ورث تركة ثقيلة وتيمور الشرقية ضاعت ومعها هيبة الدولة الإندونيسية، وأصبحت استراليا القوة المهيمنة في جنوب المحيط الهادي الضامنة عسكرياً الاستقلال تيمور الشرقية ذات الأغلبية الكاثوليكية أما الأزمة الاقتصادية الإندونيسية فهي مستمرة منذ عام 95، وحتى لو كان أداء واحد لا غبار عليه فإن إندونيسيا أصبحت واحدة من الاقتصاديات التي يديرها البنك الدولي بالكامل، وبسبب الفقر والبطالة وضعف الاستثمار الداخلي فقد تزايدت الاحتكاكات بين المجموعات العرقية والدينية في مختلف أنحاء الأرخبيل الإندونيسي الذي يناهز عدد جزره ستة آلاف جزيرة، مثال ذلك ما حدث ويحدث بين المسيحيين والمسلمين أو بين السكان الأصليين والمهاجرين في آتشه وإيريان جايا، وما حدث ويحدث في جاكرتا نفسها من عنف ضد ذوي الأصول الصينية.
أوضاع كهذه لا يمكن أن يغيرها شخص بمفرده لا واحد الذي غادر القصر الرئاسي ولا شاغلته الجديدة رئيسة الجمهورية ميغاواتي سوكارنو بوتري ونائبها حمزة حاز، ولا حتى "أمين رئيس" الذي يبدو أنه يريد التريث والتربص حتى تقع رئاسة الجمهورية في حجره كثمرة ناضجة في المستقبل القريب أو المتوسط.
وعلى الرغم أن ميغاواتي تقود أكبر كتلة انتخابية في البرلمان الإندونيسي إلا أن رفض الجيش تنفيذ أمر رئيس الجمهورية السابق بإعلان حالة الطوارئ كان الخطوة الأكثر أهمية في طريق إزاحة واحد من السلطة، وأعطى الجيش دوراً أكبر مما يعطيه إياه الدستور الإندونيسي، ويلزم ميغاواتي بقبول نائب إسلامي لها كان في الماضي قد قاد حملة لمنعها من تسلم سدة السلطة، وأمام ميجاواتي الكثير لتنجزه فعليها أولاً إشاعة جو من التسامح والمصالحة ما بين الإندونيسيين، ثم بعد هذا أن تضرب بيد من حديد على الفساد المالي، ويعتقد المراقبون أنها لو نجحت في الخطوتين الأوليتين لأصبح الطريق ممهداً نحو تزايد الاستثمارات الداخلية، وهو ما قد يشكل بداية التعافي للاقتصاد الإندونيسي.
لكن ما نيل المطالب بالتمني، فالمراقبون يعلمون أن ميغاواتي لم تشارك في فساد الرئيس السابق، لكنها لا تزال سياسية محدودة الإمكانيات اضطرتها مقتضيات السياسة إلى التعامل مع خصوم شديدي المراس مثل نائبها المخضرم.
جميل عازر: وكنت قد تحدثت عبر الهاتف إلى عبد الله مدني الباحث في الشؤون الآسيوية وسألته أولاً عن أهم التحديات التي تنتظر الرئيسة الإندونيسية الجديدة؟
عبد الله مدني (خبير شؤون آسيوية- المنامة): من أهم القضايا بطبيعة الحال المأزق الاقتصادي اللي كان موجود منذ رحيل، أو ما قبل رحيل سوهارتو بسبب الأزمة النقدية الآسيوية في عام 97، الشعب الإندونيسي يتطلع إلى تحسين مستواه، لكن للأسف الرموز السياسية تركت هذا الموضوع جانباً ودخلت في صراعات خاصة بها وكلنا نعرف إنه انقضى عام كامل والموضوع الرئيسي هو إزاحة الرئيس واحد وليس الاهتمام بمصالح الشعب، ثم هناك مسألة الوحدة الوطنية، فيه مسألة الوحدة الوطنية أهم المهام التي توجد أمام ميغاواتي هي أولاً اكتساب ثقة الجماعات التي تؤيد الرئيس عبد الرحمن واحد، ومن ثم ملامسة قضايا الحركات الانفصالية والمطالبة وهذه مهمة صعبة إذا ما عرفنا أن توجهات الرئيسة الجديدة هي توجهات قومية وهذا طبعاً يصطدم بمطامح شعوب كثيرة ضمن الأرخبيل الإندونيسي.
جميل عازر: طيب.. طيب بالنسبة للحفاظ على وحدة الأرخبيل الإندونيسي والتوجهات القومية لدى ميغاواتي التي أشرت إليها الآن، هل تعتقد أنها ستؤدي إلى اعتماد ميغاواتي بشكل متزايد على الدعم العسكري من أجل الحفاظ على الوحدة الإندونيسية؟
عبد مدني: نعم، العسكر مؤهل للعب أدوار كبيرة وخطيرة في حكم.. حكم ميجاواتي إذا ما تمسكت ميغاواتي بتوجهاتها القومية المتصلبة، والتي يعني سوف تضعها لا محالة في مواجهة دعاة اللامركزية أو الحكم الذاتي، أو الانفصال خارج إقليم جاوا، سوف تضطر ميجاواتي الاعتماد كثيراً على الجيش لتنفيذ تلك التوجهات وبمقوى من مركز.. أنا في نظري المنتصر الأكبر من الأحداث التي حدثت هي المؤسسة العسكرية ومعها الطاقم السياسي القديم ممثلاً في حزب غولكار.
جميل عازر: بالنسبة للرئيس السابق عبد الرحمن واحد، في اعتقادك ما هي الدروس التي يمكن لميغاواتي سوكارنوبوتري أن تستخلصها من التجربة التي خاضها عبد الرحمن واحد في رئاسة إندونيسيا؟
عبد الله مدني: أهم شيء هو الانفتاح وعدم العناد أو التمسك بالرأي الواحد، وأيضاً هناك نقطة أخرى هو اختيار البطانة الصالحة أو الطاقم الاستشاري النظيف الذي لم يسبق له الانغماس في الفساد ولم يعرف عنه أي استغلال للمنصب.
جميل عازر: طيب هل تعتقد أن هناك حول ميغاواتي من المستشارين، من الخبراء ما يمكن أن يجنبوها الأخطاء التي وقع بها سلفها؟
عبد الله مدني: لا شك إن يعني المجتمع الإندونيسي فيه طاقات ومؤهلات كبيرة، لكن المشكلة أن كل المحيطين بجميع الرموز السياسية يعني هم من.. من حقبة سوهارتو، هذه الحقبة يعني لم تتميز بالقمع واستغلال المؤسسة العسكرية كأداة لإطالة عمر النظام، بل أيضاً أن سلطة سوهارتو كانت فاسدة وأسست للفساد وزرعته حيث لم يعد هناك أي شخص يعني خارج هذه النطاق بصورة أو بأخرى، وبالتالي فيعني إذا.. إذا فتشت ميغاواتي وهي لابد أن تفتش لأن مؤهلاتها لا تؤهلها لقيادة البلاد واتخاذ القرارات الحاسمة، وهناك نقطة أخرى: يعني ميجاواتي مترددة مثلما كان عبد الرحمن واحد متردداً، لكن لأسباب أخرى، يعني هي لم يعرف عنها إطلاقاً دخولها في المجال السياسي إلا متأخراً، والرئيس سوهارتو أدى لها خدمة كبيرة عندما أطاح بها من قيادة أحد الأحزاب الثورية التي كانت تشارك ضمن اللعبة الديمقراطية في.. في عهده.

هجوم نمور التاميل على مطار العاصمة السريلانكية

جميل عازر: كان الهجوم الذي شنه فدائيون من نمور التاميل على مطار العاصمة السيريلانكية الدولي وقاعدة جوية مجاورة أكثر هجمات المتمردين جرأة كما كان أقوى ضربة اقتصادية واحدة لسيريلانكا رغم فداحة الخسائر على مدى حرب الانفصال التي يخوضها التاميل منذ أكثر من 20 عاماً، فمقتل 20 شخصاً وتدمير ثلاث عشرة طائرة مدنية وحربية ليس بقليل لدولة مثل سريلانكا، كما أن استهداف المطار الرئيسي فيها ضربة للسياحة قد تكون أعظم أثراً، وهناك أيضاً في الهجوم ضربة معنوية للقوات الحكومية التي ما من شك في أنها ستبحث عن رد مناسب لتتصاعد بذلك وتيرة الهجمات والهجمات المضادة.
الطائرة السريلانكية المدمرة
تقرير/ خالد القضاة: الهجوم المدمر على المطار الدولي الوحيد في سريلانكا تسبب في خسائر مادية ومعنوية جسيمة وأثار تساؤلات حول مدى قدرة البلاد التي يمزقها القتال على تحمل مزيد من الأضرار بهذا الحجم، فمشهد الطائرات والنيران تشتعل بها قد يكون بمثابة كارثة لصناعة السياحة في سريلانكا، والأثر المباشر للهجوم على المطار سيتركز على قطاع السياحة الذي يوفر سنوياً 4/1 مليار دولار من عائدات البلاد بالعملة الصعبة، وهذا القطاع تأثر بالفعل بعد 18 عاماً من القتال العرقي في الوقت الذي يصارع فيه الثوار لإقامة دولة منفصلة للتاميل في الشمال والشرق من البلاد، أكثر الظن أن الهجوم كان رداً على الهجوم الذي شنته القوات الحكومية على مواقع التاميل في شبه جزيرة (جافنا) أوائل الشهر الحالي، وبمناسبة ذكرى مرور 18 عاماً على أسوأ أعمال عنف شهدتها سريلانكا عام 83 بين الأغلبية السنهالية وأقلية التاميل.
يعد نمور التاميل من أكثر جماعات التمرد تدريباً وحماسة في عمليات رجال العصابات القتالية في العالم، فعلى مدار السنوات الـ 18 الماضية شنوا حرباً شاملة ضد الجيش السريلانكي في شمالي وشرقي البلاد لتحقيق مطلبهم بالاستقلال، وقد انتظمت حركة التاميل في شكل جيش مسلح أصبح يعرف بنمور تحرير إيلام التاميل، مستهدفاً بشكل خاص المنشآت السياحية باعتبار السياحة أهم مورد اقتصادي في الجزيرة، ولم تقتصر هجمات النمور على البنية الاقتصادية في سريلانكا، بل طالت الشخصيات السياسية عن طريق تنفيذ الهجمات الانتحارية داخل وحول العاصمة كولومبو الواقعة على الساحل الغربي، غير أن الحركة وبصرف النظر عن استثناءات قليلة امتنعت عن مهاجمة الأجانب، وقد نجحت قيادة نمور التاميل في إظهار وتوضيح أن نزاعها هو فقط مع الحكومة السريلانكية وقوات الأمن في محاولة من جانب قيادة المتمردين لكسب التأييد الدولي لقضيتها التي تمس نحو 4 ملايين نسمة في شبه جزيرة جفنا شمالي البلاد.
وما من شك في أن الهجوم على مطار سريلانكا الدولي أظهر أن نمور التاميل مازالوا قوة قادرة على توجيه ضربات موجعة لنظام الحكم، وإذا كان بمثابة تعليق على موقف النمور من المفاوضات التي تقف على حافة الانهيار، فربما ما كان بإمكانهم توجيه رسالة أقوى وأوضح مما قاموا به بالمطار، أما إذا كانت الحكومة السريلانكية ستغير من سياستها نتيجة لهذه العملية من دون أن تظهر أنها استسلمت لمن تصفهم إرهابيين فتلك مسألة مختلفة تماماً.
جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نتابع هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً: مقدونيا المقاتلون ينسحبون من مواقعهم في (تيتوفو) وحكومة (سكوبيا) تصر على عدم الاعتراف بهم.

شارون واستمرار سياسة الاغتيالات

ربما يجد رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون مؤرقاً جانبياً في الدعوى المرفوعة عليه في محاكم بلجيكا لاتهامه بارتكاب جرائم حرب وضد الإنسانية لدوره في مذابح صبرا وشاتيلا، ولكن الاستمرار في تنفيذ اغتيالات قياديين في الحركات الفلسطينية خاصة أولئك الذين يقودون الانتفاضة ويوجهون عملياتها يدل على أن همه الأول هو تصفية المؤرق الأكبر له ولإسرائيل عموماً، فمنذ أن قام هو بدخول ساحات المسجد الأقصى في القدس اتضحت له مقولة "لا يضيع حق وراءه مطالب" فأصبح الحديث عن السلام عنده مكروهاً وبدأ يحاول تحقيق أمنيته وهي التخلص من أولئك المطالبين بالحقوق.
نقل جثمان أحد شهداء حماس بنابلس
تقرير/ سمير خضر: كلما زاد الحديث عن السلام كلما اقترب الفلسطينيون والإسرائيليون من الحرب الشاملة، فكل طرف بات يتحدث بمفردات لا تعني الشيء ذاته عند الطرف الآخر، إذا ما معنى وقف إطلاق النار؟ وما معنا نشر مراقبين دوليين؟ وما معنى الهدوء المطلوب؟ والأهم: ما معنى كلمة سلام؟
لا أحد يشك بأن لكل هذه المفردات والمصطلحات معاني تتغير وفقاً للزمان والمكان ووفقاً لميزان القوة الذي يحكم عالمنا اليوم، عالم النظام العالمي الجديد، وكلما صدرت من طرف دعوة للسلام، صدرت من بعض أجهزة أو تنظيماته دعوات مماثلة للحرب، لكن الجميع يعرف اليوم أن أوراق اللعبة في الساحة لم تعد موزعة كما كانت في السابق، إنها اليوم محصورة بأيدي رجل واحد هو أرئيل شارون، فما الذي يريده رئيس الحكومة الإسرائيلية، أو بالأحرى ما الذي باستطاعته عمله أو عدم عمله؟ أمام شارون خيارات عدة أحلاها مر للإسرائيليين وللفلسطينيين على حدٍ سواء.
فإما أن يذعن للضغوط الدولية بشأن مراقبين دوليين ويستأنف العملية التفاوضية مع الفلسطينيين، الأمر الذي يهدد مكانته كزعيم لليمين المتطرف.
وإما أن يلجأ إلى خيار الحرب الشاملة التي تقضي نهائياً على نفوذ السلطة الفلسطينية وهو ما لا يرضى عنه العالم وخاصة حلفاء إسرائيل وعلى رأسهم واشنطن.
وإما أن يختار الاستمرار في السياسة الحالية، سياسة اللا حرب واللاسلم التي تعني استمرار الحصار، وسياسة القتل والتدمير اليومي بانتظار ما سيسفر عنه المستقبل، ويبدو أن هذا هو الخيار الذي يتبناه حالياً شارون وحكومته، فهو الذي يحقق حالياً أكبر مكاسب لإسرائيل وخاصة فيما يتعلق بسياسة الاغتيالات، فقد قدمت إسرائيل منذ مدة طويلة للسلطة الفلسطينية قائمة بنحو 150 شخصاً تعتبرهم إرهابيين وتطالب باعتقالهم، لكنها في الوقت ذاته بدأت حملة لتصفيتهم جسدياً واغتالت حتى الآن نحو 40 منهم، وهي بذلك توجه رسالة مباشرة للسلطة الفلسطينية مفادها: أن طلب الاعتقال ليس سوى مناورة دبلوماسية وأن الهدف الرئيسي هو تصفية الأسماء الواردة في هذه القائمة نهائياً، حتى ولو كان بعضهم محسوباً على معسكر السلام الذي اضمحل بشكل كبير منذ بدء الانتفاضة ولا يمكن في هذا السياق تفسير الوثيقة التي وقعت عليها نحو 100 شخصية إسرائيلية وفلسطينية سوى محاولة يائسة من قبل بعض الحالمين في إنقاذ سلام حوَّله شاورن إلى بركة من الدماء، لكن هؤلاء الحالمين يرفضون التخلي عن حلمهم ويعملون في إبقاء شياطين الدمار في جحورها رغم أن الجو بدأ يفوح برائحة الدم.

عودة الحرب في مقدونيا

جميل عازر: ربما يكون حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي قد تمكنا من حمل مسلحي جيش التحرير الألباني على الخروج من المواقع التي احتلوها في مدينة (تيتيفو) بشمالي مقدونيا، ولكن مجرد تمكنهم من دخول المدينة واحتلال مواقع فيها لابد ويجعل الحكومة في (سكوبيا) تعيد النظر في حساباتها عند التعامل مع من تصفهم متمردين، وقد أصبح في يدهم ورقة ضغط أثبتوا قدرتهم على استعمالها، وبينما ترفض الحكومة المقدونية التفاوض مباشرة مع المتمردين إلا عن طريق وسطاء فإنها ستجد من الصعوبة بمكان أن تستمر في هذا الموقف على الأقل من حيث الاعتبارات العملية والواقعية.
تشييع جثمان شرطي مقدوني
تقرير/ سمير خضر: لعبة الكر والفر لا تزال مستمرة في الجبال المقدونية في منطقة تيتوفو فبعد أن سكت دوي المدافع عدة أسابيع لمنح العملية السياسية فرصة أخيرة عادت المنطقة لتشتعل من جديد، ليس المهم هنا من الذي كان السبب في انهيار الهدنة، بل في عواقب تجدد المعارك على منطقة البلقان بمجملها، عودة الاحتكام إلى السلاح شكل صدمة كبيرة لكل الأطراف التي حاولت احتواء الأزمة منذ اندلاعها، ولم يكن من مستغرب أن يهرع الأمين العام لحلف الأطلسي والمفوض الأوروبي للشؤون الخارجية والأمنية إلى سكوبيا لإقناع الطرفين بوقف الحرب، وبالفعل استطاع (جورج روبرتسون) و(خافيير سولانا) الحصول على الهدنة المطلوبة واقناع المقاتلين الألبان بالانسحاب من منطقة (تيتوفو)، لكن الأهم يبقى بدء الحوار، إذ لم تجر حتى الآن أي مفاوضات مباشرة بين الطرفين، وهذا ما يسعى إليه المتمردون الألبان، لكن الحكومة المقدونية لا تزال ترفضه بشدة فهي لا تريد إضفاء شرعية على من تسميهم بالمتمردين، الناتو والاتحاد الأوروبي يحاولان التوصل إلى صيغة توفيقية تحمي السيادة الإقليمية لمقدونيا وتلبي جزءاً من مطالب الألبان، هذه الخطة تشمل عدة نقاط أبرزها إصدار عفو جزئي عن المقاتلين الألبان الذين حملوا السلاح في وجه الدولة وزيادة مساهمة الألبان في مؤسسات الدولة وخاصة قوات الأمن، والنظر في إمكانية جعل الألبانية لغة رسمية ثانية للبلاد، لكن هناك عدم اتفاق داخل الائتلاف الحاكم في سكوبيا حول هذه الأمور، إذ رغم أن سيناريو الحل تم وضعه من قبل الرئيس المقدوني (بوريس ترايكوفسكي) شخصياً عند اندلاع الأزمة، فإن رئيس وزراءه (جيرجوفسكي) يرفض الخطة ويتهم الغرب بمحاباة المتمردين، وهو يستند في ذلك إلى رفض الناتو التدخل مباشرة لنزع سلاح المقاتلين الألبان بدلاً من جعل نزع السلاح عملية طوعية.
أطراف النزاع في مقدونيا تعرف أن وقف إطلاق النار لا يشكل بديلاً عن عملية سياسية تفاوضية قد تدوم طويلاً، لكن وقف إطلاق النار أصبح اليوم مرهوناً بقدرة الألبان على احترامه، إذ إن التساؤل الهام هو إن كانت هناك قيادة موحدة ينضوي تحت لوائها هؤلاء المقاتلون، وليس مجرد قيادات ميدانية متفرقة لا يجمعها، سوى الرغبة في قتال القوات الحكومية ورغم الخلاف في صفوف المقدونيين حول سبل التعامل مع الأزمة فإن العبء الأكبر يبقى ملقىً على الألبان أنفسهم، فهم الآن أمام مفترق طرق، إما أن يواصلوا حملتهم ويفقدوا التعاطف الدولي مع قضية الألبان ليس في مقدونيا فقط بل وفي كوسوفو أيضاً وإما الانصياع لرغبة الناتو والاتحاد الأوروبي والمجازفة بعدم حصولهم على الحقوق التي يطالبون بها والتي تولد مخاوف كبيرة عند المقدونيين من احتمال أن تشكل سابقة تؤدي في المستقبل إلى مطالب بالانفصال وبالتالي إلى تفكك البلاد أو انهيارها بالكامل.

رفض أميركا تنفيذ معاهدة الأسلحة البيولوجية

جميل عازر: أعلنت الولايات المتحدة رفضها لبروتوكول تنفيذ معاهدة الأسلحة البيولوجية وهي معاهدة أبرمت عام 1972م، ولكن طريقة التحقق من الالتزام بها لم تكن ضمن المعاهدة، أما الآن وقد تم التوصل إلى صيغة لآلية التفتيش في مفاوضات الحد من التسلح في جنيف، جاء الرفض الأميركي ليعكس موقف الرئيس جورج بوش الرافض لبروتوكول كيوتو ومعاهدة الحد من الصواريخ البالستية أيضاً، ويبدو أن الرفض أصبح الطابع المميز لسياسة الإدارة الأميركية الجديدة، الأمر الذي لابد ويثير استهجاناً لدى حلفاء واشنطن قبل أعدائها.
تقرير/ حسن إبراهيم: خرق الرئيس الأسبق جيمي كارتر البروتوكول الذي يمنع الرؤساء السابقين من انتقاد رئيس الجمهورية، إلا أن صبره قد نفذ وهو يرى البيت الأبيض يتحول إلى قلعة لليمين الراديكالي المحافظ، فوجه كارتر نقداً لاذعاً إلى جورج بوش واتهمه بتفضيل اليمين المتشدد الذي يمثله نائب الرئيس (ديك تشيني) على وزير خارجيته المعتدل كولن باول، فمغامرة من قبيل الدرع الصاروخي ورفض التصديق على بروتوكول كيوتو الذي يهدف إلى التحكم في ظاهرة الانحباس الحراري، ورفض الإدارة الأميركية لبروتوكول تنفيذ معاهدة منع استعمال الأسلحة الجرثومية تدل على أن طاقم بوش مازال يعيش ممارسات وأجواء وأدبيات الحرب الباردة، تعنت اليمين الأميركي أدى إلى ترهل في الدبلوماسية الأميركية خاصة تجاه عملية السلام في الشرق الأوسط، وقد تأثرت مصداقية البيت الأبيض لكيله بمكيالين، فبينما التقى بوش برئيس الوزراء الإسرائيلي في البيت الأبيض رغم راديكالية طرحه الذي كان يرمي إلى تفجير الموقف بأكمله في الشرق الأوسط، فقد تقاعس الرئيس الأميركي أو ربما رفض لقاء ياسر عرفات، وما كان قبول الولايات المتحدة أخيراً بإرسال مراقبين دوليين إلى الأراضي المحتلة إلا بعد ضغط من الأوروبيين وبعد تدهور الأمور بشكل خطير.
أما جولة بوش الأوروبية فقد أتت لتدق إسفينا في العلاقات الأميركية ليس مع أوروبا فقط، بل والعالم بأجمعه، فزعماء الدول الصناعية الكبرى في أوروبا واليابان بالإضافة إلى روسيا يرفضون بشدة إصرار الرئيس الأميركي على المضي قدماً في بناء الدرع الصاروخي، وهم يعلمون أن روسيا كثاني دولة نووية في العالم ستصر على مجاراة الولايات المتحدة للمحافظة على توازن الرعب بين البلدين، واستغربوا أيضاً رفض بوش التنازل في موضوع البيئة حتى بعد أن تنازلوا كثيراً في مؤتمر بون عن نسبة الغازات المطلوب تخفيضها رفضت الولايات المتحدة، ويبدو أن خلفية جورج بوش كحاكم سابق لولاية تكساس قلب الصناعة النفطية يؤثر على مدى تفهمه لحاجة العالم إلى خفض نسبة الغازات المسببة للانحباس الحراري، وكانت مواقف بوش المتشددة من أكبر الأسباب التي أثارت الناشطين في مدينة جنوة الإيطالية، ولم تتوقف الولايات المتحدة عند الاحتياجات الصناعية، بل أصرت حتى على رفض بروتوكول تنفيذ معاهدة الحد من الأسلحة الجرثومية الذي تم التوصل إليه في جنيف، والحجة كانت: أن ذلك يعرض أمن الولايات المتحدة إلى الخطر.
وقررت كندوليزا رايس في موسكو موقف بلادها الرافض لاحترام اتفاقية الحد من الصواريخ البالستية وأصرت على أن موقف بلادها لن يتزحزح تجاه بناء الدرع الصاروخي، إنها إدارة بحاجة إلى كثير من النضج كما قال الرئيس الأسبق جيمي كارتر .
جميل عازر: وبهذا نأتي إلى ختام هذه الجولة في الملف الإسبوعي ونذكر حضرات السادة المشاهدين أن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع الجزيرة نت في الشبكة المعلوماتية الانترنت، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد 7 أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة