دانيلو زولو.. مناهضة الحروب والدعوة إلى السلام   
الاثنين 11/9/1433 هـ - الموافق 30/7/2012 م (آخر تحديث) الساعة 10:13 (مكة المكرمة)، 7:13 (غرينتش)

- بداية مناهضته للحروب الدولية
- الاهتمام بالقضية الفلسطينية

- الحوار بين الضفتين

- الاهتمام بقضية التكوين السياسي الأفغاني

بداية مناهضته للحروب الدولية

دانيلو زولو

دانيلو زولو: التفاؤل جبن، والتشاؤم شجاعة، التشاؤم هو حكمة الرجال الشجعان الذين يحبون حياتهم وحياة الآخرين بشدة، لذلك إنني متشائم راديكالي، ولا بد أن أدافع عن نفسي قائلا: إن تشاؤمي فعال ويأتي من الخلق والتضامن والتمرد، وإنه ليس تشاؤم الخنوع والتواطؤ الصامت مع الأكاذيب السياسية والاقتصادية التي ينشرها الأقوياء، لقد كتبت بعض الكتب، لكنني اتخذت موقفا لمصلحة العالم الإسلامي. أنا أستاذ فلسفة القانون، ومختص بفلسفة القانون الدولي، واسمي دانيلو زولو. بدأت تجربتي كطالب وباحث في مقاطعة فيريولي، بشمال إيطاليا، لقد ضربت جذوري في هذه المدينة، بعدما تركت عائلتي، وخصوصا أبي، الذي كان ضابطا قويا في الجيش، وكان مستبدا وفاشيا قليلا، يرجع موقفي ضد الفاشية وميولي نحو سياسة اليسار إلى رفضي التام لتعليم أبي، لقد عيّنت مستشارا في البلدية، عندما وصلت إلى فلورنسا كان جورجيو لابيرا عمدة هذه المدينة، إنه شخصية ذات قيمة عالية، ومتعاطفة مع العالم الإسلامي، وهو الذي حضّني على السفر في البحر المتوسط، أرسلني مرة إلى إسرائيل وفلسطين، ومرة أخرى إلى تونس، ومرة سافرنا معا إلى المغرب، هذا العمدة جعلني ممثلا له لنشر رسالة السلام من مدينة فلورنسا إلى جميع أنحاء البحر المتوسط، لا بد أن أقول أني لست أستاذا مثل بقية الأساتذة، فأنا حصلت على الأستاذية في وقت متأخر، لأنه كان لدي أعداء يمينيّون منعوني من الفوز بكثير من المسابقات الجامعية، تخيلوا أن ثمة دراسات في إيطاليا عن فلسفة القانون الدولي، لكن أنا الذي اقترحت هذه المادة في جامعة فلورنسا، وهي لا تدرس إلا هنا. فلسفة القانون الدولي، مادة حديثة جدا، لم يستطع أي فيلسوف أن يخترع نظرية دقيقة تبرر الحرب بطريقة ما، أو تصفها بأنها كارثة إنسانية خطيرة جدا، ولكنني ذكرت في كتبي أننا قد نحصل على نتيجة عظيمة أن استطعنا تقليل احتمالات اندلاع الحروب وعدد ضحاياه بسفك نسبة أقل من الدماء. لكن من المؤكد أن الحرب قامت منذ القدم، فهي عنصر مأساوي من تجارب الإنسانية، ولا يمكن أن نرفض هذا المبدأ، كما لا يمكن الاعتقاد أن بعض النظريات الفلسفية تستطيع أن تلغي الحرب في وقت قصير، إن هذه الفكرة ساذجة، وبالغة الخطورة، لقد قاومت الحرب دائما.

الاهتمام بالقضية الفلسطينية

ذهبت إلى فلسطين مرات عديدة، وحاولت استغلال عدة فرص لأذكر القضية الفلسطينية في أعمالي، وسياسة دولة إسرائيل التي لا بد أن تصفها بالسياسة الإجرامية، ولا أتهم اليهود، الذين أقدرهم تقديرا عاليا وأحترمهم احتراما بالغا، ولكنني أحتقر الصهيونية، وسياسات دولة إسرائيل احتقارا كبيرا، تلك التي تمولها وتدعمها الولايات المتحدة، وأود أن أضيف أيضا أنني عملت على كتابة سلسلة مقالات صحفية ودراسية عن القضية الفلسطينية، وقد نشرتها في بعض الصحف وصحيفة إيطالية يسارية تسمى Il manifesto، ثم جمعت هذه المعلومات في كتاب أطلقت عليه اسم الإرهاب الإنساني، ويدل هذا التعبير على الجانب الإرهابي الخاص بالحروب الإنسانية، التي يقودها الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص، إن مستوى الحياة في فلسطين سيء جدا، فضلا عن مستوى الدراسة المتمثل بالجامعات الفقيرة، ولذلك حاولت أن أنشئ هنا في إيطاليا حركة لترويج العلاقات بين الجامعات الإيطالية والجامعات الفلسطينية ولاسيما الجامعات الفلسطينية البارزة على الرغم من ظروفها الفقيرة، وبعض الجامعات الفلسطينية الأخرى، الأقل شهرة من الجامعات الفلسطينية الإحدى عشرة.

قد يكون من المفيد أن أذكر أنني شاركت عام 2005 في مؤتمر دولي في مدينة رام الله بفلسطين، لقد شاركت في المؤتمر وقدمت أطروحة ممتعة جدا لفتت انتباه المشاركين، لأنني كنت الخبير القانوني الوحيد الذي طرح قضية الماء في فلسطين من وجهة نظر قانونية، واستوحيت أفكاري من القانون الدولي لأؤكد أن لفلسطين الحق في المطالبة بالماء في جميع أراضيها أو على الأقل في الأراضي المحتلة، كما تتمتع فلسطين أيضا بحق استخدام الماء، وتستطيع أن تفرض على إسرائيل التوقف عن تصرفاتها الإجرامية فيما يخص قضية الماء لأن نقص الماء، ولاسيما في غزة، كان ولا يزال سببا من أسباب وفاة الكثير من الأشخاص، إنه أمر فظيع، ويكلّف الفلسطينيين الكثير، فعلى الرغم من الرواتب البسيطة التي يحصلون عليها فإنهم يضطرون في شهور الصيف إلى شراء الماء.

الحوار بين الضفتين

قد كتبت كتابا طويلا عن البديل المتوسطي، بمساعدة العديد من المؤلفين العرب والإسلاميين، وقد لقي هذا الكتاب نجاحا كبيرا لأنه يعرض فكرة خلق الحوار بين هاتين الضفتين، بإبعاد الضفة الأوروبية بعد التصرف بكبرياء في المجالات الاقتصادية، والسياسية، والثقافية، أنا أصف نفسي بحبة رمل رفعتها الرياح، وهو تعبير استعرته من مؤلف إيطالي مهم جدا، ألا وهو لوربيتو بوبيبو، هذا الذي كنت دائما على علاقة جميلة معه، جمعت في هذا الكتاب بعض المختارات من الكتابات التي أرسلها بوبيبو إليّ، وسأقرأ لكم الآن هذه الفقرة التي أعتبرها في منتهى الجمال. قال بوبيو: أرى أنه لولا استيعابنا الفكرة الماركسية التي علمتنا أن ننظر إلى التاريخ من زاوية المقهورين، وأظهرت لنا صورة جديدة لا حدود لها من الإنسانية، لما نجونا، ولما وجدنا أي ملجأ إلا في جزيرة دواخلنا، أو ربما لخضعنا لأصحاب السلطة القدماء، ولكن من بين هؤلاء الذين نجوا لم ينتبه إلا بعضهم، لإنقاذ حقيبتهم الصغيرة قبل ارتمائهم في البحر، ووضعوا فيها أكثر ثمار التقاليد الفكرية الأوروبية فائدة، والحفاظ عليها، اضطراب البحث، ووخزات الشك، والرغبة في الحوار، والتفكير الناقد، والاعتلال في التحكيم، والتعامل مع نصوص القدماء بدقة واحترام، والإحساس بتعقيدات الأشياء.

[فاصل إعلاني]

دانيلو زولو: عندما انتقل والداي إلى روما، قررت أن أبقى في فلورنسا، وحدي في غرفة صغيرة جدا لأنني كنت أعمل مع كاهن مشهور جدا، هو آرنستو بان دوتشي، الذي كوّن مجموعة من الشباب كنت أنتمي إليها، وكنت قد بدأت دراستي الجامعية ونجحت في بعض الامتحانات فعلا، لكنني تحولت إلى المسيحية الراديكالية، وكانت تطلب مني أن أكون في غاية الكرم، فقررت مع صديقين أو ثلاثة أصدقاء، ترك الدراسة الجامعية وتكريس حياتنا للفقراء، كنت وقتها أتلقى من أمي مبلغا من المال كل شهر، كان مبلغا بسيطا جدا وغير كاف، ومع ذلك كنت أمنح معظمه للفقراء، لا بد أن أقول أن تلك التجربة كانت أبرز تجربة في حياتي على الصعيد الروحي، وفي الكتب التي كتبتها في الفترة الأخيرة، كثيرا ما وضعت كلمة الفقر في العنوان.

الاهتمام بقضية التكوين السياسي الأفغاني

ذهبت إلى هناك لأنني كنت مهتما بتكوين أفغانستان السياسي وبالمشاكل التي كانت تسببها للعالم كله، بالطبع لأني كنت مهتما بعمل جينوسترادا وبعلاج الأطفال والنساء، ولاسيما الأطفال، وأنا فكرت كثيرا في هذه الحال، وتابعت العمل في أفغانستان، وكتبت بعض المقالات عن أفغانستان، وحضرت الانتخابات في الشهر الذي زرت فيه البلد، وحاولت أن أفهم التكوين السياسي الأفغاني، وفهمت أنه بعيد جدا عن الغرب، فعلى سبيل المثال تمتلك إيطاليا حاليا ثلاثة آلاف جندي في أفغانستان، وهؤلاء الجنود يقتلون الناس الأبرياء باسم الحرب على طالبان، وهذا المبرر غير معقول. إن الإعلان الذي نشره باراك أوباما صباحا أمام جميع الشعب الأميركي، يعد أمرا شنيعا، يفتخر بأنه قد حقق العدالة، أي بأنه قتل إنسانا، فمن خلال هذا القتل حقق العدالة، هذا الحدث يعد غير مقبول، كما تعد تلك العملية العسكرية خارجة عن كل القوانين. لا بد أن أعترف بأنني ملحد ولكن إلحادي لا يمنعني من الاعتراف ببعض قيم الدين المسيحي، كما أنني أعترف أيضا ببعض قيم الدين الإسلامي، فأرى أن وضع المرأة في العالم الإسلامي أفضل من وضعها في العالم المسيحي الكاثوليكي، واسمحوا لي أن أذكر أحد أحدث كتبي وهو ترجمة قمت بها لكتاب آخر مهم جدا بقلم عبد الله أحمد النعيم، يحمل عنوانا إنجليزيا نحو تطوير التشريع الإسلامي.

يقول عبد الله النعيم: أنه يمكن العثور على نماذج ديمقراطية في القرآن والتقاليد الإسلامية كإجماع الرأي والشورى وهي مبادئ إسلامية وليست مبادئ غربية وهذا مهم للغاية، لم تربطني علاقة جيدة مع العالم الأكاديمي ولم أحاول أن أنشأ مجموعة من الناس المهتمين بالسياسة والعاملين في الجامعة في آن معا، باستثناء مبادرة بارزة شرعت فيها من أجل تأسيس موقع الكتروني يسمي " زيورا ديمسيون" وقد انتشرت المبادرة في العالم من أميركا اللاتينية إلى الصين وأوروبا وأصبحت مشهورة جدا وتشغلني كثيرا.

لوسيا ري/ أستاذة وباحثة في فلسفة القانون الدولي: هناك مجلات عن فلسفة القانون ولكن الجديد في مجلتنا هو فلسفة القانون الدولي وهذا هو التخصص الذي درسه زولو معظم حياته، هذا مزج جديد، لأن أغلبية الناس الذين يدرسون فلسفة القانون لا يدرسون فلسفة القانون الدولي، بعض المواضيع المطروحة الآن تخص ليبيا طبعا والنسوية الإسلامية، وقد ركزنا كثيرا على حقوق المرأة في المجتمعات الغربية وفي الدول العربية، لطالما حاول زولو أن يفتح الجامعات لعامة الناس حتى يتواصل معهم؛ فمثلا عندما نكتب كتابا ويقرأه كل على الفور إن علينا أن نقرأه لجميع الناس وأن لا نقتصر بقراءته على الجميع فقط، لأن هؤلاء يملكون العلم، ويضيف: عليكم أن تكتبوا لجميع الناس الذين يجب عليهم أن يفهموا حتى يبدؤوا بالتغيير في المجتمع. ثمة مركز مهم جدا هنا معني بحقوق السجناء في إيطاليا والسجون الأوروبية ويديره إميليو سنتورو وهو أيضا عضو في مجلة Jura Gentuim. دانيلو زولو يعد أول من أدرك أهمية استيعاب طلاب القانون داخل السجن، هذا شيء لا تقدمه الجامعات لكنه أعتقد أنه ينبغي أن يدرس القانون بالكتب أن يدرسه أيضا عمليا.

إميليو سنتورو/ أستاذ وباحث في فلسفة القانون الدولي: أسسنا مركزا يدعى الحقوق الأخرى وأعتقد أن لوسيا تحدثت عنه من قبل، نشاطنا في هذا المركز يتمثل على العمل على تقديم استشارات قانونية للمسجونين في جميع سجون توسكانا وفي وقت قليل بدأنا نعمل في سجون مدينة بولونيا، وأقمنا الدورة الأولى معا ثم أكلمت أنا وحدي ومنذ ذلك الحين قرر الكثير من الطلاب الذي حضروا إحدى الدورات الاستمرار بالعمل على قضية السجون، والآن هناك مئة خمسون طالبا.

دانيلو زولو: مئة وخمسون طالبا..

إميليو سنتورو: مئة وخمسون طالبا بعضهم خريجون لا يزالون معنا منذ خمسة عشرة عاما.

دانيلو زولو: ويقدم هذا المركز الآن مساعدة مجانية للسجناء أنا أيضا بعد أن تركت التدريس وتقاعدت عن العمل بدأت تدريس السجناء في سجن سلوتشالو بفلورنسا وهذا سجن مهم جدا. لا بد أن أقول أنني لا أهتم بالزهور والنباتات حتى الخمسين من عمري وأظن أن هذا الأمر شائعا، لأن حب النباتات والاهتمام بها ينموان لدى الأشخاص المسنين والعجز مثلي، إذن فأنا أشعر بجمال الطبيعة الغامضة لأنني لا أعرف ماهيتها ولا أعرف من أين جاءت؟ لقد عملت كثيرا في حياتي وكرست نفسي للدراسة وألفت عشرات الكتب واستمتعت بنجاحها، ولكن كل هذه الأشياء تبدو لي الآن بعيدة، فعلى الرغم من أن كتبي لاقت بعض النجاح بين المثقفين لكن العالم لم يتغير قط، تخيلت أنني سأستطيع من خلال المعركة الفلسفية والسياسية أن أسهم في تحسين الطبيعة الإنسانية، وفي كتابي عن الخوف الذي ستصدره دار فلترميلي بعد بضعة أشهر تأملت في موضوع آخر أيضا ألا وهو العدوان الإنساني، فمن ناحية يخاف الإنسان لشعوره لضعفه الشديد ومن ناحية أخرى هو عدواني بشكل مرعب ويهاجم الآخرين لأنه يخافهم، وهذا المبدأ يمثل بالتأكيد أصل الحرب لأن الإنسان المعاصر هو إنسان محارب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة