بوب دونار   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

سامي كليب

ضيف الحلقة:

بوب دونار: مصور فرنسي متخصص بتصوير الحروب

تاريخ الحلقة:

03/11/1999

- نظرة على تاريخ بوب دونار
- حقيقة تحريض الملك حسين الثاني على قتل القذافي

- طبيعة مهمة بوب دونار في اليمن

- وسائل ضم وجذب المقاتلين اليمنيين

- مدى مصداقية إسلام بوب دونار في اليمن

- علاقة بوب دونار بالمخابرات اللبنانية

- طبيعة اللقاء بين بوب دونار والرئيس اللبناني السابق كميل شمعون

- دوافع ذهاب بوب دونار إلى جزر القمر

- موقف إسرائيل من دعم جزر القمر

- علاقة بوب دونار مع الأكراد

بوب دونار
سامي كليب
سامي كليب: البعض يصفه بالمرتزق، وهو كان يعتبر نفسه خادماً للجمهورية الفرنسية، لكن بين ذاك الوصف وهذا الاعتبار يختبيء رجل كان قاتل في المغرب ثم قاتل رجال جمال عبد الناصر الزعيم المصري في اليمن، ثم قاتل في جزر القمر عيَّن رؤساء وخلع رؤساء قبل أن يحاول أن يغتال معمر القذافي، إذن من هو هذا الرجل؟ من هو بوب دونار الذي نزوره اليوم؟ صباح الخير سيد.. السلام عليكم هل تتحدث العربية؟

نظرة على تاريخ بوب دونار

ولد في مدينة بوردو الفرنسية عمرها سبعون عاماً، أمضى منها 50 بالقتال من والده ليونس العسكري في جيش الاستعمار الفرنسي، ورث حب القتال والمغامرة، المغامرة كلمة بسيطة في وصف روبير الذي كاد يقتل مرات كثيرة، في إفريقيا السوداء إسمه (مونجنجا)، في اليمن أسلم وأصبح بوب فيليب يقرأ جلباب برجو، فالحاج مصطفى في جزر القمر، رحلة طويلة تقاطع فيها عمل المرتزق الشهير بالمصالح الرسمية، هذه أول مقابلة معه لتلفزة عربية.

إذن كنت بدأت تجربتك العسكرية هنا في فرنسا، ولكن بعد أن انتقلت إلى المغرب، ربما كان هناك نوع من التناقض في فرنسا حاولت أن تدفع وتعمل من أجل استقلال.. الاستقلال الفرنسي ضد النازيين وضد الفاشية، وبينما في المغرب حاولت أن تقاتل المغاربة الذين كانوا يقاتلون الاستقلال.

بوب دونار: لقد شاركت في الحرب في فرنسا حيث عرفت معمودية النار، التحقت في الجيش الفرنسي في سنة 45، خدمت 7 سنوات، وبعدها حين سُرحت من الجيش عام 52 انخرطت في صفوف الشرطة المغربية، وجدت نفسي في مواجهة الإرهاب، والإرهاب بالنسبة لأي شرطي عندما يكتشف مخابيء للأسلحة، أو يشاهد عشرات القتلى فمن الطبيعي أن تختار موقعه، وقد اخترت موقعي في الدفاع عن أولئك الضحايا، بالطبع مع مرور الزمن أعتقد أن الذي كنا نقوم به كان خطأً.

سامي كليب: خطأ لماذا؟

بوب دونار: كان خطأً لأننا حين نرى اليوم من هو الملك الحسن الثاني باعتقادي كان خطأ فادحاً خلع السلطان محمد الخامس.

سامي كليب: إذن الإرهابيون الذين تتحدث عنهم في المغرب كانوا استقلاليين بنظر المغاربة؟

بوب دونار: من الممكن أن يكونوا كذلك، آنذاك كنت شاباً، وحين كنت في الشرطة كان هناك احترام للإنسان، وعندما تكون شرطياً، فمن واجبك قمع القاتلين، ولعل الإرهاب بالنسبة لهم كان منطقياً، ولكنه بالنسبة لنا لم يكن كذلك. إذن كنا مضطرين لاحترام الديمقراطية أن ننفذ ما كان واجباً علينا تنفيذه، أعتقد أن الظرف كان معقداً جداً بالنسبة لنا وخاصة مع وجود كثير من الأوروبيين وخذوا مثلاً ما حصل بعدها في الجزائر.

سامي كليب: نلاحظ أنه في كلامك بعض الأسف.

بوب دونار: لا، إنني مقتنع أنه لا ينفع الندم، عندما تقوم بعمل ما يجب تحمل المسؤولية، في المغرب سجنت 14 شهراً وتحملت، لم يكن التزامي مثل الذين ولدوا هنا والذين كانوا يدافعون عن أرضهم، أنا كنت فقط أدافع عن العلم الفرنسي.

سامي كليب: حاولت في تلك الفترة أن تغتال أيضاً (مانديد فرونس) إذن لم يكن عملك في الواقع دائماً للدفاع عن العلم الفرنسي، ولكن أيضاً في بعض المرات ضد بعض الفرنسيين.

بوب دونار: لا أعتقد ذلك، يجب فهم الظروف أولاً، لو أردنا قتل (مانديد فرونس) يومها كنا نملك الوسائل لقتله، وقد أعفي عني بعد 14 شهراً لأني فعلت كل ما باستطاعتي لإيقاف العملية.

سامي كليب: هل تعرفت -آنذاك- على الذين سيصبحون رؤساء وزعماء المغرب وقادته؟

بوب دونار: يومها لم أكن أعرف أحداً، باستثناء شخص أو شخصين في عملية نفي الملك إلى مدغشقر، لكنني بعدها تعرفت على العديد من المقربين إلى السلطان.

حقيقة تحريض الملك حسين الثاني على قتل القذافي

سامي كليب: إذن لن نعود ربما لكل تلك الفترة في المغرب العربي، ولكن إلى حادثة تتعلق بالعقيد معمر القذافي الرئيس الليبي، بعض المعلومات تقول –وأنت أيضاً أكدتها لاحقاً- أن ملك المغرب كلفك باغتيال القذافي.

بوب دونار: لا.. لا، ليس بالضبط هذا، كلفني ملك المغرب عندما حصل انقلاب في ليبيا، فإن كل مؤيدي الملك إدريس كانوا قد أوقفوا ووسجنوا في سجن ليس ببعيد عن طرابلس، كانت هناك مهمة ملقاة على عاتقهم، وقد كان الإنجليز الذي مولهم الملك إدريس أما أنا فكان تمويلي من ملك المغرب، لكن لم اتلقى الأوامر للذهاب من أجل قتل القذافي، هذا غير صحيح.

سامي كليب: ما هي الحقيقة؟

بوب دونار: الحقيقة هو أننا ذهبنا لإنقاذ جماعة الملك إدريس هؤلاء الذين كانوا في السجن بالقرب من مطار طرابلس، هذه هي الحقيقة.

سامي كليب: في كتابك تذكر تلك الحادثة فيما يتعلق بالقذافي، وفهمنا أن الملك الحسن كان ربما فعلاً كلفك بذلك.

بوب دونار: لا.. لا فالقذافي كان محمياً جداً، إذن كان يتطلب الأمر وسائل أكبر بكثير، حتى الأميركيين لم ينجحوا بذلك، والشاهد على ذلك أن القذافي مازال حياً وهذا لا يزعجني أبداً، لا في هذه المرحلة لم يكن القذافي مقصوداً، كان هناك في عام 73 محاولة في الحرب بين ليبيا ومصر كان لنا مهمة أخرى في التخريب، وكانت حياة القذافي مهددة، كان يجب الاستفادة عندما دخلت القوات المصرية إلى ليبيا، أعتقد أنكم تتذكرون ذلك، أو بالأحرى كنت.. كنت مازلت شاباً، كانت لدينا مهمات تخريب في هدف تصفية القذافي، لأنه كان عدواً للغرب وكان حامياً للإرهاب، هذا كل شيء، وهذا الذي حصل بعدها وكان القذافي محتاطاً جداً لأن العديد كان يطالب برأسه.

سامي كليب: أود أن أركز قليلاً على ما جاء في كتابك أيضاً بهذا الشأن وقد تحدثت بشكل علني في الواقع عن المهمة التي كلفك بها الملك الحسن الثاني ربما لم تُذكر كلمة قتل أو إنهاء وجود ولكن على الأقل وضع حد لوصول القذافي إلى السلطة.

بوب دونار: لا، المرة الوحيدة التي تكلمت فيها عن الموضوع كانت حين دعاني الملك الذي أخبرني عن محاولة الاغتيال التي تعرض لها، ولا علاقة للقذافي بذلك، ملاحظة أن في مفهومنا لكلمة اغتيال، هذه الكلمة لم تكن موجودة، فقد كانت مهمة تحليل وبالطبع كانت مهمة كذلك. كان هناك احتمال لخطفه أو لقتله أو على كل حال لم يكن هناك أي شيء من ذلك، بقيت هذه المهمات على ورق ولم تنفذ.

سامي كليب: كيف كان اللقاء بينك وبين الملك الحسن الثاني بعيداً عن قضية القذافي؟ كيف رأيته؟ كيف وجدته في أي حالة؟

بوب دونار: صحيح التقيت الملك، وكما تعلمون أن الملك هو إنسان مميز بالنسبة لشعبه، الهندسة الداخلية للقصر تركت في نفسي أثراً كبيراً كان شيئاً رائعاً، أما الملك فكان إنساناً عادياً رأيته والتقيت به عدة مرات في مختلف المهمات ترك وسيترك عندي صورة عن ذاك الرجل الحذر في السياسة والحساس تجاه مشاعر شعبه، وأعتقد أن المغاربة محظوظون بملكهم.

سامي كليب: كان اتصالك –آنذاك- بالمغرب اتصال شخصي في وقت لاحق، أم أنك كنت مكلفاً أيضاً من قبل الأجهزة الفرنسية للاتصال بالأجهزة المغربية؟

بوب دونار: بالنسبة لي لم يكن هناك حاجة لإطلاع الفرنسيين على ذلك، لأن العلاقات بين الأجهزة المغربية والفرنسية كانت متينة، وأنا هناك كان لي مهمة دقيقة ليس بالضروري إطلاع الأجهزة الفرنسية عليها.

سامي كليب: بعد المغرب ودائماً في المنطقة الإفريقية التي تأثرت بها وعشقتها على ما يبدو انتقلت إلى كاتونجا بعد إعلان وجدته في إحدى الصحف.

بوب دونار: عندما قررت الذهاب إلى كاتونجا في الستينات وفي عز التحرر من الاستعمار كان المغرب قد استقل حينها، ذهبت إلى كاتونجا وكنت يومها مساعداً في الشرطة على ما أعتقد، جاء ذلك بعد مشاركتي في حرب عام 45 في قريتي، بعدها ذهبت إلى فيتنام متسلحاً فقط بشهادة تصليح للسيارات، وبدون أي خبرة عسكرية، بعدها وجدت نفسي في الظروف السائدة في كاتونجا وبدأت تحمل المسؤوليات، إذن رحلت بعد الأحداث التي حصلت لأني كنت في فصائل قمع الإرهاب في المغرب انخرطت في منظمة الجيش السوري في فرنسا وفي الجزائر وبعد قضاء أربعة عشر شهراً في السجن في المغرب لم أكن راغباً في تكرار التجربة في الجزائر.

سامي كليب: لم تبقى طويلاً في الجزائر.

بوب دونار: لا.. لا مكثت هناك شهراً واحداً كان حينها موضوع البازوكا، عدت بعدها وقدمت استقالتي من الشرطة وأصبحت مدنياً.

سامي كليب: هل كان خوفاً؟

بوب دونار: لا لم أكن خائفاً، ولكن خوفي كان من أن أسجن مرة ثانية، كانت هناك مصاعب جمة وكان ذلك يتناقض –كما تعرفون- مع مباديء عائلتي، حيث كانت ديجولية.

سامي كليب: تعرفت طبعاً في أفريقيا على العديد من القادة الأفارقة الذين كانوا آنذاك كمسؤولين أو الذين أصبحوا مسؤولين حسين حبري، وعمر دنجو، وغيرهم، ولكن بالنسبة لنا يهمنا المراحل العربية في هذه التجربة السياسية والأمنية، اليمن مثلاً لديك العديد من الصور الجميلة حين كنت تدرب المقاتلين التابعين للأمراء الزيديين، هل يمكن أن نرى الصور قليلاً؟

إذن هؤلاء هم المقاتلون اليمنيون؟

بوب دونار: نعم، هؤلاء يمنيون محاربون من قبيلة بني بلول، كانوا يرقصون.

هنا أنا واقف مع الأمير محمد حسن، وهنا تشاهدون التدريب التقليدي للمقاتلين وأنا بجانبهم، هذا هو الأمير مع بعض مساعديه.

سامي كليب: في الفيلم نشاهد قتلى وأيضاً أمراء ونشاهد مقاتلين، هل لك أن تخبرنا بداية كيف دخلت إلى اليمن؟ ما الذي جذبك إلى هذا البلد؟

بوب دونار: أنا ذهبت إلى اليمن عام 63 بعد عودتي من كاتونجا، وذلك بناءً على طلب أحد الأمراء الذي جاء إلى فرنسا لمقابلة جماعة الميسانا، كان صديقي (توني ديسنبول) التقى بأحد الصحفيين ويدعى (جون فرانسو شوبان) ذهبوا إلى اليمن وبدأوا التصويت. عادوا بصحبة الأمير الذي مر بلندن وطلب 20 رجلاً، أمنوا لنا المبالغ وذهبوا إلى هناك وتبعناهم، توقفنا في بنغازي بليبيا، ثم حطت بنا الرحال في عدن، ونقلنا من هناك إلى الربع الخالي.

طبيعة مهمة بوب دونار في اليمن

سامي كليب: ماذا.. ماذا كان الهدف الرئيسي لتلك المهمة؟ هل كانت من أجل إعادة الأمراء للسلطة؟

بوب دونار: لا استطيع القول أنهم اختارونا للتمرين فقط، بل للمشاركة في الحرب أيضاً، إن المحاربين اليمنيين هم جنود أشداء، لكنهم يفتقرون لقواعد وخطط القتال، فكانوا بحاجة إلى تدريب، كانوا مهرة في استخدام البنادق، ولكن كانوا يجهلون كل شيء عن الرشاشات والمدافع، وكانوا يواجهون 40 ألف مصري، ونحن لم نكن إلا عشرين ومجموعات الإمام البدر كانت بالطبع كثيرة العدد.

سامي كليب: كانت مهمة صعبة في اليمن خصوصاً أن اليمنيين لم يعتدوا على ذاك النوع من القتال المركز والمبني على دراسة.

بوب دونار: نعم، كان علينا أن نتكيف مع الواقع، تصوروا أنه في أحد الأيام وجدنا الرشاشات مطروحة أرضاً، ولم نجد المدافع، واستنتجنا لاحقاً أنهم كانوا قد وضعوها كخوابير لإشادة الخيم في الصحراء هذا ما فعلوه بالرشاشات أيضاً، إذن أفهمناهم أن الرشاشات تطلق أصوات وضجيج أكثر من البندقية، تطلب الأمر كثيراً من الصبر، كثيراً من التعليم وكنا نتعامل مع إحدى القبائل التي وضعها الأمير في تصرفنا وهي قبيلة بني بلول، وكانوا لا يتلقون الأوامر إلا من قائدهم.. من أميرهم.

إذاً استمرت هذه الحال بالواسطة، وبعد عدة أشهر تعلمنا قساوة التعامل معهم، كنا نضيع ساعة في النهار لتعلم اللغة العربية أنا ورجالي، إلا أننا اليوم نسينا كثيراً، كان يجب البقاء هناك للحفاظ على هذه اللغة.

وسائل ضم وجذب المقاتلين اليمنيين

سامي كليب: ما هي.. ما كانت وسائل ضم وجذب هؤلاء المقاتلين اليمنيين وتعليمهم، خصوصاً أنك كنت غريب عن اليمن لا تعرف عنه شيئاً ذاك البلد؟

بوب دونار: بالنسبة للتمويل لم يكن ذلك من اهتماماتنا كذلك الإنزال المظلي والأسلحة التي كنا نستخدمها، لم يكن ذلك من شؤوننا، عكس ما فعلته مثلاً في (ديفرا) في موضوع الإمدادات، ليس أبداً في اليمن، نعم كنت على علم بذلك، أما الآخرون فلا يعلمون مصدر هذه الإمدادات، كنا نحدد مواقع الإنزال المظلي، وكان اليمنيون يساعدون على نقلها وإخفائها لكي لا تدمرها الطائرات المصرية في الصباح التالي. كل ذلك كان يتم في الليل، لأن الحرارة في النهار كانت قاتلة، كانت معظم الهجمات تتم في الليالي، كنا نعمل في النهار لضبط أهداف مدافع الهاون، لأن ضبطها في النهار أفضل.

سامي كليب: هل كانت العمليات صعبة وقاسية من قبل المصريين؟

بوب دونار: كان هناك شيء من ذلك بواسطة الطيران، ذلك خوفاً من المخاطرة بأنفسهم، وعندما جازفوا مرة في لواء مدرع في عبور الرمال واجهوا صعوبات عديدة وأسروا جميعاً، وهذا ما نراه على الشريط المسجل، سجلنا الكثير منه، في الواقع أن اليمنيين هم جنود أشداء، كانوا يقاتلون بالغريزة ثم يذهبون لجني محصول الذرة.

سامي كليب: هل دخلت في اتصال مع المملكة العربية السعودية خصوصاً أن العديد من الدول –آنذاك- كانت متورطة في الموضوع اليمني من قريب أو بعيد؟

بوب دونار: نعم، كان هناك علاقات محلية معهم، لأننا كنا نعبر من الأراضي السعودية، كنا قبلها نتغطى بالبريطانيين المتواجدين في عدن، ولما استقلت عدن أصبحنا نعبر من السعودية، كانوا ينزلوننا في نجران في الطائرة وبعدها نستقل السيارات للدخول في مناطق القتال.. كل الإمدادات كانت تأتينا عبر السعودية التي مولت لنا كل عتادنا..

سامي كليب: كيف كانت معاملة الأمراء لك شخصياً آنذاك؟

بوب دونار: كانت لي دائماً علاقات جيدة مع الرعايا المحليين، كنت أقول دوماً لمعاوني لم نأتِ إلى هنا عابرين فقط، وإنما أتينا لنبقى، لنساعد في البناء، والقيام بواجبنا تجاه الذين استدعونا.

سامي كليب: في لحظة معينة كنت اتهمت البريطانيين بأنهم حاولوا التأثير على دورك في اليمن ولعب دور ضد فرنسا، هل كان ذلك سبباً في خلافاتك مع بعض الأمراء؟

بوب دونار: كان البريطانيون في الخلف يسيطرون على أجهزة الراديو ووسائل الاتصال اللاسلكية يرافقهم بعض من الرجال لجمع المعلومات، في كل تلك الفترة كان الإنجليز يهبون لمساعدتنا وعلى رأسهم رجل يدعى (بلي ماكلين) نستطيع اليوم ذكر اسمه لأنه رحل، كان نائباً جديراً في إنجلترا، لم يكن هناك أي اشتباك بيننا. كانت مهمة الإنجليز الإنزال المظلي والتمويل، لم يتعاطوا عسكرياً هناك، كان دورهم مخابراتياً، كنا نطلعهم دائماً عن الوضع، مشاكلهم كانت مع اليمنيين وليست معنا، كنا قليلي العدد فنحن 10 وهم 4 أو 5.

سامي كليب: كنت على اتصال مباشر بالمخابرات البريطانية؟

بوب دونار: ليس مباشر، رغم أن الأجهزة الإنجليزية كانت مشرفة علينا، لكنه لم يكن هناك علاقات مباشرة، الشخص الذي ذكرته والذي كان نائباً إنجليزياً كان يزورنا لتقصي الحقائق، زارنا أيضاً ضباط قدامى من المخابرات جاءوا لزيارتنا عدة مرات ولكنهم لم يشاركوا يوماً في القتال، لم يكن هناك أي مواجهة تذكر، كانت مهمتهم في إطار المعلومات والتمويل فقط.

مدى مصداقية إسلام بوب دونار في اليمن

سامي كليب: في اليمن أصبحت مسلماً، هل فعلت ذلك بقناعة شخصية أم لمصالح ذاتية، بالأحرى في ذاك البلد؟

بوب دونار: تعلمون جيداً أن المسلم الحقيقي هو الذي يولد مسلماً، بالتأكيد أنها تربية مختلفة، كان الأمير الذي صادقني واصطحبني في تنقلاته يقول لي: يجب أن تصبح مسلماً، إنك تقاتل معنا، عليك أن تجد لك امرأة لأنك رجل ولكل رجل امرأة وهذا من طبيعة الإسلام.

سامي كليب: في المغرب كنت تقول أنك تدافع عن العلم الفرنسي، ولكن في اليمن هل كنت تدافع فعلاً عن نفس الشيء خصوصاً أن فرنسا لم تكن متورطة بشكل مباشر هناك؟

بوب دونار: كانت ملقاة على عاتقي مسؤوليات كبيرة، وذلك عائد إلى مؤهلاتي من جهة، وإلى التزاماتي السياسية من جهة أخرى، كان ذلك في كاتونجا وفي اليمن، يجب التفتيش دائماً عن النفط، كان هذا هاجس الجميع، كنت أمر في لبنان في طريقي إلى اليمن ذهاباً وإياباً كان لبنان قاعدتنا الخلفية.

علاقة بوب دونار بالمخابرات اللبنانية

سامي كليب: اسمح لي بالمقاطعة فقط من أجل طرح سؤال حول العلاقة مع الاستخبارات اللبنانية حين كنتم تمرون.. حين كنتم تمرون بالأراضي اللبنانية.

بوب دونار: لا لا كان عبوراً فقط، لم يكن مطلوباً منا ذلك يومها، ولكن صادف أن عبرت من هناك مع بعض المعدات وكانت معدات سرية، إن رجال الجمارك لم يتعرضوا لنا لا في الذهاب ولا في الإياب، وكنا بعض الأحيان نبقى يومين أو أكثر، ولكن صادف أن نقلت بعض الأسلحة الفردية في الصندوق ولم أعترض، الإرهاب لم يكن موجوداً يومها، ولا كانت كل تلك الكوارث التي حلت في بلدكم لاحقاً، كانت الأجواء حميمة ولم يكن لي أي اتصال بالأجهزة هناك.

سامي كليب: هل كان بين رجالك لبنانيون؟

بوب دونار: أبداً ، أعتقد أنني التقيت بكثير من اللبنانيين في إفريقيا، فعدد كبير منهم يعيش هناك ، ولكن لم يكن في صفوفنا أي لبناني.

سامي كليب: هل اللبنانيون حاولوا تمويل بعض نشاطاتك في إفريقيا؟

بوب دونار: ليس مباشرة على الأقل، لم يكن هناك لبنانيون متورطين في تلك الأيام، إن اللبنانيين كانوا نافذين جداً في إفريقيا في حقول التجارة والأعمال.

طبيعة اللقاء بين بوب دونار والرئيس اللبناني السابق كميل شمعون

سامي كليب: بعض المعلومات التي لدينا تقول أنك التقيت الرئيس السابق (كميل شمعون) في لبنان؟

بوب دونار: في مرحلة لم يكن لدي أي اتصال مباشر ، الاتصالات كانت مع أحد أصدقائي الذي كان مسؤولي المباشر، ذهبت إلى بيروت للقاء أحد معاوني الرئيس.

سامي كليب: ماذا جرى؟

بوب دونار: لم يكن هناك أية متابعة لأنني عدت أدراجي.

سامي كليب: كيف جرى اللقاء؟

بوب دونار: التقيت ببعض الكتائب اللبنانية.

سامي كليب: من مثلاً من الكتائب؟

بوب دونار: بيير جميل.

سامي كليب: الرئيس السابق؟

بوب دونار: كان ذلك في إطار عائلي، كانوا بحاجة إلى تقنيين لتدريب رجال الكتائب، وذهبت آنذاك كما ذهب الكثير من الفرنسيين بقرارات شخصية.

سامي كليب: هل هؤلاء الذين أسرعوا للبنان كانوا عبرك؟

بوب دونار: لا.. لا أبداً ذهبوا بإرادتهم الشخصية، ربما جاء إلى فرنسا مبعوثون لبنانيون ولكني لم أكن على علاقة بهم الشيء الوحيد الذي حصل هو لقائي مع شمعون، والتقيت بالشيخ بيير جميل وكان اللقاء عفوياً.

سامي كليب: ماذا كان في ذاك اللقاء ؟ وأين جرى ؟

بوب دونار: لقد ذهبنا إلى هناك عام 63 وحصل اللقاء في فندق كبير في بيروت، وأعتقد أن بيير جميل كان قد قمع النساء.

سامي كليب: ماذا قال لك؟

بوب دونار: لندع الأموات يقولون.

سامي كليب: مرحلة.

بوب دونار: هذه فترة قابلة لا أريد العودة إلى الوراء ولست قادراً على تذكر كل شيء. ولا أحب ذلك.

سامي كليب: نرى في الفيلم مثلاً صور لقتلى وجثث مصريين، هل كنت تعرف من هو جمال عبد العناصر آنذاك؟

بوب دونار: آه، بالتأكيد إن كل الناس كانوا يعرفون جمال عبد الناصر، كنا نعرف قليلاً ما يحصل في قناة السويس والنزاعات الشائعة، وعندما طلب منا الذهاب إلى اليمن كنا نعرف جيداً من هو جمال عبد الناصر، مع الإشارة إلى أن الأمم المتحدة كانت حاضرة هي الأخرى هناك.

سامي كليب: إن السؤال بالنسبة لليمن يقودنا في الواقع إلى سؤال عن الوضع المادي والأسباب المادية، هل فعل كل ذلك فقط من أجل عيون اليمنيين أو دول أخرى وأيضاً بالنسبة للمال للحصول على مبلغ معين من المال؟

بوب دونار: لكل جهد ثمنه، لا أعتقد أن أحداً يقوم بشيء مجاناً، بالنسبة لنا كان هناك هدفان: الالتزام الشخصي من جهة، والمال من جهة أخرى، والمال لم يكن ليتناقض مع الالتزام، لا أعرف لماذا أنتم أهل الصحافة تثيرون مسألة المال دائماً، أتعملون أنتم من دون أي مقابل؟

سامي كليب: لا.. لا.

بوب دونار: أنتم تقتلونهم بطريقة أخرى عندما تكتبون وتختلقون الأساطير، هذا أخطر من الذي يقاتل في الحرب أو الذي في مواجهته رجال يحملون السلاح، هم يخاطرون بحياتهم ونحن نخاطر أيضاً، لقد شاهدت كثيراً من القتلى ، أنتم لا تجازفون بحياتكم، أنتم قادرون على القتل بأخباركم، والقتل المعنوي أصعب من القتل الجسدي.

سامي كليب: ما هي الأسباب إذن لأي هدف، لأي غاية قتلوا الذين قتلوا معك؟ ما هي كانت القضية الكبيرة لهم؟

بوب دونار: بقينا أحد عشر شهراً بدون أن نقبض أي مليم، غير أننا كنا واثقين من أن اليمنيين يلتزمون بتعهداتهم، وعلى كل حال لم تكن تلك المبالغ ضخمة جداً.

سامي كليب: ما هي القيمة المالية التي كان يتقاضاها مثلاً مقاتل فرنسي قتل معك في اليمن؟

بوب دونار: بصراحة لا أعرف كم كان يبلغ الراتب، لم يكن الراتب هو الالتزام ، وإنني لم أتعاطى السياسة ولم أقترع يوماً ولن انتخب أبداً، ولكن عندما يطلبوني لخدمة بلدي ألبي النداء الواجب عليَّ، دائماً تثيرون موضوع القتل، عندما تحتدم المعركة على المرء أن يختار موقعه، (شجيفارا) اختار موقعه، وأنا اخترت موقعي، لماذا لم نوجه الاتهام لشجيفارا لأنه كان يعمل من أجل المال أيضاً؟

سامي كليب: لن نتوقف كثيراً عند شجيفارا ولكنه رافع عن قضية دولية، ولكن أنت كنت تتدخل بالشؤون الداخلية لبعض الدول.

بوب دونار: إنه مضحك ما تقول، ضعوا أنفسكم في مكاني، إنكم تطلقون الآراء ولم تتواجدوا معنا على الأمر، ولا تستطيعون القول إن الشيك كان يقاتل من أجل قضية، ولماذا نحن نقاتل من أجل قضية الغرب، شيجيفارا كان في المعسكر المقابل، كان مع الشيوعية وأنا كنت ضدها، ووجدنا في مواجهة بعضنا البعض في زائير، ولم يصمد كثيراً لأننا كنا في مواجهته.

سامي كليب: ماذا تعني بقضية الغرب؟

بوب دونار: ماذا تعني بقضيتنا، إنها ليست مشكلة، الشيوعية هي التي كانت مشكلة وهذا أصبح جزءً من الموقف، لم يعد هناك مثل هذه القضايا، كان هناك التزام ضد الشيوعية، عبد الناصر لم يكن أيضاً، كان أكثر قرباً للشيوعية، لقد قاتل بسلاح روسي.

سامي كليب: قاتل الشيوعيين أيضاً عبد الناصر.

بوب دونار: بعدها، ولكنه قاتل بسلاح روسي، ولولا تدخل الأميركيين لوقف الهجوم الفرنسي الإنجليزي في قناة السويس لكانت المسألة أخذت بُعداً آخر.

سامي كليب: لنقبل أنك كنت تقاتل من أجل القضية، ولكن بالنسبة للذين قاتلوا معك، هل قاتلوا أيضاً من أجل القضية أم من أجل المال؟

بوب دونار: إن الرجال الذين كانوا معي كانوا يشاركوني القناعات نفسها، كنت أقود وحدات في زائير مؤلفة من 1200 رجل من إحدى وعشرين جنسية، وأعتقد أنني كنت يومها الرجل المناسب لمثل تلك الظروف، لم أقل لكم أنني لم أتقاضى المبالغ الطائلة، إنني كنت أدير ميزانية ضخمة جداً في قضية اليمن، ملايين من الدولارات كانت تحت تصرفي لدفع كلفة الطائرات التي كانت تنقلنا، وكنا نستخدم البواخر في عملياتنا.

سامي كليب: من أين كانت تأتي هذه الأموال؟

بوب دونار: المال كان يأتي –آنذاك- من فرنسا، في الواقع أن خريطة المصالح كانت متضاربة جداً ، الصين كانت تساعد الكافر بينما كان الروس يدعمون لوان، وكان هناك الفرنسيون والبريطانيون أرأيتم ذاك الخليط العجيب؟ لماذا كل ذلك؟ ببساطة إنه النفط ينبغي وضع الأمور في نصابها التاريخي لكي نكمل الحديث عنها اليوم ، لماذا كل هذه الاتهامات إذن، أنا أرفض ذلك بالمطلق.

سامي كليب: نحن لن ندخل بصراع ولكن نسمح لك بالتعبير.

بوب دونار: إنك تحاول استثارتي وهذا دورك بالطبع، سأقبل شروط اللعبة، ولكن لا يجب اعتباري مهرجاً، إنني شخص قام ببعض المهمات، لم أنفذها إلا بقناعة وضمن إطار محدد، لم أتجاوز هذا الإطار، ولو أنني تجاوزته حينها لكانوا حلقوا شواربي.

دوافع ذهاب بوب دونار إلى جزر القمر

سامي كليب: ننتقل بعد اليمن والمغرب والعلاقة أو القتال ضد جمال عبد الناصر إلى جزر القمر، هناك فعلت كل ما شئت أن تفعله، أقلت رؤساء وعينت رؤساء آخرين وتصرفت وكأنها دولتك، ما الذي دفعك إلى تلك المنطقة؟

بوب دونار: ذهبت إلى جزر القمر لأول مرة عام 75، كنا يومها سبعة رجال لبينا طلب أحد الأصدقاء المقربين للذهاب ومساعدته هناك، كان الاستقلال قد أُعلن من جانب واحد دون موافقة فرنسا عليه، لأن جزيرة مايوركا لا تريد بقاء فرنسياً، لهذا وجدت نفسي متفقاً مع المصالح الفرنسية هناك، ولو كنا على تناقض لما سمحوا لنا بالسفر، أو كانوا على الأقل أعادونا كما حصل في ظروف أخرى، إذن ذهبت إلى هناك لمساعدة شاب حيوي كان رفيقاً لنا في المظليين وهو الآن على قيد الحياة، لا يزال يعيش في جزر القمر.

شكلنا هناك خلية عسكرية وفرنسا تركتنا نفعل ذلك، لأنها لو لم ترد ذلك لما أعطتنا الضوء الأخضر أو لنقل الضوء البرتقالي بين الأحمر والأخضر، وقالوا لنا إذا أُضيء لكم الأحمر فيمنع الذهاب، أما إذا كان الضوء الأخضر فقد تسهل الأمور، وعندما لا نقول شيء فيجب البقاء على البرتقالي، هذا ما كنا نقوم به في مثل هذه الظروف، وهذا ما كنا نسميه التدخل عند الضوء البرتقالي، لو كانت فرنسا ضد ذلك فهي تملك جميع الوسائل لإيقافك.

كان الرئيس القمري علي السواحلي رجلاً شاباً شارك في مظاهرات عام 68 في فرنسا، كانت له آراء متطورة، ولكنها كانت تتعارض مع أفكار الغرب، إذن عاجلاً أم آجلاً كان لابد من الاصطدام معه ولهذا السبب ذهبنا، الشيء الوحيد الذي فعلناه ضده أننا وضعناه في الطائرة بناءً على طلب من الرئيس عبد الله، إن كل ما فعلته في جزر القمر فعلته بالاتفاق مع فرنسا، كانت هذه العملية مدروسة في فرنسا، وحين وصلنا إلى هناك اشترينا مركباً واخترنا بعض الأشخاص لتنفيذ هذه العملية الدقيقة جداً.

سامي كليب: هل فرنسا كلفتك بذلك أم تركتك تفعل ما تريد أن تفعله بالرئيس القمري آنذاك علي السواحلي؟

بوب دونار: عندما ذهبت لمساعدة علي السواحلي لم أطلب من باريس السماح لي بالذهاب، ذهبت إلى هناك مع سبعة أشخاص في قضية محض شخصية، لم أكن أعرف أن علي السواحلي كان شيوعياً وأن كان لديه أفكار ماركسية، أؤكد لكم أنني لم أكن أعرف ذلك، اكتشفت ذلك لاحقاً وعلمت أنه استقدم التنزانيين أيضاً، كل ذلك لم يكن ليتوافق مع اتجاهاتي السياسية، فعدت إدراجي.

عندما طلب مني الرئيس عبد الله من خلال بعض رجاله الذين بقوا هناك والذين كانوا في خدمة السواحلي وبناءً على قراراتهم الشخصية هؤلاء نقلوا لي أن الرئيس عبد الله يطلب مني العودة، وإعادته إلى السلطة، كان قد طلب أيضاً المساعدة من الحكومة الفرنسية لعودته إلى السلطة، ووافقت الحكومة، ومن خلال أجهزتها أعطوني الضوء الأخضر.. فالضوء البرتقالي مرة أخرى.

سامي كليب: في جزر القمر طبعاً حصلت حادثتان مؤلمتان فعلاً، الأولى حين انتحر الرئيس القمري مباشرة بعد خروجك من مكتبه وكنت قادراً على منعه من الانتحار، والثانية حين قُتل رئيس آخر قمري وأنت موجود داخل المكتب، ما الذي حصل تحديداً؟

بوب دونار: تقصدون على ما أعتقد الرئيس الأول علي السواحلي، الذي لم ينتحر والذي كان موقوفاً من قبل البعض في جزر القمر، وكانت هذه مسألة داخلية، لا.. لم يكن لي التدخل بها، ولكني كنت أعرف علي السواحلي جيداً، كنت متوقعاً ما قد حصل، تعلمون جيداً أنه عندما يحكم على رئيس أو أي شخص بالموت في بلد إسلامي فإنه يسحل سحلاً، كنت أقدر أن رغم كل شيء كان يستحق علي السواحلي الموت بكرامة، تركت له الحرية في الخروج، كانت كل الأبواب مفتوحة لذلك، كان له.. كان له حرية الاختيار، إنك في بلد غريب وعندما يحصل أي شيء صادر عن السلطات العليا لا يجب عليك التدخل.

سامي كليب: في آنذاك كنت..

بوب دونار: لا.. لا مرة أخرى إنك تبالغ فيما تقول، هل تعتقد أنه كان بيدي كل السلطات لعمل ما أريد؟ ها قد مضى نصف قرن وأنا أدير هذه الأعمال الحساسة، أتعتقدون أن بمقدوري فعل كل شيء بدون أية معاقبة، آنذاك كان سهلاً جداً وجود كبش محرقة، ولعله كان مطلوباً أن يُشوى ذاك الكبش على نارٍ حارقة.

في تلك القضية لم أكن مذنباً، ساعدت على السواحلي لأني كنت أكن له الاحترام، وإنه قد قضى رجلاً، لأن النار كانت أطلقت عليه من الخلف، لست مسؤولاً وليس لي علاقة بذلك، ربما كان باستطاعتي منع ما حصل، ولكنه كان قد ارتكب أخطاءً فادحة في بلده، فهو أعدم كثيراً من البشر في الساحات العامة. أما في القضية الثانية مع الرئيس عبد الله عام 89 فقد جرت له محاكمة فعلية، ومنذ بضعة سنوات فُتح ملف هذه القضية، غير مسموح لي الآن بالبوح بأي شيء عن هذا الموضوع لكي لا نلاحق قضائياً، لأنني ورفيقين لي كنا شهوداً على ما جرى، وإن ضميري مرتاح جداً واستطيع النوم بدون كوابيس، آخر عملية لي كانت في جزر القمر كانت في عام 95، حين عُدت إلى هناك، هنا الملف لم يقفل بعد، عدنا إلى هناك لأن السلطة القائمة يومها والتي وضعناها بأنفسنا قامت بإيقاف عدد من الأشخاص الموالين لنا، بعضهم تم تعذيبه، والبعض الآخر قتل، هؤلاء ثاروا على السلطة التي عاملتهم بسوء حيث زج بهم في السجون، بناءً على طلب عائلات هؤلاء وخاصة أن بين السجناء ولدي الرئيس عبد الله، حتى أن والدة الشقيقين طلبت مني المجيء لإنقاذ ولديها، عندها تخطيت العدالة الفرنسية.

سامي كليب: هل كان ذلك الاتفاق مع فرنسا؟

بوب دونار: لا أقول لكم ذلك، نعم أؤكد أنني على صلة دائم على ما يحصل في إفريقيا وفي غيرها من البلدان وهذا طبيعي، لازال لي أصدقاء يزودوني بالمعلومات ويخبروني بما يجري، أليس هذا بطبيعي؟

سامي كليب: طبعاً آنذاك كنت نسجت علاقات قوية بين إفريقيا الجنوبية وبين جزر القمر، وكانت إفريقيا الجنوبية –آنذاك- إفريقيا العنصرية ألم يزعجك ذلك؟ وهل كان ذلك بسبب عدم القدرة على الحصول على أموال من الدول العربية لمساعدة جزر القمر؟

بوب دونار: نعتبر جنوب إفريقيا جزءً لا يتجزأ من الحلف الأطلسي، كانت لها مشاركة في كل الحروب التي حصلت ابتداءً من الحرب العالمية الأولى وحتى الحرب العالمية الثانية، إن جنوب إفريقيا كانت لها علاقات مع كل الدول الكبرى، بالطبع الكل كان ضد التمييز العنصري ولم يكن أحد معه، حتى الذين انتقدوا التمييز العنصري والذين هم في السلطة اليوم استغلوا هذا التمييز لصالحهم، من الحزن أن نقول ذلك اليوم، إنها كانت صفقة داخلية وأنا لا علاقة لي بذلك، كل الحملات الإعلامية التي كانت تتعرض لها هذه الدولة سببه إبعاد ملايين من الناس عن السلطة.

ولنعترف أن جنوب إفريقيا هي من أوائل البلدان الإفريقية تقدماً وتضاهي بعض دول أوروبا بتطورها، نعم عملنا مع الأفارقة الجنوبيين لأن جنوب إفريقيا كانت متورطة في كل الصراعات الإفريقية، وجدناهم في زائير عام 67، كانوا أيضاً في أنجولا وفي أمكنة أخرى، كنا دوماً نشهر بجنوب أفريقيا، إن جيش جنوب إفريقيا يومها كان يتمول من الأميركيين وحتى من الفرنسيين، تذهبون إلى جنوب أفريقيا وترون أن المعدات.. معدات الحرب هي فرنسية أميركية وإنجليزية، وفرنسا هي التي أقامت المصنع النووي هناك.

موقف إسرائيل من دعم جزر القمر

سامي كليب: قلت في.. في بعض المذكرات أنك حاولت الاتصال بإسرائيل من أجل دعم جزر القمر، هل كان ذلك أيضاً.. هل حصل ذلك أيضاً آنذاك أم لا؟

بوب دونار: لا.. لا إن إسرائيل لم تكن متورطة في أحداث جزر القمر، إسرائيل كانت لها علاقات مع جنوب إفريقيا، كانت لها علاقات مع تايوان، أريد أن انتهي من موضوع جنوب إفريقيا للتوضيح لكم، أن جنوب أفريقيا كانت قد طلبت مني إنشاء محطة للتنصت، وذلك في إطار الصراعات الإقليمية السائدة يومها في موزمبيق وأنجولا، كان هذا عملنا مع جنوب إفريقيا، من جهة أخرى إن جنوب إفريقيا كانت تمول جزر القمر، لهذا السبب عندما يوجهون لنا الاتهامات، عليهم إيجاد الأدلة القاطعة، إن حكومة جزر القمر لم تدفع فرنكاً واحداً لأنها منذ عام 79 كانت جنوب إفريقيا تمول الحرس الجمهوري، وذلك في إطار هذا الحلف، وأعني به الحلف الأطلسي وموارده، إن الأجهزة الفرنسية كانت على علمٍ تام بما تقوم به أجهزة جنوب إفريقيا، كانت هناك مصالح مشتركة، لأن فرنسا كانت متورطة مباشرة في الصراعات الإفريقية، وتريد أن تكون على علم بما يجري، إذن وكما ترون هذا هو الوجه الخفي للمسألة.

يمكننا الآن الاعتراف بأن كل شيء قد تغير، نستطيع التكلم بحرية، ومن الممكن القول أننا كنا جسراً للعبور، استخدمونا بالرخص للقيام بهذه الحرب لأننا كنا 25 رجلاً في المقدمة و ورائنا 20، أما في الجيش العادي لكل رجل في الطليعة هناك 5 وراءه لدعمه، إذن وكما ترون كانت حرباً رخيصة استخدمونا.. استخدموني ولست بنادمٍ، وضعت في السجن عدة مرات لم أشتكي يوماً ولم تسمعوني يوماً متشفعاً.

سامي كليب: هل تشعر بنفسك أنك خدعت من قبل المسؤولين الفرنسيين؟

بوب دونار: لا أبداً، لا أعتبر أنهم خانوني، قمت بما قمت به لأني كنت متطوعاً لذلك.

سامي كليب: فيما يتعلق بإسرائيل والمساعدة من جزر القمر أو بشكل عام العلاقة مع إسرائيل، هل اتصلت بإسرائيل؟

بوب دونار: لا.. لا لم أكن مهتماً في موضوع الشرق الأوسط، ولم يكن أبداً من اختصاصي، لدي أصدقاء إسرائيليون كما لدي أصدقاء مسلمون، إسرائيل –كما تعرفون- بلد قوي، حتى المزارعون فيها هم جنود، ولم يكونوا أبداً بحاجة إلى خدماتي لحل مشاكلهم.

علاقة بوب دونار مع الأكراد

سامي كليب: اتصلت مرات عديدة بمسعودي برزاني الذي كان هو أحد قادة الأكراد ماذا كانت تفاصيل هذه العلاقة مع الأكراد؟

بوب دونار: في هذا الموضوع إن الأجهزة الفرنسية هي التي طلبت مني الذهاب لأطلع على حاجات الأكراد، كان ذلك باتفاق مع شاه إيران، بقيت عدة أشهر في كردستان مع البشر مكا لأعطيهم بعض الوثائق، كانوا بالفعل مقاتلين أشداء لكن تنقصهم الخبرة.

بقي موضوع الذهاب إلى الحرب حصل بعدها اتفاق الشاه والجزائر واقفل الملف.

سامي كليب: لكي نختم إلى الحديث ربما بحديث شيق ومريح لكي لا تبقى غاضباً، نتحدث قليلاً عن الفيلم الذي كنت ستمثل فيه أو سيمثل فيه الأحرى كلينت استوود حول حياتك وحول تجربتك.

بوب دونار: نعم، كنت.. كنت محظوظاً جداً، إذ أنها المرة الوحيدة في حياتي أقبض مبلغاً كبيراً بدون أي مخاطر، آه لن أطلعك عليه بالتأكيد، بتواضع أقول قبضت كثيراً من المال.

استمر هذا الوضع ستة أشهر ركبت طائرة الكونكورد أكثر من مرة إلى لوس أنجلوس. التقيت بكلينت استوود في عرينه في هوليود، مكثت هناك ستة أشهر كنت أعيش يومها عيشة الملوك، لأسباب سياسية أعتقد أنه توقف العمل في الفيلم عندما وصل كارتر إلى السلطة، (كلينت استوود) لم يشرح لي الأسباب.

سامي كليب: اليوم عمرك سبعون عاماً هل يمكن القول أن الصفحة.. صفحة بوب دونار قد طويت بالنهاية بالنسبة لطبعاً العمليات العسكرية؟

بوب دونار: بالنسبة لي تطوى هذه الصفحة في اليوم الذي أصعد فيه إلى السماء أو أذهب إلى الجحيم لا أعرف إلى أين المصير.

سامي كليب: طبيعي أن يكون السؤال اليوم عن السماء أو جهنم فالضمائر غالباً ما تصحو متأخرة لكنها تصحو، شكراً جزيلاً والسلام عليكم.

بوب دونار: السلام عليكم.. عليكم السلام.

سامي كليب: إن ثقل السنين ومرارة الحصاد والجسد المترنح كالتزامه لم يبقوا للمرتزق الشهير إلا مذكرات شاحبة تناقض شمس إفريقيا، وبحر جزر القمر، وصحراء اليمن، وبين داخل البيت وخارجه فرق كبير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة