مسجد بابري ومواضيع أخرى   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 8:13 (مكة المكرمة)، 5:13 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

محمد البوريني

تاريخ الحلقة:

22/06/2002

- أزمة مسجد بابري بين المسلمين والهندوس
- تحويل السفارة الأميركية في إيران إلى متحف

محمد خير البوريني: نرحب بكم مشاهدينا الكرام إلى حلقة جديدة من برنامجكم (مراسلو الجزيرة) نشاهد في هذه الحلقة:

تقريراً يتناول جانباً من رحلة قمنا بها إلى بلدة (أيوديا) حيث مسجد بابري الذي دمره المتطرفون الهندوس وفجروه بعد أن عجزوا عن هدمه بواسطة المعاول والأدوات اليدوية، ونرى كيف يقوم المتطرفون بقص ونقش مئات الحجارة وإعدادها على أمل استخدامها في بناء معبد موعود، حيث يعتقدون أن إلههم (رام) كان قد ولد على أرض المسجد المهدم.

ومن إيران نستعرض تقريراً يتناول مبنى السفارة الأميركية المغلقة هناك منذ عام 79 بعد سقوط الشاه محمد رضا بهلوي، ونرى كيف قرر الإيرانيون فتح هذه السفارة التي يصفونها بوكر الجواسيس أمام العامة للاطلاع على محتوياتها وغرفها وأجهزة التصنت السرية فيها، ونشاهد الغرفة التي كان يتابع طاقم السفارة منها تطورات الأوضاع خلال أيام سقوط الملكية ساعات انتصار الثورة ولحظات اقتحامها من قبل الطلبة المؤيدين للثورة.

أهلاً ومرحباً بكم معنا إلى أولى فقرات هذه الحلقة.

أزمة مسجد البابري بين المسلمين والهندوس

في بداية العقد الأخير من القرن الماضي أقدم حشد كبير من المتطرفين الهندوس في بلدة (أيوديا) بولاية (أوتار براديش) الهندية، أقدموا على تهديم مسجد (بابري) الذي يعود إلى القرن السادس عشر الميلادي، حيث قاموا بتفجيره بعد أن عجزوا عن هدمه بواسطة المعاول حسب شهود عيان.

مسجد أيوديا في الهند
تقرير/ محمد خير البوريني: الطريق من (لكناو) إلى بلدة (أيوديا) في ولاية (أوتار براديش) الهندية، مناطق زراعية شاسعة، حقول وأشجار مختلف ألوانها وثمارها، جمال الطبيعة وتعدد المشاهد والهدوء يدفع لكتابة العديد من الملاحظات، لكن هذا الجمال لا يخفي مظاهر الفقر الذي ينتشر في هذه البلاد في الأرياف والمدن على حدٍ سواء. عدم استقرار الأوضاع أحياناً يملي على السلطات الأمنية أن تدقق في هويات المارة، لا سيما على الطرق الرئيسة التي تربط بين مدينة وأخرى، التوقف قد يتكرر، لكنهم طيبون، يدققون فحسب، حيث تسير الأمور دون عقبات كثيرة، كما أنهم يتعاونون ويجيبون على أسئلة الغرباء من أمثالنا. على نقطة تفتيش أخرى وجدنا قوات الأمن تحتجز مجموعة من قيادي حزب معارض كانوا متوجهين للتوسط بين المتطرفين الهندوس في أيوديا والمسلمين بشأن النزاع حول مسجد (بابري) الذي هدمه المتطرفون الهندوس، قابلونا بالشكوى مما وصفوها بفظاظة الحكومة معهم ومنعهم من القيام بمهمة إنسانية حسب قولهم، ودعناهم وواصلنا السير، بينما ظلت أصواتهم تُسمع لبعض الوقت وهم ينددون بمحتجزيهم وبأجهزة الأمن وسياسة الحكومة.

اقتربنا من أيوديا والطريق الزراعي لا ينتهي، بل ويزداد جمالاً في بعض مراحله، مزيد من نقاط التفتثيش ولكننا نواصل المسير نحو الهدف.. المحطة الأولى كانت مدينة (فيض آباد) ذات اللونين الدينيين مسلمون وهندوس، مزيد من رجال الشرطة والأمن وحركة اعتيادية للناس والسيارات على الرغم من الوجود العسكري المكثف، التقينا بالعديد من المواطنين المسلمين والهندوس في هذه الولاية أو غيرها من الولايات الهندية ذات الخليط الإثني والديني..

سوشيل كومار (مواطن من مدينة فيض آباد): إننا نعيش هنا بسلام، لا يوجد عنف بين المسلمين والهندوس، لا نريد بناء مسجد ولا معبد، إن الإنسان هو المهم في هذا العالم. أعتقد أننا يجب أن نعيش بسلام وأن نحب السلام.

مواطن مسلم من مدينة فيض آباد: في عام 92 كانت حكومة (نارت شيماراو) إلى جانب الهندوس، ولم يتمكنوا من بناء المعبد، فهم بحاجة إلى قرار محكمة.

محمد خير البوريني: في الطريق من (فيض آباد) إلى أيوديا تزداد أعداد الجنود المدججين بالسلاح، ويزداد التدقيق في الهويَّات كلما اقتربنا من البلدة، أفواج من الجنود في مساحات خالية خارجها، اقتربنا للاستفسار فأخبرونا أنهم يحتاطون لاحتمال وصول متشددين من مناطق أخرى عبر الطريق الرئيسي أو الطرق الزراعية لإثارة العنف والشغب.

أطراف أيوديا بدت عادية، حركة مشاة مع عدم سماح قوات الأمن بدخول الغرباء والسيارات بأنواعها. الشرطة والجيش في كل مكان، وحواجز في بعض الحالات، لاسيَّما في الطرق التي تؤدي إلى مكان المسجد المهدَّم. للعبور كان علينا أن نجتاز الحاجز الأقرب في أحد أطراف المدينة التي يُسمح الدخول منها لحملة التصاريح الخاصة، وقد حظينا بامتلاك تصريح للدخول. توقفنا في بداية الطريق عند تجمع لعشرات الأشخاص، علمنا أنهم رجال دين ومجموعة من الصحفيين بوجود مجموعة من رجال الشرطة، وعلمنا أيضاً أن في المكان معبدٌ صغير يوجد فيه أحد رجال الدين المتطرفين الهندوس، وهو الأكثر تشدُّداً في الدعوة لبناء عبدٍ هندوسي على أنقاض مسجد بابري.. لفت الانتباه قفص زجاجي وسط قفص حديدي بداخله مجسم خشبي، سرعان ما علمنا أنه مجسم المعبد الذي يُهدد المتطرفون ببناءه في البلدة، ويعربون بين الحين والآخر عن تحديهم للسلطات في ذلك، بل ولحكم المحكمة الهندية العليا نفسها، كما لفت الانتباه مجموعات القردة داخل وخارج المعبد، بل وفي كل أرجاء البلدة كما سنرى لاحقاً. يقدس الهندوس القردة، وقد قيل لنا عندما سألنا أن القرد (هانومان) الذي يقدسونه هو خادم الإله (رام) وأنه كان قد تقدم منه طالباً أن يكون عبداً له فوافق (رام) الأمر الذي جعل للقردة بعد ذلك مكانة خاصة جداً، من أجل ذلك فإنها تتجول بحرية في كل كان، وتأكل عادة ما تشاء من المحاصيل والثمار، وتتسلق كل شيء، تلعب وتلهو فوق الأسطح والأشجار وفي الطرقات، لكن هذه القردة لا تتفق فيما بينها في بعض الأحيان، فيدب النزاع والاقتتال، ويخيل للمرء أن نزعة العنف عندما تزداد بسبب تأثرها بالإنسان أو بالجو المحيط بها.

في العودة للحديث عن المعبد الصغير وجدنا أنه في الحقيقة ليس سوى ورشة لنقش الحجارة.. عشرات النقاشين المهرة يتناوبون على العمل في هذه الورشة أملاً في أن يأتي اليوم الذي يتمكنون فيه من نقل هذه الحجارة ووضعها مكان أنقاض مسجد بابري.

تمكنا من تصوير كميات من الحجارة التي انتهى العمل بها، وتلك التي مازالت قيد الحفر والنقش، كما لا حظنا وجود عناصر من الشرطة الهندية في داخل المشغل، سألنا لماذا هم هنا؟ وقيل لنا من أجل حفظ الأمن في المكان.. أثناء تجوالنا فتح باب المعبد الصغير وخرج منه المتطرف الهندوسي (رام برام هنس) رئيس لجنة ما يسميها الهندوس أرض الإله رام بعد اختفى فترة من الوقت عن الأنظار، كنا قد سمعنا بتصريحاته حول أرض مسجد أيوديا، ولكننا أردنا أن نتحقق بأنفسنا حول أفكاره.

تشندر برام هنس (رئيس لجنة أرض الإله رام الهندوسية): إذا ما أوقفني أحد عن فعل ما أريد والصلاة في الموقع فأنا أعرف ماذا سأفعل، وأنا ملتزم بما أعلنت عنه، لا أستطيع وقف ما أعلنت عنه حتى آخر قطرة من دمي، لن أتوقف، وعندما أموت فليفعل رئيس الوزراء ما يريد، لكن عندما سأموت فإنني سأحيا من جديد، والقتال ضد العلمانيين الرافضين لبناء المعبد سوف يستمر.

محمد خير البوريني: قال ذلك وسار نحو باب غرفة صغيرة لم نتمكن من دخولها، يحيط بها رجال الأمن، وفي الفناء الأمامي كان الطعام الذي يوزع مجاناً على الحضور قد وصل، فتقدم كثيرون يحلمون أطباقاً أعدت من أوراق نوع معين من الأشجار. صحفيون هنود وأتباع المتطرف (رام) شاركوا في تناول الطعام، بالإضافة إلى رجال الشرطة في المكان، في الأثناء كانت الموسيقى الدينية تعزف ترافقها أصوات المغني، الأغنية تركزت حول إلههم رام وحول عزمهم على بناء المعبد المذكور على أنقاض مسجد بابري.

أصوات الموسيقى رافقتنا لعشرات الأمتار خارج المعبد ونحن نتوغل في شوارع المدينة الضيقة وأزقتها سيراً على الأقدام. هذه مجموعة من النساء الهندوسيات المتدينات كن في طريقهن نحو أحد المعابد ولا يزال رجال الشرطة هم المظهر الأبرز في الطرقات والحواري الصغيرة وفي كل ركن من الأركان.

هذا معبد آخر ولكنه كبير مقارنة بالمعبد التابع لورشة الحجارة أو العكس.

رجال دين يتأملون كل في شأنه، أحدهم ابتسم للكاميرا ابتسامة سرعان ما تراجع عنها لسبب لا نعرفه أو ربما بدون سبب. في داخل البلدة كان هناك ما يشبه حظر التجوال مع تزايد أعداد رجال الأمن علمنا أننا أصبحنا على مقربة من أرض مسجد (بابري) المهدم، وأنه لا يمكن لنا أن نستمر في المسير بسبب منع السلطات الاقتراب من المكان لأي سبب كان لا سيما الإعلاميين والكاميرات التليفزيونية، وأن الدخول يقتصر فقط على بعض ضباط الأمن بسياراتهم عبر الأحياء السكنية الفقيرة، على شرفة أحد المنازل كان أستاذ جامعي متخصص في علم الديانة الهندوسية فسألناه عن الوضع.

د. هانساداس شا ستري (متخصص في الديانة الهندوسية/ أيوديا): الوضع واضح هنا، لابد للأمور أن تسوى في مرحلة ما، المحكمة العليا قالت كلمتها في جانب من الأمر والناس يحتجون، أرض المسجد مدار الخلاف هي للإله رام، نعم، المسجد للإله رام، ولا يجب أن يكون خلاف في ذلك، لكن الكلمة الأخيرة ستكون للمحكمة، والجميع سيمثلون الأمر تلك المحكمة.

محمد خير البوريني: كان المساء قد رحل، وكان التعب قد لحق برجال الشرطة الذين قضوا وقتاً كبيراً واقفين متأهلين منذ ساعات الصباح، قسط من الراحة لم يدم طويلاً مع وصول موكب لأحد كبار المسؤولين الحكوميين الذين يجرون اتصالات مع المسلمين والهندوس لاحتواء الخلافات ومحاولة وضع حد للنزاع.. فشلت محاولاتنا للوصول إلى أرض مسجد بابل، عندنا أدراجنا لنكتشف كذلك أن جانب البلدة الذي دخلناه يقطنه الهندوس فقط، وليزداد اليقين بأنهم من المتدينين، مزيد من هذه المظاهر ومزيد من المعابد في طرق فرعية مختلفة، هكذا انتهى اليوم الأول، كما دخلنا المدينة برجال الأمن ودعناها بحضورهم المكثف وبسماحهم لبعض المواطنين بالمرور لقضاء حاجاتهم بعد ساعات من حظر التجوال، ولكن سرعان ما تحول السماح لمجموعة من الشبان الهندوس للخروج إلى مسيرة أو تظاهرة نددوا فيها برئيس الوراء لمنعهم من إقامة طقوسهم على أنقاض مسجد بابري، بعض الحضور فسروا سماح الشرطة لهم بإطلاق الهتافات بأنه نوع من تنفيس احتقانات بعد وقت طويل من مكوثهم في المنازل، وتجبناً للاشتباك معهم.

في اليوم الثاني عدنا إلى أيوديا، الملاحظة الأولى أن حضور رجال الشرطة تقلص بشكل كبير على مداخل المدينة وفي شوارعها الداخلية، هدفنا اليوم الاطلاع على أحوال المسلمين في مناطقهم، والحديث معهم حول قضية مسجد (بابري) التي يكاد الخلاف حولها أن يكون قنبلة موقوتة تهدد حياة أعداد لا يمكن التنبوء بها من المسلمين والهندوس، تمكننا من تصوير صور للمسجد المهدم، حصلنا عليها في زيارة للجنة إعمار مسجد (بابري) في المدينة، التقينا هنا بأحد أعضاء مجلس بلدي من المسلمين، بينما كان خارجاً من أحد المنازل، وسألناه عن حقيقة ادعاء المتطرفين الهندوس بأن مسجد بابري كان معبداً قبل مئات السنين، وكيف يمكن للمسلمين أن يواجهوا ذلك بالحجة والبرهان؟

حاجي محبوب أحمد (عضو بلدي في أيوديا): فيما يتعلق بالإثباتات، فالملفات لديَّ المحكمة، منذ الحكم البريطاني لديَّ إثباتات بأن مسجد بابري كان هنا للمسلمين، جلسات الاستماع مستمرة، وهناك أكثر من 25 شاهداً في القضية، تقدموا إلى المحكمة، ولدينا من الإثباتات ما يكفي.

محمد خير البوريني: ثم سألناه عم يقال حول ترك المسلمين المسجد مهجوراً منذ عام 49، فنفى ذلك وقال إن النزاع حوله أجبر المسلمين على التوقف عن الصلاة فيه منذ ذلك العام.

حاجي محبوب أحمد: منذ عام 49 لا نذهب للصلاة في مسجد بابري، لأنهم كانوا سيحتلون المكان، قبل ذلك كنا نصلي هناك، وعندما سيطروا عليه بالقوة قامت الحكومة بإغلاقه، حيث أصبح تحت وصاية الدولة. ولم نتمكن من أداء الصلاة هناك، منذ ذلك الوقت والقضية أمام المحكمة، حيث نصلي في مساجد أخرى.

محمد خير البوريني: وماذا عن دعاة تخلي الطرفين عن المطالبة بأرض المسجد بابري حسب رأي البعض؟

حاجي محبوب أحمد: إذا كنت تتحدث عن أن يكون هناك مستشفى أو مدرسة بدلاً من المسجد، فالشريعة لا تسمح بذلك، المسجد كان قد بني على مكان طاهر، وقد ذكر في القرآن الكريم أن الله موجود في كل مكان، وأن المسجد بين الله، لذلك كيف يمكن أن نسمح ببناء مدرسة أو معبد، أو أي شيء آخر هناك.

محمد خير البوريني: ستة و عشرون مسجداً في أرجاء بلدة أيوديا يصلي فيها قرابة الخمسة آلاف مسلم يعيشون فيها، قيل لنا إن آلافاً من سكانها المسلمين تركوها خلال الأعوام الستين الماضية بحثاً عن فرص عمل في مناطق أخرى أو هجروها مسافرين إلى خارج البلاد، ربما دون عودة، بعضهم بحثاً عن حياة أفضل، وبعضهم بحثاً عن الأمن.

يبلغ عدد سكان بلدة أيوديا نحو أربعين ألف نسمة، ويشكل المسلمون زهاء 10% فقط، معظمهم من الفقراء، حيث الفقر سمة المدينة برمتها، حالها حال بقية مناطق البلاد، حياة متواضعة جداً، غالبية سكان أيوديا يحصلون على ماء الشرب وقضاء احتياجات منازلهم بهذه الطريقة حتى اليوم.

كثيرون منهم يعيشون في بيوت استخدموا القش كسقوف لها، تماماً كهذا المنزل الذي تستظل على بوابته عنزة صغيرة اكتشفنا أن أمها وأختها تشاركان الساكنين مساحة المكان.

معظم بيوت البلدة قديمة، ويعود بعضها إلى مئات السنين، بعد تجوالنا في دروبها وشوارعها الضيقة والوعرة علمنا أن مناطق المسلمين محدودة، وأنهم يعيشون في كثير من الحالات إلى جانب الهندوس، ويقيمون معهم علاقات حسن جور، في غالب الحالات يتشاركون في البؤس وفي الفقر، أحدهم يتكلم العربية، ولكن بصعوبة، أخبرنا أنه يعمل في السعودية، وأنه قادم إلى أيوديا في إجازة، وأكد لنا أن السكان يعيشون بسلام لولا قدوم الهندوس المتطرفين من مناطق بعيدة.

مواطن مسلم من أيوديا: لأ، هنا هذا مشكل الهندوس، ما فيهم هندوس كله مسلم، هذا.. هذا يعني مو.. مو من زيادة أيوديا ما فيه، يجي من برة من.. كده هندوس هذا بعض المشكلة.

محمد خير البوريني: وعن رأيه في قضية المسجد المهدوم قال إن الحق في أرضه للمسلمين.

مواطن مسلم من سكان أيوديا: أهم شيء هذا مسلم.. أي مسلم مؤمن هذا إيمان لازم سلم إنه هذا موقع، صح.

محمد خير البوريني: في أحد شوارع أيوديا تقع مدرسة دار العلوم الإسلامية، التي اعتدى عليها المتطرفون في عام 92 إثر هدم المسجد وخربوها، دخلناها لنرى مدى ما لحق بها من خراب، خيوط العنكبوت تعشعش في جنباتها وعلى نوافذها وأبوابها، علمنا لاحقاً أنه لا يوجد لأطفال المسلمين في أيوديا سوى مدرسة واحة، وأن التدريس فيها يقف عند الصف الخامس الابتدائي فقط، توجهنا لزيارتها، فذكرنا السكان عند وصولنا أن اليوم هو السبت عطلة رسمية، عندما سألنا عن أبرز مساجد أيوديا القديمة قادونا إلى هذا المسجد، الذي يعود تاريخه إلى مئات السنين، وجدنا إحدى مآذنه محطمة من الأعلى، وقد نما الشعب على قمتها، أحواله صعبة إلى درجة كبيرة، يمكن للناظر إليه أن يتوقع انهياره خلال سنوات قليلة، قال لنا سكان المنطقة إن الحكومة الهندية تمنع أعمال الترميم في مساجد أيوديا القديمة، ولم نتمكن من تأكيد أو نفي ذلك من مصادر رسمية، تركنا المسجد الأثري آسفين على حاله، بالقرب منه كان بائع الحليب يتجول موزعاً ما لديه على بيوت المسلمين والهندوس المتجاورة، هذه الطفلة بدت بحاجة ماسة إلى الحليب، ولم تستطع الانتظار، علق أحدهم قائلاً: عشرات ملايين الأطفال في الهند يحتاجون إلى الحليب ولا يستطيعون الانتظار.

في طريق العودة تمكنَّا بصعوبة كبيرة من الحصول على لقطات قصيرة لموقع مسجد بابري المهدم، فإجراءات الأمن تمنع مجرد الاقتراب من المكان، وبالطبع التصوير كما قلنا مهما كان نوعه، وجدنا الموقع مغطى بنوع من القماش المقوى مع وجود أعلام برتقالية اللون، سألنا عن السبب فقيل إن هذه الأعلام رمز الهندوسية، أحد السكان المجاورين للموقف شاهد عيان على تدمير مسجد بابري في عام 92 أخبرنا كيف دمر.

شاهد عيان مسلم من سكان أيوديا: جاء الهندوس المتمارقون الإرهابيون إلى مسجد بابري من جميع أنحاء الهند، وقاموا بنسفه بواسطة تفجيره بالقنابل، وقد انهار في لحظة واحدة.

محمد خير البوريني: هذه آثار مسجد آخره دمره المتطرفون الهندوس قرب موقع أرض مسجد بابري، لم تعد الصلاة تقام فيه مع وجود جدار واحد فقط، يمكن للمارة أن يشاهدوا بالقرب من الطريق الرئيسي المجاور السياج الذي يحاط به موقع مسجد بابري المهدم ضمن الإجراءات الهندية الأمنية الخاصة بالقضية.. غادرنا وسط المدينة باتجاه طرفها الشمالي في طريق العودة لنرى المجال التجارية وقد فتحت على عكس يوم أمس، ووجدنا أعداداً كبيرة من المارة، واصلنا السير إلى أن وصلنا إلى طرف المدينة، حيث تطل مآذن المساجد ومباني المعابد التي تؤكد للناظر طابع المدينة الديني، وصلنا إلى الجسر الذي يعبر نهر (ساريو) المقدس عند الهندوس، هذا هو النهر الذي يعتقد الهندوس أن إلههم (رام) وزوجته (سيتا) كانا يستحمان في مياهه، منذ قديم الزمان يأتي المتدينون إلى هنا لاسيما القادمون لزيارة مناطق الهند المختلفة يأتون للاستحمام أو الاغتسال قبل الذهاب لأداء طقوسهم في معابد المدينة التي تنتشر في كل مكان، على نهر ساريو كانت نهاية الرحلة، ومن هنا عدنا أدراجنا عبر الطريق الزراعي الذي يبدو للناظر أن لا نهاية له بتضاريسه الجميلة وحقوله النضرة، انتهت الرحلة ولكن قضية مسجد (بابري) مازالت معلقة في انتظار حكم القضاء الهندي النهائي.

* * *

محمد خير البوريني: ومن الصراع بين المسلمين من جهة والمتطرفين الهندوس الذين يزدادون شراسة وعدداً وتشدداً نتحول إلى فقرة الردود على بعض الرسائل المشاهدين.

نبدأ برسالة المواطنان الجزائريان محمد عَمْري أو عُمَري أو عُمْري بالإضافة إلى حسيبة إبراهيم يطلب المشاهد والمشاهدة من البرنامج تسليط الضوء على مدى هجرة الجزائريين إلى فرنسا، ويشيران إلى تقرير لم يذكرا مصدره يتحدث عن أن ربع الشعب الجزائري هو عبارة عن جالية في فرنسا، كما يطلب المشاهدان دراسة أوضاع الجالية العربية عموماً في فرنسا من نواحي الأمن والاستقرار، ويسألان هل يشعر المهاجرون بالندم؟ وهل تشكل هذه الجالية عنصراً أساسياً في فرنسا؟ وهل يحصلون على حقوقهم هناك، ويقومون بواجباتهم؟ وما هي أسباب هجرة هؤلاء؟

شكراً على الرسالة، المقترحان جيدان، ولكننا نؤكد أن المرجع الذي حصلتما منه على معلومات تفيد بأن ثلث الشعب الجزائري مهاجر إلى فرنسا هو مصدر غير صحيح على الإطلاق، ولكن يمكن القول ربما إن النسبة الأكبر من المهاجرين المغاربة إلى فرنسا هم من الجزائريين، على كل حال سوف نعمل على تنفيذ ما طلبتماه في أقرب وقت ممكن.

ومن الجماهيرية الليبية بعث محمد الصايغ وهو مواطن عربي يقيم هناك، يطلب محمد المزيد من التركيز على المسلمين الشيعة، ويقول لقد آلمني ما وجدته من فكرة سيئة للغاية ومنتشرة بين كثيرين من الناس البسطاء وحتى المثقفين وهي الخلط بين الشيعة والشيوعية، ثم أنهم يعتقدون جازمين بكفر الشيعة، ويعتقدون أنهم يعبدون الإمام علي، كرم الله وجهه، يطلب المشاهد تخصيص حلقة لتوعية الناس في المغرب العربي وفي كل مكان حول هذا الموضوع المهم حتى يتكاتف الناس ضد العدو الصهيوني الغاشم حسب نص الرسالة.

نشكر المشاهد على رسالته ونقول أننا أذعنا الجزء الخاص بالبرنامج من رسالتك كما ترى أن الجزء الخاص ببرنامج (الشريعة والحياة) فقد قمنا بتحويله إلى الزملاء المعنيين، ونقول أيضاً لقد سبق وعرضنا في هذا البرنامج موضوعات تتحدث عن المذهب الإسلامي الشيعي وسوف ترى المزيد في الحلقات المقبلة.

وفي الشأن نفسه بعث أبو منى الشهري وهو من الخُبر في السعودية يطلب تقريراً عن المسلمين من أبناء الطائفة الشيعية في دول الخليج العربي ووضع الطائفة الاجتماعي والاقتصادي خاصة، ويقول أنها طائفة كبيرة جداً، سوف نحاول طرح هذا الموضوع في أقرب وقت ممكن.

ومحمد حسام الأسد من سوريا يقترح محمد على البرنامج موضوعات من سوريا يتعلق الأول بالتسامح بين الديانات والطوائف الكثيرة في سوريا وانعكاساته الإيجابية على الأمن والاستقرار في البلاد، كما يطلب موضوعاً حول تسلح الجيوش العربية وإسرائيل، وموضوع آخر يطلبه محمد وهو العمالة في دول خليجية وممارسات الكفيلين، أخيراً يطلب المشاهد موضوعات تتحدث عن قناة (الجزيرة) والحياة الخاصة بالعاملين فيها، كما يفهم من رسالته.

نجيب بالقول موضوع التسامح الديني والتعايش يستحق الإشارة إليه كمثال في ظل ما نرى من نقائض في العديد من مناطق العالم، وسنحاول العمل على تنفيذه إذا ما أتيح لنا ذلك، أما موضوع تسلح الدول العربية وإسرائيل، فقد سبق وأجبنا على سؤال بهذا الشأن، وقلنا أنه على درجة كبيرة من الصعوبة نظراً لحساسية القضية عسكرياً.

أحد المشاهدين كان قد علق على الأمر بالقول لم يعد هناك من حاجة لمعرفة حجم التسلح العربي بعد ما مر به العرب من شعور بالخزي والمذلة وطعم الكرامة وحجم العجز والموت الرسمي العربي عندما اجتاحت إسرائيل المناطق الفلسطينية وارتكبت أبشع المجازر التي عجز عن مثلها (هتلر) وكل عتاة الإجرام والإرهاب في العالم، كل ذلك وسط صمت أقسى من صمت من لا حياة في عروقهم، حيث مرت المجازر دون حتى مجرد تلويح بخيار الهجوم إلى ذلك السلاح العربي، لقد بات من المؤكد -يقول المشاهد- أن الأسلحة العربية المهترأة التي يتم استيرادها من وقت المواطن وخبز أطفاله بحجة الدفاع عن كرامته ما هي إلا لقمعه وكتم صوته واغتصاب حقه بل وقتله إذا لزم الأمر، فقط وفقط للمحافظة على زعامات هشة لا تجيد سوى إطلاق ألقاب الفخامة الفارغة من أي مضمون على نفسها في الوقت الذي لا تتمتع فيه بأي وزن دولي يضمن حماية الأوطان التي ذاد عنها الأجداد بالسيف لا بالمناشدات وعبارات الاستجداء والضعف والتعبير عن القلق حسب تعبيره، هذا جانب.

بالنسبة لموضوع العمالة في دول خليجية فقد سبق وحاولنا إنجاز تقرير بهذا الشأن وسوف نكرر المحاولة ثانية.

أما بالنسبة لإنجاز موضوع يتعلق بقناة (الجزيرة) فقد سبق وعرضنا تقريراً مفصلاً بمناسبة ذكرى انطلاقتها علماً بأننا لا نفضل الحديث كثيراً عن أنفسنا ونعتقد أننا أمام المشاهدين على مدار الساعة، حيث أن عملنا يُعرِّف بنا تماماً، ويعكس صورتنا.

وهذه الرسالة من إيران بعثتها المشاهدة منتهى العراقي التي يشير اسمها إلى بلد انتمائها، بعثت المشاهدة الرسالة تعقيباً على رسالة سابقة من مواطن سعودي كنا قد أذعناها في حلقة سابقة، تقول إن لها 3 أخوة في مخيم (رفحة) للاجئين العراقيين في السعودية منذ عام 93، وتسأل: لماذا لا تذهبون إلى هناك حتى وإن كان الأمر صعباً، فمم يخاف المسؤولون السعوديون، تستغيث المشاهدة وترفق نص رسالة كانت قد وصلتها من إخوتها الثلاثة في المخيم المذكور كدليل على وجودهم فيه، يظهر في الرسالة المرفقة التي تقول المشاهدة أنها من إخوتها في المخيم أنهم يعانون كثيراً وأنهم يعيشون في ظروف صعبة جداً كما يذكرون هناك عدة أشخاص انتحروا وأن محاولات انتحار لأشخاص آخرين كانت قد فشلت بانتظار قدوم وفود تشرف على هجرة بعضهم إلى دول غربية وأوروبية مختلفة، كما تشير الرسالة إلى إضرابات عن الطعام داخل المخيم ومحاولات هروب.

نكرر القول أنا كنا قد أعربنا عن استعدادنا لزيارة مخيم رفحة لاستجلاء الوضع هناك حيث يمكن أن تكون الرسائل التي تصل إلينا غير دقيقة أو غير صحيحة على الإطلاق حول الوضع هناك، ولا يمكن الجزم بذلك دون الإطلاع عن كثب.

من هولندا بعث عز الدين أربيلي عاتباً على البرنامج ويقول أنكم مقصرون في تغطية موضوعات من المناطق الكردية في شمال العراق، يطلب عز الدين موضوعات مثل قلعة أربيل في مدينة أربيل التي يقول أنها مركز المناطق الكردية في الشمال، ويقول أيضاً إن آثار هذه المدينة تاريخية، وتراثها عريق، تعرض إلى كثير من الإهمال والتهميش بسبب الحصار الظالم والحروب التي توالت عليها عبر الزمن.

شكراً للمشاهد على رسالته، نجيب بداية بالقول إننا بالفعل بصدد إنجاز موضوع من المناطق الكردية في شمالي العراق، ونرجو الانتظار قليلاً إلى حين استكماله ولكن ليس حول قلعة أربيل تحديداً، حيث حاولنا التركيز على موضوعات تتعلق بالأوضاع السياسية والاجتماعية هناك، ونذكر هنا بالصعوبات والعراقيل التي تكتنف الوضع في المناطق الكردية الشمالية، الأمر الذي يعيق الحركة والعمل هناك، كما نذكر بأن (الجزيرة) كانت قد عرضت حلقة كاملة أعدها الزميل أسعد طه حول الوضع في تلك المناطق، كما أننا أعددنا موضوعات أخرى وثائقية بالإضافة إلى موضوعات من المناطق الشمالية الخاضعة لسيطرة الحكومة المركزية في بغداد، وأذكر هنا موضوع قلعة كركوك الذي عرضه هذا البرنامج، سوف تشاهد المزيد لاحقاً، وكلما أتيحت الفرصة لذلك.

مشاهدينا الكرام، إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الفقرة من البرنامج ونعود لمتابعة ما تبقى.

[فاصل إعلاني]

تحويل السفارة الأميركية في إيران إلى متحف

محمد خير البوريني: ونتحول إلى قصة تتحدث عن السفارة الأميركية سابقاً في العاصمة الإيرانية التي احتلها الطلبة المؤيدون للثورة الإسلامية في عام 79، واحتجزوا العاملين فيها فترة من الزمن خلال المرحلة الانتقالية التي شهدتها البلاد من الحكم الملكي إلى الحكم الجمهوري الإسلامي، ومنذ ذلك العام والعلاقات الدبلوماسية مقطوعة بين البلدين السفارة الأميركية التي أدت قضيتها في حينه إلى أزمة كبيرة بين واشنطن وطهران، هذه السفارة أصبحت بعد سنوات طويلة مزاراً لآلاف الإيرانيين يومياً، ليس للحصول على تأشيرات هجرة بالطبع، بل لمشاهدة معالم المكان الذي يقولون أنه كان على مدى عقود طويلة وكراً للجواسيس والتآمر على بلادهم ودول المنطقة حسب تعبيرهم، عرض لكل محتويات السفارة وما فيها من أجهزة تصنت وتجسس بالإضافة إلى المعارض الإيرانية التي تتحدث عن الثورة الإسلامية، التقرير التالي أعده محمد حسن البحراني من هناك.

مبنى السفارة الأميركية في طهران
تقرير/ محمد حسن البحراني: ربما لم يكن يخطر على بال أي مسؤول أميركي أن يأتي يوم تفتح فيه أبواب إحدى أهم وأكبر سفارات بلاده في العالم أمام آلاف الزوار يومياً ليس طلباً لتأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة طبعاً، إنما بهدف كشف ما كانت تقوم به من نشاطات سرية، لكن ما لم يكن بالحسبان صار أمراً واقعاً في طهران، فللمرة الأولى منذ قيام نظام الجمهورية الإسلامية عام 79، سمحت السلطات الإيرانية بفتح أبواب المبنى السابق للسفارة الأميركية، أو ما يحرص الإيرانيون هنا على تسميتها بوكر التجسس الأميركي أمام عامة الزوار، وذلك لإطلاعهم على ما يصفونه بالنشاطات التآمرية والتجسسية التي كانت تقوم بها هذه السفارة على مدى عقود متتالية من الزمن، قناة (الجزيرة) كانت الوحيدة من بين القنوات التليفزيونية الأجنبية التي سمح لها بتصوير مبنى السفارة من الداخل والحدائق التابعة لها التي أقيم على جانب منها معرض فني بمناسبة الذكرى السنوية الـ22 لحادث احتجاز موظفي السفارة الأميركية كرهائن لدى الطلبة الثوريين وهو الحادث الذي استمر لمدة 444 يوماً.

محمد أنجم شعاع (مدير المعرض الفني/السفارة الأميركية سابقاً في طهران): قررنا إقامة هذا المعرض الفني وفتح أقسام السفارة لنضع الجيل الجديد من أبناء شعبنا على حقيقة ما كانت تقوم به هذه السفارة من نشاطات تآمرية ضد إيران وبلدان منطقة الشرق الأوسط تحت غطاء العمل الدبلوماسي، وكان إطاحة حكومة مصدق الوطنية عام 53 أحد أبرز هذه النشاطات.

محمد حسن البحراني: تمثال الحرية الشهير الذي ينتصب في شموخ في نيويورك نحت له أحد الفنانين الإيرانيين نموذجاً مصغراً ليوضع قرب البوابة الداخلية لمبنى السفارة، لكن هذا النموذج يختلف عن الأصل بفارق واحد فقط إذ أدخلت في وسطه حمامة سلام تحيط بها قضبان حديدية تعبيراً عن ما تراه شريحة واسعة من الإيرانيين بأنه ظلم تمارسه أميركا ضد شعوب العالم الأخرى تحت ستار الحرية.

لكن أبرز ما يلفت الاهتمام من المبنى السابق للسفارة الأميركية في طهران هو القسم العلوي منه، والذي خصصت غالبية غرفه لنشاطات يؤكد الإيرانيون أنها لا تمت بصلة للعمل الدبلوماسي، الغرفة الزجاجية أو غرفة الاجتماعات السرية للغاية واحدة من هذه الغرف وفيها كان السفير (وليام سوليفان) واثنان من كبار مستشاريه يعقدون اجتماعاتهم ذات الأهمية الاستثنائية والتي عادة ما كانوا يتداولون خلالها تطورات الأوضاع الداخلية في إيران، ونظراً لحساسية القضايا التي كان يناقشها السفير (سوليفان) مع مساعديه، فقد صمت جدران هذه الغرفة بطريقة تحول دون انتقال أصوات المتحدثين فيها إلى المحيط الخارجي، مهما بلغت أساليب استراق السمع التي قد تلجأ إليها أجهزة المخابرات المعادية.

أما غرفة التنصت على المكالمات الهاتفية التي لا يمكن فتح بابها إلا برمز سري والمحصنة بفرامل تقيها الزلازل المحتملة فهي أشبه ما تكون بصندوق حديدي كبير، وهذه الغرفة ورغم صغر مساحتها إلا أنها كانت تقوم بمهام خطيرة تتمثل بالتنصت على 10 آلاف مكالمة هاتفية في آن واحد، والمتنصت عليه حسب الوثائق التي عثر عليها في مبنى السفارة هم باختصار شاه إيران محمد رضا بهلوي وأعضاء مجلس وزرائه وكبار موظفي الدولة والبلاد، والناخبون السياسيون، إضافة إلى رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية المعتمدة في طهران، وغير أجهزة التنصت تضم هذه الشعبة كذلك أجهزة لاستلام البرقيات المشفرة والمرسلة من قبل أجهزة المخابرات الأميركية في بلدان الشرق الأوسط.

وإلى جانب غرفة التنصت تقع غرفة تزوير الوثائق الرسمية لاسيما جوازات السفر والهويات الشخصية لمن يتطلب الأمر إصدارها لهم، ثم غرفة إتلاف الوثائق وتشتمل على جهازين، الأول لتقطيع الوثائق إلى أجزاء صغيرة والثاني لتحويل هذه الأجزاء إلى مسحوق ناعم،

محمد أنجم شعاع: رغم أن غالبية الملفات والأوراق الهامة قد أتلفت بالفعل قبل وصول الطلبة الثوريين إليها، إلا أن ما تبقى منا كان كافياً ليطبع في 80 كتاباً، وهذه الكتب مليئة بالوثائق التي أزاحت الستار عن الدور التآمري الذي ظلت تمارسه السفارة الأميركية في طهران سواء في عهد الشاه أو الأيام الأولى للثورة الإسلامية.

محمد حسن البحراني: وإذا كان أحد أوجه الإثارة في السفارة الأميركية في طهران يتمثل في ما كانت تقوم به من نشاطات استخباراتية، في المنطقة، فإن الوجه الأكثر إثارة هو أن تتحول العديد من غرف هذه السفارة على مدى أسبوعين كاملين إلى أجنحة لصور شهداء حركات ومنظمات فلسطينية ولبنانية ما تزال الإدارة الأميركية تصر على وضعها على رأس قائمة المنظمات الإرهابية. أبو محمد مصطفى (ممثل حركة حماس في طهران): الإرهاب هو الاحتلال الصهيوني وتوجه رسالة للرئيس الأميركي بأن الإرهاب في الكيان الصهيوني، إذا أردت حقاً أن تقاوم الإرهاب وتقاتل الإرهاب فعليك أن توجه طائراتك ودباباتك وصواريخك إلى تل أبيب لتقصف هذا الإرهاب الصهيوني إذا أردت أن تقبض على الإرهابيين فأقبض أولاً على شارون وشامير وبيريز وباراك وموفاز وغيرهم، نعم، من هنا نحن نعبر عما يعانيه شعبنا، وواجب وحقنا في المقاومة، أما لماذا نحن هنا؟ فنحن هنا لأننا مظلومون ولأن الثورة الإسلامية مع المظلومين.

محمد حسن البحراني: وفي خطوة فسرت بأنها محاولة لمواجهة بعض القوى السياسية في الداخل، والتي بدأت تتبنى بصراحة فكرة إعادة العلاقات الإيرانية، الأميركية، أقيم في إحدى حدائق السفارة معرض فني بلغت مساحته 6 آلاف متر مربع، أي 10% تقريباً من المساحة الكلية للسفارة، وضعت هنا الغرفة الكروية ذاتها التي كانت تعلو مبنى السفارة في العهد الملكي، بغرض مراقبة المارة ورصد الحركات المشبوهة، بينما وضع في الجانب الآخر من مدخل المعرض بقايا إحدى طائرات الهليكوبتر التي تحطمت في نيسان عام 80 في صحراء قبس إثر فشل محاولة إنقاذ رهائن السفارة الأميركية، وما أن يبدأ الزائر بالتجول في أجنحة المعرض السبعين حتى يتضح له مدى الحرص الذي أداه منظموه على عدم ترك صغيرة أو كبيرة مما يصفونها بمساوئ السياسة الأميركية إلا وأشاروا إليها.

مواطن إيراني زائر للمعرض: هذا المعرض أضاف إلى معرفة معلوماتك جديدة حول جرائم أميركا في أنحاء العالم، لاسيما في فيتنام وفلسطين وإيران وأفغانستان.

محمد حسن البحراني: زهاء ألفين من الصور الفوتوغرافية والملصقات والرسوم الكاريكاتورية تحدثت عن هذه المساوئ بدءاً بحملات الإبادة التي تعرض لها سكان أميركا الأصليون الهنود الحمر على يدي المهاجرين البيض ومروراً بضحايا الحرب الفيتنامية وانهيار الاتحاد السوفيتي نتيجة ما يراه الإيرانيون انخداع (جورباتشوف) و(يلتسن) بالحضارة الغربية والوعود الأميركية وانتهاءً بالضغوط المتعددة التي مارستها الولايات المتحدة ضد إيران بعد قيام نظام الجمهورية الإسلامية، والتي بلغت حسب منظمي المعرض ثمانية وستين حادثاً، أبرزها محاصرتها لإيران اقتصادياً على طريقة قانون (داماتو) وإسقاط إحدى قطعها البحرية عام 88، طائرة الأيرباص المدنية، حيث راح ضحية هذا الحادث ثلاثمائة مسافر إيراني فضلاً عن الهجمات الأميركية ضد منشآت النفط الإيرانية أثناء الحرب مع العراق.

مواطنة إيرانية زائرة للمعرض: هذا المعرض وفر فرصة مهمة للجيل الجديد كي يطَّلع على ما ارتكبته أميركا من ظلم بحق شعوب العالم الثالث.

محمد حسن البحراني: في جناح رسوم الأطفال توفرت كل مستلزمات الرسم للآلاف من طلبة المدارس الابتدائية، الذين وُعد المبدعون منهم بجوائز قيمة، رغم أن مسؤولية الجناح شددت عن أن هؤلاء الأطفال لم يتم تلقينهم بطريقة التعبير عن أميركا، إلا أن معظم النتاجات الفنية عكست بشكل واضح نظرة سلبية قاتمة للطلبة الإيرانيين نحو سياسات الولايات المتحدة.

زهرة اسكندري (مسؤولة جناح رسوم الأطفال): من خلال هذه الرسوم اكتشفنا أن غالبية الأطفال ينظرون لأميركا باللون الأسود، لقد صوروا النظام الأميركي نظاماً سيئاً يروج للعنف ويمارس الظلم، بل إن بعض الأطفال صوروا أميركا على أنها وحش مصاص للدماء.

محمد حسن البحراني: لكن فاطمة الطفلة الأفغانية ذات الثماني سنوات، وبائعة العلكة في شوارع طهران لا تنظر إلى الإدارة الأميركية باللون الأسود، كما هو حال أقرانها الإيرانيين، إنما تنظر إليها باللون الأحمر فقط بسبب ما حل بشعبها من قتل وإراقة دماء، فاطمة التي كانت ترسم مع أطفال إيران قالت ببراءة الأطفال إنها لا تحب أميركا.

فاطمة (طفلة أفغانية تعيش في إيران): أميركا هي التي أثارت الحروب في بلادي، وعندما تُوفيت إحدى خالاتي في القصف الأميركي الأخير على أفغانستان كانت أمي تبكي وتقول: يا إلهي، لماذا لا تعيش بلادي الاستقرار؟ لماذا هذه الحرب؟ لماذا كل هذا البلاء؟

محمد حسن البحراني: حتى أجواء الترفيه التي وُفِّرت لرواد المعرض كانت تفوح منها رائحة السياسة، كما هو واضح في هذا العرض المسرحي الذي يسخر من سياسات الرؤساء (ريجين) و(كارتر) و(كلينتون)، أو هذا الجهاز الكهربائي، الذي يرمز إلى الإدارة الأميركية، حيث يوجه له الطالب الراغب باختيار قوته البدنية ضربةً بكل ما أُوتي من قوة، عند ذلك سيستمع إلى جواب أميركا وردود فعلها وفقاً لقوة هذه الضربة.

الأكيد أن معرضاً كهذا لا يراد منه مجرد إثارة الجروح في العلاقات الإيرانية الأميركية، إنما أراد القائمون عليه توجيه رسالة واضحة المعاني يحذرون فيها من أن أي دعوة جديدة لتطبيع هذه العلاقات دون قراءة متأنية للماضي سينظر إليها بعين الشك والريبة.

محمد حسن البحراني- لبرنامج (مراسلو الجزيرة)- طهران.

محمد خير البوريني: من إيران نأتي مشاهدينا الكرام إلى نهاية حلقة الأسبوع من البرنامج.

يمكنكم متابعة تفاصيل هذه الحلقة بالصوت والصورة من خلال موقع (الجزيرة) على شبكة الإنترنت والموقع هو:www.aljazeera.net

كما يمكنكم مراسلة البرنامج عبر البريد الإلكتروني على العنوان التالي:

Reporters@aljazeera.net

وذلك فيما يتعلق بعمل البرنامج من طلبات أو اقتراحات أو آراء.

أما العنوان البريدي فهو برنامج (مراسلو الجزيرة) صندوق بريد رقم 23123 الدوحة- قطر، أو من خلال رسائل الفاكس على الرقم التالي 009744860194.

ننوه للمشاهدين المهتمين بإرسال الرسائل عبر الإنترنت أو الفاكس أو البريد العادي على عنوان البرنامج ضرورة كتابة أسمائهم بشكل واضح ومنفصل في نهاية كل رسالة حتى نتمكن من عرض الاسم على الشاشة.

حتى الحلقة المقبلة هذه تحية من المخرج صبري الرماحي، وفريق البرنامج، وهذه تحية أخرى مني محمد خير البوريني. إلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة