مادس غيلبيرت.. حرب غزة   
الخميس 1430/2/2 هـ - الموافق 29/1/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:23 (مكة المكرمة)، 12:23 (غرينتش)

- الوضع الطبي والإنساني وأنواع الإصابات ودلالاتها
- طبيعة العمل وحجم ونوعية المعوقات

الوضع الطبي والإنساني وأنواع الإصابات ودلالاتها

 
سمير شطارة
 
مادس غيلبيرت 
سمير شطارة:
مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله. أهلا بكم في لقاء خاص مع ضيف اعتبره البعض هنا بطلا ليس من الخرافات والخيال إنما بطلا من أبطال المعارك والمواقف الإنسانية، يساري الفكر والهوى، خاض معارك طبية في عدد من ساحات القتال، لديه العديد من المؤلفات. هو ليس طبيبا فحسب بل هو من أشهر جراحي النرويج. نرحب بكم البروفسور مادس غيلبيرت معنا عبر شاشة الجزيرة. كيف تصف لنا ساعاتك الأولى ليس هنا في النرويج ولكن في غزة.

مادس غيلبيرت: وصلنا إلى غزة عبر الحدود المصرية في ليلة رأس السنة الميلادية وما حصل أنه كأننا انتقلنا من عالم إلى عالم، قدمنا من عالم له ألوان زاهية وجميلة وأناس يتمتعون بالحرية والسلام ودخلنا إلى غزة حيث تنعدم الحياة وأبسط مقومات السلامة والأمان. زرت غزة مرات عديدة آخرها كان في نوفمبر الماضي لكن غزة هذه المرة تختلف عن كل مرة زرتها فيها، فقد كانت بكاملها هدفا عسكريا، إنها حرب ملعونة لا مكان آمن فيها، تسمع قصف الطائرات في كل مكان، ترى الخوف والقلق باديا على وجوه الناس. التقيت أنا وزميلي إريك فوس بداية بالزملاء الفلسطينيين الذين تربطنا بهم علاقات طويلة وحميمة، رأينا التعب والإرهاق ظاهرا عليهم، إنهم يواصلون العمل على مدار الساعة، هم الأبطال الحقيقيون الذين لا توجه لهم الأضواء يعملون بصمت وبنشاط منقطع النظير. تجولنا على طول ساحل البحر المتوسط، كان منظر الآليات العسكرية والدبابات مزعجا للغاية ثم دخلنا مدينة غزة، صدمت في الوهلة الأولى من حجم الدمار وبمجرد أن دخلنا مستشفى الشفاء لم أجد نوافذ سليمة فكل النوافذ تقريبا محطمة نتيجة للقصف الإسرائيلي لمسجد المستشفى، وبالمناسبة هذا كان واحدا من المساجد الـ 18 التي هاجمتها إسرائيل، ولقد آلمني جدا مناظر القتلى والجرحى في كل زاوية بالمستشفى ورأيت جثة أحد الزملاء الأطباء الفلسطينيين بعدما تعرض لإصابة خطيرة أودت بحياته. ما أريد أن أؤكده أن ما رأيته في اللحظات الأولى وتأكد لي لاحقا أن الدمار في أغلبه أصاب القطاع المدني والبنية التحتية للمجتمع المدني وأن أكثر الإصابات والقتلى هم مدنيون أما على الصعيد الصحي فحدث ولا حرج.

سمير شطارة: كنتما أنت وزميلك الجراح إريك فوس أول الأطباء الأوروبيين الذين يصلون قطاع غزة، كنتما خير شاهد على فظاعة هذه المعركة، الجيش الإسرائيلي على الدوام يقول إنه لا يستهدف المدنيين، من مشاهداتك كيف ترى الصورة؟

رأيت خلال عملي طيلة 11 يوما في مستشفى الشفاء أن نحو 90% من الضحايا مدنيون من الأطفال والنساء والشيوخ والشباب، حتى اللحظة هناك أكثر من خمسة آلاف جريح 50% منهم ليسوا مدنيين فحسب بل هم أطفال ونساء
مادس غيلبيرت:
إنه شيء مروع وفظيع، قبل مغادرتي للنرويج قرأت في صحيفة هاآريتس نقلا عن مسؤول إسرائيلي بأنهم راضون عن نتيجة القصف، كان الحديث بالطبع عن إلحاق الضرر بالمقاتلين لكن ما رأيته لا يصدق وشكل صدمة كبيرة لجميع القطاع الطبي، رأيت خلال عملي طيلة 11 يوما في مستشفى الشفاء أن نحو 90% من الضحايا هم مدنيون من الأطفال والنساء والشيوخ والشباب، حتى اللحظة هناك أكثر من خمسة آلاف جريح 50% منهم ليسوا مدنيين فحسب بل هم أطفال ونساء، ما حدث يا سيدي أن الماكينة الإعلامية الإسرائيلية حاولت أن تصور أن القتلى الذين وصلوا لأكثر من ألف هم من حماس لكن من سوء حظهم أننا كنا الوحيدين من أوروبا في غياب طواقم أجنبية عاملة في قطاع غزة على الصعيد الطبي أو الصحفي، لقد نقلنا للعالم كله أن القتلى أغلبهم مدنيون وغالبتهم أطفال ونساء فإن الإشاعة الإسرائيلية التي سوقتها في وسائل الإعلام العالمية خاصة الأوروبية من أن القتلى أغلبهم من حماس هي محض كذب.

سمير شطارة: هل تعتقد أن إسرائيل استخدمت أسلحة جديدة في حربها ضد غزة الآن؟

مادس غيلبيرت: بالطبع استخدمت وأنا سجلتها، بداية أريد أن أقول لك إننا تابعنا الإصابات في غزة خلال السنوات الأخيرة، أنا وزميلي البروفسور إريك فوس ذهبنا إلى مستشفى الشفاء في عام 2006 و 2008 بالتشاور مع زملائنا في غزة الذين لاحظوا إصابات جديدة، نعم سجلنا ووثقنا بعض الحالات الجديدة أحدثت هذه القنابل حالات خاصة لا ترى عبر الأشعة من الوهلة الأولى وبعد فترة زمنية يبدأ مكان الإصابة بنزيف كبير، في أول ضربة جوية إسرائيلية على أكاديمية الشرطة في جباليا وراح ضحيتها 120 شخصا رأيت الصور التي تم التقاطها من عدسات محترفين رأيت أجزاء كبيرة من الأجساد وقد ذابت واختفت أو أجزاء من الجسد ذابت بطريقة تؤكد أن المادة المستخدمة غير تقليدية والعجيب أنك لا تلاحظ رغم العدد الكبير من القتلى أي دمار في الجدران القريبة جدا من الجثث ولوحظ أن الجرحى الذين وصلوا في تلك اللحظة لم يتمكن الزملاء من إجراء عمليات جراحية لهم بقدر ما قاموا بعمليات بتر لأجزاء كبيرة نتيجة لتلك المادة المستخدمة. أريد أن أذكر لك هنا أن الزملاء في غزة أطلقوا تحذيرا في شهر يوليو الماضي بعد أن شاهدوا جروحا غريبة لأول مرة تسببت على الأقل في 62 حالة بتر للأطراف السفلية وقد طلب الأطباء في أغلب الأحيان مساعدة المجموعة الدولية لفهم أسباب هذه الجروح الغريبة التي أظهرت أجزاء صغيرة غير مرئية بالأشعة السينية. لقد أعددت بحثا في القسم الطبي النرويجي عن نوعية الأسلحة التي استخدمتها إسرائيل في غزة ولاحظت أن نوع الإصابات التي أوردتها تقارير الأطباء في غزة يتطابق مع الإصابات التي تسببها ذخائر الدايم وهي ذخيرة إشعاعية قاتلة تتفاعل مع المواد المخدرة لتنفجر في جسد الجريح، هي قنابل صغيرة والجيل الجديد منها فيه يورانيوم مخصب بحسب تصنيف خبراء الأسلحة الدوليين وتحدث هذه القنابل أضرارا فادحة وعظيمة، ووفقا للتجارب المخبرية التي أجريت على الفئران بواشنطن ظهر على تلك الفئران بشكل سريع مرض السرطان حول مكان الإصابة كما أن الضحية يلاقي حتفه في غضون ستة إلى ثمانية أشهر من إصابته إن لم يتوف على الفور. أما بخصوص استخدام أسلحة الفوسفور الأبيض، بصراحة أثناء عملي في غزة لم أشاهد حالة على المستوى الشخصي لكنني أثق بزملائي الفلسطينيين الذين أبلغونا عن إصابات بتلك الأسلحة المحرمة وأثبتوها بشكل رسمي ورأيناها عبر الشاشات. لكن على المجتمع الدولي أن لا يثق بأن إسرائيل لا تستخدم الأسلحة المحرمة دوليا فالتجارب السابقة تثبت أن إسرائيل خرقت وتخرق القوانين الإنسانية، أعتقد أن إسرائيل جعلت من غزة مختبرا كبيرا لتجارب أسلحتها الجديدة، هذا تفكير غير جيد ولكنني مضطر إليه للأسف نتيجة للإصابات الكبيرة. إذا كانت إسرائيل ترغب في نفي استخدامها لأي سلاح فتاك محرم دوليا عليها أن تفتح أبواب غزة للطواقم العلمية والقانونية لتعاين بنفسها وتخرج لنا بتقرير شامل يعتمد كوثيقة دولية يمكن الاستناد عليها.

سمير شطارة: بالطبع قمتم بالعديد من العمليات الجراحية، هل يمكنك أن تسلط الضوء على أهم أنواع الإصابات وأكثرها انتشارا؟

على المجتمع الدولي أن لا يثق في أن إسرائيل لا تستخدم الأسلحة المحظورة أو أنها في منأى عن اختراق القوانين الإنسانية، إسرائيل للأسف الشديد تعاقب من تشاء وتعاقب المدنيين بالجملة
مادس غيلبيرت:
لو سمحت لي أن أضيف شيئا مهما حول القوات الإسرائيلية، لقد سعد العالم عندما تم التوصل إلى توقيع اتفاقية حظر استخدام القنابل العنقودية في أوسلو في نوفمبر الماضي لكنه نسي أو تناسى أن إسرائيل لم توقع عليها، أعتقد أنه على المجتمع الدولي أن لا يثق في أن إسرائيل لا تستخدم الأسلحة المحظورة أو أنها في منأى عن اختراق القوانين الإنسانية، إسرائيل للأسف الشديد تعاقب من تشاء وتعاقب المدنيين بالجملة فأكثر من مليون ونصف المليون شخص يعيشون لأكثر من سنتين في حفرة اسمها غزة، لا طعام ولا ماء ولا كهرباء ولا يوجد الحد الأدنى من الأدوية واللوازم الطبية وحدود مغلقة، كل ذلك أسلحة أكثر فتكا من الأسلحة العسكرية المحرمة دوليا. أما بالعودة لسؤالك الرئيس، فما رأيناه في غزة إصابات غير عادية إصابات فظيعة أكثر الأطفال مصابون في منطقة الرأس والصدر والأجزاء العلوية، حالات بتر كثيرة لدى جميع الفئات العمرية، لا مجال لإجراء أي عمليات جراحية تجميلية، نوعية الإصابات تحتم البتر. لك أن تتخيل إحدى الحالات التي عاينتها بنفسي، طالب في مجال الصحافة عمره 17 عاما أصيب بإصابات غير طبيعية، أظن أنه أصيب بقذيفة الدايم، تم بتر قدميه وإحدى يديه هذا ناهيك عن عطب أجزاء كبيرة مما تبقى من جسده. أنا كأب كيف لي أن أرى مثل هذه الحالة؟ ألا تعتقد أنه من حقه أن يعيش كما يعيش نظراؤه حول العالم بسلام وأمان ونجاح؟ كيف له أن يرى مستقبله الآن؟ لك أن تتخيل ونحن في عام 2009 يتم قتل هذا العدد الكبير من الأطفال فأي عالم نعيش فيه؟! في الحرب العالمية الثانية كانت أرواح الأطفال تزهق والعجيب أنهم كانوا يهودا، الآن يقتل هؤلاء الأطفال الأبرياء بدعوى أنهم أطفال حماس! انظر، إسرائيل تقتل الأطفال ثم تقول إنهم أطفال حماس! أنا رجل أهتم جدا بقراءة الأدب والفلسفة وحتى اللحظة لم أستطع أن أفهم الفكرة الإسرائيلية المسوغة لعملية قتل الأطفال في مدرسة تابعة للأمم المتحدة بدعوى أنهم أطفال حماس! ما يحدث في غزة عملية عقاب جماعي ردا على الانتخابات الشرعية الديمقراطية، أنا لا أدعم حماس أو أي فصيل آخر لكن من انتخب حماس هم الشعب وبالتالي ما يحدث هو عقاب جماعي لهذا الشعب. لك أن تتصور إسرائيل تقصف النساء والأطفال وحتى المساجد، أكثر من 18 مسجدا تم قصفه لكنني أريد أن أسألك، ماذا كان سيحدث للعالم لو قصفت حماس 18 معبدا لليهود؟ أنت بكل تأكيد تعرف. عملت في عدة ميادين حرب كثيرة وتنقلت في أقسى الظروف في كمبوديا وأفغانستان وحرب المخيمات وحرب لبنان والعراق وفي مناطق متعددة بفلسطين وغزة، ما رأيته عام 1982 في لبنان وما اقترفه شارون في صبرا وشاتيلا من مجازر حيث كنت وقتها أنا وعدد من زملائي النرويجيين، كان الأفظع والأكثر شراسة، وقتها بكيت كثيرا وتمنيت أن لا أرى في حياتي مرة أخرى ما رأيته وقتها لكنني في غزة عام 2009 شعرت أن ما رأيته في لبنان عام 1982 كان نقطة في بحر الشراسة والفظاعة وبكيت بعد سنوات طويلة، رأيت ما لا أستطيع وصفه، إنها صورة لا يمكن لك أن تجد تعبيرا دقيقا لوصفها، أعتقد أن ما حدث في غزة 2009 سيكتبه التاريخ العالمي بصفحات من دم، سيتذكره العالم كأكبر الفضائح الإنسانية، لا نستطيع ونحن في عام 2009 أن نجلس ونرى معاقبة شعب بالكامل على اختياره الديمقراطي، شعب يجبر على الجوع والعطش وفوق ذلك يواجه بالقصف الإرهابي الإسرائيلي.

سمير شطارة: منظمة العفو الدولية اعتبرت أن إسرائيل قامت بجرائم حرب بحق الفلسطينيين في غزة، كيف تقيم هذا بوصفك أحد الجراحين الذين عملوا هناك وأحد شهود العيان؟

مادس غيلبيرت: أنا لست رجل قانون وإنما أنا متخصص في مجال الطب والجراحة لكن من المؤكد ومن معرفتي بقوانين الحرب فإن إسرائيل خرقت اتفاقية جنيف واتفاقية حقوق الإنسان في حربها على غزة. على المؤسسات الدولية القانونية تسليط الضوء الآن على الخروقات الإسرائيلية بدءا بالحصار ومنع الماء والكهرباء والأدوية من وصولها للمدنيين ثم قصف المدنيين والأطفال، قصف المدارس المعروفة بأنها ملجأ للأمم المتحدة تقيم فيها عائلات فلسطينية، قصف المساجد ودور العبادة، قصف المستشفيات والفرق الطبية وانتهاء بالنظر لاستخدام إسرائيل للأسلحة المجنونة وهي الأسلحة المحرمة دوليا مثل الفوسفور والدايم، تستخدم ضد المدنيين العزل والأبرياء فأكثر من ألف ضحية وتجاوز عدد الجرحى خمسة آلاف أكثرهم ليس من المدنيين فحسب ولكن من الأطفال والنساء. لا يمكن أن يعاقب شعب محاصر بسبب إطلاق بعض الصواريخ فعدد الوفيات في إسرائيل جراء حوادث السير فيها أضعاف ما تحدثه تلك الصواريخ، إسرائيل تعاقب سكان غزة على اختيارهم الديمقراطي والأوروبيون طالبوا الفلسطينيين بتنظيم انتخابات نزيهة نجحت فيها حماس فلم ترغب في التعامل معها، أليس ذلك عجيبا؟! نحن لسنا مع حماس أو فتح، نحن ندعم الشعب الفلسطيني ونعتقد أن الاحتلال لا بد أن ينتهي وأن من حق الشعب الفلسطيني أن يختار قيادته وأن تكون له دولة مستقلة حالهم حالنا هنا في النرويج، ستون عاما من الاحتلال يكفي، يكفي، يكفي.


[فاصل إعلاني]

طبيعة العمل وحجم ونوعية المعوقات

سمير شطارة: هل يمكنكم أن تصفوا لنا بروفسور جيلبيرت طبيعة عملكم في أجواء تنعدم فيها أبسط مقومات السلامة والأمانة يعني في أجواء قصف إسرائيلي متواصل، شح المستلزمات الطبية، انقطاع الكهرباء، عدم وجود تجهيزات طبية كافية وأسرة، لقد رأينا الإسعافات الأولية عبر كاميرا الجزيرة من مراسلينا هناك والزملاء أنها كانت على الأرض، كيف لكم أن تصفوا لنا أجواء العمل؟

مادس غيلبيرت: أريد أن أسجل لك بصدق العمل البطولي الذي يقوم به الزملاء في مستشفيات غزة من أطباء وممرضين ومتطوعين، أنا وزميلي فوس لم نصنع إلا القليل بجانب العمل البطولي الذي يقومون به، لقد تعلمنا منهم الكثير، ما قمنا به هو الدعم المعنوي البسيط لهم ومساعدتهم قدر المستطاع، كانت أكتافنا ملتصقة بأكتاف زملائنا الأطباء الفلسطينيين طيلة فترة عملنا، ما رأيته عبارة عن تسونامي كبير أو زلزال مدمر ليس من صنع الطبيعة لكنه من صنع الآلة العسكرية الإسرائيلية. من الصعب ان تعمل في أجواء الأزمات والحروب، أحيانا تشعر بمشاعر العجز تجاه الذي تراه والحجم الكبير من الإصابات، تحتار في نفسك هل يمكن أن يكون كل ذلك الشر لينتج كل هذه الصور من الضحايا؟ ما رأيته كان صدمة كبيرة لي، لا أفهم كيف يعمل الزملاء في هذه الأجواء وهم بأنفسهم يتعرضون لفقدان عائلاتهم وأقاربهم ويعملون ليلا نهارا! أعرف أحدهم عمل لثلاثة أيام، الأطباء أصبحت وجوههم شاحبة من قلة النوم وبسبب ما يرونه، تخيل أن يدخل عليك بالمستشفى أكثر من مائة حالة في نفس الوقت أكثرها حالات خطيرة في وقت تنعدم فيه أبسط الأدوية وقلة الأسرة وفوق ذلك استمرار القصف وسماعك لطائرات حربية بشكل مستمر وأثناء عملك تفاجأ بقذيفة تسقط قريبة من المستشفى، كيف تتوقع هكذا أجواء؟ الطواقم الطبية الفلسطينية جبارة، تتعامل بشكل واقعي مع الحالات، تستغل كل زاوية، تجد في كل مكان جرحى، على الكراسي على الطاولات على الأرض في كل زاوية، تخيل أن تجرى 14 عملية جراحية في نفس الوقت وفي نفس الغرفة في أجواء ينعدم فيها كل شيء صحي وفي لحظة يستقبل أحدهم نبأ أن بيته قد قصف أو قتل أحد أبنائه أو أقاربه، كيف تتصور جوا كهذا؟! نعم تعلمنا كثيرا من الكوادر الطبية الفلسطينية، إنهم أذكياء ويعرفون كيف يتصرفون بسرعة، بسرعة فائقة.

سمير شطارة: بعض الأطراف العربية تقول وترددها أطراف غربية من أن حركة حماس تعيق أعمال الفرق الطبية وتمنع المرضى من مغادرة غزة، كيف ترى ذلك من خلال معايشتك؟

مادس غيلبيرت: ما رأيناه خلال الفترة التي عملنا فيها 12 يوما في مستشفى الشفاء لم نلاحظ أو نشعر أو نتعرض لأي ضغط أو إعاقة من قبل حماس بل على العكس كان وزير الصحة في الحكومة المقالة من أوائل المستقبلين لنا وكان دوما على تواصل معنا يعطينا الدعم المعنوي، أنا وزميلي نكن له كل تقدير واحترام. سأروي لك قصة كي تعرف من يعيق عملنا، خلال عودتنا إلى رفح كنا نصطحب معنا مصابين جراحهم مختلفة في رتل سيارات إسعاف مكونة من 16 سيارة وعليها علامة الصليب الأحمر وقمنا قبل ذلك بالتنسيق مع الجانب الإسرائيلي كي لا تستهدفنا الطائرات الإسرائيلية ولكن ما حدث بعد ذلك أنه عندما وصلنا إلى نتساريم تم استهدافنا، إحدى السيارات إصيبت إصابات غير كبيرة وأصبنا بتوتر وقلق كبيرين وقررنا العودة إلى مستشفى الشفاء بعد أن منعنا الإسرائيليون من الخروج ومعنا الجرحى. لا أدري كيف يسوق البعض أن حماس هي من يمنع خروج الجرحى أو يعيق تحرك الكوادر الطبية، إنه محض افتراء وكذب وإشاعة تديرها إسرائيل ضمن حربها في غزة.

سمير شطارة: شهدت النرويج مسيرات وتظاهرات ضخمة تضامنا مع الشعب الفلسطيني ولكنك في رسالة قصيرة طالبت عامة الشعب النرويجي بتقديم المزيد من الدعم والمساعدة وقلت إنه يجب على الشعب النرويجي أن يقدم أكثر من أجل مساعدة أهالي غزة، كيف؟

مادس غيلبيرت: أرسلت هذه الرسالة القصيرة بعدما تلقينا أول دفعة من جرحى قصف السوق بمدينة غزة، لا أدري ما الذي دفعني كأول ردة فعل لما رأيته أن أرسل لأصدقائي في النرويج أنه علينا أن نواصل الضغط لوقف هذه المجزرة، القنابل تصيب المدنيين. المصيبة أن كل الحروب الأخرى للناس فيها مفر ومكان يهربون إليه لكن في غزة أين المفر؟ أين يذهب المدنيون في ظل الحصار؟ إنه موت جماعي وفي مكان واحد لا يمكن الخروج منه. صورة الأطفال دفعتني لأكتب الرسالة القصيرة بالموبايل، كانت الرسالة عبارة عن صرخة دون وعي مني من هول ما رأيته من فظائع ترتكب بحق الإنسانية وكما عرفت لاحقا أنه خلال دقائق وصلت الرسالة إلى كل النرويج وفي أوروبا تعرف أن هذه الرسالة أحدثت تأثيرا أكبر، الصرخة جاءت من طبيب أبيض، صوتنا يثقون به هنا لذلك صنعت رأيا عاما داخل النرويج وكانت الرسالة واضحة في هذا التضامن، لا نريد أن نرى الموت لأهالي غزة، يكفي ما حدث في العراق في أبو غريب وفي غوانتنامو والآن في غزة فغزة 2009 واحدة من تلك المخيمات مخيمات النازيين. وجدنا تضامن كافة القطاعات في النرويج الأطباء والممرضين ونقابات العمال، على الناس في غزة أن يعرفوا أنهم ليسوا وحدهم، هناك العديد والعديد معهم على الرغم من أننا لسنا هناك الآن لكننا نحن معهم وعليهم أن لا يستسلموا، فلا تستسلموا فإن شعوب العالم الحر يتأملون في صبركم ويستمدون من قوتكم فإن استسلمتم فإن الشعوب من بعدها سوف تستسلم. عفوا، أريد أن أختم بشيء مهم، على الشعب الفلسطيني في غزة أن يعرف شيئا صحيحا، نحن طبيبان نرويجيان كنا في غزة لكن هناك أكثر من مليون نرويجي كان يدعمنا في تحركنا هناك، على الناس في غزة أن يعرفوا أنهم ليسوا وحدهم بل هناك العديد هنا يقف خلفهم كما أننا حصلنا على دعم كبير من قبل الحكومة، الحكومة التي كانت أول حكومة تعترف بحكومة الوحدة الوطنية فقد اتصل بنا رئيس الوزراء ووزير الخارجية عدة مرات ونحن هناك في غزة.

سمير شطارة: ظهورك المتكرر في وسائل الإعلام هنا بالنرويج أثناء تواجدك في غزة وإظهارك لما يحدث في غزة بحسب وصفك من جرائم ترتكب ضد الإنسانية ألبت عليك التيار اليميني المتطرف فخرجت علينا سي فيانسن زعمية حزب التقدم التي شاركت في المظاهرة الخجولة واليتيمة وقليلة العدد الداعمة لإسرائيل لتصف ما تقوله بالمبالغة وأنك شاهد عيان غير صادق، ما تعليقك؟

مادس غيلبيرت: نعم لقد تعرضت لهجوم شديد على صعيدين، الأول من قبل زعيمة الحزب اليميني المتطرف سي فيانسن والآخر من قبل قناة فوكس الأميركية وكلاهما وصفاني بأنني طبيب الإشاعات لدى حماس، الجميع هنا يعرف من هي يانسن فهي السياسية الوحيدة التي خرجت لدعم مجازر إسرائيل أما الأطراف السياسية اليمينية الأخرى فقد طالبت إسرائيل بوقف الحرب، رأينا مثلا موقف الحزب المسيحي الداعم لإسرائيل عندما طالب صديقته إسرائيل بضرورة وقف القصف. لا يهم الآن أن يكذباننا أو يصدقاننا فالحقائق بمستشفى الشفاء خير دليل على ما نقول وأنا دعوت سي فيانسن إلى السفر إلى غزة ومعاينة الحقائق بأم عينها وأنا على يقين من أن بقاءها في مستشفى الشفاء لمدة عشر دقائق سيجعلها تغير جميع أفكارها وكذلك الأمر بالنسبة لأي داعم لإسرائيل سيحدث معه نفس الأمر بمجرد أن يصل إلى مستشفى الشفاء، على قناة فوكس أن تذهب بنفسها إلى هناك عليها أن تحذو حذو الجزيرة وتنقل الصورة كما هي لا أن تصنع تقاريرها من مكاتبها الوثيرة، لو فعلت وذهبت فستدرك أنها لم تكن ذكية بما يكفي وأن ما ارتكبته من أخطاء أمر لا ينبغي السكوت عليه، ما يحدث في غزة من قتل مروع ورهيب وفظيع وهو فوق الوصف والاحتمال.

سمير شطارة: الشكر لك بروفسور غيلبيرت.

مادس غيلبيرت: شكرا جزيلا.

سمير شطارة: والشكر موصول لكم أعزائي المشاهدين، هذه تحية سمير شطارة وفريق الجزيرة في أوسلو والسلام عليكم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة