العلاقة بين الأنظمة العربية والعلماء العرب   
الاثنين 1429/1/28 هـ - الموافق 4/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:18 (مكة المكرمة)، 13:18 (غرينتش)

- دور الأنظمة السياسية ومؤسساتها
- أهمية التعليم والبحث العلمي

- أثر الاستبداد السياسي على تطور البحث العلمي

- مؤتمرات وأبحاث علمية عربية

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أحييكم على الهواء مباشرةً وأرحّب بكم في حلقةٍ جديدة من برنامج بلا حدود. في مبادرةٍ هي الأولى من نوعها في العالم العربي، اجتمع في قطر على مدى الأيام الثلاثة الماضية عشراتٌ من العلماء العرب المغتربين والمقيمين في أنحاء العالم، وذلك بدعوةٍ من مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع والبحث، للبحث في شؤون العلماء المغتربين وواقع البحث العلمي في العالم العربي. حيث لم يجد كثيرٌ من هؤلاء العلماء والمبدعين العرب بُدّاً من الهجرة من أوطانهم وذلك بعدما لفظتهم الأنظمة السياسية في بلادهم، حيث قاموا بالمساهمة في تقدم أممٍ أخرى تحترم العلم وتقدّر العلماء. وحتى ندرك حجم الكارثة التي حلّت بالعالم العربي وبالعلم والعلماء فيه فلنا أن نتخيّل أن ميزانية البحث العلمي في إسرائيل تزيد على ما نسبته أربعة في المائة من الدخل القومي، بينما لا تزيد في كثيرٍ من الدول العربية أو كلّها عمّا يتقاضاه بعض المطربين أو الممثلين في فيلمٍ واحدٍ أو أغنيةٍ واحدة. أما مصر التي كانت قِبلة العلماء والمبدعين من أنحاء الدنيا، فقد حوّلها النظام السياسي خلال الخمسين عاماً الماضية إلى بلدٍ طاردٍ للجميع، لا سيّما أبنائه المبدعين الذين ينشرون النور والعلم في جنبات الدنيا، بينما نسبة الأمية في بلادهم لا زالت تزيد على نسبة الخمسين في المائة. حتى أن دراسةً حديثةً للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر، وهو جهازٌ رسميٌ حكومي، قدّرت عدد العلماء المهاجرين من المصريين من ذوي الكفاءات المميزة بحوالي 824 ألف عالِم، منهم حوالي 318 ألفاً في الولايات المتحدة الأمريكية، و 110 ألفاً في كندا، و 70 ألفاً في أستراليا، و 35 ألفاً في بريطانيا، و 36 ألفاً في فرنسا، و 25 ألفاً في ألمانيا، و 14 ألفاً في سويسرا، و 40 ألفاً في هولندا، والباقون موزّعون في النمسا وإيطاليا وإسبانيا ودولٍ أخرى. هؤلاء فقط من المصريين، بخلاف العراقيين واللبنانيين والسوريين واليمنيين والليبيين والسودانيين والتوانسة والمغاربة، وغيرهم ممّن غرقت أنظمتهم السياسية في ملاحقة كل من يُثبت أنه يفهم أو يعلم. باختصارٍ شديد، عقل العالم العربي أصبح خارجه. حتى أن وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، وحدها، بها ما يزيد على 350 عالماً عربياً، من بينهم ضيف حلقة اليوم الدكتور فاروق الباز، الذي نحاول أن نفهم معه ما يحدث وراء الكواليس بين العلماء العرب والحكّام. لماذا يكره معظم الحكام العرب العلم والعلماء؟! حتى شرّدوهم في أنحاء الدنيا ولا يسمحون لهم حتى بخدمة أوطانهم من غربتهم؟! ولمشاهدينا الراغبين في المشاركة يمكنهم الاتصال بنا على أرقام هواتف البرنامج التي ستظهر تباعاً على الشاشة (+974 4888873) أو يكتبوا إلينا عبر موقعنا على شبكة الإنترنيت www.aljazeera.net دكتور فاروق مرحباً بك. فاروق الباز: أهلاً بك. ممكن أصلّح حاجة في الأوّل على طول؟

أحمد منصور: طيب، يعني خلّيني آخد نفس.

فاروق الباز: ماشي.


دور الأنظمة السياسية ومؤسساتها

أحمد منصور: "فشل جيلي فشلاً ذريعاً في تحقيق آمال الشعب العربي، قابلنا عدداً من الصعاب التي أدّت إلى هذا الفشل، مع أن هذا الجيل اتّصف بالولاء والانتماء والتّفاني في العمل. لم ننجح في الوصول إلى أهدافٍ كانت تُعتبر أكيدة المنال، من قِبل القادة والساسة وأهل الفكر وذوي الأحلام في أيامنا". هذا جزءٌ من مقالٍ لك أنت، وضعتَ له عنواناً قاسياً هو (جيل الفشل)، وصفت فيه جيلك بأنه جيل الفشل، لماذا هذه القسوة عليك وعلى جيلك؟

فاروق الباز: لأ في الحقيقة أنا لا أعتبرها قسوة إطلاقاً. ثم لا يهم اللي يقول، إزّاي تقول علينا جيل فاشل. ولكني أعتقد في الحقيقة أنها اعتراف فقط لا غير.

أحمد منصور: ما هي المسؤولية؟..

فاروق الباز: عندما أخطئ في شيء يجب عليّ أن أقول أخطأت، مش عيب.

أحمد منصور: هل أنت الذي أخطأت، أم الأنظمة السياسية التي دفعتك للهجرة؟

فاروق الباز: لأ، لأ، إحنا اللي أخطأنا.

أحمد منصور: في أي شيء؟

"
كنّا نعتقد أن المؤسسات الموجودة في الدول العربية قادرة على التغيير، وقادرة على أن تأتي بكل ما نتطلع إليه، واتضح بعد ذلك أن المؤسسات الغرض الأساسي فيها هو بقاؤها
"
فاروق الباز:
في وضع كل ما نأمله في هذه المؤسسات ونسينا الأفراد. في كل شيء كنّا عايزين نعمله، كنّا نعتقد أن المؤسسات اللي موجودة في الدول العربية هي قادرة على التغيير، وقادرة على أن تأتي لنا بكل ما نتطلع إليه. في حقيقة الأمر اتّضح أن المؤسسات نفسها، الغرض الأساسي فيها هو بقائها.

أحمد منصور: المؤسسات هي إفراز للنظام السياسي.

فاروق الباز: وارد.

أحمد منصور: والنظام السياسي هو الذي لم يُرِد لكم أن تحقّقوا ما كنتم تريدونه.

فاروق الباز: في النهاية حصل كده. بس النظام السياسي ما كان غرضه أنه يعمل كده. النظام السياسي كان غرضه أنه هو يعمل البلد كويّسة ونعمل كل حاجة، وعندنا ناس ونشغّلهم ونبقى كويّس خالص وننتج وننزع وكذا، كذا.. بس...

أحمد منصور (مقاطعاً): دي شعارات، لكن واقع كهذا كان موجود؟

فاروق الباز: لأ، النظام السياسي كان الحاجة المهمة اللي هو عملها، اللي هي خرّبت كل الحاجات دي ولم تسمح له بأنه يعمل، أنهم حطّوا فيه، تقريباً، في جميع الأماكن الحساسة المهمة اللي فيها الإنتاج وكذا وكذا وكذا، أهل الثقة، مش أهل العلم والمعرفة.

أحمد منصور: إذاً المسؤولية مسؤولية النظام السياسي.

فاروق الباز: بس هو مش عملها عمداً. هو عملها فاكر إنه لمّا يبقى.. ما إحنا.. أنا عالم...

أحمد منصور (مقاطعاً): كيف حينما يُبعِد العالم والمحترف والمبدع ويأتي بأهل الثقة من الأقارب والمعارف والأصحاب، أن نقول أنه لا يعرف أن هذا سيدمّر البلد وسيخرّبها وسيضعها في أيدي الجهلة؟ كيف ألتمس له العذر في هذا؟!

فاروق الباز: أنا.. مش عذر. أنا أقول أنه هو ما يعرفش يمشّي الدنيا إزّاي، فأهم.. أسهل حاجة عنده أنه جمّع أصحابه والناس اللي يعرفهم ويحطّهم في الأماكن الحساسة، لأنه عارف أنه لمّا يسألهم حيقولو له كلام كويّس ويدعّموه، ده أهل الثقة..

أحمد منصور: إذاً المسؤولية تقع عليه لأنه أساء الاختيار؟

فاروق الباز: لم يكن يعرف كيف يختار، وماذا يختار، ولماذا.

أحمد منصور: ولم يكن يعرف كيف يُدير دولةً..

فاروق الباز: صح.

أحمد منصور (متابعاً): وُضِعت في يده.

فاروق الباز: وإدارة الدولة ده شيء صعب جداً. ولا بدّ أن يكون اللي يعادل، ماسك القيادة ده مَن عنده فكر للمبادرة ودعم الناس وأنهم يقول لهم تعالوا ورايا، إحنا حنعمل كذا ونعمل كذا ونعمل كذا وإنتو تأتوا ورايا، ويقنعهم، ياخدهم وراه، ياخد الناس كلها وراه.

أحمد منصور: إذاً هؤلاء لم يكونوا مؤهّلين للقيام بهذا؟

فاروق الباز: لأ. بس هم ما كانوا يعرفوا كده. هم كانوا فاكرين، أيوه ناس وطنيين ومخلصين وولاد ناس وعايزين يعملوا كل حاجة صح، بس لمّا يأتوا يعملوا حاجة تتعمل بوسيلة، الوسيلة اللي طلعت غلط. وإحنا نفسنا يا متعلّمين ومعانا دكتورات من أمريكا ومن إنجلترا وكذا ما فهمنهاش، ما كنّا عارفينها.

أحمد منصور: ما الذي كنتم تستطيعون فعله ولم تستطيعوا أن تقوموا به؟

فاروق الباز: اللي كنّا عايزين نعمله إيه؟ كان في الجيل بتاعي، اللي هم الناس اللي خلّصت عليهم قبل الستين، قبل 1960، لمّا أقول الجيل بتاعي هو ده أنا أتكّلم على الناس دي. كنا مقتنعين كلنا تماماً أن نحن قادرين أن نهيّئ كل الأوضاع التي تهيّئ العالم العربي، أربع حاجات.

أحمد منصور: ما هم؟

فاروق الباز: كنّا سنعمل وحدة عربية، وسنحرر فلسطين، وسنعمل عدالة اجتماعية في الوطن العربي، وسنمحو الأميّة، في إيدنا..

أحمد منصور (مقاطعاً): بدون إرادة سياسية، هل تستطيع أن تحقق خطوةً واحدة ممّا ذكرته؟

فاروق الباز: لأ، بس إحنا كنّا معتقدين أن السياسة.. كل المؤسسات الموجودة في ذلك الوقت، في وقتنا، قادرة على ذلك. ليه؟ مثلاً ناخدها وحدة وحدة. الوحدة العربية، عندنا الجامعة العربية والرؤساء العرب بيجتمعوا فيها كلّهم، ودي جامعة عربية هم عاملينها علشان يجتمعوا وتجتمع كلمتهم. هم عارفين لو فضلوا الدول العربية دي واحدة واحدة حيفضلوا ضعاف ومالهمش قيمة، فلمّا يجتمعوا في الجامعة العربية سيقولوا إن إحنا كذا ويعملوا فيدرالية ويعملوا مش عارف إيه... يبقالهم قوة ويبقالهم كلمة ويبقالهم كذا وكذا، على أساس أن المؤسسة اللي هي اسمها الجامعة العربية دي، وجودها يكفي لأن الناس دي ترى أن قوّتهم في اجتماعهم فيها.

أحمد منصور: والواقع؟

فاروق الباز: والواقع أنه ولا شي، ما حصل ولاشي.. وبالعكس وجود العرب في القمة دي يقعدوا يشتموا بعض ويبهدلوا الدنيا، والناس تقول هؤلاء بيعملوا إيه؟

أحمد منصور: هل هذا الفشل لكم أنتم العلماء، أم لهؤلاء السياسيين؟

فاروق الباز: لأ، فشل الجيل بحاله بقى، ما إحنا جزء من الجيل. الثانية كانت كمان نفس القصة. كان عندنا المؤسسات العسكرية وكنّا فاكرين المؤسسات العسكرية.. إحنا في مصر مش عملنا أول ثورة عسكرية وقلبت النظام، وبعدنا على طول بدأت الأنظمة التانية تعمل انقلابات ويأتوا بالضباط ويمسكوا البلاد وكذا، وإحنا كنّا معتقدين أن دي حاجة عظيمة جداً، ولاد بلد، ولاد ضباط، ضابط مصري محترم، رجل مواطن عظيم، ووطني وعروبي وحيمسك البلد، أول واحد مصري يمسك مصر من قبل محمد علي وحيعمل كذا.. طيب كلّنا كنّا معتقدين أنه دي حاجة عظيمة جداً، ياما هتفنا لها، ده حاجة كويّسة خالص.

أحمد منصور: ماذا حدث؟ النتيجة؟

فاروق الباز: النتيجة أن هم قالوا طبعاً أنه بالنسبة للمجموعات العسكرية اللي عندنا في مصر وفي سوريا والأردن والعراق كانت الثورات العسكرية دي قامت علشان تمسك الأنظمة مظبوط، علشان نرجّع احترامنا لإن إحنا سنمحو إسرائيل، ده الوضع كده. وكان الشعار العام، لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، يعني أوعى حد يكلّمني، أنا سأعمل اللي أنا عايزه، أوعى حد يقول لي أنا أصرف فين ولا أعمل إيه، ما فيش صوت يعلو على صوت المعركة، يعني المؤسسة العسكرية، يعني أنتم اخرسوا جميعاً ما حدّش يتكلم.

أحمد منصور (مقاطعاً): والكلّ خرس.

فاروق الباز (متابعاً): لأ، إحنا كنّا متمشّيين معاها لأننا عارفين دي حتوصلنا للأمل المنشود. وبعدين طلعت أن المؤسسة العسكرية كلّها خربانة، ما تقدرش، ما كانتش عارفة تعمل إيه، وكانت مش منظّمة وغير قادرة وغير مخطط لها، وفيها لبخ كتير، فده لمّا المؤسسة نفسها ما كانتش عارفة تخطّط وتعمل إزّاي...

أحمد منصور: والنتيجة؟

فاروق الباز: والنتيجة، إنه ما حصلش. وإحنا فلسطين اللي كنّا بنتكلم عليها، دلوقت بقيت 20 في المائة من الفلسطينيين في وقتنا.

أحمد منصور: هل هذا فشل لكم أنتم العلماء أم للمؤسسة العسكرية؟

فاروق الباز: الجيل كله اللي إحنا جزء من هذا الجيل. العلماء ما تقدرش تفصلهم عن المجتمع وتقول دول العلماء وده كذا وده كذا، الثورة العلمية الحقيقية ما تقدرش تحصل في فراغ...

أحمد منصور (مقاطعاً): لازم تحدث بإرادة سياسية من فوق وليس من أسفل.

فاروق الباز: صح، صح، تحصل كده، بس ستبقى منفصلة عن المجتمع، زي الثورة العلمية التكنولوجية اللي حصلت في الهند. إحنا كنّا زمان نقول ده ما ينفعش، لأن العلم والفن والفنون والثقافة وكذا لازم ينهضوا مع بعض، إلا لما جاءت الهند وأثبتت لنا أن ده غلط. مش مش غلط، أن أنا ممكن أنا أجيب مجموعة صغيرة خالص تعمل حاجات متخصّصة في حتتٍ ما...

أحمد منصور (مقاطعاً): هذا بعد التعليم يا دكتور..

فاروق الباز (متابعاً): بعد التعليم..


أهمية التعليم والبحث العلمي

أحمد منصور: طبعاً، هذا التخصص يأتي بعد التعليم. يعني أنا انشغلتُ بما أنت فيه، سألت رئيس وزراء ماليزيا محاضر محمد وهو حكم في نفس العام اللي حكم فيه حسني مبارك، ماذا فعلت؟ قال التعليم.

فاروق الباز: صح.

أحمد منصور: سألت رئيسة فنلندا ماذا فعلتِ؟ قالت، التعليم ثم التعليم ثم التعليم. سألت رئيس وزراء تركيا الحالي، ماذا فعلت في خلال أربع سنوات؟ قال التعليم. فالتعليم هو الأساس. المؤسسات التعليمية دُمِّرت. أساتذة الجامعة في مصر، تعلم أنت، أنهم يتظاهرون الآن لأنهم لا يجدون ما يعيشون به مستورين. كيف يمكن لأستاذ الجامعة بهذا الوضع أن يخرّج تلميذ ناضج؟!

فاروق الباز: ما ينفعش، ولا يمكن. والتلميذ اللي بيطلّع من الجامعة النهارده لا يستحق الشهادة اللي واخدها، ودي مصيبة علينا.

أحمد منصور: يعني هذا نطاق آخر من الأمية أيضاً. هناك أمية لمن يجهلون وهناك أمية لمن يقولون أنهم متعلّمون.

فاروق الباز: صح، والولد متخرَّج فاكر أنه هو معاه شهادة جامعية يُحترم بها ويشتغل بها كويّس.

أحمد منصور: يعني سأسألك حتى نقف على الواقع هذا. ماذا فعلت هذه الأنظمة السياسية بالإنسان العربي خلال الخمسين عاماً الماضية؟

فاروق الباز: هذه الأنظمة ما كان الغرض بتاعها أنها تحطّم الإنسان العربي إطلاقاً، معظم الناس دي ناس وطنيين وكويّسين وكل حاجة، وعايزين يصلّحوا. اللي اتعمل، أنه أنت لمّا تبني المؤسسة وترقّي المؤسسة وتخلّي المؤسسة فوق الجميع، تنسى الإنسان وتنسى حريّة الفرد، وتنسى أنك إزّاي تشجع الإنسان وتشجّع الفرد وتعمل فيه ثقة، تحطّم ثقته في نفسه كلّيةً وتماماً، لأنه هو عبارة عن خليّة من وسط الخلايا اللي في داخل الهرم بتاع المؤسسة دي، هي دي البتاع، إيه الموجود تحت ما يهمّنيش، فنسينا الإنسان ودعّمنا المؤسسات. في نظري، هو ده الغلط الأساسي بتاع الجيل بتاعي كلّه، في جميع الأنظمة العربية وجميع المستويات.

أحمد منصور: الإنسان حُطّم.

فاروق الباز: حطّمنا الإنسان العربي.

أحمد منصور: يعني بعدما يُحطَّم الإنسان الذي هو نواة المجتمع، ما الذي يبقى؟

فاروق الباز:  يبقى الإنسان العادي اللي لن ينتج شيء كتير ولا حيعمل إصلاحات رهيبة ولا يعمل إنجاز كبير، لأنه المعتبر أنه هو فقط لا غير خليّة في تحت المظلة دي، المظلة أهم منه.

أحمد منصور: من بين الأشياء التي وقفتُ عليها فيما يتعلّق بهذا الموضوع، سؤال وُجِّه إلى وزير التعليم المصري حول الهجرة من مصر. دكتور عمرو سلامة في حديث نشرته الشرق الأوسط في 24 يناير 2005، ردّاً على دراسة تتحدث عن أسباب هجرة ما يقرب من نصف مليون عالِم مصري في المجالات الدقيقة إلى الغرب، قال إن مصر كانت دائماً دولة تجذب اليونانيين والأوروبيين والعرب إليها، ولم يكن المصريون من الشعوب التي تفكّر بالهجرة، بل كانت دولةً جاذبةً للمهاجرين، إلا أن عوامل عديدة طرأت خلال الخمسين عاماً الماضية حوّلت مصر إلى دولة طاردة، حتى لأبنائها. الوزير قال أن هذه العوامل معقّدة ويصعب حصرها. هل يمكن أنت أن تفكفك لنا هذا التعقيد وتحصره لنا؟

فاروق الباز:  سأصلّح كلام الوزير؟ّ لأ، هو....

أحمد منصور (مقاطعاً): لأ، هو قال، معقّدة ما عرفش يفكفكها. لكن أعتقد أنت واحد من هؤلاء الذين أُجبِروا على أن يخرجوا من بلدهم مع ما يقرب من مليون عالم مصري الآن منتشرين في أنحاء الدنيا.

فاروق الباز: في حقيقة الأمر، في نظري شخصياً لمّا أنظر أنا للموضوع كلّه، لأن أنا واحد من الناس ده وأنا جزء من المشكلة، أنا أقول أنه الأساس في ده كلّه أنه إحنا عندنا تغيّرت المعايير في المجتمع، المعايير الأساسية اللي كانت موجودة في الوقت الماضي تغيّرت، إيه المعايير؟ كان العلم والمعرفة لها مقام، لها كيان، والإنسان العالِم كان له احترام كبير. إحنا لمّا كنّا في الثانوي وواقفين في حارة والمدرّس بيمشي من الناحية التانية وواحد منّنا بيدخّن سيجارة، يخبّيها ويوقف انتباه لحد ما الأستاذ يعدّي ويبعد عنّنا، المدرّس، لأنه كان في احترام للأستاذ، احترام رهيب. أنا لحد النهاردة لو شفت أساتذة من أساتذتي بتوع الجامعة وجاء في المكان أنا لازم أقف لحد اليوم، أنا عندي 70 سنة، إنما لازم... احترام العلم والمعرفة واحترام الإنسان الذي يعرف. ده كله انتهى...

أحمد منصور (مقاطعاً): من الذي أنهاه؟ من الذي دمّره؟ من الذي دمّر هذه العلاقة التي قال شوقي عنها بيته،

قُم للمعلّم وفهِ التبجيلا

كاد المعلّم أن يكون رسولا

ما الذي جعل وظيفة المعلّم، حتى أستاذ الجامعة الآن من المهن، مش عايز أقول من المهن، لكن من المهن للأسف التي لا يُنظر إليها باحترام في مجتمعاتنا العربية؟

فاروق الباز: ده كلام سليم جداً، لأن أنا أقول لك أن وضع البني آدم في المجتمع اختلّ، واحترامنا للقيم كلّها اختلّ. النهاردة البني آدم اللي بيوصل، اللي هو الراجل المحترم، يبقى واحد جاهل للغاية ويمكن غبي ويمكن قليل الأدب، إنما عنده فيلا وخمس عربيات مرسيدس وبيعمل مش عارف إيه، وسعادة البيه الفلاني يأتي يزوره، وسعادة الباشا الفلاني يأتي يزوره، لأنه هو ده رجل كبير، لأنه هو ده... نخاف منه ونحييه، مع أنه يكون لا يعرف فكر ولا يعرف يتكلّم وقليل الأدب ومن غير أصل إنما وصل إلى مرحلة، ما دام اغتنى واغتنى بسرعة...

أحمد منصور (مقاطعاً): يبقى النظام السياسي اللي عمل الوضع ده؟

فاروق الباز: لا.

أحمد منصور: أمّال إيه، قول لي؟

فاروق الباز: خلل في الفكر. إحنا عندنا خلل في الفكر، في الفكر الإنساني على وجه العموم، إيه الإنسان؟ إيه المجتمع؟ إحنا مين؟ أصلنا إيه؟...

أحمد منصور (مقاطعاً): الإنسان إفراز إيه؟

فاروق الباز (متابعاً): الإنسان اللي فرز إيه؟

أحمد منصور: إفراز إيه؟ الإنسان في النهاية اللي تتحدث عنه، ما الذي يُفرز هذا الإنسان؟

فاروق الباز: آه، يعني قصدك تقول جاء منين. أهو كده، آه برضه، نرجع للتعليم. لأن أنا لمّا أكون في مدرسة وأنا أبي بيشتري المدرّس يقول له تعال لابني هنا وأنا سأعطيك 20 جنيه في الحصة، والمدرّس يهرع علشان يروح يدّيله الحصة في بيته، وبعدين الولد يقول له لأستاذه، لأ مش عايز البتاعة ده، ما تروح أنا تعبان دالوقت روح وبعدين تعال لي تاني، والأستاذ يعملها. يبقى أنا بالنسبة لي، طفل صغيّر، المدرّس كده راجل أي كلام وأنا أبيعه وأشتريه، أبويا يبيعه ويشتريه، واللي بيقولوا ده مش مهم يعني، ده أنا سأشتريه بفلوس أبي، وأنه مالوش قيمة، اللي أنا حيوصّلني أبويا حيكلّم ابن عمّي علشان يوظّفوني في وظيفة، يبقى خلاص اختلّت الأمور، يبقى لا الفكر ولا العلم ولا المعرفة بقى لها قيمة، يعني إيه بقى لها قيمة، أوصل إزّاي أنا...

أحمد منصور (مقاطعاً): من الذي يضع قيمة لهذه الأشياء؟

فاروق الباز: جزء كبير من جداً من العائلة والبيت وكذا من البداية خالص...

أحمد منصور (مقاطعاً): النظام السياسي فين؟

فاروق الباز: النظام السياسي مشغول بالحفاظ على مكانه، النظام السياسي كده..

أحمد منصور: يعني النظام السياسي يعيش لنفسه وليس لشعبه؟

فاروق الباز: يعيش لنفسه.


أثر الاستبداد السياسي على تطور البحث العلمي

أحمد منصور: الجامعة العربية، منظمة العمل العربية أحد مفردات الجامعة العربية، تقرير أصدرته في 12 نوفمبر الماضي قالت فيه إن الاستبداد السياسي والتدخّل الحكومي في شؤون الجامعات في الدول العربية، وانعدام حرية البحث العلمي، هو السبب الرئيسي وراء هجرة العقول العربية. ده كلام رسمي من منظمة العمل العربي.

فاروق الباز: كويّس، آه صح، كويّس.

أحمد منصور: ما تأثير الاستبداد السياسي على هذه المنظومة التي أشرتَ إليها، منظومة التعليم، احترام المعلّم، منظومة القيم، والمصدر الأساسي كما قلتَ أنت للإنسان هو التعليم؟

فاروق الباز: صح. هو الحقيقة النظام السياسي، أنا أرجع على الكلام ده علشان مش النظام السياسي اللي مسؤول، مش النظام السياسي اللي هو قال عاملها عمداً، الوسائل اللي بتمشّي النظام هي اللي بتعمل. ليه؟ مثلاً، إنت لمّا تتكلم على رئيس الجامعة ورئيس مركز البحوث ورئيس كذا ورئيس كذا ورئيس كذا، هؤلاء يتعيّنوا إزّاي؟ في كل دول العالم، رئيس جامعة، رئيس مركز بحث، رئيس كذا...

أحمد منصور (مقاطعاً): قل لي كيف يُعيَّن هؤلاء؟

فاروق الباز (متابعاً): يأتوا بلجنة متخصّصة من بني آدمين محترمين، لا يهم بقى، واحد تاجر، واحد معلّم، واحد أستاذ، واحد رئيس جامعة سابق، ناس من ذوي العلم والخبرة والمعرفة، مجموعة يختاروا أحسن بني آدم من المتقدّمين لهذا العمل. يعني أنت تقول إن عندي شوف وظيفة خالية لرئيس مركز الأبحاث يقوم بكذا وكذا وكذا، يأتي إليها المتقدّمين... 5، 7 يأتوا الناس ده ينظروا في الأوراق كده في الـ 5، 7 ده درس هنا وده عمل كذا ... وبعدين يأتوا بهم واحد واحد ويعملوا معاه.. ويقعدوا معاهم ويسألوهم ويعرفوا إيه وكذا.. ويمشوا الناس، والمجموعة ده تقرّ أحسن واحد في الشُغلة ده مين. طيب، أنا خد في الدول العربية بيحصل إزّاي..

أحمد منصور: أيوه قل لنا.

فاروق الباز: بيحصل إزّاي؟ إنّنا..

أحمد منصور (مقاطعاً): قبل أن ننتقل إلى الدول العربية، من الذي وضع هذا الـ System هذا النظام الذي تحدّثت عنه، أليس النظام السياسي في الدول؟

فاروق الباز (متابعاً): جزء منه. النظام بتاع الحكومة كان كده لأن كل الحاجات اللي في الحكومة تحصل كده، وجزء منه أن الناس اللي عارفة الكلام ده يحصل إزّاي لا تقبل أن أي حاجة تانية تحصل، ولو جاؤوا قالوا حنعملّكوا كده، وحنجبلكوا كذا وكذا، حيقولوا، إنت مين؟ أنت ما تنفعش!

أحمد منصور: هنا هناك إرادة من الناس.

فاروق الباز: من الناس.

أحمد منصور: الناس لها دور في صناعة الحياة في أوطاننا.

فاروق الباز: سترى أن الناس لا ترضى بالعمل اللي هو يُرغَموا عليه بدون داعي وبدون فكر وبدون سبب.

أحمد منصور: الجانب الآخر في العالم العربي، كيف يتم تعيين أساتذة الجامعات، العمداء، مسؤولي البحث العلمي، وغيرها من الأشياء الأخرى. أسمع منك الإجابة بعد فاصلٍ قصير. نعود إليكم بعد فاصلٍ قصير لمتابعة هذا الحوار مع الدكتور فاروق الباز، حول العلم والتعليم في العالم العربي فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: أهلاً بكم من جديد. بلا حدود في هذه الحلقة التي نستضيف فيها الدكتور فاروق الباز مدير مركز أبحاث الفضاء في جامعة بوسطن في الولايات المتحدة وعالم الفضاء المعروف. دكتور كان سؤالي لك، بيّنت لنا كيف يتم اختيار العلماء أو المسؤولين في مراكز البحث وعمداء الكليات وغيرها في الغرب فكيف يتم الاختيار في بلادنا؟

فاروق الباز: في بداية الأمر كان الاختيار، يعني في قديم الزمان كان الاختيار يتم بنفس الطريقة بس لما زي ماقلت لك الثورات قامت والناس الماسكين البلد بدؤوا يعملوا الخطة بتاع أهل الثقة، يعني أعطيك مثل، أنا بسنة 1958 كنت بقيت معيد، بعد ما تخرجنا، وبقيت معيد بجامعة أسيوط وكان في السنة هذه وزير التعليم العالي كان كمال الدين حسين، نحن في ساعتها ماكنا نفكر في الحكاية هذه، أنه من أهل الثقة وكيف لاينفع وإزاي يعني... لا لا لا أبداً ماكنّاش يعني في الوقت ده ...

أحمد منصور(مقاطعاً): بهاء الدين حسين كان عضو مجلس قيادة الثورة وضابط عسكري.

فاروق الباز (متابعاً): عضو مجلس قيادة الثورة، الناس تفكر كده، أنه عضو مجلس قيادة الثورة فيعني كده خلاص، إنما لما تفكر فيها بعدين تقول، طيب ما الراجل ده لما كان بيلفلف، عشان بيلف في الجامعة وجاء عدّى علي وتكلم في البتاع وكان مهذب وظريف وكل حاجة، بس أنت لما تفكر فيها كان ماشي وراه أساتذة فطاحل، الدكتور سليمان الحزيّن والعمداء بتاع الجامعة، ماشيين وراء ضابط، اليوزباشي ده، وهو لايعرف ماذا يعني جامعة، مايعرفش يعني إيه تعليم عالي، مايعرفش يعني الناس دي بتعمل إيه، ولاّ الناس بتوع الأبحاث اللي بياخدوا ماجستير ودكتوراه بيعملوا إيه، مايعرفش. فإزاي أنت تجيب ده يبقى فوق رؤساء الجامعات دي؟ حيتعامل معاهم إزاي؟ ويفهمهم إزاي؟ ويفهموه إزاي؟ ويكلموه إزاي؟ وهو ضابط جيش لما يقول، نحن عندنا كذا وحنعمل كذا وكذا، يقول نعمل كذا لأنه متعود على أسلوب تمام يافندم. رئيس الجامعة لما يقول اعملوا كذا، التاني يقول له، العميد يقول له، لا لا لا نعمل كده إزاي؟ ده ماينفعش، نحن كده بنعمل كذا وكذا بينا وبين كذا، رئيس الجامعة يقول له آآه ماكنتش عارف الحكاية، ويغيّر الكلام. إنما ضابط الجيش لايحاول كده. قلتلك حنعمل كده، يعني إيه؟ يعني، تمام يافندم. فأنت لما تعمل كده وأنت مش داري..

أحمد منصور(مقاطعاً): من خمسين سنة، تمام يافندم.

فاروق الباز (متابعاً): وأنت مش داري أن ده لايوصلك للي أنت عايزه، يعني هي مش معمولة عندك.

أحمد منصور: وصلنا لفين؟

فاروق الباز: وصلنا لأننا، حتى في، مثلاً، الوزارات ومراكز رؤساء المراكز البحثية، تأتي أجهزة الدولة هذه اللي هو الكيان، اللي هو المؤسسات، تيجي تروح للناس دي، نحن عايزين نأخد منك شوي أسئلة وعايزين نعمل كذا، لأنك انت حضرتك هناك احتمال يعني في أنهم يفكروا فيك لوظيفة كبيرة في الدولة، فيقعد يسأله،فالتاني يكش، فالتاني يعرف بقى أن هو تحت المنظار، عشان يمكن يبقى رئيس المركز الفلاني، ويمكن يتعمل وزير. فأنا خليني مهذب، ولو جاني أي كلمة من أي واحد في الحكومة، إن شاء الله يارب يكون ضابط بوليس، سأقول له تمام يافندم. أنت مادام تعودت على كده خلاص يبقى هناك حدود لما تستطيع أن تفعله. ودي مش معمولة عمدا،ً إنما بتحصل والناس مش دارية.

أحمد منصور: هل تشعر أنك قدمت ماكنت تود أن تقدمه لبلدك، على سبيل المثال، كنموذج لأحد العلماء المهاجرين؟

"
كان لدي مخطط لأبني في مصر مدرسة للجيولوجيا الاقتصادية ليس لها مثيل في العالم، وكنت أعد لأن يجيء طلبة من أميركا يدرسون عندنا، وكنت قادرا وجهزت نفسي لذلك
"
فاروق الباز:
لا، إطلاقاً، أنا كان عندي مخطط غير كده خالص. أنا كنت عايز أبني في مصر مدرسة للجيولوجيا الاقتصادية ليس لها مثيل في العالم، أنا كنت مرتّب نفسي أنه حيجيلي طلبة من أمريكا يدرسوا عندي، وكنت قادر على ذلك وكنت موضب نفسي لهذا.

أحمد منصور: بعدين؟

فاروق الباز: هو ماحصلش. عشان المؤسسة قالت أني لا أدرّس جيولوجيا أنا سأدرّس كيمياء في المعهد العالي في السويس مع وجود أربع أقسام جيولوجيا في الأربع جامعات المصرية في ذلك الوقت، وكلهم كانوا عايزيني، كلهم، ماكان عندهم... كلهم. ورؤساء الأربع أقسام الجيولوجيا في الأربع جامعات المصرية كانوا عارفينّي بالاسم، ظروف يعني، لأنهم كانوا أساتذة سابقين لي وعارفينّي بالاسم، وماعندهم حدا يدرّس الجيولوجيا الاقتصادية، اللي هو التخصص بتاعي وعايزينّي وطلبوني، ورئيس قسم الجيولوجيا في جامعة أسيوط راح كلّم رئيس الجامعة، ورئيس الجامعة سافر إلى القاهرة علشان يشوف الوزير علشان يطلبني بالإسم.

أحمد منصور: وبعدين؟

فاروق الباز: مافيش كلام.

أحمد منصور: هل تشعر.. جلست بينك وبين نفسك يوماً وفكرت، إذا لم تهاجر من مصر كان زمانك بقيت إيه دلوقت في مصر؟

فاروق الباز: ولا حاجة كنت زماني زي زملائي الموجودين دلوقت هناك، خالص، ولا أقدر أنشر ولا أعمل أبحاث ولا أعمل ... زي ماهم قاعدين. أنا مختلف عنهم في إيه؟ أنا بني آدم عادي، مصري عادي خالص، ذاكرت كويس، نعم. كان عندي اهتمام جداً بالعلم والمعرفة، نعم. بس في آلاف زيي هناك.

أحمد منصور: إيه سبب العداء هذا بين هذه الأنظمة السياسية وبين العلماء والمبدعين؟

فاروق الباز: أنت تقولها عداء، أنا أقول لك ده بيتعمل عن غير قصد.

أحمد منصور: وإلى متى سيظل يُعمل عن غير قصد؟

فاروق الباز: لما نفهمهم. وهذه مشكلتنا نحن، وهذا دورنا نحن. طالما قلنا أننا جيل الفشل سنقرّ نحن فشلنا ليه؟ ولن نعتمد على المؤسسات، لازم نعتمد على الفرد العربي، أو الفرد المصري، في إصلاح البتاع. فنحن اللي نتكلم، ونحن اللي نعمل، ونحن اللي نصلح. يعني المؤسسة مش حتخرب البلد عمداً، إطلاقاً، هي تخربها عن غير معرفة.

أحمد منصور: هل تعتبر مشكلة هجرة العلماء للغرب هي مشكلة مؤقتة، ظاهرة مؤقتة، أم أنه سيظل هذا النزيف مستمر؟

فاروق الباز: لأ دلوقت تزداد لأن الأولاد الناصحين اللي بيدرسوا في الجامعات المصرية، وخاصة اللي بيتعلموا انجليزي كويس، كلهم عايزين يمشوا. نحن كنا.. ماكان فينا ولا واحد عايز يمشي، الأولاد الصغار دلوقت هو يتعلم يبقى مرتّب نفسه عشان يمشي، نحن ماكان فينا ولا واحد يقول أنا سأمشي. أنا لما خلصت وجيت من أمريكا كان عندي شعور أني أنا ممكن جداً، ممكن جداً أنني لن أرجع أمريكا -حتى زيارة- خالص.

أحمد منصور: إلى هذه الدرجة ؟

فاروق الباز: خالص. وسأرجع ليه؟

أحمد منصور: يعني فعلاً كما قال الوزير، مافيش مصري كان يفكر يسيب بلده ويروح.

فاروق الباز: مافيش كده والله العظيم، في الجيل بتاعي ماكان ولا واحد فينا يفكّر أنه لا يرجع.

أحمد منصور: اللي بيطلعوا بيرموا نفسهم دلوقت في البحر.

فاروق الباز: أموت غرقاً بس أطلع من هنا!

أحمد منصور: اسمح لي ببعض الأسئلة من المشاهدين، باختصار ومباشرة محمد عبد اللطيف من مصر سؤالك؟

محمد عبد اللطيف/مصر: السلام عليكم.

أحمد منصور: عليكم السلام.

محمد عبد اللطيف: أحب أسأل الدكتور عن موضوع الانتماء اللي تكلمت عنه، هناك دراسة أجريت أخيراً أظهرت أن 70% من الشعب المصري إذا أتيحت له فرصة الخروج سيخرج، وإذا حصل على جنسية أخرى لن يتوانى في الحصول عليها. السؤال الآخر عن البرنامج اللي الدكتور ظهر فيه من حوالي ستة أشهر وكان الدكتور عرض فيه 12 طريق إذا تم انشاؤها في مصر ستتحول إلى دولة أخرى. ماذا تم في شأن هذا المشروع وإلى أين وصل؟ وهل فكرت يادكتور في الاستعانة بالقوات المسلحة، التي هي الجهة الوحيدة في مصر القادرة على إنجاز هذا المشروع، خصوصاً أنها في الوقت الحالي، ليست هناك احتمالات الحرب. وأيضاً أنها قامت ببعض المشاريع المماثلة، وإن كانت على نطاق أصغر، منها مدّ طرق سريعة من خارج القاهرة إلى مناطق ساحلية، ومنها نفق الأزهر، وغيرها، وكلها تمت بشكل جيد وعلى أكمل وجه، وفي وقت قياسي. لماذا لاتستعين بالقوات المسلحة لتنفيذ هذا المشروع؟ وإلى أين وصل؟شكراً.

أحمد منصور: شكراً لك. الحسين حميد من مصر سؤالك ياحسين؟

الحسين حميد/ مصر: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحييك أخ أحمد، وأحيي القائمين على البرنامج. أما الدكتور فزميله عاد إلى مصر ودرس لنا كيمياء وأصبح شيئاً منسياً، والدكتور طبعاً أصبح عالمياً. ولكني أرى الدكتور الليلة وهو يلتمس الأعذار لمن استبدوا في وطننا العربي وخرّبوا الديار. وبالأمس القريب، قال سالفه موطنكم بالمنصورة، الدكتور غنيم، أن مصر، في البحث العلمي، تتجه للعصر الحجري. والسؤال، من نفس المحاضرة أو من نفس الموضوع، إذا كان وقود البحث العلمي هو الثروة، وثروات الوطن العربي اليوم قد وقعت في أيدي السفهاء منها ومترفيها الذين فسقوا فيها، وبالتالي لايعنيهم البحث العلمي في شيء، اللهم إلا ملذاتهم الشخصية، والنتيجة أن العرب لليوم مازالوا يتعجبون من كروية الأرض، فهل يرجى برؤهم؟ السؤال الثاني، أنتم ياعلماء المهجر أين موقعكم من المذبحة التاريخية والتي حدثت لعلماء العراق، ولو كانوا راقصة لهبت الأنظمة العربية لإنقاذها على الفورية. ولكن أين موقفكم...

أحمد منصور(مقاطعاً): شكراً لك ياحسين. ناهد إدريس من قطر، سؤالك ياناهد؟ناهد تسمعيني ياناهد؟ سؤالك؟

ناهد ادريس/قطر: تحية أستاذ أحمد.

أحمد منصور: تفضلي/ سؤالك؟

ناهد ادريس: أولاً، أحيي الدكتور لأنه اعترف..

أحمد منصور: أرجو أن تخفضي صوت التلفزيون عندك وأن تسألي سؤالك بشكل مباشر ياناهد.

ناهد ادريس: أوكيه. أنا أسأل الدكتور، ليه يعني يحاول الدفاع عن الأنظمة؟ هو يقول أن الأنظمة العسكرية يعني صدفة هي تساعد على هجرة العلماء أو كده، في حين أن كل الأنظمة العسكرية بدأت تتعمد هجرة العلماء أعتقد..

أحمد منصور(مقاطعاً): شكراً ياناهد. فيه إثنين معترضين، ويعتبروك أنك تلتمس الأعذار وتدافع..

فاروق الباز: واأنا أعتمد الأعذار ليه؟ أعتمد الأعذار لهم؟ هم عاملين لي إيه؟ دول طلّعوا روحي.

أحمد منصور(مقاطعاً): مع أنك ضحية من ضحاياهم.

فاروق الباز: أعتمد الأعذار لهم ليه؟ دول طردوني من البلد وطلّعوا روحي. أنا أقولك بعد ما الواحد فكّر بتمعن، فهل يمكن أن هؤلاء الناس بيخرّبوا في البلد عمداً؟ ما أتقبلهاش. أنا لوكانوا بيعملوها كده عمداً، أنا كنت أول واحد يقول، أنت عارفني، أنا لازلت، كده الصراحة، أقول اللي بيطلع في قلبي، حقيقةً أقول اللي أنا فاكره في أي موقع، بغض النظر عن مين اللي قدامي، إذا كان رئيس دولة، وزير، سواق تكسي، راجل بيصاحبني من البلد، كله زي بعض، لما أرد على الوزير أرد عليه بالحق، فليس عندي أنا شخصياً أي سبب أني أنا أبقى أتقيد من أي نظام لأي سبب. بس أنا لما فكرت فيها، فكرت أنه مش معقول إطلاقاً أن الأنظمة هذه تخرب بلدها وتخرّب نفسها عن علم وعن معرفة، لأن أنا أعتقد أن ليس عندهم لا العلم ولا المعرفة حتى علشان يعملوا هذا، علشان يعرفوا يعملو هذه إزاي.

أحمد منصور: أمال بيخربوا في إيه؟

فاروق الباز: عن غير علم وعن غير معرفة.


مؤتمرات وأبحاث علمية عربية

أحمد منصور: بس ده تخريب محترف بمستوى عالي جداً. فيه سؤال مهم من محمد عبد اللطيف، نحن في هذا البرنامج قبل عامين، هو يقول قبل ستة أشهر. أنت قدمت مشروعاً عن إخراج مصر من كل ماهي فيه. وهذا المشروع، قرأنا بعد ذلك في الأهرام أن رئيس الوزراء المصري استقبلك، ولكن هو يقول لك الآن، أن طالما أن الأمر في يد القوات المسلحة، وهم نفّذوا مشاريع، فلماذا لاتقدم لهم المشروع وهم الأقدر في مصر؟ لأن رئيس الوزراء موظف عندهم في النهاية..

"
ممر التنمية والتعمير بمصر برنامج كامل لتوسيع المنطقة التي يعيش فيها الناس ولا بد أن نوسع من دائرة المعيشة بعيدا عن وادي النيل حتى نقلل من استهلاك الأراضي الزراعية
"
فاروق الباز:
ممر التنمية والتعمير، برنامج كامل لتوسيع المنطقة اللي الناس عايشين فيها. طول مانحن عايشين فوق بعض في وادي النيل، وفوق بعض في المدن والقرى اللي نحن عايشين فيها، ونحن من الناس اللي عايزة تتنفس ولا عارفة تتنفس، ولاعارفة تفكر ولاتعمل، لن تقوم لنا قائمة. لازم نوسّع من دائرة المعيشة بعيد عن وادي النيل، عشان نقلل من استهلاك الأرض الزراعية، ونفتح مجالات للناس بتوعنا والشباب أنهم توسعوا، فالمشروع هذا معمول على هذا الأساس. أنا لوقلت أنني سأعطي هذا لفلان الفلاني، ولاّ لفلان الفلاني، ولاّ أعطيه للعسكريين ولا كده، أنا ماليش دعوة، أنا شخصياً ماليش دعوة. إنما أنا أقول إيه؟ أن مافيش حدا بيعمل الحكاية هذه لو كان في الحكومة، ليه؟ لأن الحكومة لاتعرف تعمل حاجة من هذه خالص..

أحمد منصور(مقاطعاً): أمال بيعرفوا يعملوا إيه؟

فاروق الباز (متابعاً): وتخرّبها كلية وتماماً. لا حيتعمل فنياً..

أحمد منصور(مقاطعاً): ما بيعرفوش يعملوا حاجة؟ بيعرفوا يعملوا إيه؟

فاروق الباز: لا ماليش دعوة.. في عمليات التوسع العمراني وكذا الحكومة ماتعرفش. ولو أخذوا حاجة يعملوها حيخربوها..

أحمد منصور: طيب هم بيعرفوا يعملوا إيه تاني؟

فاروق الباز: يعملوا اللي يعملوه بقى ..أنا ماليش دعوة. إنما في حاجة لتنمية اقتصادية ولا كذا وكذا لأ. هذا مش سد عالي أنا مش بكسّر حجارة ...

أحمد منصور(مقاطعاً): لكن المشروع عندك الآن متكامل بكل تفصيلاته، بحيث أنه إذا وِجد من هيأه الله لينفذه فيعني لن يجد شيء محتاج أن هو ..

فاروق الباز (مقاطعاً): بالتفاصيل العلمية.

أحمد منصور(مقاطعاً): نعم بالتفاصيل العلمية أنا أقصد.

فاروق الباز (متابعاً): من الناحية العلمية، أنا مش حقول أني راجل فاهم في الاقتصاديات ولا كذا أنا ماليش دعوة. أنا اللي فاهمه في الجيولوجيا والعلم والمعرفة، والأماكن اللي يمكن استصلاحها فين، والأماكن اللي تنفع في نقل الأشياء فين، وكذا. وأنا قلت هذا الكلام، والحكومة درست، تدرس هذا الكلام، وتقريباً بعد شهر أو شهرين قالوا خلصوا الدراسة الفنية، اللي هي يعني بيشوفوا كلامي صح ولا لأ، لحد الآن، من الناحية العلمية..

أحمد منصور(مقاطعاً): ده خلال السنتين اللي فاتت؟!

فاروق الباز (متابعاً): هي بتشوف كلامي هذا صح ولا لأ. بعد كده..

أحمد منصور(مقاطعاً): بس المشروع كان عندك من سنة 1981 و ربما.. فهم دلوقت بقى لهم من الـ 1981 لحد الآن كانوا بيدرسوا..

فاروق الباز (متابعاً): معلش .. لا أنا أقول لك مش صح، أنا قدمته من 1982. بس أنا لما قدمت الكلام ده، مانفعش، لأن كانت زمان الحكومة هي التي تعمل بس. اليوم الحكومة أو القطاع الخاص أو كذا.. وأنا نفسي، أنا عارف أنني لن أيأس وأبطّل، يعني لو الحكومة اليوم قالت لا ده مش حينفع. سأنتظر الحكومة الجاية، مش شغلانة، لأن أنا ورايا إيه؟..

أحمد منصور (مقاطعاً): ماهو الراجل بيقول لك في حكومة هي اللي بتحط الحكومات دي، روح لها وخلاص.

فاروق الباز: لا، هم فاضل عندهم حاجة مهمة جداً أنا ماقدرش أعملها، اللي هي الجدوى الاقتصادية. وهذه مهمة جداً ليه؟ لأن نحن لما نعمل جدوى اقتصادية ونلاقي أن هذا المشروع له جدوى اقتصادية يبقى مش عايزين أي حد في الحكومة يلمس المشروع. إذا كانت الجدوى الاقتصادية بتاعته كويسة يبقى اللي يعمله القطاع الخاص، أي قطاع خاص؟ القطاع الخاص المصري. أنا أقول للمصريين، كل واحد، أنا سأفتح شركة، اللي عايز يدفع جنيه يدفع ويبقى ياخد سهم، اللي عايز يدفع عشرة جنيه ياخد سهم، اللي عايز يدفع مائة جنيه ياخد سهم، وبعدين بعد ما خلّص مصر كلها، وحتى الناس الكبار المريشين اللي حيدفعوا عشرة مليون و 200 مليون وماهو وارد، وبعدين أفتحه للمستثمرين العرب، وبعدين فتح للمستثمرين العالميين، لأنني عايز ناس ..

أحمد منصور: نحن سننتظر الحكومة ليه معاك؟.. قطر هذه الدولة الصغيرة التي تناطح الكبار دائماً بمشاريعها المختلفة، دعت لأول مؤتمر للعلماء المغتربين، وأنتم حضرتم هذا خلال الأيام الثلاثة الماضية، رغم أننا مرتبين الحلقة هذه من ستة شهور، يعني ما كان عندي علم بترتيب المؤتمر.. ألا تعتقد أن ماتقوم به قطر أيضاً هو نوع من الاستعراض يعني وإبراز العضلات، أم هو مشروع استراتيجي بالفعل؟

فاروق الباز: خليني أمشي معاك وأقول ده عضلات واستعراض، إذا كان حينتج عنه خير للعلم والمعرفة على العين والراس، خلي كل الدول العربية تعمل لنا عضلات واستعراض. لو كان العضلات والاستعراض، أنا قابل، أقبَلها لأنه حيبقى فيها خير.

أحمد منصور: هم الآن بيغيروا من بعض، ممكن يعملوا مؤتمر تاني ويدعوكم برضه أنتم العلماء علشان يخربوا على الجماعة هنا. مستعدين؟

فاروق الباز: مستعدين. أنا جاي من الأول، ما حصل ... أنا شاركت في خمس حركات من دول، شغلنات، وآخر واحدة كانت من الشارقة، من عند الشيخ الدكتور سلطان القاسمي، رحنا معاه ونعمل كذا وكذا وعملنا المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا. وبعدين دولة قطر قالت تعالوا اعملوا كذا، ونعمل كذا وكذا وكذا وماشي هذا الكلام. والشيخ محمد بن راشد يقول أنا سأعمل حاجة تكنولوجية جديدة وسأصرف فيها بليون دلاور كل سنة، وسأعمل كذا، وارد لو عايز يكلمنا، نروح له. مافيهاش حاجة.

أحمد منصور: طيب دكتور ماهو الناتج لهذا؟ ما الذي يمكن أن ينتج من هذا الأمر؟ أنتم كعلماء الآن..

فاروق الباز: قطر مختلفة عن الشلة دي كلها في أنها قالت حاجة واحدة، قالت ... لأن الباقيين كلهم يقولوا عايزين نجيب العلماء العرب، ونعمل كذا، ونعمل دعم في العالم العربي. فهذه موسعة جداً. قطر قالت إيه؟ ياعلماء عرب، مين فيكم يحب يأتي قطر يساعدالأبحاث في قطر، مع قطريين، في المواضيع الثلاثة هذه فقط، اللي نحن محتاجينهم..

أحمد منصور(مقاطعاً): يعني حددوا عايزين إيه؟

فاروق الباز (متابعاً): كده.. وعلى العموم أنتم حاولتم في كل مكان، بس ماكانت الميزانية بتسمح، أنا سأقول لك أن الميزانية على العين والرأس من الأول للآخر علي، وده من غير هزار..

أحمد منصور: طيب ما الضمان أن تستمر هذه الميزانية، وأسعارالنفط طالعة نازلة؟

فاروق الباز: لأ، أنا ماليش دعوة بالطالع والنازل. أنا عندنا فيه واحد، مثلاً في قطر بئر بترول، سُمي كده، اسمه كده، بئر المعرفة. كل اللي حيطلع من البئر ده، سنضعه في البنك، وحيبقى الفلوس دي تصرف على....

أحمد منصور(مقاطعاً): وقف يعني؟

فاروق الباز (متابعاً): وقف للبحث العلمي في قطر. غير كده، سمو الأمير قال، أنني عندي 2,8 من البحث العلمي سيصرف عليه من هذا، لو طلع بسعر النهارده، هذا بليون ونصف في السنة، معناها أنني عملت، قلت أنني سأدعم هذا العمل.

أحمد منصور: دائماً هناك إحباط عند الناس من هذه المشاريع، ولكن أنا سألت محاضر محمد، قال لي، توقعت أن أجني بعد عشر سنوات فإذا بي أجني بعد خمس سنوات فقط. رئيس وزراء تركيا بدأ يجني بعد خمس سنوات فقط أو أربع سنوات. الآخرون أيضاً، المسافة يبدو أنها بحاجة إلى إرادة سياسية وعزيمة، والتغيير لا يتأخر كثيراً. مالذي تتوقعه من وراء هذا المشروع؟

فاروق الباز: أننا أولاً، سنبني مجموعة من الشباب في قطر، ندعمهم..

أحمد منصور (مقاطعاً): قطر دولة قد كده هل هذا مفتوح لباقي الدول؟

فاروق الباز (متابعاً): لا، هذه مقفولة على قطر اليوم لحد مانشوف حيحصل فيها إيه؟ والناتج بتاعها إيه؟ لو، نمرة واحد، لاقينا أن هذه حاجة كويسة خالص وناجحة كويسة جداً، والفلوس اللي موجودة هذه تسمح بأننا نوسعها في دول عربية أخرى محتاجة، ويعملوا زي ماعملنا هنا، قطر ستدعمها.

أحمد منصور: عوامل النجاح متوفرة في هذا المشروع؟

فاروق الباز: عوامل النجاح متوفرة مائة بالمائة.

أحمد منصور: إيه أهمها قل لي؟

فاروق الباز: الأهمية أن أنت عندك يعني يكون المواضيع اللي أنت بتقول عليها دي تكون لها أهمية في بلدك هنا.

أحمد منصور: ماهي هذه الموضوعات التي تختارونها؟

فاروق الباز: هم في ثلاث حاجات في BIOTECHNOLOGY والبيئة والـIT ، اللي هم تكنولوجيا المعلومات. مثلاً في حكاية الـBIO دي الأول، دي حاجات طبية كلها، وقالوا الحاجات الطبية اللي نحن عايزينها في حاجات بتخص الأمراض اللي عندنا أكثر. فنقول تعالوا اعملوا الأبحاث في الحكايات دي بس، في الأمراض اللي هي ممكن بزيادة هنا، يعني مثلاً في أمراض السرطان اللي بيجي للمرأة والطفل، لأن ده عندنا كتير وهكذا..

أحمد منصور (مقاطعاً): هل يمكن أن يكون هذا نواة لدول عربية أخرى، إذا توفرت الإرادة السياسية لدى من يحكم، كما توفرت الإرادة السياسية لدى من يحكم وقرر أن يفعل هذه الأشياء، وأن يخصص نسبة 2,8 بالمائة، ويخصص مورد أساسي يكون لهذه الأبحاث. لو توفرت، تعتقد أن العالم العربي يمكن أن يتغير وليس كما قال الدكتور غنيم نحن نعيش في العصر الحجري في البحث العلمي.

فاروق الباز (مقاطعاً): أقسم بالله العلي العظيم أنك سترى تغيير كامل وشامل في خلال عشر سنوات على الأكثر.

أحمد منصور: فقط لاغير؟

فاروق الباز: فقط لاغير.

أحمد منصور: عشر سنوات؟ ومن العلماء العرب، بأيدي الناس الموجودين؟

فاروق الباز : بالناس الموجودين عندك، وتجيب الناس اللي برّه يدعموهم. لأن أنت عندك ناس كويسين، بس تعطيهم الثقة بأنفسهم، وتعطيهم الفلوس، وتعمل لهم الوسائل أنهم يكلموا الناس مع بقية العالم، ويكلموا مين، ويروحوا فين، ويتعلموا إيه الجديد، وتعمل كده، ويرجع هنا ويعمل تاني، وبعدين، بعد سنة يطلع تاني ويتعلم الجديد إيه ويرجع..

أحمد منصور: إذاً هناك الإرادة السياسية.

فاروق الباز: إرادة سياسية آه ممكن..

أحمد منصور (مقاطعاً): ممكن؟ أمّال مين اللي حيدي قرار؟ مين اللي حيقرر؟

فاروق الباز (متابعاً): الإرادة السياسية التي تقول على الكلمة دي. يعني الإرادة السياسية تقول نحن خربانين، وأن عشان نصلح، لازم نحط ده في التعليم والبحث العلمي، أصل الاثنين، التعليم والبحث العلمي لازم يمشوا مع بعض.

أحمد منصور (مقاطعاً): التعليم والبحث العلمي مقرونين ببعض.

فاروق الباز (متابعاً): يعني أنا ماقدرش أعمل بحث علمي من غير طلبة أبحاث، حتى في جامعتي، هعمل إيه..

أحمد منصور (مقاطعاً): يعني أنتم عاملين مركز لأبحاث الفضاء في جامعة من الجامعات الأمريكية، ميزانية المركز إيه؟

فاروق الباز: ولا بيدوني ولا مليم.

أحمد منصور: لكن اللي بتجمّعه الأبحاث؟

فاروق الباز: عشرة مليون في السنة.

أحمد منصور: في جامعة؟

فاروق الباز: في حتة صغير كده؟

أحمد منصور: فيه دول هنا ميزانيتها في البحث العلمي..

فاروق الباز: صح.

أحمد منصور: أن فوجئت، قرأت أن البنتاغون أعطى جوائز، بيعطي جوائز للأبحاث العلمية في الجامعات، للطلبة.

فاروق الباز: أمال إيه، البنتاغون مابيعملش دراسات علمية إطلاقاً، هو عنده جهاز كبير جداً، مشغول، بيدّي الفلوس في الأجهزة في الأبحاث العلمية اللي هم عايزينها في الجامعات.

أحمد منصور: المخرج يصرخ علي، الحوار ذو شجون ولانريده أن ينتهي. شكراً جزيلاً على ماتفضلت به. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم. سأتغيب عنكم في الأسبوع القادم، وربما ينوب عني أحد الزملاء. في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، أهنئكم مقدماً بعيد الأضحى المبارك، وهذا أحمد منصور يحييكم بلا حدود، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة