منى عمارة.. من اليابان إلى مصر   
الخميس 1426/5/17 هـ - الموافق 23/6/2005 م (آخر تحديث) الساعة 4:52 (مكة المكرمة)، 1:52 (غرينتش)

- زواج منى ورحلة الاندماج في المجتمع المصري
- رفض العودة لليابان

زواج منى ورحلة الاندماج في المجتمع المصري


منى عمارة: جئت إلى مصر سنة 1977 أي أنني أعيش في مصر منذ حوالي 27 عاما، توفي والدي في اليابان وأنا في السابعة من عمري فربتني والدتي وليس لدي سوى أخت واحدة تكبرني بست سنين، لقد اعتدت الحياة هنا فهي بالنسبة لي سهلة وبسيطة، في اليابان أشعر بأن إيقاع الحياة سريع للغاية أما هنا فأحيا حياة هادئة وببساطة، قبل مجيئي لم تكن لدي بالطبع أية فكرة عن مصر كنت أعرف الأهرامات وأبا الهول فقط كما أن بعض الناس أخافوني لا تذهبي فمصر محاطة بالصحراء قد لا تكون هناك مياه كما أن الكهرباء أيضا قد تنقطع بالتأكيد كانوا يظنون أن مصر لازالت في مرحلة البداوة تربي الأغنام وما إلى ذلك، كنت أدرس دورة لغة إنجليزية وأتت إحدى صديقاتي تعمل بشركة ميتسوبيشي وقالت لي إن لدينا حاليا وفدا من المصريين يتحدثون الإنجليزية وأحدهم يتحدث اليابانية، ذهبنا لزيارة هذا الشخص وبالمصادفة كان زوجي يزوره أيضا فتعارفنا وظللنا شهرين نتقابل ثم سافر هو عائدا إلى مصر.

زوج منى عمارة: سنة 1976 كانت هيئة قناة السويس بتبني قراطات في شركة ميتسوبيشي في اليابان وكنت أنا ضمن المجموعة اللي هي كانت مسافرة وفي الوقت ده ما كنش في نيتي إن أنا أتجوز أو أتجوز من الخارج أو من مصر يعني بس كان برضه لأن إن أنا ضد أقاربنا اللي اتجوزوا من بره ما كنش في دماغي الموضوع ده لغاية ما إحنا تقابلنا بالصدفة في نهاية المأمورية قبل نهاية المأمورية بشوية كده، أنا ما حسيتش إنها أجنبية يعني حسيت إنها مصرية زي المصريين بتوع زمان يعني بتوع الثلاثينيات والأربعينات كده من ناحية الهدوء والأخلاق والطاعة والحاجات دي يعني حسيت فيها إنها يعني زي ما يكون بتجوز واحدة قريبة من أخلاق والدتي كده ده اللي خلاني يعني فكرت في الموضوع.

منى عمارة: قال لي زميل زوجي في تلك الأيام لم يكن الاقتصاد المصري قويا فشراء أي شيء قد يكون صعبا وليس كما في اليابان حيث تذهب إلى السوبر ماركت ونشتري احتياجاتنا بسهولة فلكي اشتري شيئا هنا قد أقف مثلا في طابور الجمعية الاستهلاكية أي أنني قد أجد ما لا أتوقعه على عكس اليابان وهذا أيضا أخافني فاتفقنا على مجيئي لمصر كزيارة وليس للزواج مباشرة أسافر إلى مصر وأراها لأعرف هل سأتمكن من الحياة بها أم لا كنت أريد السفر بتذكرة ذهاب فقط لكن لطمئنة والدتي اتصل بها صاحب شركة الحجز والتذاكر وقال لا تخافي لقد حجزت لها تذكرة ذهاب وعودة أي أن هناك أمل في عودتها، جاء زوجي لاستقبالي في المطار مع إخوته وبالطبع رحبوا بي وكذلك والدته رحبت بي وأعدت لي الطعام المصري وكانت هذه أول مرة أكل فيها طعاما مصريا لكنني لدي حب استطلاع فليس هناك مشكلة في أن آكل أي طعام.

زوج مني عمارة: الحقيقة هي لما جت لقت الفكرة اللي وخدنها عن مصر مختلفة تماما عن اللي موجود وشافت البلد وشافت الناس وكده فحست إنها مش بعيدة عنهم يعني مش عايزة ترجع فقالت لمامتها خلاص أنا هأكمل وهأقعد هنا يعني زعلت مامتها شوية وكده بس بعديها في الأخر لما حست إن فيه جدية في الموضوع فيعني رضيت بالأمر الواقع وهنا والدتي طبعا كانت معندهاش مانع إن أنا يعني أعمل اللي أنا أعمله يعني لأنها يعني كانت أيامها بتثقك إن أنا الكبير بتاع العيلة يعني اخترت واحدة كويسة هي أما قعدت معها حست بها أنها يعني ظريفة ولطيفة كده ومؤدبة فوافقت على طول.

منى عمارة: عند مجيئي إلى مصر وجدت الحياة بالفعل أكثر حميمية فكل الناس قريبون من بعضهم ويسألون على بعضهم وكان ذلك مختلفا لكنني عشت مع حماتي وعلى العكس مما لو كنت بمفردي تعلمت اللغة العربية سريعا وكذلك الطهي فقد قامت حماتي بتعليمي لذلك اندمجت سريعاً في الحياة المصرية.

زوج منى عمارة: كان فيه صعوبة في الأول في الـ(Communication) إنما أنا لقيت إنها بسرعة عرفت العربي يعني أنا غبت أول أسبوع رجعت لقيتها بتتكلم ثلاث كلمات كده كويسين قابلتني بهم على الباب فعرفت إن العملية يعني أبتدت تتطور أنها تعرف لغة وهي كانت شاطرة جدا في إنها لقطت اللغة العربية في خلال يمكن بعد خمس شهور كانت بتتكلم عربي وتنزل السوق وتشترى حاجتها من السوق عادي جدا.

"
أعتقد أن أغلب الناس لا يعرفون اسمي الحقيقي في اليابان وهو ويهارا يونيكو

"
منى عمارة
منى عمارة: اسمي الحقيقي في اليابان هو ويهارا يونيكو لكن بالطبع يونيكو اسم يصعب نطقه بالنسبة لأهل زوجي فأتوا لي بعدة أسماء وقالوا لي اختاري ما تريدينه لكي نتمكن من ندائك وكانت الأسماء أظن داليا و.. لا أتذكر كان هناك عدة أسماء لكنني وجدت اسم "منى" خفيفا وسهلا فأخبرتهم بأنني اخترت اسم منى واعتقد أن أغلب الناس لا يعرفون اسمي الحقيقي، قبل مجيئي إلى مصر كان زوجي قد شرح لي الدين الإسلامي وفي ذلك العام أتى رمضان صيفاً كان زوجي في اليابان وحل شهر رمضان وأخبرني كيف أصوم وصمت معه لكنه نسى ولم يخبرني متى ينتهي رمضان ما أنه لم يخبرني بوجود شيء اسمه السحور لكنني وفقا لما فهمته صمت من الفجر حتى الغروب ثم أفطرت عند المغرب ولم تكن لدي أية فكرة عن السحور، قبل النوم عند حوالي العاشرة أو الحادية عشرة أكل وجبة بسيطة وأنام ظللت هكذا طوال شهر رمضان ولم يخبرني بموعد العيد فواصلت الصيام وأظن أنني قد صمت أكثر من شهر وفقدت الكثير من الوزن حقاً، لقد أخبرني بوجود جامع في اليابان وكذلك مركز إسلامي أنه بالتأكيد بهما كتب لشرح الدين الإسلامي وطلب مني أن أكون فكرة عن الإسلام ورأى أنه سيكون من الأفضل أن أُشهِر إسلامي في اليابان.

زوج منى عمارة: أنا عندي بنتين الكبيرة أتولدت سنة 1978 دينا والصغيرة مي سنة 1980، بعد ولادة دينا أنا حسيت قد إيه اليابانيين بيتعاملوا مع الأطفال بصورة لا توصف اهتمامها بالطفل كان شديد جدا وطريقة التربية بصراحة يعني كنت مطمئن جدا بالنسبة لها لأن فيه نظام لما إبتدوا يكبروا شوية فلازم تعلمهم أنواع رياضة جربت معاهم السباحة الأول وجربت معاهم الجمباز وجربت الـ(Baskett) جربت التنس كل اللاعبات كان قدام الولاد وطبعا لعبوا موسيقى بحيث أن هما يختاروا اللعبة اللي يمشوا عليها وبالفعل دينا اختارت إنها تلعب تنس ومي برضه نفس الشيء ونتيجة حبهم للعبة التنس يمكن دينا ومي مسكوا بطولات الجمهورية كلها لفترة طويلة يعني البنتين في وقت من الأوقات كانوا بيلعبوا الماتشات النهائية قصاد بعض وسافروا برة هي مدياهم برضة نوع من الـ(Self-confidence) بالنسبة للبنت إن دينا سافرت وهى عندها 11 سنة تمثل مصر في بطولة أفريقيا في ساحل العاج مع المنتخب بتاع التنس ومي برضه راحت تونس وراحت لبنان ودينا راحت هولندا يعني البنات بيقدروا يعتمدوا على نفسهم ويقدروا إن هما يتصرفوا مع زميلاهم بنوع من الثقة لأنها يعني ربتهم كويس يعني.

منى عمارة: ابنتي تحضر لي حفيدتي ملك وتتركها معي حتى الثانية ظهرا وتنهي عملها ثم تعود لأخذها، أنا الآن كأنني موظفة طالما ملك معي لن أتمكن من عمل أي شيء فقط أعد لها الطعام وأطعمها وأجلس معها، حقيقة لقد كبرت لم تعد تحتاج أن تحمل كما كان يحدث من قبل فتلك كانت مرحلة وانتهت، ملك شديدة التمسك بي فإذا أردت عمل شيء لا تريد أن أنشغل عنها، أريد أن أكون حازمة في تربيتها لأنه يقال دائما إن تربية الجد والجدة بها تدليل وبالفعل تخبرني دينا بأن ملك في منزلي تلتزم بالنظام مجرد حضور دينا لأخذها ينهار هذا النظام حتى تصل إلى منزلهم فأقول لدينا ليس من المعقول أن تأتي أنت وتهدمي كل ما أفعل لا أعرف ماذا أفعل.

[فاصل إعلاني]

رفض العودة لليابان


"
أتت فترة كانت السياحة في مصر بحاجة لمرشدين للوفود اليابانية لكنني خشيت أن أعمل فلا يظل المنزل متزناً

"
منى
منى عمارة: أظن أنني لا يمكنني العمل فأنا لم أعمل من قبل وأظن أنني لن أنجح في تنظيم وقتي العمل والمنزل أظن أنني لن أستطيع لذلك لم أفكر أساساً في العمل وجاءت فترة كانت السياحة بحاجة لمرشدين للوفود اليابانية لكنني خفت صراحة خفت أن أعمل فلا يظل المنزل متزناً، لقد عشت في مصر كثيراً ورأيت أحوال المصريين وتقاليدهم مثلا تصرف المصريين وتقاليدهم وهكذا، بالطبع تغيروا عن أيام مجيئي لكنهم مازالوا يحبون الناس يسألون عن بعضهم البعض وما إلى ذلك تلك الصفات تعد جميلة لكن ما لا أحبه هو انعدام النظام ليس النظام في ذاته لكنهم دائما يقولون غداً وغداً هذا لا يأتي أبدا وبالنسبة لتفكيري الذي مازال على الطريقة اليابانية عشت في مصر كثيرا نعم لكنني لم أعتد بعد، عند وصولي أكلت كل شيء فزوجي مثلا لا يأكل الكوارع لكنني أكلتها وأحببتها هو لا يأكل الطعام الياباني مطلقا لذلك لم أحاول طهي أكلات يابانية، أحضرت كتاب طهي من اليابان وطهوت مرة كان دجاج مع بعض الصلصة لكن الطعام لم يعجبه ولا أعرف لماذا صنع مشكلة في ذلك اليوم قال لا إن هذا ليس طعاما كيف آكله عندما فهمت ما يقصده يريد خضراوات ولحما وما إلى ذلك لذلك حاولت عند طهي أية أكلة جديدة أن تكون قريبة من الأكلات التي أعتاد عليها، علاقتي بزوجي ابنتي أعتقد أنها علاقة جيدة أنا لا أتدخل أبدا وعندما تشتكي لي ابنتاي أسمع لكنني أخاف من إعطائهما نصائح قد تكون خطأ وأيضا لا أعرف كيفية التعامل مع زوجي ابنتي لذلك أشعر بأنني بالنسبة لهما محايدة لا أريد الاقتراب منهما لكنها طبيعتي قد يكون هذا هو الفارق عما إذا كانت مصرية، الحمد لله أنا الآن أتحدث العربية ولا أواجه مشكلة في التعامل مع الناس وبالنسبة لي فهذا يكفيني لكنني بالطبع لا زلت أخطئ في نطق بعض الأحرف ولكن المشكلة الآن هي أن لغتي اليابانية أصبحت ثقيلة فأنا لي صديقات يابانيات في القاهرة وعندما أذهب لزيارتهن وأريد أن أقول لهن كلمة فلا تخرج سليمة.

زوج منى عمارة: كان فيه مأمورية لليابان وكنت أنا من ضمن المترشحين إن أنا أروح، في الوقت ده حصل أن الترشيح حصل فيه لخبطة وأن أنا ما رحتش وهي حاسة أنها لازم يعني عايزة تروح اليابان وبمجرد زيارة حست إنها غريبة عن البلد وغريبة عن البيت ومش قادرة تتصرف زي هي ما كانت عايشه في بيتها فما فيش شهر بعتت تقول أنا راجعة طيب استني يمكن أنا مثلا أجي في المأمورية اللي جاية أو فيه فرصة إن أنا أجي قالت لي أبدا أنا راجعة راجعة أنا ما أقدرش أقعد هناك وفعلا بعد ما رجعت فأكثر من مرة إحنا رحنا اليابان ثاني مرتين وثلاثة وأربعة وبنبقى مع بعض ووالدتها كان عندها مصنع هناك وهي عايشة لوحدها لأن جوزها متوفي وكان نفسها إن إحنا نقعد هناك عشان إحنا اللي نشغل المصنع إنما منى أصرت أنها ما تقدرش تعيش دلوقتي خلاص في اليابان وإنها يعني حاسة إن هنا بيتها هنا وبلدها هنا وحياتها هنا أحسن وإنها هنا في بيتها هي صاحبة البيت هناك مهما قعدت بتحس أنها غريبة وضيفة ولازم تمشي.

منى عمارة: ذهبت إلى اليابان عدة مرات فشعرت بأنها اختلفت عن أيام وجودي هناك بمعنى آخر لقد اعتدت على الحياة هنا ولا يمكنني الحياة هناك الآن فأنا أشعر بأن إيقاع الحياة سريع للغاية أما هنا فأنا أحيا ببساطة وبالطبع أسرتي الآن هنا ولا أفكر في العودة إلى هناك، من الممكن الذهاب لليابان للسياحة وزيارة الأماكن لكن للمعيشة لا لم أفكر لا.. لا مطلقا.


جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة