عودة روسيا للساحة الإقليمية والدولية   
الثلاثاء 3/2/1428 هـ - الموافق 20/2/2007 م (آخر تحديث) الساعة 17:33 (مكة المكرمة)، 14:33 (غرينتش)

- الإستراتيجية الاقتصادية والعلاقات الخارجية
- انعكاسات الانتقادات الروسية لإدارة بوش

- الدور الروسي المحتمل في المنطقة العربية


غسان بن جدو: مشاهدينا المحترمين سلام الله عليكم، هو الكاردينال الرمادي، هكذا وصفه الشيوعيون ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي لما كان رئيسا للاستخبارات الروسية، هو القيصر الجديد، هكذا وصفه آخرون بعد أشهر قليلة من توليه الرئاسة في ولايته الأولى، هو الرجل السياسي والأمني الماكر، هكذا وصفته أوساط أوروبية وأميركية مرتابة في نواياه، هو الرئيس الحالم بعودة روسيا قوة عظمى، هكذا تقول الآن جهات عربية وإقليمية ودولية، هي ذاتها متأرجحة بين الواقع والوهم والحلم، هو بوتين العرب على غرار لورنس العرب هكذا وصفته صحيفة فريميا لوفوسيتي الروسية، هو الرئيس القوي القادر مجدد روسيا ومعيدها قوة كبرى ومؤثرة على الساحة العالمية هكذا يقول أنصاره الآن، نتحدث طبعا عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والحديث عن بوتين تجدد بل هو حديث الساعة بعد موجة الانتقادات اللاذعة التي وجهها الرجل لواشنطن، بدأها بميونيخ في مؤتمر شؤون سياسة الأمن ولم يختمها في عمَّان في نهاية جولته التي قادته إلى السعودية وقطر والأردن وبعيدا عن الأوصاف المداحة أو الهجَّاءة هل نحن في العمق وبكلام الاستراتيجية الجدية لا الفضفاضة أمام مشهد روسي جديد باستراتيجية جديدة ورؤية جديدة لدور جديد أم نحن سمَّاعون فقط لكلام جديد بلا أفق جديد ولا حتى سياسة جديدة ناهيك عن تأثير جديد لروسيا غير جديدة؟ لماذا بوتين في تصريحات متفرقة انتقد السياسة الأميركية؟ اتهم أميركا الراهنة بالطموح للهيمنة وإقامة عالم السيد الأوحد المدمر للعالم كما للسيد نفسه، لذا فنموذج أحادية القطب غير مقبول بل وغير ممكن أبدا، يضيف بوتين واتهم الرئيس الروسي واشنطن بانتهاج سياسة دولية لا أخلاقية تولد مآسي إنسانية جديدة وبؤر توتر وتستخف بالقانون الدولي مع استخدام جامح للقوة العسكرية بما يُفقد العالم كله الأمن، ما يعنينا نحن هو التالي، هل تعكس انتقادات بوتين المتراكمة رؤية استراتيجية روسية يمكن أن تؤثر في الملفات الدولية الكبرى ولاسيما تلك التي تعنينا نحن في الوطن العربي والجوار الإقليمي؟ ومن ثم هل يمكن للعرب أن يعوِّلوا على موسكو في الاستحقاقات الجدية أم أن روسيا لا تملك القدرة وإذا امتلكتها فلا تملك الإرادة وإذا امتلكت القدرة والإرادة فإنها لا تستطيع مواجهة أميركا العظمى؟ نرحب هنا في بيروت بالدكتور شارل شرتوني الأستاذ في الجامعة اللبنانية والباحث في جامعة جورج تاون الأميركية ونرحب بالدكتور فيتالي نعومكن مدير المركز الروسي للدراسات الاستراتيجية والدولية في موسكو ونستزيد من اللواء صلاح الدين سليم محمد الخبير العسكري والاستراتيجي من القاهرة، مرحبا بكم أيها السادة جميعا، مشاهدينا الأعزاء أرجو أن تتفضلوا بالبقاء وقفة قصيرة نعود بعدها مباشرة للبدء في حوارنا المفتوح.

[فاصل إعلاني]

الإستراتيجية الاقتصادية والعلاقات الخارجية

غسان بن جدو: مشاهدينا الكرام أهلا بكم من جديد، أود أن أبدأ من الدكتور فيتالي نعومكن في موسكو لأننا نريد أن نفهم طبيعة التصريحات الأخيرة للرئيس فلاديمير بوتين ونضعها في إطارها بشكل أساسي، هل هي مجرد تصريحات انفعالية، مجرد تصريحات انتقادية للسياسة الأميركي أم هي جزء من استراتيجية؟ إذا سمحت لي دكتور فيتالي أود أن أتلو على مسامعك بعضا من ردات الفعل الأميركية في هذه النقطة حتى يكون الحوار مباشرة في العمق، تصريحات أساسية تقول التالي، ما حصل من تصريحات الرئيس بوتين تشير إلى نهاية السكون النسبي في العلاقات منذ حقبة غورباتشوف، في الخطاب كان بوتين يؤكد على الادعاء أو الزعم بمكانة روسيا كقوة عظمى مع تحديه لما سماه القطب الأحادي العالمي للقوة الأميركية، السؤال هو هل أن كلام بوتين هو جزء من استراتيجية جديدة واضحة المعالم؟ وإذا كانت كذلك هل نستطيع أن نفهم عناصره إذا سمحت؟

"
إستراتيجية روسيا مبنية على القوة الصاعدة الاقتصادية وعلى دورها في توفير مصادر الطاقة للعالم الصناعي وتنويع العلاقات الخارجية لروسيا
"
        فيتالي نعومكن

فيتالي نعومكن - مدير المركز الروسي للدراسات الاستراتيجية والدولية - موسكو: في رأيي هذه التصريحات طبعا ممكن اعتبارها جزءا من الاستراتيجية مع أنها أيضا وفي نفس الوقت موجهة للشعب الروسي قبيل الانتخابات لأنه يجب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار لأن بوتين سوف يترك البلد، سوف يترك منصبه ولا يريد أن يعتبره قائدا فاشلا في إعادة دور روسيا كقوة كبيرة ومؤثرة في العلاقات الدولية وبالنسبة أيضا لمعيشة الشعب، فبوتين أظن أنه استراتيجيته غير موجهة إلى العودة إلى الحرب الباردة، قبل كل شيء ليس هناك عداء بين روسيا والعالم الغربي، روسيا طبعا تريد أن تكون جزءا من الأسرة العالمية وخاصة من الأسرة الأوروبية ويمكن أن نذكر هنا أن عند فحص الرأي العام الألماني بعد خطاب بوتين في ميونيخ يعني اتضح أن ثلثي سكان ألمانيا يؤيدون رأي بوتين وانتقادات بوتين للولايات المتحدة الأميركية، لذلك أظن أن كلام بوتين أيضا يوجه للرأي العام الأوروبي، فهذه الاستراتيجية استراتيجية التعاون والشراكة مع الغرب والشراكة مع الولايات المتحدة الأميركية أيضا لم تنتهِ ولكن هناك خلافا حادا بين روسيا وبين الولايات المتحدة الأميركية ولذلك هذه الاستراتيجية مبنية على القوة الصاعدة الاقتصادية لروسيا وتيار النمو العالي وأيضا دور روسيا في توفير مصادر الطاقة للعالم الصناعي لأوروبا قبل كل شيء ولذلك استراتيجية بوتين مبنية على، في رأيي، على عامل الطاقة قبل كل شيء وعامل تنويع العلاقات الخارجية لروسيا بما فيها العلاقات مع العالم العربي والإسلامي والصين والهند وأوروبا الغربية وأيضا الشراكة الموجودة مع الولايات المتحدة الأميركية ولكن بوتين كان مضطرا إلى القيام بمثل هذه.. الإدلاء بهذه التصريحات نتيجة لتلك الإجراءات التي قامت بها أميركا والتي يفهمها الرأي العام الروسي كإجراء غير.. إجراء يعني ضد المصالح الروسية، ضد المصالح الوطنية الروسية ضد.. يهدد الأمن القومي الروسي ولذلك كان لابد أن يرد عليها بوتين.

غسان بن جدو: بالمناسبة الاستطلاع الذي ذكرته دكتور نعومكن هو بالفعل هي مؤسسة ألمانية أجرته مباشرة بعد تصريحات الرئيس فلاديمير بوتين ثبت بأن ثلثي الألمان يساندون الرئيس بوتين وثبت حسب ما يقول هذا الاستطلاع الرأي بأن غالبية ساحقة تناهض الغزو العسكري الأميركي للعراق وترى أن الرئيس الأميركي جورج بوش شخصية مثيرة للريبة رغم جهود المستشارة الألمانية ميركل لتسويقه داخليا وهذا الاستطلاع يشير أيضا إلى نسبة 62% لا تكترث أبدا كما يقول الاستطلاع بما تردده وزارة الدفاع الأميركية عن تزايد القوة العسكرية الروسية، توضيحك لهذه الاستراتيجية يدعوني مباشرة التوجه للواء صلاح سليم في القاهرة، لعلك سمعت سيادة اللواء بأن الدكتور فيتالي يقول هي استراتيجية روسية ولكنها ليست عدائية مع الغرب وليست حتى عدائية مع الولايات المتحدة الأميركية وتركز على الطاقة، هل نفهم من ذلك باعتبارك خبيرا عسكريا واستراتيجيا بأن هذه الاستراتيجية الروسية التي يتحدث منها الرئيس بوتين هي استراتيجية اقتصادية وليست استراتيجية عسكرية ومن ثم تصبح روسيا بهذا المعنى مثلها مثل أي دولة أوروبية أخرى أو غربية كبرى تريد أن تدخل سوقنا نحن العربية والخليجية من أجل أن تستفيد منا أو يكون هناك تبادل ولكن من دون تأثير عسكري واستراتيجي جدي؟

صلاح الدين سليم محمد - خبير عسكري واستراتيجي - القاهرة: أود أن أقوم بتأصيل الأمور أولا ولا أخذها بهذه السهولة، إن لبوتين مبدأ أعلنه في يوليو 2000 وهو أساس تخطيط الاستراتيجية السوفيتية أو الاستراتيجية الروسية لكي أكون دقيقا في المدى القريب والمتوسط، مبدأ بوتين في يوليو 2000 نصّ على أن تعطي روسيا الأولوية الأولى لتطوير سياستها بما يخدم إقامة عالم متعدد الأقطاب لا يخضع لهيمنة دولة عظمى وحيدة وهي الولايات المتحدة والسعي لتطوير مصالح روسيا الاتحادية في قارتي أوروبا وآسيا وبصفة خاصة في مناطق الصين والهند واليابان والعالمين العربي والإسلامي والتصدي لنمو حلف شمال الأطلنطي وسعيه لاختراق منطقة الشرق الأوسط الكبير والاقتراب من القوقاز الجنوبي إلى جانب سيطرة الولايات المتحدة شبه التامة على غرب أوروبا والذي يمكِّن روسيا من أن تمضي في هذه الاستراتيجية كان بلا شك بناء قدراتها الاقتصادية والعسكرية وتجاوزها عنق الزجاجة في الاقتصاد الروسي وتَمكنها الآن من تحقيق معدل حافظت عليه في السنوات الأخيرة لنمو الدخل القومي هو 6.7% وأيضا إلى بناء احتياطات من الذهب والعملات الحرة وإلى الارتفاع بالدخل القومي ليصل إلى رقم يزيد عن 1700 مليار دولار في عام 2006، ثم أيضا فإن ما يملي على روسيا التمسك بهذه الاستراتيجية التحولات التي حدثت على الأرض وما تحاوله الولايات المتحدة الآن من فرض الهيمنة العسكرية والاقتصادية شبه الكاملة على منطقة جنوب غربي آسيا وما فعلته في العراق والتهديدات التي تقوم بها لإيران وكذلك لمصالح روسيا في دول آسيا الوسطى الإسلامية فهناك تهديدات بالفعل للمصالح الروسية في المدى القريب تتطلب من روسيا أن تتحرك على الأرض وبان هذا التحرك بوضوح ليس فقط في مجال السياسات الروسية التي تُدار مع الصين والتي تعززت العلاقات في السنوات الأخيرة وبصفة خاصة في المجالين العسكري والتقني أو مع الهند أو مع بعض الدول العربية والدول الإسلامية فذلك ما تحرص عليه روسيا حمايةً لمصالحها بالدرجة الأولى، بل إنه في مجال التوازن الاستراتيجي المركزي وهو مجال عسكري صِرف مع الولايات المتحدة فإن روسيا تهدد الآن بالانسحاب من معاهدة إزالة الصواريخ المتوسطة والأقصر مدى إذا استمرت الجهود الأميركية لفتح درع الصواريخ في دول شرق أوروبا وبصفة خاصة في بلاد التشيك وبولندا ونحن نلحظ أيضاً أن التعاون الروسي مع بعض الدول العربية وأضرب مثلاً بدولة مهمة وهي السعودية، لا يقتصر على المجال الاقتصادي أو على التعاون في التنقيب عن الغاز، بل إن روسيا والسعودية قد اقتربتا من تنسيق فعلي للتعاون المباشر في مجال التطبيقات السلمية للطاقة النووية وفي مجال الفضاء سوف تطلق روسيا للملكة العربية السعودية ستة أقمار صناعية في العام الحالي 2007 وهناك كعودة للتعاون التقني والاقتصادي والعسكري بين روسيا ومصر، إذاً هناك تحولات حقيقية يريد بوتين إرساءها قبل أن يغادر السلطة ويريد أيضاً ترتيب خلافته ليستمر تطبيق مبدأ بوتين وعودة الدور الروسي وهو يرى أن الصين تقترب من مكانة القوة العظمى بنهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ويريد أن تصحبها روسيا في هذا الإنجاز.

غسان بن جدو: إذاً اللواء صلاح سليم يعتقد بأن هناك استراتيجية روسية جدية وربما ستكون مؤثرة، باعتبارك يعني تعلم جيداً الساحة الأميركية، توماس فريدمان في نيويورك تايمز قبل يومين ينقل التالي عن إحدى الشخصيات السياسية في موسكو يقول، ماذا يقول له هذا الرجل؟ يقول خلال توسيع حلف الناتو الذي كان يتحدث عنه الآن اللواء صلاح سليم والذي يشكل قلقاً لدى الروس، كان يقول لا تفعلوا ذلك، يناشد هو هذا شخصية سياسية نائب في البرلمان الروسي وشخصية ليبرالية، لا تفعلوا ذلك لأنكم ستخسرون روسيا كحليف، يجيبونه ما الذي يمكن أن تفعله روسيا؟ فيقول إنهم لا يريدون روسيا حليفا، بل كشريك صغير مثل الكلب الصغير يفعل ما تأمره به، هل يعني هذا بأن الإدارة الأميركية تستخف بروسيا وحتى التصريحات الأخيرة هي تصريحات فضفاضة لا تؤثر كثيراً فيها؟

شارل شرتوني - أستاذ في الجامعة اللبنانية وباحث في جامعة جورج تاون - أميركا: لا أعتقد أن الولايات المتحدة هي بصدد الاستخفاف ولكن السياسة الأميركية لم تُدخل في حساباتها الفعلية المتغير الروسي كعامل ثابت في أدائها ورؤيتها السياسية الحاضرة، هذا إذا ما تريد هو الاستنتاج الأول ولكن علي أن أعود إلى بعض المعطيات فيما يخص ما تفضل به الزملاء هو كيف نُعرِّف القوة الروسية الحاضرة؟ القوة الروسية الحاضرة اليوم هي نتيجة عملية بناء قام بها بوتين في السنوات التي تسلم فيها الجمهورية الروسية من بعد يلتيسن وما إلى هنالك وحاول من خلالها إعادة بناء الكيان السياسي والاقتصادي والاجتماعي والمعنوي والآن يحاول أن يختتم عملية البنيان هذه بإعادة الدور الروسي سواء على المستوى الأوروبي أم على المستوى الآسيوي أم على المستوى الشرق أوسطي أم على المستوى الدولي، فإذاً هذه السياسة الخارجية هي مؤدى لعملية إعادة بناء كل الكيان السياسي والمعنوي للقوة الروسية السابقة ولكن مع الفرق الأساسي أن عملية البناء هذه لا تندرج ضمن النظرة السابقة لما يسمى بعالم القطبين، يحاول بوتين أن يُدخل روسيا في معادلة قائمة على أقطاب متعددة وبالتالي هو بصدد الدخول في التعاون مع المجموعة الأوروبية، هو بصدد إعادة النظر بالعلاقة مع الولايات المتحدة على قاعدة أكثر تكافؤا وهو بصدد إعادة النظر بمجموعة العلاقات انطلاقاً من تقديره لمصالح روسيا القومية ولمصالح روسيا الاستراتيجية في كل من المناطق التي تتحرك بها الدبلوماسية الروسية..

انعكاسات الانتقادات الروسية لإدارة بوش

غسان بن جدو: وهل تعتقد يعني هذه الرؤية الجديدة، هل تعتقد بأنها ستكون مؤثرة على الأقل نحن كعرب وفي هذه المنطقة معنيون بهذا الأمر، هل ستؤثر؟

شارل شرتوني [متابعاً]: سوف تكون مؤثرة ولكنها من ضمن رؤية سياسية جديدة ومن ضمن معادلات دولية ومن ضمن معادلات أوروبية ومن ضمن معادلات دولية جديدة قائمة على تعزيز التعاون على مستوى ما يسمى الـ (Global governments) التدبير المعولم وما إلى هنالك، يعني تفعيل كل ما يسمى الهيئات الدولية الهيئات التدبيرية الدولية وإلى ما هنالك من أجل معالجة مشتركة ومتداخلة لمجمل القضايا الاستراتيجية والأمنية في مختلف القارات.

غسان بن جدو: هذا يعني أنه لن يعاند الولايات المتحدة الأميركية..

شارل شرتوني: أنا برأيي ما يسعى إليه فعلياً..

غسان بن جدو: يعني أتحدث على أنه جزء من المؤسسة الدولية لن يعاندها..

"
بوتين لا يرفض التعاون مع الولايات المتحدة، لكنه بصدد إعادة النظر بالعلاقات على مستوى أكثر مساواة وأكثر تكافؤا وإعادة تفعيل المؤسسات الدولية والمؤسسات التعاونية الإقليمية والتعاونية الأوروبية
"
        شارل شرتوني

شارل شرتوني: ما يسعى إليه فعلياً هو إيجاد علاقة متكافئة هو ليس بصدد رفض النسق الدولي الجديد، هو يحاول أن يعيد لروسيا دوراً أساسياً في المعادلات الحاضرة، لذا إذا ما قرأنا بتمعن الخطاب الذي قاله في ميونيخ في الأسبوع الماضي كان واضحا جداً هو لا يرفض التعاون مع الولايات المتحدة، لكن هو بصدد إعادة النظر بالعلاقات على مستوى أكثر مساواة وأكثر تكافؤا وأكثر مشاركة على أساس إعادة تفعيل المؤسسات الدولية والمؤسسات التعاونية الإقليمية والمؤسسات التعاونية الأوروبية وبالتالي كان هذا الدفاع البيِّن والظاهر عن دور الأمم المتحدة، عن ضرورة إعادة ضبط الدور الأوروبي على نحو أكثر استقلالاً وإلى ما هنالك وعن إعادة تفعيل الدور الروسي في المنطقة بمعزل عن إملاءات السياسة الأميركية الحاضرة.

غسان بن جدو: سيادة اللواء أعود إليك في القاهرة، طبعاً نحن نتحدث الآن عن هذا الدور الروسي وهذه العودة الروسية وحتى تفضلت قبل قليل بالقول إن هناك إمكانية للتعاون مع دول عربية ودول خليجية حتى في مجال الجانب العسكري، هذا العام عام 2007 سيشهد زيادة كبرى إذا صح نسبياً في طبيعة الحال في الموازنة الدفاعية الروسية بنسبة 23% وهذه الزيادة بنسبة 23% ستصل بالموازنة الدفاعية الروسية إلى ما حوالي 32 أو 33 مليار دولار كحد أقصى، بينما الولايات المتحدة الأميركية كلنا نعلم وأنت تعلم قبلنا جميعاً إنه تتجاوز موازناتها الدفاعية أربعمائة وخمسين مليار دولار سنوياً، الإشكالية هنا نحن كعرب كيف يكمن أن نعوِّل جدياً على دور روسي مؤثر، طبعاً في الولايات المتحدة الأميركية هناك مَن طبعاً يستخف، هناك مَن لا يعطي كثيرا ولكن هناك مَن هو قلِق بأن روسيا قد تتفاعل أو تتعاون الآن مع دول تسميها بالمارقة، آرييل كوهين على سبيل المثال في مؤسسة التراث هذا الكلام جديد جداً قاله بعد تصريحات بوتين ليس في ميونيخ ولكن تصريحاته هنا في المنطقة العربية هذه مؤسسة طبعاً تعرفها هذه مؤسسة محافظة، يقول يعلق على أن روسيا تطورت لكن القلق هو أنها تبيع للدول المارقة كإيران وفنزويلا وسوريا، ما تعليقك سيادة اللواء؟

صلاح الدين سليم محمد: أود وأن أقول بدايةً أنه لكي يتم تفعيل الدور الروسي في المنطقة العربية ولكي يكون لها دور واضح في تحولات التوازن الاستراتيجي المختل في المنطقة العربية لصالح إسرائيل ولصالح قوى التدخل الأجنبي فلابد أن يكون هناك أيضاً تجاوب من القوى العربية ذاتها في المنطقة ولابد أن يكون هناك قبول لبعض ما تطرحه روسيا في المجال السياسي وفي المجال الخاص بالتوازن الدفاعي، ففي المجال السياسي لا يبدو أن هناك تحمساً عربياً للدعوة مثلاً لعقد مؤتمر دولي حول مشكلة الشرق الأوسط دون الاعتماد على القناة الأميركية وحدها التي راوغت العرب وعطلت مسيرة السلام منذ عام 1996 وهناك اكتفاء بمسألة المبادرة العربية التي لم تقبلها إسرائيل صراحةً ولا تجد سنداً دولياً يعززها وأيضاً في مجال التعاون العسكري فإن هناك دولا عربية كثيرة لا تزال تعتمد على الولايات المتحدة كمصدر رئيسي لسلاحها ومصدر رئيسي لتعاوناتها الدفاعية وهناك انتشار لـ 61 قاعدة ومنطقة تسهيلات عسكرية في الدول العربية ودول شرق أفريقيا، فالمسألة تتطلب تعاوناً متبادلاً ومن جانب روسيا أيضاً فإنها تقبل الآن أن تبيع السلاح لأي دولة من دول المنطقة العربية ودول العالم الإسلامي دون أن تركز على ما تسميه الولايات المتحدة بالدول المارقة وقد تمت بالفعل صفقات مهمة مع بعض الدول العربية والإسلامية سواء أُعلن عنها أو لم يُعلَن ومن مصلحة روسيا أن تسوق سلاحها وأن تدخل وأن تنافس الولايات المتحدة التي تريد أن تبيع أسلحتها للمنطقة العربية خلال عامي 2007 و2008 تصل إلى 62 مليار دولار، فإذاً الروس مصدر جيد للتسليح ويمكن أن يكونوا مصدرا جيدا لنقل تكنولوجيا التعاون العسكري الفني ولتطوير السلاح المتقدم في بعض الدول العربية، المهم توافر الإرادة السياسية لبناء مصالح مشتركة سواء تمت مع روسيا أو مع الصين، لكن استئثار الولايات المتحدة بالتعاون الاستراتيجي مع المنطقة العربية هو في غير صالح الأمة العربية لأن الولايات المتحدة هناك تناقضات رئيسية في المصالح بينها وبين معظم الدول العربية.

غسان بن جدو: دكتور فيتالي في موسكو، ما الذي تقوله لبعض العرب المرتابين في قدرة روسيا على أن تكون لاعبا مؤثرا فاعلا وجديا، أحيلك إلى عدة مقالات، أنت تقرأ العربية جيدا وتفتح الصحف، أحيلك إلى مقال في جريدة القدس العربي على سبيل المثال ولماذا اخترت القدس العربي؟ لأن القدس العربي تحمل هُوية وتحمل موقفا وربما أنتم عادة ترتاحون لمقالات كهذه ولكن في القدس العربي في يوم أمس.. يوم أمس فقط في مقال بوتين في هجاء أميركا النفخ في قربة مثقوبة، يقول بدا بوتين أشبه بنافخ في قربة مثقوبة، فما فائدة هجاء نظام القطب الواحد إذا كانت روسيا لا تخطو خطوة واحدة يتيمة باتجاه نقضه وكسر أعرافه التي أخذت تستقر شيئا فشيئا في العلاقات الدولية عموما، بمعنى آخر ما الذي تقوله للمرتابين في أن روسيا يمكن أن تكون لاعبا ومؤثرا وفاعلا هنا في منطقتنا العربية؟

فيتالي نعومكن : قبل كل شيء أريد أن أوافق على قول السيد اللواء بالنسبة للتجاوب العربي لما تقوله القيادة الروسية ليست فقط الرئيس بوتين ولكن رئيس الخارجية السيد لافروف تكلم عن نفس الفلسفة المبنية على العالم متعدد الأقطاب وهذه فلسفة في الحقيقة لابد أن تكون الدول العربية مرتاحة منها لأنها تستطيع أن تكون أحد هذه الأقطاب، بالنسبة لروسيا كما قلت روسيا في رأيي لن تنافس الولايات المتحدة الأميركية في كل أنحاء العالم وهي غير مستعدة لأنها لهذا لأنها تركز على، في الحقيقة، تحديث اقتصادها وتحسين مستوى معيشة شعبها وهذا مهم جدا من الأهداف الأساسية لبوتين هو طبعا القضايا الداخلية لروسيا ولكن روسيا ترى في العالم العربي شريكا مهما وكما قال العالم العربي لا يزال يعتمد مثلا على الغرب في الأسلحة، في التعاون التِقني العسكري وأيضا في الدفاع عن أمن بعض الدول العربية وهذا واضح لأن أيضا بعض الدول العربية ترى في الولايات المتحدة أداة تستطيع أن تؤثر على إسرائيل ولحل قضية الشرق الأوسط وهناك طبعا أشياء أخرى ويجب علينا أن لا ننكر جبروت الولايات المتحدة الأميركية وأظن أن بوتين يفهم هذا جيدا ولكن مع الأخذ بعين الاعتبار قبل هذا الجبروت، في رأيي، من الأحسن للدول العربية أن تنوع علاقتها الخارجية، أن تفهم أن روسيا جدية في طرحها أو في إعادة نفوذها في الشرق العربي لأن هذه المنطقة قريبة من روسيا، قريبة معنويا ثقافيا اقتصاديا وروسيا..

غسان بن جدو: ما الذي يقنع العرب؟

فيتالي نعومكن: عندما ذكرنا..

غسان بن جدو: دكتور فيتالي، أنت تقول الآن على العرب أن يدركوا بأن روسيا جدية في هذا الأمر..

فيتالي نعومكن: الذي يقنع العرب..

غسان بن جدو: كيف يمكن أن يقتنعوا بهذا الأمر؟

فيتالي نعومكن: قبل كل شيء يمكن أن نأخذ بعين الاعتبار أن روسيا مع السعودية هما يعني أكبر منتجين للبترول، روسيا لها أكبر احتياطي للغاز وهذا العامل سيتزايد تأثيره على السياسة العالمية ولذلك دور روسيا سيزداد، روسيا احتياطها للعملات الأجنبية وبالنسبة لاحتياطها للعملات الأجنبية والذهب دخل مجموعة من الدول الأساسية ويمكن في رأيي في المستقبل القريب أن تكون ثاني دولة من حيث هذا الاحتياطي، روسيا تُحدِّث اقتصادها وروسيا تُحدِّث أيضا ترسانتها العسكرية مع أنها لا تريد أن تدخل مرة أخرى في عصر سباق التسلح، هذا مهم جدا..

غسان بن جدو: جميل، دكتور فيتالي..

فيتالي نعومكن : وكما ذكر السيد.. نعم، نعم..

غسان بن جدو: حتى نضرب أمثلة واضحة نستفيد منها نحن كعرب، إذا سألك الآن مثقف عربي سياسي عربي مواطن عربي بسيط مثلي يقول لك التالي، ما الذي يمكن أن تفعله روسيا على سبيل المثال الآن فيما يتعلق بالصراع العربي أو الفلسطيني الإسرائيلي في هذا الملف بالتحديد ما الذي يمكن أن تفعله؟ ما الذي يمكن أن تفعله روسيا في هذه الكارثة العراقية؟ ما الذي يمكن أن تفعله روسيا إذا اشتدت المواجهة والصراع بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران وقد تؤدي بالمنطقة إلى كارثة أمنية؟ ما الذي يمكن أن تفعله روسيا في هذه الأزمة القائمة الآن مع سوريا؟ هذه ملفات أساسية قائمة نريد أن نفهم هل روسيا يمكن أن تفعل شيئا ملموسا يعيد اعتبارها إلى المنطقة العربية ويصبح العرب يصدقون ويقولون ها أن روسيا عادت، ها أننا نستطيع أن نتعامل معها استراتيجيا وبشكل جدي؟

فيتالي نعومكن: أظن أنه من الدلائل على جدية روسيا هي المقترحات الدبلوماسية التي قامت بها والتي أحيانا لمَّا يتجاوب معها العالم العربي، تم ذِكر مثلا فكرة المؤتمر الدولي للشرق الأوسط وهناك أيضا فكرة أخرى بالنسبة لحل القضية العراقية عبر مثلا عقد ندوة مؤتمر دولي بين كل القوى المنازعة أو حوار بين القوى كل القوى المتنازعة في العراق ومع المشاركة من كل دول ودول الجوار كلها والدول الأساسية في العالم وهناك مقترحات أخرى تريد مثلا روسيا أن مثلا الدفاع عنها على الصعيد العالمي وأظن أن دور روسيا في دفع هذه المبادرات وأيضا في تنسيق السياسات في مجال الطاقة في مجال بناء عالم جديد، بناء منظومة عالمية جديدة تعتمد على الأمم المتحدة وليس على حلف الناتو ليس على الأعمال الأحادية القطب، الأعمال الانفرداية مثل العملية التي قامت بها الولايات المتحدة الأميركية في العراق، أظن هذه دلائل مقنعة على قدرة روسيا على التعاون الجدي مع العالم العربي.

غسان بن جدو: يقول السيد دكتور فيتالي هذه دلائل ممكنة، هل تعتبرها أمورا فعالة؟ هي كلام إنشاء، ليس من الدكتور فيتالي ولكن من السياسة الروسية، إنشاء..

الدور الروسي المحتمل في المنطقة العربية

شارل شرتوني: أنا أعتقد أن السياسة الروسية لم تظهر حتى الآن، يعني هنالك عدة مبادرات قد اشتركت بها روسيا منذ مدة يعني، أولا هي عضو في اللجنة الرباعية الكورتد التي أخذت على عاتقها إيجاد حل للمسألة الفلسطينية بعد فشل مفاوضات كامب ديفد في العام 2000، فإذاً هي مشاركة أساسا في عملية تسوية تجمدت بفعل اعتبارات عديدة ولكن عليها أن تستعيد بشكل..

غسان بن جدو: هل أنت معي دكتور هي مشاركة..

شارل شرتوني: معك.. معك..

غسان بن جدو: معي هي مشاركة ولكن أنت معي بأنها ضمن هيمنة أميركية واضحة، يعني لا تستطيع روسيا ولا غيرها..

شارل شرتوني: هي..

غسان بن جدو: أن تفعل شيئا أمام أميركا..

شارل شرتوني: هي مشارِكة ضمن معادلة أكبر منها، يعني هي مشاركة ضمن معادلة قد صاغتها أكيدة اتفاق بين الولايات المتحدة الأميركية والمجموعة الأوروبية والأمم المتحدة وروسيا مع قيادة أميركية لمجمل العملية بدون أدنى شك، لذا أنا أود أن أعود إلى فكرتي الأساسية هي أن روسيا هي في صدد تحسين أدائها ومشاركتها في معادلات سياسية قائمة، السياسة الروسية ليست بموضع إعادة النظر بكل ما يسمى النظام الدولي، هي بصدد إعادة النظر بمشاركتها وبتوسيع أُطر مداخلاتها على مستويات متعددة فإذاً عندنا قصة كورتد، عندك القصة الأخرى وهي الدخول على خط الوساطة الإيرانية الدولية من أجل إنهاء قصة تخصيب اليورانيوم والحول دون سباق التسلح النووي من ناحية إيران مع تداعياته على المستوى الإقليمي، هذا هو دور آخر ولروسيا دور مهم في هذا الميزان، إذا شاءت أن تخرج على الالتباس الذي تعودت عليه منذ فترة وهي أنها من ناحية تصيب دفع السياسة الإيرانية في المجال النووي ومن ناحية أخرى هي تود أن تحول دون توصل إيران بالإضافة إلى عدة أقطاب آخرين في العالم إلى امتلاك السلاح النووي، يعني ها سياسة الالتباس التي تعتمدها روسيا هي نوع من انعكاس، مش بس ها السياسة ولكن مجمل السياسات الروسية ومداخلاتها الخارجية هي انعكاس أيضا لالتباس الخيارات التي يعيشها المجتمع الروسي على وجه الإجمال، لا نستطيع أن نفهم الديناميكيات الخارجية ما لم نربطها بالديناميكيات الداخلية، روسيا دولة بإعادة تشكيل جذرية بذاتها..

غسان بن جدو: أنت، دكتور شارل أنت جزء من نخبة لبنانية وعربية ترفع شعار الاعتدال، ترفض الراديكالية وترفض التطرف وجزء ممن تؤمنون كثيرا بالشرعية الدولية وبالتعاطي مع الغرب والمجتمع الدولي إلى آخره، هل طالما أنت خلصت في نهاية الكلام بأن هناك إعادة هيكلية جذرية للسياسة الروسية، كجزء من النخبة العربية المعتدلة ترفع شعار الاعتدال، هل تخشى من دور روسي في منطقتنا يشجع مَن تسمونهم بالمتطرفين والراديكاليين أكانوا جماعات أو أنظمة؟

شارل شرتوني: أنا أعتقد أن التصريحات الأخيرة للرئيس بوتين هي من باب المزايدة السياسية وليس من باب القناعات العميقة.. القناعات العميقة هي قناعات أوروبية، نيو أطلسية غربية لأنه بالتالي يعكس خيارات تعتمل داخل المجتمع الروسي، يعني المجتمع الروسي اليوم هو في حالة اعتمال داخلية جدية بين تيارات وبين خيارات وبين رؤى وبين سياسات مختلفة وما يحاول بوتين أن يعمله اليوم هو التأليف بين هذه التيارات، التأليف بين هذه التيارات على أساس أن تكون هذه التيارات مقدمة لعودة روسيا إلى دور فاعل في المنظمة الدولية، إذاً العودة بالسيناريوهات إلى سيناريوهات الحرب الباردة والقطبين كما تفضل اللواء سليم لا أعتقد أن هذه هي من الأولويات السياسة الروسية، ما يقوم به اليوم هو من باب المزايدات، أنا لا أرى أن بوتين يطمح أن يلعب الدور الذي يلعبه تشافيز في القارة الأميركية اللاتينية أو الذي يلعبه أحمدي نجاد في منطقة الشرق الأوسط الأكبر.

غسان بن جدو: تعليقك سيادة اللواء على هذا الكلام، إذا سمحت؟

صلاح الدين سليم محمد: في عالم السياسة والصراعات الدولية لابد أن نختبر مدى مصداقية الإعلانات السياسية والدبلوماسية والاختبار يكون من خلال أن تتحرك الدبلوماسية العربية وبصفة خاصة في الدول العربية والإسلامية الرئيسية التي تستطيع أن تدير حوارا فعالا مع موسكو وأن يستمع إليها الروس مثل السعودية ومصر وسوريا وإيران وبعض القوى الأخرى، فلنطلب مواقف محددة حتى لا يكون كلامنا نظريا أو أكاديميا، نحن الآن بصدد تشكيل حكومة وحدة وطنية في فلسطين، فلنطلب من القيادة الروسية طلبا محددا أنه فور تشكيل هذه الحكومة ترفع الحكومة الروسية الحصار عن الحكومة الفلسطينية وتستأنف إمدادها بالمساعدات وتتعامل معها اقتصاديا وتجاريا ويكون هذا هو الموقف المعلَن لروسيا في الكورتد في اللجنة الرباعية، بالنسبة لإيران يكون المطلب الروسي واضحا وهو أن تُستأنف المحادثات بين إيران وبين مجموعة الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وأن تكون هناك مشاركة فعلية للروس حتى لو شارك الإيرانيون والأميركيون في تلك المحادثات وخصوصا هناك اتصالات سرية تجري الآن بين أطراف إيرانية وأميركية لتجديد الحوار حول المسألة النووية لأن تجريد دول المنطقة من امتلاك القدرة التكنولوجية في مجال مفاعلات القوى وفي مجال إنتاج الوقود النووي قد تدفع ثمنه السعودية ومصر في وقت قريب، بالنسبة لسوريا يجب أن يكون هناك تعزيز للقدرات الدفاعية السورية بغير جدال لأن سوريا مهددة من أكثر من مصدر بمخاطر حقيقية على أمنها..

شارل شرتوني: مهددة مِن مَن؟

غسان بن جدو: اسأله.

صلاح الدين سليم محمد: بالنسبة للسودان يجب أن يكون هناك توقف..

شارل شرتوني: مهددة مِن مَن سيادة اللواء؟

صلاح الدين سليم محمد: أفندم؟

شارل شرتوني: سوريا مهددة مِن مَن؟

صلاح الدين سليم محمد: من.. سوريا مهددة من الولايات المتحدة..

شارل شرتوني: من مَن مهددة سوريا، من لبنان؟

صلاح الدين سليم محمد: لا مش من لبنان بالقطع، سوريا مهددة من إسرائيل سوريا، مهددة من الولايات المتحدة، لكن بالقطع ليس من لبنان، إن الأمن القومي لسوريا ولبنان..

شارل شرتوني: سوريا..

صلاح الدين سليم محمد: ارتباطهم كامل ولابد أن تحرص سوريا على أمن لبنان ولابد أن تحرص لبنان أيضا على أمن سوريا..

شارل شرتوني: سيادة اللواء سوريا تعتمد على هدنة عمرها أكثر من ثلاثين سنة بينها وبين إسرائيل ولم تُخرق ولو لمرة واحدة، إذاً كل هذه الاعتبارات الاستراتيجية التي تتحدث عنها هي من منطق ومن زمن أعتقد أنه ولَّى، على سوريا اليوم أن تعتمد خيارات جديدة قائمة..

صلاح الدين سليم محمد: لا، ليس هذا صحيحا..

شارل شرتوني: يعني، لن ندخل في جدال..

صلاح الدين سليم محمد: لا، يجب أن يختلف إدارتنا من العلاقات السورية اللبنانية عن إدارتنا في أمور العلاقات الروسية العربية، الموقف بين سوريا ولبنان يجب أن يُحتوَى ومن مصلحة البلدين الوصول إلى تسوية قريبة جدا للمسألة اللبنانية تحافظ على استقلال لبنان وعلى إرادته وعلى وحدته الوطنية، هذا بغير جدال وإذا ارتُكبت أخطاء في الماضي لا يجب أن يدفع ثمنها النظام الإقليمي العربي بأكمله أو يدفع ثمنها لبنان وسوريا معا، لابد من حل حقيقي للمسألة اللبنانية تشارك فيه كل القوى العربية.

غسان بن جدو: تفضل.

شارل شرتوني: سيادة اللواء أنا ما أعتقد أن الأولوية اليوم في المنطقة العربية هو للتسوية العقلانية لمجموعة من النزاعات القائمة بدءا بالنزاع العراقي الذي هو الأكثر سخونة ومرورا بالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي الذي هو الأكثر مدادا زمنيا وانتهاءً بالوضع اللبناني الذي يتعرض إلى محاولات زعزعة لعملية الانتقال الديمقراطي التي يعيشها لبنان منذ ثلاث سنوات أو منذ سنتين، فإذاً على المداخلة الروسية أن تكون في مجال تعزيز التسوية العقلانية في كل من النزاعات الثلاثة باتجاه الديمقراطية على مستوى الخيارات الداخلية وعلى مستوى الخيارات الخارجية وعلى مستوى التسوية الإجمالية للنزاعات في المنقطة، أنا لا أعتقد أنه من صالح روسيا أن تدخل من باب منطق التسلح وسباق التسلح، على روسيا أن تدخل من باب التسوية وأن تساعد على تخريج حلول عقلانية وعلى تخريج مفاوضات متكافئة بين كل الأطراف المعنيين في هذه الإقفالات النزاعية القائمة في كل من العراق ولبنان والأراضي الفلسطينية وبالتالي تأثير مجمل المعطى الإيراني على كل من المواقع الثلاث.

غسان بن جدو: سيادة اللواء؟

"
ندرك أن حل الخلافات العربية أصبح مقدَّما الآن على أية مسألة أخرى إلى جانب الاهتمام بالمسألة الفلسطينية
"
  صلاح الدين سليم محمد

صلاح الدين سليم محمد: أود يا أخ غسان لو تكرمت، أود أن أقول إن مبدأ إدارة الأزمات واحدة فأخرى هذا توجُّه الأميركان صِرف هو الإدارة بالأزمات، يجب التعامل على كل المسارات في وقت واحد وإعطائها أهمية قصوى للمسار الفلسطيني، المسألة العراقية لن تُحل في سنة ولا في سنتين ولا في ثلاثة والأميركان لن يخرجوا من العراق في وقت قريب، هذه مسألة لا نستطيع أن نفيض في شرعها في الوقت الحالي، لابد من الاهتمام بمسائل الأزمات في توقيتات متزامنة، أما إعطاء الأولوية للمسار العراقي فقط فذلك توجه أميركي صِرف، لابد أن ندير الأزمات معا وأن نتحرك معها وأن نسعى لحلول قائمة في كل بؤر التوتر وأن نعطي للمسألة الفلسطينية أهميتها القصوى، المسألة الفلسطينية مجمدة منذ عام 1996 والصراع الفلسطيني العربي منذ عام 1947، المسألة تحتاج يقظة فعلية وتحتاج استخدام كل الأوراق وليس فقط الورقة الروسية، هناك الورقة الصينية، هناك الورقة الأوروبية، هناك أهم من ذلك توحيد مواقف القوى العربية الرئيسية وأن يتحرك النظام الإقليمي العربي وأن يصحو من غفوته وأن يتنبه القادة العرب إلى المخاطر المحدقة بالأمن القومي العربي وأن نذكر جيدا أن حل الخلافات العربية.. العربية أصبح مقدَّما الآن على أية مسألة أخرى إلى جانب الاهتمام بالمسألة الفلسطينية.

غسان بن جدو: أنا أود أن.. هل لك نصف كلمة من فضلك دكتور شارل في هذه النقطة؟

شارل شرتوني: يعني أنا أعتقد أن الكلام الذي يتفضل به اللواء هو كلام عفا عليه الزمن، هو يعيدنا إلى مناخات أعتقد كانت..

غسان بن جدو: لكن عندما يقول توحيد الجهود لحل خلافتنا العربية يعني هذا أمر دائم سابق وآني ومستقل..

شارل شرتوني: هذا أمر يتطلب أن تعود الجامعة العربية منتدى للتحاور وللتعاون العربي البناء بسوء الحظ إما الجامعة معطلة وإما الجامعة في خدمة سياسة المحاور العربية..

غسان بن جدو: أعود إلى روسيا مع الدكتور فيتالي نعومكن، في الأخير دكتور فيتالي في نهاية الأمر أنت ترى هذه الخلافات العربية الساخنة نحن نتحدث معك الآن لأن نفعهم الاستراتيجية الروسية نعم، جزء من المنظومة الدولية نعم ولكن ما يعنينا بشكل أساسي هو الدور الروسي في المنطقة العربية، المفارقة دكتور فيتالي أنه في الوقت نفسه في اليوم نفسه الذي كان يتحدث فيه.. للأسف انقطع الخط مع الدكتور فيتالي نعومكن في موسكو، كنت أود أن أختم معه ولكن المفارقة كما قلت في الوقت نفسه الذي كان يتحدث فيه الرئيس بوتين في ميونيخ كان وزير دفاعه السابق سيرغي إيفانوف يقول التالي، في إشبيليا هذا كان لقاءً غير رسمي لوزراء الدفاع، ستكون موسكو سعيدة لتقديم المساعدة لضمان نجاح مهمة حلف الناتو في أفغانستان وأن روسيا تسمح بعبور الجنود والتجهيزات الألمانية والفرنسية عبر أراضيها ومستعدة للتعاون الاستخباري ولست أدري في الحقيقة إن كان تعيين سيرغي إيفانوف وزير الدفاع الآن عُيِّن نائبا لرئيس الوزراء هي ترقية أم محاولة لتهميشه، أخيرا لك سيادة اللواء كنت أتمنى أن أختم مع دكتور فيتالي ولكن أخيرا لك سيادة اللواء بعد هذا الكلام، أمازلت تراهن على دور روسي في المنطقة العربية بقطع النظر عن الإرادات العربية؟

صلاح الدين سليم محمد: أنا أراهن على ضرورة مراجعة خريطة علاقات التحالف والتعاون الاستراتيجي بين الدول الرئيسية في النظام الإقليمي العربي وبين القوى العظمى والكبرى في عالمنا..

غسان بن جدو: شكرا، جميل، شكرا لك سيادة اللواء..

صلاح الدين سليم محمد: أنا أطالب بحوار استراتيجي مع الولايات المتحدة نحدد فيه المصالح المشتركة المتبادلة..

غسان بن جدو: ومع روسيا..

صلاح الدين سليم محمد: وبتوثيق العلاقات مع روسيا والصين ومع بعض القوى الإسلامية..

غسان بن جدو: شكرا لك..

صلاح الدين سليم محمد: وقوى العالم لثالث وبصفة خاصة في أميركا اللاتينية.

غسان بن جدو: شكرا لك سيادة اللواء صلاح الدين محمد، شكرا دكتور فيتالي نعومكن، شكرا للدكتور شارل شرتوني، شكرا لكل مَن ساهم في إنجاز هذه الحلقة من الدوحة عماد بهجت، محمد العجزي، عبير العنيزي، من موسكو.. مكتب موسكو مع مديره عمرو عبد الحميد، من بيروت كل الطاقم بدون استثناء طوني عون، مصطفى عيتاني، إحسان حبال، أحمد نجفي، وسام موعد، جورج نجار والجميع، مع تقديري لكم في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة