مطاردة بن لادن وموضوعات أخرى   
الجمعة 15/4/1425 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 2:24 (مكة المكرمة)، 23:24 (غرينتش)

مقدم الحلقة

توفيق طه

تاريخ الحلقة

17/12/2001

- استمرار أميركا في مطاردة أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة
- الشريط الأميركي يثير الشكوك في تورط بن لادن في أحداث سبتمبر/ أيلول
- الولايات المتحدة تعد لحملة ضد الصومال
- استمرار القصف الإسرائيلي للفلسطينيين

- خروج الولايات المتحدة من اتفاقية حظر الصواريخ المضادة للصواريخ البالستية

توفيق طه
توفيق طه: أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) ومعنا هذا الأسبوع:

الخلافات بين أمراء الحرب تهدد استقرار الحكومة الانتقالية. والولايات المتحدة مستمرة في قصف شرقي أفغانستان وتستهدف الأفغان العرب. وشريط تزعم الولايات المتحدة أنه لأسامة بن لادن يثير الشكوك أكثر مما يثبت ضلوع الرجل في أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

والصومال على شفا حرب تشنها الولايات المتحدة تحت غطاء محاربة الإرهاب، والخلافات مازالت على أشدها ما بين الحكومة والفصائل المتنازعة.

لاشك في أن الإدارة الأميركية مصرَّة على تعقب وقتل أسامة بن لادن (زعيم تنظيم القاعدة) وكل من يسمون بالأفغان العرب، ويبدو أن خطتها تعتمد على جبهة أفغانية قادرة على تحقيق نوع من الاستقرار ولو بصورة مؤقتة حتى يتفرغ الجميع لمطاردة تنظيم القاعدة، لكن التناحر ما بين الفصائل الأفغانية قد بدأ، وبصورة تنذر بأن تحقيق الاستقرار أمل مازال بعيد المنال، وقد يؤدي هذا التناحر إلى جر القوات الأميركية إلى مهمة حفظ سلام داخلية لا يعلم مداها.

استمرار أميركا في مطاردة أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة

إعلان عن جائزة للقبض على بن لادن والظواهري
تقرير/ حسن إبراهيم: تورا بورا اسم جديد اكتشفه العالم منذ عدة أسابيع فقط، وقد اكتسب شهرته من شهرة أسامة بن لادن الذي تنامت الشائعات حول وجوده في هذه المنطقة الجبلية الوعرة على رأس عدة مئات من أنصاره المدججين بالسلاح والعتاد، وكان ذلك على ما يبدو كافياً لتحويل مسار القاذفات الأميركية العملاقة من طراز B 52 أو B 1 إلى هذه المنطقة الجبلية المحاذية للحدود الباكستانية، ولما لا وقد أنهت هذه القذفات تقريباً مهمتها في أفغانستان ونجحت بالإطاحة بحكم طالبان وتنصيب نظام آخر موالٍ للغرب بشكل عام ولواشنطن بشكل خاص، وبدأت الحمم تتساقط من السماء، قنابل من شتى الأنواع وبأوزان قلما سمع عنها العالم من قبل، ويُقال أن لبعضها قوة تدميرية توازي مفعول قنبلة ذرية من الحجم الصغير، لكن الطائرات لوحدها لا تستطيع إنجاز المهمة والقضاء على مقاتلين متحصنين في كهوف استعصت ثمان سنوات على الغاز السوفيتي في الثمانينات، وكان لابد من قوة بشرية على الأرض تأخذ على عاتقها مهمة القضاء على مقاتلي القاعدة، وسرعان ما انبرت قوات أفغانية تابعة لحاكم جلال آباد لتأدية المهمة تحت اسم التحالف الشرقي، وساهمت الدعاية الأميركية المكثفة في تحفيز المقاتلين الأفغان من خلال التلويح بالخمسة وعشرين مليون دولار التي تعرضها واشنطن لكل من يجلب لها رأس بن لادن، وهكذا تحولت هذه المنطقة المقفرة إلى ساحة قتال لا يعرف أحد بعد كم كان عدد ضحاياها، وقلة هم هؤلاء الذين تساءلوا عن مصدر الشائعات التي سرت حول حقيقة وجود بن لادن في تورا بورا، لكن كثيرين لاحظوا الوجود المكثف للقوات الخاصة الأميركية في المنطقة، فرسمياً لا تشارك هذه القوات في القتال بشكل مباشر، بل يعمل أفرادها كمستشارين عسكريين للمقاتلين الأفغان الذين يقودهم حضرة علي (نائب حاكم جلال آباد) ويبدو أن واشنطن بدأت تشعر بأن انهيار نظام حركة طالبان في أفغانستان ومقتل وأسر المئات من أتباع تنظيم القاعدة لا يمكن أن يعتبر نصراً بنظرها أو بنظر الرأي العام الأميركي، فهذه الحرب تخوضها واشنطن للقبض على شخص واحد حياً أو ميتاً كما قال الرئيس (بوش)، وطالما أن أسامة بن لادن لا يزال حراً طليقاً، فإن أيَّ من أعضاء الإدارة الأميركية لا يمكنه أن يشعر بالارتياح لسير الحرب التي أعلنوها ضد الإرهاب، وأكثر ما يخشاه الأميركيون اليوم هو أن يتمكن بن لادن وأعوانه من الاختفاء والهروب من أفغانستان مستغلين علاقاتهم ببعض القبائل على الجانب الباكستاني من الحدود، أما الحديث عن نصر يتمثل في نجاح واشنطن في إيجاد صيغة تمكن الأفغان من تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة حامد كرزاي، وبإشراف من الأمم المتحدة، فهو لا يعني الإدارة الأميركية بشيء، فالهدف لا يزال الهدف، وسيبقى كذلك حتى يتحقق، حتى وإن كان الثمن بقاء القوات الأميركية على الأرض الأفغانية سنوات طويلة.

توفيق طه: كان غرض الولايات المتحدة من بث الشريط أن يعتبره العالم دليلاً دامغاً على علم ومشاركة أسامة بن لادن في أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، إلا أن هناك من الدلائل ما جعل كثيرين يتشككون في مصداقية الشريط، فالصوت غير واضح والصورة كذلك، ثم إن كان هذا هو الدليل على جُرم بن لادن والقوات الأميركية عثرت عليه بُعيد بداية الحرب ضد أفغانستان، فإلام استندت الولايات المتحدة كي تبدأ حربها في المقام الأول؟

الشريط الأميركي يثير الشكوك في تورط بن لادن في أحداث سبتمبر/ أيلول

لقطة من شريط بن لادن المثير للجدل
تقرير/ حسن إبراهيم: تمخض الجبل فولد فأراً، كان هذا لسان حال كثيرين ممن شاهدوا شريط التسجيل الذي قالت الولايات المتحدة أنه يحتوي على اعترافات صريحة من زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن بمسؤوليته عن أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر الماضي، ويثور أكثر تساؤل حول مصداقية الشريط نفسه، وحول ملابسات العثور عليه، فلماذا يصور تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وساعده الأيمن أيمن الظواهري وهما يعودان أحد أعضاء التنظيم، ثم يتكلمان بكل صراحة وأمام الكاميرا عن أحداث الحادي عشر من أيلول وعن غيرها من العمليات الإرهابية ثم أين هو ذلك الوقت المريح الذي يمكن أخطر مطلوبين بن لادن والظواهري من عيادة رفيق لهما في ظل القصف الأميركي؟ ولماذا يُترك شريط كهذا في منزلٍ بجلال آباد ليقع في أيدي القوات الأميركية، ولم يُعرف إن كان المنزل قائماً على قواعده، أم كان انقاضاً؟ ويثور تساؤل مرعب هنا: أهذا هو الدليل الدامغ الذي تملكه الولايات المتحدة على ضلوع تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن في تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر؟ فهذا يوحي بأن الولايات المتحدة لم تكن تملك دليلاً دامغاً على جُرم بن لادن قبل العثور على الشريط، إذن فكل الدمار الذي لحق بأفغانستان، وكل الضحايا، وتغيير الخارطة السياسية، والقصف والمذابح ارتكبت بدون دليل دامغ؟ ثم إن أتينا إلى الشريط نفسه فسنجد الصوت غير واضح وبالتالي فإن الترجمة غير دقيقة، ثم إن الصور غير واضحة، ومع تقدم وسائل الإنتاج الإلكترونية فإن كثيرين ممن يعملون في هذا المجال يعلمون سهولة تزييف الصوت والصورة، وهو ما يُلقي كثيراً من الظلال على مصداقية الشريط، وفوق الاعتقاد بأن الإدارة الأميركية لم تحقق هدفها من بث الشريط، بل وأثارت عليها قطاعات واسعة من الجماهير العربية والإسلامية فإنه ليس من المؤكد أن كثيراً من المشاهدين غير العرب والمسلمين قد اقتنعوا بالشريط الخطير.

توفيق طه: تشير دلائل كثيرة إلى أن الولايات المتحدة تنوي شن حرب على الصومال بعد انتصاراتها على حركة طالبان، وهناك تشابه كبير ما بين الصومال وأفغانستان، حيث تغيب في البلدين الحكومة القوية القادرة، وكلاهما بلدان استراتيجيان في موقعهما ويعانيان من فقر مدقع، وكما في أفغانستان تحيط بالصومال بلدان فقيرة تتحرك شوقاً لتقديم خدمتها للجيش الأميركي في مقابل ثمن بالطبع، ولا يعرف كثيرون الجدوى التي يمكن أن تحصل عليها الولايات المتحدة من استهداف بلد بضعف الصومال اللهم إلا الثأر للإهانة التي لحقت بها هناك عام 93.

الولايات المتحدة تعد لحملة ضد الصومال

صوماليون أمام بنك البركات
تقرير أنور العنسي: ثمة مؤشرات متزايدة على اقتراب الولايات المتحدة الأميركية من القيام بعمل عسكري ما إزاء ما تصفه مصادر حكومتها ووسائل الدعاية فيها بمواقع لحزب الاتحاد الإسلامي الصومالي وما يشتبه كذلك بأنه قواعد تابعة لتنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن أو على الأقل جيوب للإرهاب يحتمل لجوء بن لادن إليها، التحركات العسكرية الأميركية في مياه وأجواء الصومال باتت واضحة للعيان، ناهيك عن أنشطة استخبارية تقوم بها واشنطن داخل الصومال وفي البلدان المحيطة به بغية جمع أكبر قدر من المعلومات والتفاصيل عن الأهداف التي يمكن أن تطالها من خلال حملتها المتوقعة هناك. مع هذا، فليس من الواضح تماماً ما هي طبيعة وحجم التحرك العسكري المرتقب وأي أهداف ذات معنى عسكري حقيقي يمكن للأميركيين إصابتها، أيَّاً تكن الادعاءات الأميركية حيال ما يوصف بمواقع وأنشطة إرهابية في الصومال فالأمر المؤكد أن الخطوة العسكرية الأميركية المنتظرة لن تزيد الوضع في الصومال إلا تعقيداً، بل وستجعل من إمكانية جمع فرقاء الصراع هناك على كلمة سواء أمراً بعيد المنال، ومع أن الحكومة الصومالية المؤقتة بزعامة السيد (عبد القاسم صلاد حسن) نفت علمها بوجود أي معسكرات أو أنشطة إرهابية وفقاً للزعم الأميركي وأبدت كذلك استعدادها للتعاون في محاربة الإرهاب، لكنها على ما يبدو قد تكون المتضرر الأول من الحملة الأميركية، إذ نجح خصومها بدعم أثيوبي واضح في حملة الإدارة الأميركية على التراجع عن موقفها الذي سبق وأن بدى مؤيداً لقيام هذه الحكومة، لينتهي به المطاف اليوم إلى الشك بسلامة موقفها والاشتباه في دعمها للإرهاب، كل له أهدافه ومراميه التي يسعى إلى تحقيقها من خلال الحملة الأميركية المرتقبة، فأمراء الحرب وقادة المعارضة المسلحة يبدون اليوم وكأنه لا هم لهم سوى إسقاط حكومة طالما نظر إليها مؤخراً بأنها الأمل الوحيد المتبقي لإعادة بناء دولة الصومال، أما الأثيوبيون فهم لاشك يسعون لتكريس أنفسهم كقوة إقليمية رئيسية في المنطقة لا مجال لنجاح أي تسوية للوضع في الصومال ما لم تمر عبر بوابتهم، الأميركيون من جانبهم لا هدف حقيقي لحملتهم سوى التخلص كما يقول البعض من ثقل عقدة تُرهق النفسية الأميركية اسمها الصومال، وسيبقى الخاسر الأكبر هو مستقبل السلام في الصومال، والصومال نفسه أيضاً.

توفيق طه: مازلنا نتابع معكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً:

سياسة الـ F 16 وشعب يرفض الاستسلام لمنطق القوة.. فلسطين.

يبدو رئيس الوزراء الإسرائيلي (أرئيل شارون) كزارع شوك يتوقع أن يجني ثمار زرعه تفاحاً وعنباً، فهو يُمعن في إذلال الفلسطينيين ويصر على اغتيال قياداتهم واقتحام مدنهم وقراهم، كما يُصر على التضييق عليهم ويسوق سياسته داخلياً ودولياً على أنها التي ستجلب السلام، وبالطبع ليس شارون بالسذاجة التي يبدو بها ادعاؤه هذا، فهو يعلم أن الفعل سيجابه برد فعل، لكنه يستغل رد الفعل في التنصل من عملية السلام، متهماً السلطة الوطنية الفلسطينية بأنها لا تحارب الإرهاب، وحصل شارون على مباركة أميركية بعد عمليات حماس والجهاد والتي ضربت العمق الإسرائيلي خاصة بعد أن اعتبرت الحكومة الأميركية منظمتي حماس والجهاد الإسلامي من المنظمات الإرهابية، ويعتقد المراقبون للشأن الفلسطيني أن شارون يريد أن تنشب حرباً أهلية تخلصه من السلطة الفلسطينية ومن جميع التزامات عملية السلام.

استمرار القصف الإسرائيلي للفلسطينيين

جندي إسرائيلي يوجه سلاحه إلى فلسطينيين في الخليل بالضفة الغربية
تقرير/ حسن إبراهيم: رغم محاولات واهية لإعادة الحياة إلى حركة السلام الإسرائيلية فإن مشهد ناشط سلام إسرائيليين يقفون جنباً إلى جنب نشطاء ومسؤولين فلسطينيين أصبح نادراً للغاية، فالمواطن الفلسطيني أضحى لا يرى إلا الاغتيال والقصف والقنابل الإسرائيلية تتساقط عليه صباح مساء، ولا يرى إلا جثث أبنائه وبناته وأطفاله ورجاله ونسائه تتساقط كل يوم على يد الآلة العسكرية الإسرائيلية، المواطن الإسرائيلي أصبح لا يرى إلا أرئيل شارون يتوعد الفلسطينيين كلما نفذ ناشطو حماس أو الجهاد الإسلامي، أو فتح، أو الجبهة الشعبية عملية في العمق الإسرائيلي، وعرف المواطن الإسرائيلي أن حياته معرضة للخطر كل يوم، وأن التفوق الإسرائيلي الساحق في السلاح والمال والدعم الدولي لن تجلب الأمن إلى إسرائيل، ما يغيب عن العقل الجمعي الإسرائيلي هو أن الاحتلال للأراضي الفلسطينية هو السبب الأساسي لكل أحداث العنف، وأنه حتى لو قتلت إسرائيل كل أعضاء أمن الرئيس الفلسطيني وكل السياسيين والقادة المعروفين فإن الشعب الفلسطيني لن يُفرط في ثوابته، الأرض والقدس وعودة اللاجئين، إلقاء اللوم على عاتق الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات هو السياسة المعلنة للحكومة الإسرائيلية، فشارون يريد الانتقاص من سلطة الرئيس الفلسطيني، وحتى لو أغلق الرئيس الفلسطيني كل منافذ الحياة على حماس والجهاد، أو أي تنظيم فلسطيني آخر فلن يعفيه شارون من المسؤولية، ويعتقد الفلسطينيون أن شارون لا يفهم اتفاقية أوسلو إلا على أنها تنصيب لياسر عرفات شرطياً يحفظ الأمن الإسرائيلي، فشارون لا يؤمن بمبدأ الأرض مقابل السلام، بل الأمن مقابل السلام، ويهدف إلى تخفيض سقف التوقعات الفلسطينية إلى الحد الأدنى، لكن أين هو الزعيم الفلسطيني الذي يقبل بالسقف الذي يُرضي شارون؟ ويبدو أن الإدارة الأميركية التي كانت قد أرسلت الجنرال أنطوني زيني إلى الأراضي المحتلة كي يُعيد عملية السلام إلى مسارها كما وعد الرئيس جورج بوش يبدو أنها قد عادت مرة أخرى إلى تأييدها المطلق لإسرائيل، ويبدو أن اعتبارات أخرى لا علاقة لها بالعلاقات الدولية قد جعلت الرئيس بوش يعتبر قصف إسرائيل للفلسطينيين بطائرات الـ F16 إثر عملية حماس الأخيرة دفاعاً مشروعاً عن النفس، وتخلى الرئيس الأميركي دُفعة واحدة عما اعتبره العالم العربي خطاً أميركياً جديداً في التعامل مع إسرائيل، ويبدو أن منظمات الضغط اليهودية ذكرت الرئيس بصورة أو ما أن هناك حدوداً لاستقلالية قرار أي إدارة أميركية فيما يخص التعامل مع الشؤون الإسرائيلية، خاصة أن بوش يواجه بعد أحد عشر شهراً انتخابات نصف الفترة التي ستحدد من سيسيطر على الكونجرس بمجلسيه النواب والشيوخ، وكذلك على حكم الولايات، ودور المال اليهودي مركزي في هذه العملية، ومن ناحية أخرى تعلم الإدارة الأميركية أن ردود الأفعال العربية على أي إجراء تتخذه إسرائيل لن تصل إلى درجة تهديد ما تعتبره الولايات المتحدة استقراراً للمنطقة، وأن الشعب الفلسطيني وحيد في مجابهة الآلة العسكرية الإسرائيلية مهما ارتكبت من تجاوزات، من المفارقات أنه وفي غمرة القصف الإسرائيلي لمناطق السلطة الوطنية الفلسطينية استهدفت القذائف الإسرائيلية السجون الفلسطينية، ذات السجون التي تطالب إسرائيل عرفات بحبس الناشطين الفلسطينيين فيها، ثم أعلنت إسرائيل أنها لا تريد التعامل مع عرفات، ثم تتراجع وتقول: إنها ستقصف وتفكك البُنية التحتية لما تسميه بالإرهاب لعجز السلطة الوطنية الفلسطينية عن القيام بذلك، ويبدو أن الأمور تتجه نحو المزيد من التصعيد، بينما تعقد الدول العربية الاجتماعات والمؤتمرات بنفس الوتيرة التي اعتادها الفلسطينيون في هذه المناسبات غير السعيدة.

توفيق طه: ولسبر أغوار الموقف الفلسطيني تحدثت عبر الهاتف إلى عبد الباري عطوان (رئيس تحرير صحيفة "القدس العربي" في لندن) وسألته أولاً عما إذا كان شارون يريد التخلص من عرفات أم من عملية السلام برمتها؟

عبد الباري عطوان: شارون يريد أن يضرب عصفورين بحجر واحد، أولاً أن ينتقم من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات شخصياً، وأن يدمر السلطة الوطنية بالكامل، وأن يركِّع الفلسطينيين ويُملي عليهم ما يريد، يعني يريد أن يحقق عدة أهداف في هدف واحد، وقد حصل فيما يبدو على الضوء الأخضر ليس فقط من قِبل الولايات المتحدة الأميركية، وإنما من قِبل الحكومات العربية للأسف وهو الآن يقصف، يعيد احتلال، يقتل ولا أحد يتصدى له، حتى اجتماع وزراء خارجية طارئ لم يحدث، اجتماع للجنة المتابعة لم تحدث، مظاهرات، لم نرى مظاهرة واحدة في أي دولة عربية، يقتل وهو مرتاح بالكامل، فلذلك أعتقد أنه أصبح هو المنتصر الوحيد في هذه المعركة.

توفيق طه: نعم، لكن ما هو الشيء الشخصي بين شارون وعرفات؟

عبد الباري عطوان: يعني شارون يريد أن ينتقم من غزو لبنان عام 1982 عندما قام بهذا الغزو بهدف إنقاذ الرئيس.. بهدف يعني تصفية الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وإنهاء منظمة التحرير الفلسطينية، وإنهاء المقاومة الفلسطينية بالكامل، ها هو الرئيس الفلسطيني يعود إليه ولكن في غزة ورام الله، وهاهي المقاومة الفلسطينية تتصاعد بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ، والضحايا أو القتلى الإسرائيليون يتساقطون الواحد تلو الآخر، فأمام هذا الوضع يعني يريد شارون أن يُصفي حساباته، أن ينتقم للقتلى الإسرائيليين، أن ينتقم لفشله في اغتيال الرئيس عرفات في بيروت، وأن يدمر اتفاقات أوسلو التي صوت ضدها، وعلينا أن نضع في اعتبارنا أن شارون صوت ضد اتفاقات كامب ديفيد مع مصر، صوت ضد اتفاقات أوسلو، صوت ضد اتفاقات الخليل، وحتى في اتفاقات واي ريفر لم يكن معها رغم إنه كان وزيراً للخارجية، لم يُصافح الرئيس الفلسطيني حتى هذه اللحظة، ويبدو أنه لن يصافحه حياً، فماذا ننتظر من هذا الرجل؟ أعتقد أن الصورة واضحة.

توفيق طه: نعم، لكن إذا كان شارون يعني هو ضد ما هو سلام، كل ما هو سلام في.. مع أي طرف عربي، يعني لماذا يوافقه الأميركيون على ذلك وهم من يقولون إنهم راعي عملية السلام؟

عبد الباري عطوان: يعني ما هو الخطر الذي يُحدث بالأميركيين لو أنهم يعني لم.. يعني.. لو أنهم مثلاً يعني أيدوا شارون، وأيدوا عدوانه على الفلسطينيين وعلى السلطة الوطنية؟

لم يخسر الأميركيون أي شيء، وعلينا، وهاهو هذه أميركا، بالأمس فقط طلبت من الدول الأوروبية عدم استقبال الرئيس الفلسطيني، مَنْ.. من احتج؟ اللي احتج الأوروبيين، لم تحتج دولة عربية واحدة على هذا الأمر، فيعني الأميركان لا يخسروا شيئاً من دعم إسرائيل ودعم مغامرات شارون وإعطاؤه الضوء الأخضر، بينما يخسروا كثيراً لو دعموا العرب لأنهم يراهنون على حصان أعرج، بل مكسح، فلذلك يعني لماذا.. لماذا يذهبون مع أمة فقدت ريحها وباتت عاجزة بالكامل ولا تقدم أي دعم لأشقاء يتعرضون للموت يومياً في شهر رمضان الكريم ويعيِّدون تحت القنابل والقصف والدبابات ومعارك الاحتلال، والله أميركا معاها حق يعني.

توفيق طه: لكن في رأيك يعني.. في رأيك أستاذ عبد الباري يعني هل يستطيع العرب فعلاً الضغط على الولايات المتحدة؟ وماذا يملكون من وسائل الضغط عليها؟

عبد الباري عطوان: يا سيدي يستطيعون والله لو قامت 5 مظاهرات في الدول العربية لتراجعت الولايات المتحدة عن هذا الموقف، يعني علينا أن نتذكر في بداية الحرب في أفغانستان كان المبعوثون الأميركيون يطوفون بعواصم المنطقة ويتحدثون للرأي العام العربي، كانوا يخشون من ردة فعل العالم العربي عن قتل الأفغان في.. في أفغانستان في شهر رمضان، الآن عندما اطمئنوا إنه لا يوجد رأي عام عربي، لا يوجد رأي عام إسلامي، لا توجد مظاهرات قالوا نحن كنا مخطئين، فلذلك علينا أن نستمر في دعم إسرائيل.

توفيق طه: نعم يريد.. تريد أن تقول إن يعني خسارة مكاسب الفلسطينيين من عملية السلام لا تعتبر خسارة كبيرة بالنسبة إليهم.

عبد الباري عطوان: يا سيدي أي مكاسب؟ أين هي إذا كانت هناك مكاسب فقد تبخرت، ذهبت يعني، بل بالعكس يعني مُسحت بالكامل من الخريطة، يعني أنا.. أنا أتمنى على الرئيس الفلسطيني أن يفعل ما فعله الرئيس جمال عبد الناصر عام 1967 عندما احتكم إلى شعبه، أعلن استقالته وقال أنا انهزمت وراح جلس في بيته، حصل على بيعة غير عادية من الجماهير المصرية، كلها خرجت في الشارع تطالبه بالعودة، لماذا لا يعود الرئيس الفلسطيني إلى شعبه، يُعلن أن هذه السلطة الفلسطينية فشلت وأنه دمرها شارون، وأنه هذا الوضع لا يمكن أن يُحتمل، وإنه أصبح يعني عاجزاً عن فعل أي شيء في مواجهة هذا العدوان الإسرائيلي الجبار.

توفيق طه: وأخيراً إلى جولة وزير الخارجية الأميركي كولن باول في آسيا الوسطى والتي يبدو أنها حملة علاقات عامة تمهد الطريق أمام قبول في تلك المنطقة للوجود الأميركي في أفغانستان والذي يبدو أن مداه سيطول، لكن التحدي يكمن إلى الوراء قليلاً، أي في موسكو التي يرفض رئيسها المحاولات الأميركية للعب في حديقته الخلفية دون تنسيق مع روسيا أو دون ثمن.

خروج الولايات المتحدة من اتفاقية حظر الصواريخ المضادة للصواريخ البالستية

بوتين وبوش إلى علاقات جديدة
تقرير/ سيد خضر: عام 72 اتفق قطبا العالم في ذلك الحين على ماهية الردع النووي، أو بالأحرى على تعريف دقيق له، وهو قدرة كل منهما على تدمير الآخر والتزامهما بعدم حرمان الآخر من هذه القدرة، وكان هذا يعني الالتزام بعدم تطوير أنظمة دفاعية تحول دون وصول صواريخ كل منهما إلى الآخر هذه الاتفاقية سميت بمعاهدة حظر الصواريخ المضادة للصواريخ البالستية، وكانت أحد أهم ركائز الأمن والاستقرار في حقبة الحرب الباردة بين معسكرين شرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي، وغربي تقوده الولايات المتحدة، لكن الحرب الباردة انتهت بسقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفيتي، فهل لا تزال هناك حاجة لمثل هذه المعاهدة؟ نعم تقول موسكو ومعها دول نووية أخرى كالصين والهند وبعض الدول الأوروبية، لأن معاهدة حظر الصواريخ المضادة للصواريخ تجعل من ترسانة هذه الدول النووية أحد ركائز عقيدتها الدفاعية والأمنية، وبدونها تصبح هذه الترسانة عديمة الفائدة في حال توصل طرف ما إلى طريقة لتحييدها، وهذا بالضبط ما يسعى إليه معسكر الصقور في إدارة بوش الذي اقنعوا رئيسهم بتبني فكرة الدرع الصاروخي، روسيا وريثة الاتحاد السوفيتي ومعاهداته الدولية كانت تعرف أن بوش مصمم على المضي قُدماً في مشروعه، ولم تفاجئ بإعلانه تخلي واشنطن عن معاهدة حظر الصواريخ المضادة للصواريخ، ولم يكن بوسع الرئيس بوتن سوى وصف هذا القرار بالخاطئ ليس إلا، فنظام مثل ذلك الذي تنوي واشنطن تنفيذه لن يؤثر فعلياً على قدرة الردع الروسي بسبب الصعوبات التكنولوجية التي تكتنفها، لكن روسيا قد تشعر بخطر من نوع آخر يتمثل في شعورها بأنها أصبحت محاصرة سياسياً واقتصادياً وأيضاً جغرافياً، فالحرب التي تشنها واشنطن في أفغانستان فتحت لها أبواباً بقيت موصدة في وجهها، صحيح أن موسكو أعطت الضوء الأخضر لهذه الدول مثل طاجيكستان، وكازاخستان وأوزباكستان لمنح تسهيلات عسكرية للقوات الأميركية التي تخوض الحرب في أفغانستان، لكن هذه التسهيلات تنبئ بتحولها إلى شيء آخر يثير قلق صانع القرار في موسكو خاصة مع تواتر الزيارات الأميركية على أعلى المستويات إلى هذه الدول، كان آخرها جولة وزير الخارجية الأميركية كولن باول، فروسيا تشعر بقدرة واشنطن على استغلال الأحداث الدولية وتجييرها لصالح لصالحها سياسياً واقتصادياً وإعلامياً، وربما أيضاً كانت ثروات بحر قزوين ماثلة أمام عيني باول وهو يلوح لهذه الدول بإغراءات اقتصادية أو أمنية هي في أمسَّ الحاجة إليها اليوم قبل الغد، والتي لا تستطيع موسكو منحها لهم بسبب ضائقتها الاقتصادية وبسبب إرث الماضي السوفيتي، ولا يبدو أيضاً أن محاولات باول طمأنت بوتن حول نوايا بلاده قد ساهمت كثيراً في طمأنة مخاوف بوتن والنخبة الحاكمة في روسيا.

توفيق طه: بهذا نأتي مشاهدينا الكرام إلى ختام جولتنا في الملف الأسبوعي، ونذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت.

وسنعود –إن شاء الله- في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا توفيق طه يستودعكم الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة