المسلمون والمسيحيون في الوطن العربي   
السبت 1427/3/30 هـ - الموافق 29/4/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:13 (مكة المكرمة)، 13:13 (غرينتش)

- العلاقة بين المسلمين والمسيحيين تاريخيا
- بداية ظهور الفتن الطائفية وأسبابها
- حقيقة ادعاءات اضطهاد المسيحيين
- الكنيسة والاستقواء بالخارج
- المواطنة والانتماءات الطائفية

توفيق طه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يقول الله تعالى.. بسم الله الرحمن الرحيم {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ ورُهْبَاناً وأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} صدق الله العظيم.

 ومما يحكيه التاريخ أن الخليفة معاوية اختار رجلاً مسيحياً ليؤدب ابنه زياد وأن الخليفة عبد الملك بن مروان كان يتخذ يوحنا الدمشقي مستشاراً له وقد بنى الحكام المسلمون كنائس عدة حتى قال المؤرخ المقريزي وجميع كنائس القاهرة محدثة في الإسلام بلا خوف، أما اليوم فنجد مصادمات بين مسلمين وأقباط في مصر وأنباء عن فيلم مصري عن آلام المسيح بإشراف الكنيسة في زمن احتقان طائفي وجدلاً حول تبشير مسيحي في بعض الدول ومع كل حدث طائفي يفتح ملف الأقباط في مصر ويتحدث البعض عن اضطهاد ديني ويتهم آخرون الكنيسة بممارسة دور سياسي طائفي.

 فلماذا تأزمت العلاقة بين أبناء الوطن الواحد؟ وكيف نتجاوزها حتى لا نغامر بمستقبل هذا الوطن؟ المسلمون والمسيحيون موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع ضيفنا عبر الأقمار الاصطناعية من القاهرة الدكتور محمد سليم العوا الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين رئيس جمعية مصر للثقافة والحوار، فأهلاً بكم ومرحباً مشاهدينا وأهلاً بك دكتور محمد، دكتور محمد بداية نستذكر أن التاريخ الإسلامي يحكي مثالاً مشرقاً عن علاقة المسلمين والمسيحيين من خلال المراسلات بين النبي محمد صلى الله عليه وسلم والمقوقس عظيم القبط وغيره من زعماء المسيحيين فحبذا لو نلقي بعض الضوء على هذه العلاقة وهذا النموذج من التعامل.


العلاقة بين المسلمين والمسيحيين تاريخيا

"
العلاقة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المسيحيين بوجه عام وأقباط مصر بوجه خاص كانت علاقة شديدة التميز
"
محمد سليم العوا- الأمين العام لاتحاد علماء المسلمين: بسم الله الرحمن الرحيم، العلاقة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المسيحيين بوجه عام وأقباط مصر بوجه خاص كانت علاقة شديدة التميز، كما ذكرت كتب إلى المقوقس يقول له من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط وكتب إلى هرقل يقول له من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم واستقبل نصارى نجران من اليمن في مسجده وأقاموا في المسجد طول إقامتهم في المدينة المنورة وصلوا في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم على غير قبلة المسلمين لأن قبلة المسلمين غير قبلة المسيحيين ولم يلمهم أحد على ذلك بل اعتبروهم ضيوفاً مكرمين لأنهم كانوا ضيوف رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتب لهم كتاباً عند مغادرتهم المدينة لنجران وحاشيتها ذمة الله وذمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يغير أسقف من أسقفيته ولا راهب من رهبانيته إلى آخر هذا الكتاب النبوي العظيم، فالعلاقة بين.. والرسول صلى الله عليه وسلم تزوج ماريا القبطية التي أهداها له المقوقس رداً على رسالته وهديته وأهدى له عسلاً من بلد عندنا في مصر لا تزال حتى اليوم تعرف بهذا العسل، يقال بنها العسل، سميت بنها العسل لأن العسل الذي أرسل إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم أرسل منها، فهذه العلاقة قديمة وضاربة بجذورها في أول التاريخ الإسلامي مع المصريين سواء كانوا قبطاً أم بعد ذلك كانوا الذين أسلموا أو الذين أقاموا في البلاد ممَن وفد إليها والصلة بين المسلمين والأقباط صلة راسخة لا يغيرها شيء..

توفيق طه [مقاطعاً]: في هذا السياق دكتور سليم.. في هذا السياق وتعبيراً عن هذا التسامح الذي تتحدث عنه والتقدير يعني نذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم "إذا دخلتم مصر فاستوصوا بالأقباط خيراً فإن لهم ذمة ورحما" ما الذي يعنيه ذلك ولماذا الأقباط ولماذا مصر بالذات؟

محمد سليم العوا: نعم هذا الحديث رواه كل الذين كتبوا في فتح مصر ورواه الإمام محمد ابن الحكم في كتابه فتوح مصر وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم ستفتح عليكم مصر أو إذا دخلتم مصر باختلاف الروايات فاستوصوا بالقبط وفي روايات بأهلها وفي روايات بالأقباط خيراً فإن لهم ذمة وصهراً أو ذمة ورحماً أو ذمة ونسباً، أما الذمة فهي عقد.. عهد بين الدولة المسلمة وبين مَن يقيم في أراضيها من غير المسلمين وأما الصهر أو النسب أو الرحم فهو أن إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم ولد له من ماريا القبطية وفيه جاء الحديث الصحيح عندما خسفت الشمس يوم موته حديث النبي صلى الله عليه وسلم "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تخسفان لموت أحد من البشر" وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم "إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون"، فإبراهيم وزواج النبي من ماريا هما النسب والمصاهرة التي بين المصريين وبين النبي صلى الله عليه وسلم وهما سبب الوصية بأقباط مصر المتكررة في عدد من الأحاديث النبوية ليست في هذا الحديث فقط، لكن هناك وصية أخرى ضروري يا توفيق أن نقولها للمستمعين..

توفيق طه: يعني من كل ما سمعنا يا دكتور سليم نفهم أن للمسيحيين المصريين.. للأقباط في الإسلام مكانة خاصة عند المسلمين، هذه المكانة وهذه العلاقات المتميزة بين المسلمين والمسيحيين في مصر ظلت قائمة حتى سنة 1972 وظلت متينة وقوية إلى أن بدأت حوادث الفتنة في ذلك العام وصولا إلى حادث الهجوم على الكنيسة الأسبوع الماضي، حتى نطلع أكثر على هذه التطلعات..

محمد سليم العوا: طيب بس قبل ما نقفز هذه القفزة..

توفيق طه: أو نبين للمشاهدين ما جرى لنستمع معاً إلى التقرير التالي.

محمد سليم العوا: أيوه اسمح لي قبل أن نقفز هذه القفزة أن أقول لك إن هناك وصية أخرى بأهل مصر من النبي صلى الله عليه وسلم، وصية بالمسلمين وللمسلمين من أهل مصر، قال صلى الله عليه وسلم عن أهل مصر إن جندها هم خير أجناد الأرض وإنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة، فالمسلمون من أهل مصر مرابطون على ثغر من ثغور الإسلام لا يجوز لهم أن يتخلوا عن رباطهم والأقباط من أهل مصر محل الوصية النبوية التي لا يجوز لمسلم أن يخل بها، هذه الوشيجة الرابطة بين الفئتين من أهل مصر هي التي تصنع اللُحمة المستمرة إلى يوم القيامة مهما كره الكارهون أو أفسد المفسدون منذ جهلاء الفريقين ومن متعصبيهم، أنا بس أحببت أن أقول لك هذا، تفضل.

توفيق طه: لكن هذا لا يمنع أن هناك مشكلة حدثت في السنوات الأخيرة وبلغت ذروتها في الأسبوع الماضي، هذا ما سنشاهده في التقرير التالي.

[تقرير مسجل]

سمير عمر: هذه اللقاءات الودية بين رجال الدين المسلمين والمسيحيين ليست كافية من وجهة نظر الكثيرين للتصدي لأحداث الفتنة الطائفية التي تطل برأسها بين الحين والآخر في مصر والتي كان آخرها ما شهدته مدينة الإسكندرية من أعمال عنف متبادل بين أبناء الديانتين على إثر اقتحام ثلاثة كنائس من قِبل أشخاص أو شخص قالت السلطات الأمنية إنه مختل عقلي ما زاد نيران الغضب في نفوس الأقباط اشتعالاً، لكن الغضب القبطي في مصر له أسباب عديدة كما يقول الأقباط لعل أبرزها ما يعرف بالخط الهمايوني الذي يحظر بناء الكنائس أو ترميمها إلا بعد الحصول على إذن من رئيس الجمهورية وكذلك ما يقولون إنه تمييز ضدهم يحول دون تولي أي منهم مناصب قيادية في العديد من المؤسسات الأمنية والسياسية، فضلاً عما يعتبرونه محاولات تبذلها أطراف دينية رسمية وشعبية تستهدف إدخال المسيحيين في الإسلام، في المقابل ترتفع الأصوات المنتقدة لسلوك مَن يطلق عليهم المتشددين الأقباط والذين يتخذون من ساحات الإنترنت مجالاً حيوياً لعملهم بل وتحريضهم ضد الإسلام، مستشهدين بعرض مسرحي قدمته إحدى الكنائس ويحمل تعريضاً من وجهة نظرهم بالإسلام والمسلمين وهو ما أشعل نيران الفتنة بين الجانبين قبل ثمانية أشهر أمام كنيسة محرم بك بالإسكندرية ويرى المسلمون بل وعدد من الأقباط أن مزاعم الاضطهاد والتمييز ضد الأقباط في مصر ليس لها أساس من الصحة متهمين قوى خارجية بالعبث بوحدة مصر الوطنية، خاصة بعد إقدام الحكومة المصرية على اعتبار يوم السابع من يناير الذي يوافق عيد الميلاد المجيد عن المسيحيين الشرقيين عيداً قومياً وكذلك إزالة أسباب القلق من الخط الهمايوني بعد تفويض المحافظين في قرارات بناء الكنائس أو ترميمها، أما مسألة عدم تولي الأقباط مناصب قيادية داخل مؤسسات الدولة فمردود عليها من قِبل هؤلاء، فالحكومة تحتفظ دوماً بعدد من المقاعد الوزارية للأقباط ويرى كثير من المراقبين أن هذا السجال بين الطرفين أمر صحي طالما بقي داخل الإطار الوطني، محذرين من أن محاولات تدويله لن تزيد الوضع إلا توتراً، سمير عمر لبرنامج الشريعة والحياة، القاهرة.

توفيق طه: إذاً دكتور محمد سليم كما استمعنا هذا هو الوضع الآن بين المسلمين والمسيحيين، هذه بعض الإضاءات على الأسباب، سنحاول معاً أن نضيء أكثر على هذه الأسباب، بداية لو فسرنا أسباب التوتر والاحتقان الذي بدأ منذ نحو ثلاثة عقود؟

محمد سليم العوا: أنا مش سامع الصوت يا جماعة.


بداية ظهور الفتن الطائفية وأسبابها

توفيق طه: سألتك لو كان هناك تفسير لأسباب الاحتقان والتوتر بين المسلمين والمسيحيين في العقود الثلاثة الماضية.. منذ ثلاثة عقود؟

"
 الوقائع التي شهدتها مصر بين المسلمين والأقباط هي المظاهر لكن الباطن الذي يؤدي إليها هو الاحتقان المتزايد لدي المسلمين ولدي الأقباط، المسلمون يشعرون من جانبهم أن هناك استقواء قبطياً بالأجنبي
"
محمد سليم العوا: التوتر الذي تفضلت بالإشارة إليه بدأ منذ عام 1970 بأحداث تعرف بأحداث أخميم وكانت أحداث بسيطة لكن بعدها توالى التعبير القبطي والتعبير الإسلامي عن نوع من الالتزام الديني المتعصب والأحداث التي حدثت سنة 1972 في الزاوية الحمراء والخانكة كانت أحداث متعلقة باعتداء بعض الأقباط على المسلمين أرادوا أن يقيموا مسجداً أو أقاموا مسجداً في منطقة فيها أقباط كثيرون، ثم توالت الأحداث بعد ذلك 1974، ثم 1978، ثم الكشح مرتين متتاليتين، ثم أبو قرقاص أيام فتنة الجماعة الإسلامية والاعتداء على مصلين في كنيسة وهذا كله كان ولا يزال محل إدانة مستمرة من جميع القيادات الإسلامية الفكرية والدينية والسياسية بل وأيضاً محل إدانة من الدولة ولما شباب الجماعات الإسلامية في وقت غلوهم وعدم عقلهم دخلوا كنيسة أبو قرقاص وقتلوا عدداً من الناس فيها الدولة أعلنت أسمائهم وقبضت عليهم وعوملوا كما يعامل أي مجرم في أي جريمة والذي حدث أخيراً في الإسكندرية جريمة ويجب أن يعامل مرتكبها كما يعامل أي مجرم في أي جريمة، لكن هذه الوقائع هي المظاهر لكن الباطن الذي يؤدي إليها هو الاحتقان المتزايد لدي المسلمين ولدي الأقباط، المسلمون يشعرون أن هناك استقواء قبطياً بالأجنبي.. بالأميركي على وجه الخصوص وفي أيام فتنة وفاء قسطنطين كان الهتاف في ساحة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، الكاتدرائية الرئيسية في القاهرة في العباسية كان الهتاف يا أميركا فينك.. فينك أمن الدولة بينا وبينك وانتزعت هذه المرأة التي أسلمت..

توفيق طه [مقاطعاً]: قبل أن نأتي دكتور سليم عفواً.. يعني قبل أن نأتي إلى مسألة الاستقواء بالخارج إذا كنت تسمعني.. يعني قبل أن نأتي إلى مسألة الاستقواء بالخارج.. يعني ذكرت أن هناك أسباباً أساسية.. أسباباً ربّما بنيوية يمكن أن نسميها لهذه الأزمة لم تتم معالجتها، كان يجري معالجة الظواهر فقط ببعض المحاكمات، بعض العقوبات، لماذا لم تتم معالجة الأسباب الرئيسية بحيث لا تتكرر هذه المسائل كل فترة وأخرى؟

محمد سليم العوا [متابعاً]: شوف يا سيدي لم تتم محاولة أي مشكلة في مصر، مشكلة الأقباط تتفاقم كل يوم ومشكلة المسلمين بل قل مشكلات المسلمين تتفاقم كل يوم، بناء المساجد أصبح بترخيص أصعب من بناء الكنائس، بناء المساجد أصبح بشروط أنا سميتها زمان الشروط العشرة تقليداً للشروط العشرة لبناء الكنائس اللي في قرار واحد كان وكيل وزارة الداخلية اسمه العزبي باشا، الاعتقالات والقبض ومنع التيار الإسلامي من العمل الجامعي موجود هنا وموجود هنا، مشكلة القضاء التي نحن فيها الآن، مشكلة القضاء لم تعالج حتى تفاقمت وأصبحنا أمام قضاة يلتزمون بمنتهى الشرعية فيحالون إلى مجلس التأديب، قضاة يعتصمون ويؤدون واجبهم العملي فيحالون إلى مجلس الصلاحية، فهناك نوع من عدم علاج أي مشكلة في الحكومة المصرية، مشكلة العبارة.. صاحب العبارة هرب وترك البلاد هو وابنه. وابنه كان امبارح بيتكلم من لندن، مشكلات أنا لا أستطيع أن أحصيها ولا أعدها، هناك قصور لا شك فيه في معالجة جميع المشكلات، لكن المشكلة القبطية الإسلامية مشكلتنا نحن، مشكلة الشعب، مشكلة العلماء، مشكلة القساوسة، مشكلة الكنائس، مشكلة المساجد، هذه ليست مشكلة الحكومة..

توفيق طه: نعم هنا فعلاً السؤال عن دور القيادات الدينية دكتور سليم في هذه..

محمد سليم العوا: هذا الذي كنت أقوله لك..

توفيق طه: المشاكل دور القيادات الدينية في محاولة إزالة هذه الغمامات وهذه الأسباب التي تأتي بالمشاكل؟

محمد سليم العوا: القيادات الدينية لها دور أساسي لا تقوم به، دورها أن تقول الحقيقة ولا تبالغ ولا تغالي والناس يشعرون أن القيادة الكنسية في السنين الأخيرة.. في السنتين ثلاثة الأخيرة تغالي وتبالغ، اللي كنت بدأت أكلمك عنه موضوع وفاء قسطنطين واسترداد هذه المرأة المسلمة والمرأة الأخرى المسماة ماري عبد الله اللتان أسلمتا واستردتا إلى الكنيسة ولا يعلم مخلوق في مصر أين هما وهناك دعوة أمام القضاء الإداري لازالت منظورة لإحضارها لنعرف أين هما، المشكلة الثانية مشكلة الموقف الذي اتخذه قداسة البابا شنودة الثالث من حكم القضاء الإداري من خمس أسابيع أو ست أسابيع، أعلن بالفم المليء ونشر في الصحف مانشيت لا توجد قوة.. يقول لأبنائه الأقباط اطمئنوا لا توجد قوة على وجه الأرض تلزمني بتنفيذ الحكم القضائي والخروج عما أعتقد أنا أنه الشريعة المسيحية، لماذا الهجوم على القضاء ولماذا تحدي الدولة؟ هذا يشعر المسلمين بأنهم مقهورين، لماذا يقف الشباب القبطي كما هو في جريدة العربي الناصري المنشورة اليوم ويصنعون علماً ويقولون هذا هو العلم القبطي الذي يجب أن يرفع جنباً إلى جنب مع العلم المصري ويقولون إن هذا العلم يعبّر عن الهوية القبطية غير العربية؟ لدينا جريدة تصدرها الكنيسة اسمها الكتيبة الطيبية وهي كتيبة قديمة في التاريخ القبطي كانت تحارب مع المسيحيين ضد الرومان، هذه الكتيبة الطيبية تنشر شعارها.. جئنا من مصر ولم نأتي من جزيرة العرب، نحن لسنا عرب ولكننا مصريون، هذا كله يؤدي إلى مزيد من الشعور بتقوقع هذه الجماعة على نفسها واستقوائها على المسلمين وهذا طبعاً يؤدي إلى مزيد من الاحتقان..


حقيقة ادعاءات اضطهاد المسيحيين

توفيق طه: يعني أكثر من التقوقع دكتور سليم.. أكثر من تقوقع ربّما هو.. يعني الشعور بالاضطهاد.. يعني جماعة من المسيحيين المصريين المهاجرين قدموا شكوى إلى مجلس الأمن.. يعني يتحدثون فيها عن اضطهاد المسيحيين في مصر وربّما يعني هناك دعاوى من المسيحيين في العالم العربي في أقطار أخرى، ما مدى صدقية مثل هذه الدعاوى؟

"
لا يوجد في مصر أي نوع من أنواع الاضطهاد للأقباط، فهم يعاملون من قبل الجهات الرسمية كما يعامل المسلمون وربما في بعض الأحيان يعاملون بمعاملة أحسن من غيرهم
"
محمد سليم العوا: هذا كذب يا أستاذ طه، هذه الدعاوى عن الاضطهاد كذب صُراح، كذب لا يختلف عليه اثنان في مصر وتعالى في الشارع واسأل أي مصري هل القبطي مضطهد؟ ما معنى مضطهد؟ مضطهد يعني يعامل معاملة مواطن من الدرجة الثانية، بالعكس القبطي يعامل معاملة كالمسلم وربّما أحسن في دوائر الحكومة، في التعامل مع الموظفين، في التعامل مع الشرطة، في التعامل مع كل جهات الدولة، لا يوجد أي نوع من أنواع الاضطهاد للقبطي، لما اعتدي على أرض مملوكة لوزارة الدفاع.. أهم وزارة في مصر وزارة الدفاع اعتدي على أرض مملوكة لها من قبل الدير الذي في حلوان لم يحرك أحد ساكناً وحاول المحافظ أن يسترد الأرض فلم يستطع وكذلك حصل في سيناء ولم يستطع أحد أن يسترد الأراضي، لو أن مسجداً اعتدي على متر واحد لهدم المسجد على رؤوس مَن فيه، مَن قال أن الأقباط مضطهدين؟ هذه فرية وأحد أسباب المشاكل يا أستاذ توفيق هو أقباط المهجر الذين عملوا مؤتمر وعقدوه في أميركا لكي يستعدوا أميركا على مصر والذين قدموا الشكاوى إلى الكونغرس والذين قدموا الآن شكوى إلى مجلس الأمن، اليوم مثلاً صديقنا العزيز دكتور ميلاد حنا الذي كنت أرجو أن تتاح فرصة للحديث بيني وبينه مباشرة، اليوم في جريدة العربي يقول نرفض بقوة تطبيق الشريعة، الشريعة هي القانون الأصل في البلد وهي التي ينص الدستور على أنها المصدر الرئيسي للقوانين..

توفيق طه: ربّما نستمع في إطار هذه الحلقة إلى بعض كلام من دكتور ميلاد حنا لكن يعني هناك مَن يرى أن مبدأ أهل الذمة.. هناك مَن يرى من المسيحيين أن مبدأ أهل الذمة هو بحد ذاته يحمل يعني شيء من التمييز ضدهم مما يجعلهم مواطنين من الدرجة الثانية؟

محمد سليم العوا: نعم، أولاً أريد أن أقول لحضرتك وللإخوان جميعاً أن الذمة عقد بين طرفين.. بين الدولة المسلمة وبين الذين كانوا يقيمون في أراضيها وقت دخول الإسلام وليست وضعاً دائماً إلى يوم القيامة وأنا منذ أكثر من ثلاثين سنة انتهيت إلى أن هذا العقد انتهى وذهب في ذمة التاريخ وهذا الاجتهاد الذي انتهيت إليه هو اجتهاد كل العلماء المعاصرين الذين يسمع لهم، هو اجتهاد يوسف القرضاوي واجتهاد طارق البشري واجتهاد دكتور علي جمعة مفتي مصر واجتهاد شيخ الأزهر الدكتور طنطاوي واجتهاد.. لا أستطيع أن أحصي مئات أو آلاف العلماء، بل هو الاجتهاد الذي تبنته جماعة الإخوان المسلمين أكبر جماعة سياسية في مصر الآن كما قال عصام العريان على الجزيرة في برنامج الجزيرة مباشر قبل أربع خمس أيام، قال نحن نتبنى هذا الاجتهاد، فقصة الذمة ليست واردة، يلومنا بعض إخواننا المسيحيين أن بعض شباب المسلمين لازال يتكلم عن الذمة، هل كلما تكلم قبطي كلاماً سخيفاً لومنا الشعب القبطي كله؟ هذا لا يحدث، هل كلما صدر عدد من المجلة الطيبية قمنا بمظاهرات ضد المسيحيين؟ هذا لا يحدث، هل كلما قال أحد القساوسة كما قال قس في القاهرة اليوم لرجل مسلم مسؤول ذهب لكي يهنئه بالعيد فشتمه وأهانه وأوشك أن يكون قد طرده من الكنيسة وهذا قس مشهور يكتب في الصحف ومعروف لا أريد أن أذكر اسمه لئلا أزيده شهرة، فهذه المواقف يا سيدي التي تدعي الاضطهاد مواقف كاذبة، ليس هناك اضطهاد، قد يكون هناك اضطهاد لبعض المسلمين لأنهم ينتمون لجماعة إسلامية أو للإخوان المسلمين أو لحزب الوسط زي ما حصل وانسحب السبعة الأقباط المؤسسين لحزب الوسط فجأة فجعلوا الحزب عارياً أمام الحكومة وادعت الحكومة أنه أصبح حزباً دينياً، هذا حديث سنقوله في المحكمة، لكن أريد أن أدلل بكل هذه الوقائع يا أستاذ توفيق أنه ليس في مصر اضطهاد، في مصر شعب واحد يعامل معاملة واحدة..

توفيق طه: دكتور سليم كل هذا لا ينفي أن هناك مشكلة، يعني كل الشواهد تقول أن هناك مشكلة في مصر، مشكلة قبطية، سنحاول أن نسمع وجهة نظر أخرى من هذه المشكلة في الاقتباس التالي.

[شريط مسجل]

أكرم لمعي- راعي الكنيسة الإنجيلية: عندنا خطاب ديني متعصب جداً وأحياناً يكون التعصب من الجهتين مش من جهة واحدة لأن هو ده الخطاب الديني، السطحية الواضحة جداً في معالجة هذا الأمر ده سبب آخر، الإعلام كمان كان له دور ضخم جداً في غرس التعصب في الناس والفتاوى اللي بتقال على التلفزيون واللي حضرتك لو مشيت في الشارع مثلاً في مصر شوفت على الأرصفة الكتب المكتوبة عن عذاب القبر وعن كذا وكذا ووضع المسيحيين ووضع اليهود.

ميلاد حنا- كاتب مصري قبطي: الدولة المصرية معتبرة إنه الأقباط موجودين هنا زي هرم خوفو والمسلمين موجودين هنا زي بقية أهرامات مصر والمسائل مستقرة، هذا غير صحيح، في العلاقات الثقافية والاجتماعية زي العلاقة بين الرجل وزوجته، العلاقة بين الرجل وأولاده وأسرته.. دي علاقات بشرية، ما دام علاقات بشرية تبقى تتحرك مع المشاعر، هل مشاعر صحية وفيها مودة ولا مكتومة ومغلولة ومصدقة حادثة صغيرة تفجر المسائل؟ أنا شايف إن الدولة في مصر مع كل الاحترام لجهاز الحكومة لا يعرفوا في الموضوع ده ولا شاغلهم.

أكرم لمعي: الحقيقة لازم أولاً نعترف إن فيه أزمة، يعني هو دائماً لما كانت بتحصل أزمة الناس تقول لك لا القاعدة العريضة جيدة وما فيش أزمة ودي حوادث فردية وده واحد مجنون عمل كده ونرجع للدائرة نفسها، فأولاً لازم نعترف أنه موجود أزمة حقيقية في مصر بين المسيحيين والمسلمين، الحاجة الثانية لازم نعترف أن هذه الأزمة تحل داخلياً مش خارجياً، لأن برضه أنه لما يكون فيه طرف خارجي ده بيزود التعصب أكثر ويزود الأزمات أكثر.. فلازم الأزمة تحل داخلياً، الحاجة الثالثة لازم يكون فيه مجموعة من الحكماء والحكماء دول يكونوا.. يقعدوا مع بعض ويقدموا اقتراحات للدولة لحل هذه الأزمة.

ميلاد حنا: ممكن مجموعة الحكماء دي فيها واحد أو اثنين من رجال الدين المستنيرين أهلاً وسهلاً، لكن مجموعة من حكماء ومفكري مصر سبعة، ثمانية، عشرة بعيداً عن الإعلام وبعيداً عن تقديم تقرير.. يقعدوا مع بعض يتدارسوا المسائل من غير جدول أعمال، إيه اللي جد على مصر؟ ما إحنا طول عمرنا أقباط ومسلمين وزي الفل، إيه اللي مخلي المسائل كل شويتين وضحضيرة؟ ونطلع من ضحضيرة وننظف هدومنا ونقول لا ده ما فيش حاجة نقع في ضحضيرة ثانية، إذاً فيه خلل ما ثقافي في المجتمع المصري.

توفيق طه: هناك خلل ما ثقافي، يجب أن نعترف أن هناك أزمة حقيقية، مشاعر مكتومة ويجب أن يكون هناك مجلس حكماء لحل هذه الأزمة، كل هذه النقاط سنحاول أن نعلق عليها معاً.. دكتور محمد سليم العوا بعض فاصل قصير، مشاهدينا الكرام انتظرونا.


[فاصل إعلاني]

الكنيسة والاستقواء بالخارج

توفيق طه: أهلاً ومرحباً بكم مرة أخرى إلى هذه الحلقة من الشريعة والحياة، موضوعنا المسلمون والمسيحيون وكمثال على ذلك ما جرى أخيراً في مصر، في نهاية كلامه الذي استمعنا إليه دكتور سليم العوا تحدث أو تساءل الدكتور ميلاد حنا ماذا جد على مصر؟ قال طول عمرنا عايشين مسلمين ومسيحيين، بعض الكتاب يتحدث عن استغلال أميركي لما يسمى بالمسألة القبطية مع تولي البابا شنودة سدة البطريركية عام 1971 حيث انخرط في مجلس الكنائس العالمي وراح يتبنى دوراً سياسياً للكنيسة ومن هنا باتت الكنيسة تمارس دوراً موازياً ربّما لدور الدولة.. بذلك نشأت المشكلات في رأي البعض كما قلنا ونشأ الاحتراب حتى أن بعض المسيحيين تحدث أو انتقد ما سماه استقواء الكنيسة بالخارج، أنت أيضاً تحدثت عما سميته استقواء الكنيسة بالخارج، كيف يمكن أن نشخص هذه المسألة بالذات؟

محمد سليم العوا: يعني أنا سعيد أنك ذكرت انضمام الكنيسة المصرية إلى مجلس الكنائس في أوائل السبعينيات بعد قيادة البابا شنودة للكنيسة وأنا في كتابي الدين للوطن فصل عنوانه الكنيسة المصرية في ذروة العالمية ومسؤولية البابا شنودة كتبته بعد أن أصبح أحد رؤساء مجلس الكنائس وقلت في هذا الفصل إن على البابا شنودة أن يكون جسر حوار وتواصل بين المسلمين في العالم الشرقي وبين المسيحيين في العالم الغربي، لأنه أكبر أو أهم مَن يستطيع أن يعبر عن العلاقة الراسخة بين المسلمين والمسيحيين، اللي قاله ميلاد حنا ساخراً أن المسيحيين كأنهم هرم خوفو والمسلمين بقية الأهرامات، أنا موافق هم هرم خوفو وإحنا بقية الأهرامات، لا بأس، لكن نحن ثابتون في هذه الأرض ثبات الأهرامات، نحن وهم ولن يزعزع هذا الثبات كل أنواع المشاكل والفتن، التدخل الأميركي قائم منذ قبل دخول البابا شنودة في مجلس الكنائس.

التدخل الأميركي قائم من أيام جون فوستر دالس ومن أيام مؤتمر المغرب الذي أعلن فيه تأسيس مجلس الكنائس العالمي ونحن.. كان البابا شنودة وهو راهب كان هو الذي يتولى مهاجمة مجلس الكنائس العالمي ومهاجمة الدخول في.. التدخل الأميركي في شؤون الدول التي يختلط فيها المسلمون بالمسيحيين وله كتابات في مجلة الكنيسة موجودة لدينا كلنا ونذكر كيف كانت مواقفه الوطنية ضد التدخل الأميركي بشدة وبقوة، اليوم لو كنت حضرتك شفت القداس الذي أذيع أمس بمناسبة العيد في التليفزيون المصري ولاحظت كيف صفق إخواننا الأقباط للسفير الأميركي عندما شكره البابا شنودة أضعاف ما صفقوا لأي مسؤول مصري مسلم وطني أو رسمي أو شعبي ذكره قداسة البابا وهو يشكره، شكر كل الناس من رئيس الجمهورية لغاية الوفود التي تمثل جمعيات إسلامية، لم يصفق لأحد مثلما صفق للسفير الأميركي والمصريون الذين يشاهدون هذا ليسوا بلهاء، يدركون أن هذا التصفيق يعبّر عن شعور بالامتنان لهذا السفير الذي يظن هؤلاء أنه يقويهم ويدعمهم، هناك أمر آخر ذكره الأخ أكرم لمعي.. القس أكرم لمعي وهو صديق عزيز أمر الكتب كما أن هناك كتباً يكتبها مسلمون ضد المسيحيين هناك كتب كثيرة جداً يكتبها مسيحيون ضد المسلمين وبعضها يأتينا بالبريد يبشرنا بالنصرانية، التبشير بالمسيحية قائم على قدم وساق داخل مصر.. ليس من الكنيسة الأرثوذكسية فقط وإنما أيضاً من الكنائس الأجنبية التي ترسل بعثات، كانت زمان تبشر فقط في أوساط الأرثوذكس، الآن تبشر في أوساط الأرثوذكس وهذا خطأ وفي أوساط المسلمين وهذا خطأ وفي أوساط الفقراء وهذا أشد خطأ وأشد خطراً، فالفتنة لها أسباب كما تفضلت توفيق بنوية..

توفيق طه [مقاطعاً]: يعني قبل أن تطرد في هذه المسألة.. مسألة التبشير دكتور محمد سليم.. يعني الدكتور تحدثنا أيضاً عن مثلاً مسؤولية الدولة قال يعني دكتور ميلاد حنا.. قال إن الدولة لم تقم بمسؤوليتها ربّما يعني بحيث أنه هؤلاء المسيحيين يشعرون بالانتماء أحياناً إلى العالم الغربي.. العالم المسيحي.. هذا الانتماء المزدوج، ما مدى مسؤولية الدولة عن الفشل في إدارة الشأن الطائفي؟ وهل هناك تصور إسلامي.. هل هناك تصور إسلامي محدد لإدارة هذا الشأن الطائفي؟

محمد سليم العوا [متابعاً]: مسؤولية الدولة عن إدارة الشأن الطائفي أو عن الإخفاق في إدارة الشأن الطائفي تساوي بالضبط مسؤوليتها عن الإخفاق في إدارة شأن القضاء وفي إدارة شأن الجامعات، أساتذة الجامعات من سنة 1979 يطالبون بإلغاء اللائحة الجائرة التي وضعت على الطلاب ولم يتم شيء، القوانين التي يطالب الناس بإلغائها اللي اسمها القوانين سيئة السمعة الدولة تعدنا بإلغائها منذ عشرين سنة ولم تلغ شيئاً، هذه المسؤولية مسؤولية عامة، الحقيقة أخ توفيق أنا أقول وأنا مطمئن الضمير إن إلقاء الحمل على الدولة لا معنى له، نحن يجب أن نؤدي واجبنا، نحن يجب أن نقف مثلاً ضد التعصب داخل الكنيسة كما نقف ضد التعصب داخل المسجد، لما ذكر الأستاذ مصطفى مشهور المرشد العام للإخوان المسلمين الله يرحمه قبل سنين طويلة أن الأقباط أهل ذمة لا يدخلون الجيش الذي تصدى له مسلم هو محمد العوا، نفسه وكتبت مقالات ضده قلت إن الجزية والذمة في ذمة التاريخ ولم يتصد له مسيحي، تصدى له المسلمون، لما تصدى الأستاذ محمد مهدي عاكف من أيام وقال إذا قبطي ترشح لرئاسة الجمهورية يبقى عمل فورتينة، أنا قلت على الجزيرة عندكم إن ترشيح القبطي لرئاسة الجمهورية لا شيء فيه، المهم ينتخبوه الناس، لو انتخبوه يبقى حقه أن يحكم لأن رئيس الجمهورية ليس هو الآن خليفة المسلمين، ده موظف..

توفيق طه: دكتور محمد سليم حتى لو لم ينتخب هناك كوتة محددة للأقباط في مصر في الانتخابات التشريعية..

محمد سليم العوا: لا..

توفيق طه: يقول الشيخ عبد الوهاب خلاف يا دكتور إن وضع أهل الذمة في البلاد الإسلامية لم يكن ليخضع للاعتبارات الدينية وحدها بل كان يخضع للاعتبارات السياسية وما يبدونه من الولاء والصفاء للدولة وللمؤمنين، هل موضوع أو العلاقة مع الأقباط دائماً يدخل فيها الاعتبار السياسي أكثر من الديني فقط؟

محمد سليم العوا: خليني أقول لحضرتك أولاً كلام الشيخ خلاف رحمة الله عليه وهو شيخ من مشايخنا كلام في غاية الصحة تاريخياً وكلام في غاية الصحة وواقعياً، طبعاً لما يكون أنا موقفي السياسي إن أنا أمالئ الأميركان أكثر مما أدين لحكومتي بالولاء، لما يكون موقفي السياسي أني عاوز ألغي المادة اثنين من الدستور، لما يكون موقفي السياسي أني عايز أقول إنه المسلمين لا يجوز لهم أن يطالبوا بحقوقهم في تطبيق دينهم وهو الشريعة الإسلامية ويكتب الدكتور ميلاد النهاردة في العربي أرفض بكل شدة تطبيق الشريعة الإسلامية، طبعاً هذا الموقف السياسي يؤثر على العلاقة بين المسلمين والأقباط ويحدث فتنة، لكن اسمح لي فيه موضوع غلط جداً قيل وهو أن للأقباط كوتة في الهيئة التشريعية، هذا لم يحدث أبداً، لم يكن في أي وقت في مصر للأقباط كوتة، لما صدر تعديل الدستور لقانون الانتخاب وأصبح من حق رئيس الجمهورية في زمن جمال عبد الناصر أن يعين عشرة أعضاء في مجلس الشعب وهو أمر معمول به إلى الآن عددهم زاد شوية.. مرة من المرات جمال عبد الناصر عين العشرة كلهم أقباط وفي أغلب المرات الأخرى يعين أقباط، لماذا؟ لأنه ليس هناك توازن في مَن ينجحون من الأقباط بالنسبة إلى حق الأقباط في أن يمثلوا داخل المجلس، نفس الشيء يحدث مع النساء، النساء لا ينجحن إلا بصعوبة شديدة، فتعين نساء ويعين أقباط، لكن لا يوجد شيء اسمه كوتة ونحن ضد الكوتة في مصر ولا نريد أن تتحول مصر إلى طائفية زي لبنان، هذا له كرسيين وهذا له خمسة وهذا له عشرة، هذا معناه القضاء على الوحدة الوطنية المصرية ومعناه مسمار في نعش الدولة المصرية لا نقبل أن يدق ونحن أحياء أبداً.


المواطنة والانتماءات الطائفية

توفيق طه: نعم، دكتور قبل أن أستمع إلى الدكتور جمال أسعد أريد أن أتحدث عن النقطة التي تحدثت عنها.. يعني هي كوتة غير معلنة أو بطريقة غير مباشرة، لكن لماذا في منطقتنا دائماً يجري الحديث عن تمثيل مسيحي ومسلم.. تمثيل سنّي وشيعي وكردي وقبطي وما إلى ذلك في حين أننا لا نجد مثل هذه المحاصصات في الدول الغربية التي تدافع عن حقوق هذه الأقليات كما تسميها؟ لماذا تغيب فكرة المواطنة في عالمنا العربي والإسلامي لصالح الانتماءات الطائفية وحتى المذهبية أحيانا؟

"
الناس في العالم العربي يخلعون أنفسهم من الانتماء السياسي للدولة وللأحزاب الديمقراطية إلى الانتماء السياسي للطائفة والدين بسبب غياب الديمقراطية
"
محمد سليم العوا: أشكرك يا أخ توفيق على هذا السؤال بالغ الأهمية، الفكرة الطائفية والدينية تعلو في مجتمعاتنا العربية والإسلامية لأمرين، الأول عمق الشعور الديني وتجذره، هذا الشعور الديني في الغرب ليس على النحو الذي هو عليه في بلادنا قطعاً وهذا يعرفه الناس كلهم، هذا من العلم العام، لكن أيضاً وأهم من تجذر الشعور الديني غياب الديمقراطية، نحن لا توجد في أرضنا العربية الإسلامية أي دولة تمارس فيها الديمقراطية بمعنى حق الشعب في أن يحكم بنفسه، في أن يختار حكامه بنفسه، في أن يغير حكامه متى شاء، في أن يجري انتخابات مبكرة فيعزل الناس، نحن حكامنا يحكموننا ثلاثين سنة وأربعين سنة وستة وعشرين سنة سبعة وعشرين سنة ويورثون أولادهم والذين لا يورثون يعدلون القوانين والدساتير لكي تكون الوراثة قانونية ودستورية، هذا عبث يجعل الناس يخلعون أنفسهم من الانتماء السياسي للدولة وللأحزاب الديمقراطية إلى الانتماء السياسي للطائفة والدين وهذا الانتماء السياسي للطائفة والدين أكبر خطر لأنه يحول الحياة السياسية إلى حياة دينية يتصارع الناس فيها بعقائدهم وما لم تقم ديمقراطية حقيقية في بلادنا ستظل المسألة الطائفية موجودة ما فيش فائدة.

توفيق طه: نعم، لنحاول أن نستمع إلى الدكتور جمال أسعد.. ما يقوله في هذه المسألة؟ نعم، دكتور جمال هل تسمعني؟

جمال أسعد- كاتب سياسي قبطي: السلام عليكم.

توفيق طه: وعليكم السلام تفضل.

جمال أسعد: لا شك أن قضية الاحتقان الطائفي في مصر هي قضية بدأت تدخل في منحنيات خطيرة وللأسف الشديد كلنا يعالج هذه المنحنيات بأسلوب الطبطبة وأسلوب تمييع القضية وأساليب لم تعد تجدي على الإطلاق حيث أنها تمثل خطورة حقيقة على التماسك الوطني في مصر، لا شك أن هذا المناخ المتوتر الطائفي بدأ بالفعل في السبعينات وازداد اشتعالاً بعد المواجهة بين السادات وبين البابا شنودة وبعد التحفظ على البابا شنودة خرج بعد ذلك البابا زعيماً سياسياً ودينياً منتصراً التف حوله الأقباط، القدر والتاريخ أفاد هذه الزاوية بعد الجماعات الإرهابية عندما كانت تعتدي على الكنائس وعلى المسيحيين فزادت هجرة الأقباط إلى الكنيسة وكان هناك معتقداً راسخاً في نفوسهم أن الكنيسة هي الحامية لهم وأن البابا هو الممثل السياسي لهم وللأسف الشديد وبصراحة شديدة أن تواكب مع ذلك ضعف من النظام ومن الدولة وهذا له جانب تاريخي.. قبل أن يكون هناك ما يسمى بحقوق المواطنة في الدولة المصرية عندما كان يحكم مصر غير مصريون فلم يكن المصريون مسلمين أو مسيحيين لهم حقوق حقيقية ولم يكن حتى يجند مسلم أو مسيحي، عندما بدأ رفع الجزية عن الأقباط 1855 كانت الكنيسة فعلاً باعتبار الأقباط أقلية كانوا يعاملوا كجالية أجنبية، كانت الكنيسة هي المسؤولة عن تلك الجالية ولكن مع التطور وبدأ الأقباط يمارسون الحياة العامة وكانت ذروة الممارسة السياسية ثورة 1919 ولكن حدث انكفاء حقيقي في السبعينات، فأصبحت الكنيسة تأخذ دوراً في مواجهة الدولة الضعيفة التي تسمح للكنيسة بأخذ هذا الدور، فأصبحت الدولة تتنازل عن مشروعية حماية مواطنيها للكنيسة، القضية هنا هل هناك مشاكل للأقباط؟ نعم هناك مشاكل للأقباط، هل تصل إلى مرحلة الاضطهاد؟ لا يوجد بالمعني العلمي والسياسي اضطهاد، لأن لا يوجد تفرقة قانونية ودستورية بين مواطن مصري ومواطن مصري ولكن هناك في السياق الاجتماعي وفي التعامل التاريخي تراكمات طائفية أحدثت بعض التمايز ضد الأقباط ولا ينكر أحد هذا، هناك بعض المواقع غير موجودين فيها الأقباط؟ نعم مثل رؤساء الجامعات والمخابرات وإلى آخر هذا الكلام الذي يعرفه الدكتور سليم العوا ولكن القضية هنا، كيف يمكن أن نحل هذه المشاكل في إطار مشاكل مصرية وفي إطار سياسي؟ هنا عندما بدأت الكنيسة تتبنى هذه المشاكل وبدأ الشباب يعتصمون ويتظاهرون في الكنيسة مما يرضي القيادة الكنسية سياسياً ولكن هذا أكد أن هذه المشاكل ليست مشاكل مصريون وليست مشاكل سياسية ولكنها مشاكل طائفية مسيحية تخص الكنيسة مما أفرز المواطن المصري المسلم بعيداً عن هذه المشاكل وبدأ من الطبيعي أن ينظر إليها أنها مشاكل طائفية خاصة لا تعنيه ولكن المشكلة هنا لابد أن تكون هذه المشاكل تخرج من الكنيسة ويتم المشاركة السياسية الحقيقية لكي تكون مشاكل مصريين الدولة مسؤولة عنها والمجتمع زي ما بيقول الدكتور سليم مسؤول عنها، لأن القضية.. لو سمحت..

توفيق طه [مقاطعاً]: شكراً جزيلاً لك دكتور جمال أسعد، شكراً جزيلاً لك، إذاً هي تراكمات طائفية في الممارسة الاجتماعية، ربّما مشاكل طائفية داخل الكنيسة يعني لاقت صداها لدي الإسلام ولكن لا قوانين تضطهد المسيحيين في مصر ولا في غيرها من الدول العربية، نلاحظ.. يعني أن هناك مَن.. يعني ينادي أو يأخذ على بعض الدول الإسلامية أنها تمنع التبشير ويقولون مادامت.. يعني المسلمون.. يعني يعطون لأنفسهم الحق بالدعوة إلى الإسلام لماذا لا يعطى للمسيحيين الحق في الدعوة إلى المسيحية؟ ما ردك على ذلك دكتور محمد سليم؟

محمد سليم العوا: هذه مسألة فيها إشكاليات كبيرة جداً آخرها الوثيقة المنسوبة إلى الأزهر التي قيل إن وكيل الأزهر السابق وقع عليها والتي ينكرها شيخ الأزهر ويؤكدها بعض الأزهريين، لكن المشكلة الحقيقة في حق الناس في الدعوة إلى دينهم كيف يمارس، تمارس الحق في الدعوة إلى الدين داخل مجتمعك المسيحي أو الإسلامي أم تمارسه علانية؟ كل القضية دي أصبحت غير ذات موضوع أستاذ توفيق لأن الآن المحطات الفضائية.. القنوات الفضائية التليفزيونية التي تنشر المسيحية بالعشرات وفي مصر ثلاث محطات محطة اسمها سات 7 ومحطة اسمها أجابي أو أغابي بيقولوا عليها والمحطة التي تبث من قبرص ولا توجه إرسالها أظن إلا إلى مصر وهي محطة الحياة وهناك عشرات المحطات الأخرى على الأقمار الأوروبية وعلى الأقمار التي تبث في المنطقة العربية تذيع تبشيراً بالمسيحية ليل نهار والمشكل أن أحداً لا يستطيع أن يوقف هذه المحطات كما أن هناك محطات تذيع كلاماً إسلامياً بعضه يمس المسيحيين أو يضايقهم ولا يستطيع أحد أن..

توفيق طه [مقاطعاً]: ولا أحد أيضاً يستطيع أن يوقف هذه المحطات، لكن السؤال هنا دكتور محمد سليم..

محمد سليم العوا [متابعاً]: أيوة هذا اللي أقوله لا يستطيع أحد أن يوقفها..

توفيق طه: عفواً.. يعني لماذا قامت الدنيا ولم تقعد في وجه محاكمة الأفغاني الذي ارتد عن الإسلام ودخل إلى المسيحية وتكلم في شأنه رؤساء دول عظمى بوش وحتى عنان الأمين العام للأمم المتحدة في حين صمت الجميع عندما أسلمت مسيحية في مصر وأخذتها الكنيسة.. انتزعتها وأعادتها؟ لماذا هذا النفاق في المعاملة؟

محمد سليم العوا: أنا منضم إليك في السؤال.. هما مسيحيتين وفاء قسطنطين وماري عبد الله وأنا كاتب عنهم كتابات طويلة في كتاب الدين والوطن، لكن عايز أقول لحضرتك إن هو السؤال كده لماذا الازدواج في المعاملة؟ لماذا الكيل بمكيالين؟ لماذا تهيج الدنيا إذا ارتد واحد عن الإسلام فحوكم طبقاً للشريعة الإسلامية ولا يتحرك شعرة في جسم مخلوق إذا انتزع مسلم من مجتمعه الإسلامي ورمي به في أحضان الكنيسة سواء كانت قبطية أو غير قبطية؟ هذا الازدواج في المعايير بالضبط زي الازدواج في المعايير الدولية أنه إذا تحرك أحد في العالم العربي شنت الحرب على العراق واستعمر وشنت الحرب على أفغانستان واستعمرت وهدد السودان بإرسال قوات دولية رغم أنفه وسوريا مهددة بالحرب عليه وإيران مهددة كل يوم بالحرب عليها بسبب النشاط النووي بينما إسرائيل تفعل ما تشاء، تقتل الفلسطينيين، تقاطع الشعب، تجوع الفقراء والمرضى والعجزة، تمنع التجارة، تعتقل وزراء في السلطة الفلسطينية وتعتقل نواب في السلطة الفلسطينية ولا يتحرك أحد، هذا الكيل بمكيالين هو الذي يرسخ الشعور بالاضطهاد..

توفيق طه: يعني المسألة ليست حرية اعتقاد كما يشاع دائما،ً ليست مسألة حرية اعتقاد..

محمد سليم العوا: لا ليست حرية اعتقاد..

توفيق طه: إنما مسألة استضعاف ربّما على مستوى الأمة الإسلامية والأمة العربية؟

محمد سليم العوا: نعم مسألة استضعاف ومسألة إظهار الاستخذاء من قبل المسؤولين والحكام، الحكام يظهرون الاستخذاء التام أمام أميركا والغرب وأمام دول العالم التي تعد كبرى أو شبه كبرى ويظهرون الاستئساد على شعوبهم، هذا التعامل المزدوج من الحاكم مع شعوبهم ومع الدول الكبرى لا سيما أميركا وإسرائيل اليوم وأنا أقول كبرى طبعاً بين قوسين إسرائيل دولة صغيرة لكنها تمارس في منطقتنا وتعامل كما لو كانت دولة كبرى.. هذا الاستخذاء من الحكام يؤدي إلى شعور الناس بالاضطهاد الذي ينفسون عنه فيما نسميه الآن أحداث فتنة طائفية أو أحداث فتنة اجتماعية أو أزمة أو ما إلى ذلك، لو أن هناك عدلاً في الموازين الدولية أخ توفيق وفي الموازين المحلية ما وقع هذا كله.

توفيق طه: نعم قبل أو حتى لا يأخذنا الوقت.. حتى لا يدركنا الوقت دكتور محمد سليم أريد أن أستفسر عن موضوع يعني عن موقف الإسلام من مسألة.. يعني إنتاج فيلم في مصر عن آلام المسيح على غرار ما جرى في الغرب بإشراف الكنيسة القبطية، ما هو موقف الإسلام من إنتاج مثل هذا الفيلم الذي يفترض أن يجري في تصوير السيد المسيح عليه السلام؟

محمد سليم العوا: أنا لا بأس عندي من أن تنتج الكنيسة ما شاءت من أفلام وبالمناسبة هي لها أفلام اسمها يسوع المسيح وأفلام اسمها الكتاب المقدس من جيل إلى جيل وأفلام كثيرة تملئ الدنيا وإعلاناتها على الطريق الصحراوي بين القاهرة والإسكندرية وإعلاناتها في الطائرات المصرية وعلى التلفزيون المصري، هذا شأنها وحقها وأنا مع الكنيسة في أن تنتج ما شاءت من أفلام وأن تنتج ما شاءت من مسرحيات، لكن كمان يجب أن يسمح للمسلمين بأن ينتجوا ما شاؤوا من أفلام ومن مسرحيات ولا تكون رقابة على الفيلم إذا كان ذا توجه إسلامي ويمنع عنه الرقيب ويمنع مقصه ويمنع رأيه ويمنع نصحه وتوجيهه إذا كان فيلم مسيحي، أنا لا اعتراض لي أبداً على إنتاج فيلم عن آلام المسيح ولو تضمن ما يخالف العقيدة الإسلامية، لأنه العقيدة الإسلامية تخالف العقيدة المسيحية ونحن لا نريد من النصارى أن يعتقدوا عقيدتنا، نريد أن يتركونا نعيش في سلام ونحن نتركهم في سلام.

توفيق طه: يعني في الختام قبل أن ننهي هذه الحلقة أريد أن أسمع منك باختصار شديد عما يعني الوسائل الممكنة لكي نجنب أوطاننا مثل هذا الداء.. داء الطائفية ونخرج بها إلى حدود المواطنة دون تمييز بين.. ودون مشاكل بين مسلمين ومسيحيين؟

محمد سليم العوا: يا سيدي حل هذه المشكلة ليس في أيدي الرسميين ولا في أيدي الحكوميين، الرسميين أعني بهم العلماء ولا في أيدي.. والقساوسة ولا في أيدي الحكوميين وإنما في أيدي القوى الشعبية المؤثرة، يجب أن يجلس المؤثرون في الشعب.. يعني القيادات الشعبية التي يسمع لها ويطاع، يجب أن يتكلم أناس من أمثال يوسف القرضاوي مع أناس من أمثال الأنبا موسى والأنبا يؤنس والأنبا مرقص الذين يؤثرون في الشعب المسيحي ويجب أن يتحدث ناس من أمثال مهدي عاكف وعصام العريان وغيرهم من قيادات الإخوان المسلمين مع القيادات القبطية المثقفة، هذا الحديث الشعبي هو الذي يؤدي إلى نتيجة أما الحديث الرسمي فانتظر إلى يوم القيامة.

توفيق طه: نعم، في.. شكراً جزيلاً لك دكتور محمد سليم العوا الأمين العام للاتحاد العالمي للعلماء المسلمين رئيس جمعية الثقافة والحوار في مصر على هذه المشاركة في هذه الحلقة من الشريعة والحياة حول المسلمين والمسيحيين ويمكن لمشاهدينا تقديم أي اقتراحات حول هذه القضية وأي اقتراحات لقضايا أخرى في هذا البرنامج عبر البريد الإلكتروني الموضح على الشاشة sharia@aljazeera.net، شكراً لكم مشاهدين على هذه المتابعة وحتى نلتقي في الأسبوع المقبل لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وهذا توفيق طه يستودعكم الله، إلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة