إسبانيا تغير وجهها السياسي، وأوروبا متخوفة   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

أحمد كامل

تاريخ الحلقة:

22/03/2004

- تفجيرات مدريد والانتخابات الإسبانية
- التداعيات السياسية للتفجيرات
- تأثر الجالية العربية والإسلامية
- تغيير الخارطة السياسية لإسبانيا
- سعادة فرنسية ألمانية بسقوط أزنار
- بلير وبرلسكوني وتداعيات سقوط أزنار
- إجراءات أوروبية لمواجهة الإرهاب

أحمد كامل: أهلا بكم إلى حلقة جديدة من برنامج من أوروبا نخصصها لمتابعة الأحداث التي شهدتها إسبانيا، في هذه الحلقة..

ثلاثة أيام تهز إسبانيا وتغير وجهها السياسي بعد اليمين الشعبوي الانعزالي إسبانيا تعود إلى روحها الأوروبية المتوسطية، الحكومة الجديدة تطمئن المهاجرين العرب والمسلمين وتعد بعلاقات طيبة مع الوطن العربي، معسكر أوروبا الأميركية يخسر أحد أركانه، ومسيرة الوحدة الأوروبية تستعيد الحماس الأسباني، عودة الروح إلى المحور الفرنسي الألماني، وبريطانيا تفقد أهم حليف لها في أوروبا، برلسكوني يخشى من تكرار سيناريو الأسباني سياسيا ووزراء الداخلية الأوروبيون يخشون من تكراره أمنيا.

تفجيرات مدريد والانتخابات الإسبانية

ثلاثة أيام هزت إسبانيا قلبت الرأي العام أسقطت الحكومة ودفعت ثلث الأسبان إلى النزول إلى الشوارع للتظاهر في سابقة لا نظير لها، ميشيل الكيك يستعرض من مدريد أحداث الأيام الثلاثة.

[تقرير مسجل]

مظاهرات في أسبانيا مؤيدة للحزب الاشتراكي (الفرنسية)
ميشيل الكيك: ثلاثة أيام غيرت وجه إسبانيا وغيرت تحالفاتها فقبل ساعات على تفجير القطارات في مدريد كانت كل الاستطلاعات الانتخابية تشير إلى تقدم حزب اليمين الشعبي الحاكم على الاشتراكيين بفارق يصل إلى ثلاث أو خمس نقاط على أن يحل أحد المقربين من خوسيه ماريا أزنار في رئاسة الحكومة وهو ماريانو راخوي ويقول بعض المحللين إن الانفجارات لو حدثت قبل شهر واحد مثلا لكان الحزب اليميني الحاكم قد تمكن من إعادة لم شمل ناخبيه لكن ثلاثة أيام لم تكن كافية كي ينقذ أزنار نفسه وينقذ حزبه فكان التحول سريعا وبَدَّل الناخبون من مواقفهم في اللحظة الأخيرة كما يقول هذا الناخب الذي تردد كثيرا قبل إسقاط الورقة في صندوق الاقتراع.

ناخب إسباني: لقد حسمت موقفي في النهاية وصوت للحزب الاشتراكي لأنني اعتبر أن حكومة أزنار قد خذلتنا وأقول أنني بدلت موقفي ذلك أنني كنت أريد التصويت لليمين قبل كل ما حدث.


حصد الحزب اليميني الهزيمة وفاز الاشتراكيون في زلزال انتخابي هز إسبانيا بكاملها فتحول الحزب اليميني إلى المعارضة بعدما حكم البلاد لثماني سنوات بقيادة خوسيه ماريا أزنار
ميشيل لكيك: هذه المرة لم يكن الناخبون قادرين على هضم الأكاذيب التي روجتها الحكومة اليمينية ودفعت ثمنها وحاولت من خلال وسائل الإعلام التأكيد على أن المنظمة الباسكية الانفصالية إيتا هي المسؤولة عن التفجيرات في وقت كانت فيه الدلائل تشير إلى تورط جهات إسلامية متطرفة فثارت التظاهرات بشكل عفوي وضمت الملايين ومعظم هذه التظاهرات نددت بأكاذيب الحكومة وأعتبر المتظاهرون أن ضلوع الحكومة بالوقوف إلى جانب واشنطن في الحرب على العراق سبب رئيسي في كل هذه المتاعب فانتزعت صور المرشح اليميني راخوي وسط غضب عارم عبر عنه الشارع الأسباني فكانت النتيجة أن حصد الحزب اليميني الهزيمة وفاز الاشتراكيون في زلزال انتخابي هز إسبانيا بكاملها فتحول الحزب الشعب اليميني إلى صف المعارضة بعدما حكم البلاد لثماني سنوات بقيادة خوسيه ماريا أزنار ليحل مكانه الأمين العام للحزب الاشتراكي خوسيه لويس ثاباتيروا الذي بدا حازما في مكافحة الإرهاب ليجري تغيرات جذرية قد تكون مهمة على الصعيد الأوروبي بعدما أتهم سلفه أزنار بإحداث شرخ وانقسام في الاتحاد الأوروبي واعدا بالعمل على تجاوز العقبات الرئيسية التي وضعتها إسبانيا أزنار في عجلة دوران الاتحاد ومنها الدستور الأوروبي الموحد.

التداعيات السياسية للتفجيرات

أحمد كامل: إسبانيا بعد تفجيرات مدريد هي إسبانيا غيرها قبلها، تيسير علوني يستعرض لنا من مدريد التغيرات السياسية في الحياة السياسية الأسبانية بعد تفجيرات الخميس الدامي.

[تقرير مسجل]

تيسير علوني: التداعيات التي خَلَّفتها تفجيرات مدريد كانت زلزلا سياسيا بكل معنى الكلمة فالحزب الشعبي اليميني الحاكم كان واثقا من فوزه في الانتخابات التشريعية إلا أن سوء تعامله مع الأزمة لعب دورا حاسما في تغيير اتجاه الريح السياسية الأسبانية في فترة قياسية لم تتجاوز ثلاثة أيام، الناخبون خرجوا إلى الشوارع بصورة عفوية قبل يوم واحد من موعد الاقتراع واتهموا الحزب الحاكم باستبعاد فرضية الإرهاب الإسلامي وإخفاء المعلومات عن الشعب من أجل تفادي دفع الفاتورة السياسية المترتبة على المشاركة الأسبانية في الحرب على العراق وهي حرب رفضها 90% من الشعب الأسباني.

الحزب الاشتراكي كان يراهن على أصوات المترددين والزاهدين في التصويت ولم يكن يطمع سوى في تحسين موقعه الانتخابي ولكن أحداث مارس غيرت الخارطة السياسية الأسبانية بأكملها وأدخلت فيها معطيات لم تكن تخطر على بال أحد فحزب اليسار الجمهوري مثلا وهو أحد حلفاء الاشتراكيين في حكم إقليم كتالونيا كان زعيمه كاروا دروفيرا متورطا في فضحية الاتصال مع منظمة إيتا لعقد هدنة لوقف العمليات المسلحة في كتالونيا مما أحرج موقفه وموقف الاشتراكيين وأضعف فرصهم في الفوز بالانتخابات العامة، هذا اليسار الجمهوري نال ثمانية مقاعد بعد أن كان لا يحظى سوى بمقعد واحد في الانتخابات التشريعية الماضية وبعض الأحزاب الباسكية التي لم تكن تحلم بمجرد دخول البرلمان حظيت بنسبة من الأصوات تؤهلها لدخوله للمرة الأولى في تاريخها فيما انخفضت أسهم اليسار الموحد إلى النصف بعد أن صوت قسم من ناخبيه لصالح الاشتراكيين.

الانتخابات تزامنت مع أخرى لانتخاب برلمان إقليم الأندلس الجنوبي الذي يتمتع بأعلى نسبة سكانية وتمكن فيه الاشتراكيون من تثبيت موقعهم الذي يحتلونه في حكم الإقليم برئاسة مانويل تشافيس منذ نحو عقدين من الزمن، رئيس الحكومة الأسبانية المقبل خوسية رودريغز ثاباتيروا أطلق رسائله الأولى بعد الفوز مباشرة ففي السياسية الخارجية أعلن عن تثبيت موقفه من الحرب على العراق من خلال عزمه على سحب القوات الأسبانية العاملة هناك ما لم تحظ هذه المشاركة بغطاء واضح من الأمم المتحدة الأمر الذي قد يقود إلى فتور في العلاقات مع واشنطن، وعلى الساحة الأوروبية يمكن اعتبار فوز الاشتراكيين مفتاحا لعودة إسبانيا إلى الانسجام مع سياسات الاتحاد بشكل أكبر بعد أن أبعدها اليمين عن هذه الساحة طيلة ثماني سنوات فيما يُتوقع أن تشهد العلاقات مع العالم العربي تحسنا ملحوظا وخصوصا مع المغرب الذي لا يزال يشعر بالمرارة من تداعيات النزاع على جزيرة ليلى أو برخيل كما يسميها الأسبان.

ولعل أهم ما يمكن أن يتبدل على صعيد السياسة الداخلية هو السياسات المتعلقة باستعادة ولو جزء بسيط من المكاسب التي فقدتها الطبقة العاملة أثناء حكم اليمين بالإضافة إلى إرخاء قبضة الحكومة فيما يخص سياسة الاستقلال الذاتي للأقاليم الإسبانية والنزوع إلى الحوار مع الأحزاب القومية إلا أن هناك ثوابت في السياسة الأسبانية لا يتوقع أن تتغير كالتحالف مع واشنطن والقواعد العسكرية الأميركية والعضوية في حلف الناتو والحرب على الإرهاب والحفاظ على الوحدة الوطنية في وجه طموحات الاستقلال الذاتي المتزايدة خاصة في إقليم الباسك ويعكف ثاباتيروا حاليا على تشكيل حكومة تتولى ترجمة هذه السياسات على أرض الواقع.

تأثر الجالية العربية والإسلامية

أحمد كامل: منذ توجهت التحقيقات نحو اتهام مجموعة من المغاربة بالمسؤولية عن التفجيرات تعيش الجالية العربية والمسلمة في إسبانيا لحظات حرجة جدا الجالية تخشى أن تُحمل مسؤولية أسوأ الأحداث في تاريخ إسبانيا، تقرير عياش دراجي من مدريد.

[تقرير مسجل]

عياش دراجي: كلما حدثت أعمال عنف في دولة غربية وحامت الشبهات والشكوك حول مدبرين عربا أو إسلاميين تجد الجالية العربية والمسلمة نفسها أمام جدل مهم ويبدأ الخوف في أوساطها من انعكاسات سلبية على اندماجها وحياتها اليومية وظلت الجالية المسلمة في إسبانيا تتوجس خيفة وهي ترى التحقيقات تتطور باتجاه إثبات تورط عناصر عربية في تلك العمليات.


أدركت السلطات الإسبانية المنشغلة بِهَم الأمن وهَم التغيير السياسي أن الأوضاع في البلاد بعد حوادث التفجير قد تؤدي توتر تكون الجالية المسلمة ضحيته فسارع عمدة مدينة مدريد إلى دعوة ممثلين عنها وطمأنتهم بأنهم لا يحملون تبعات ما حدث
وبات مشهد بعض الملتحين من المسلمين في الشارع الأسباني يثير انزعاج حتى بعض أبناء المسلمين الذين لا يريدون أن يُشار إليهم بالبنان ويكفيهم الذي هم فيه لكن هؤلاء يؤكدون أنهم من أبناء المجتمع الأسباني أيضا ولا علاقة لهم بما حدث حتى وإن تورط بعض العرب في تدبير تلك العمليات وإضافة إلى التوجس من المضايقات فقد شهدت شوارع الأحياء العربية في مدريد بعض التوتر الذي لم يكن مشهودا بشكل واسع ولا مسموعا بصوت عالي كاحتدام الكلام الذي لم يتجاوز الملاسنات العابرة بين بعض الشباب العرب ونظرائهم من الأسبان وأضحت الإحياء العربية في مدريد خصوصا موضوعا لوسائل إعلام مختلفة تحاول تشريح هذه الجالية ورصد انفعالاتها وردود فعلها والحال هكذا أدركت السلطات الإسبانية المنشغلة بِهَم الأمن وهَم التغيير السياسي أن الأمر قد يؤدي إلى توتر تكون الجالية ضحيته فسارع عمدة مدينة مدريد إلى دعوة ممثلي الجالية المسلمة في إسبانيا حيث طمأنهم بأنهم لا يُحملون تبعات ما حدث وأنهم جزء لا يتجزأ من المجتمع الأسباني وأثنى عمدة العاصمة إلى مسارعة المسلمين إلى التعاطف والتضامن مع بقية الأسبان ومع عائلات الضحايا وبل دعى التضامن مع مسلمي إسبانيا لأنهم هم أيضا في مرحلة صعبة وبدورهم ممثلو الجالية أكدوا على رفضهم واستنكارهم لما حدث بينما شددوا على ضرورة تفادي الخلط بين الإسلام وبين ما حدث ولتبقى الأمور في إطارها حتى وإن كان المدبرون من العرب ورغم أن السلطات الإسبانية منشغلة بالتغيير السياسي الكبير الذي شهدته عقب الحادي عشر مارس فإنها تبدي نوايا حسنة تجاه المسلمين وتحاول تفادي السقوط في التعميم والاتهامات العشوائية.

تغيير الخارطة السياسية لإسبانيا

تفجيرات مدريد الأخيرة أطاحت بأزنار
أحمد كامل: التفجيرات التي تحولت إلى زلزال سياسي هز إسبانيا وغَيَّر خارطتها السياسية هزت أوروبا وستغير موازين القوى السياسية فيها النتائج العملية بدأت بالظهور فعلا.

[تقرير مسجل]

بالإجماع أدان الأوروبيون تفجيرات الحادي عشر من مارس آذار في مدريد وبالإجماع حزنوا على ضحاياها لكن فريقا كبيرا منهم حكومة وشعوبا سعداء برحيل حكومة وحزب خوسيه ماريا أزنار اليميني الشعبوي فرغم أن إسبانيا بلد رياضي سياحي ولا تمثل إلا القوة الخامسة اقتصاديا والسابعة سكانيا والثامنة عسكريا في أوروبا إلا أن اللحظة التاريخية في السنوات الماضية منحتها دور المرجح لميزان القوى داخل القارة.


إسبانيا أزنار شقت عصا الطاعة على زعامة أوروبا التقليدية الممثلة بالمحور الفرنسي الألماني وشجعت لندن على تشكيل محور مقابل أميركي الهوى

إسبانيا أزنار شقت عصا الطاعة على زعامة أوروبا التقليدية الممثلة بالمحور الفرنسي الألماني وشجعت لندن على تشكيل محور مقابل أميركي الهوى يضم الحكومات اليمينية الشعبوية من مثل حكومة برلسكوني في إيطاليا ورسميوسين في الدنمرك وحكومات شرق أوروبا التي تعتبر واشنطن محررها من الحكم الشيوعي وحاميها من طموحات الدب الروسي ونقلت حكومة أزنار إسبانيا من موقع أكثر الدول حماسا إلى إتمام وتعميق الوحدة الأوروبية إلى موقع أكثر الدول إعاقة للمشاريع الوحدوية الأوروبية أكثر حتى من بريطانيا المتهمة بأنها أقل الدول الأوروبية أوروبية إسبانيا أزنار شلت مع بولندا مشروع الدستور الأوروبي وعطلت مع بريطانيا بلير مشاريع الدفاع الأوروبي الموحد وفرضت مع إيطاليا برلسكوني سياسات متشددة تجاه المهاجرين القادمين من الجنوب وساهمت في تعزيز هستيريا ما يسمى بالحرب على الإرهاب.

حكومة اليمين التي سقطت نقلت إسبانيا أيضا من موقع الجسر السياسي والثقافي بين أوروبا والوطن العربي إلى موقع رأس الحربة الأوروبي في الخاصرة العربية ونقلتها من موقع أكثر الدول الأوروبية تعاطفا مع القضية الفلسطينية إلى موقع المتفرج اللامبالي في أحسن الأحوال والمتبني للمواقف المنحازة إلى إسرائيل في أسوأها تصريحات خوسيه لويس ثاباتيروا رئيس الحكومة الجديد وكثير من أركان حزبه تؤكد أن إسبانيا ستعود كما كانت وإذا صدقت هذه التصريحات فإن خارطة أوروبا السياسية ستتغير، المتوقع في هذه الحالة دفع توحيد أوروبا بتبني الدستور الجديد قبل نهاية العام الحالي والارتقاء بالحد الأدنى المتفق عليه في السياسة الخارجية والأمنية المشتركة وتخفيف الغلو في المواقف المعادية للمهاجرين وأخيرا إبطاء التوجه الأوروبي نحو المزيد من الابتعاد عن الوطن العربي والانحياز إلى إسرائيل، بسقوط اليمين الشعبي في إسبانيا يخسر المعسكر ما يسمى بأوروبا الأميركية عضوا بارزا وتهتز مواقف مما زال في عضوية هذا المعسكر وما إعلان الرئيس البولندي بأن بلاده خُدعت بشأن أسلحة الدمار العراقية إلا أول الغيث.

أحمد كامل: نواصل هذه الحلقة الخاصة من برنامج من أوروبا حول الأحداث في إسبانيا بعد فاصل قصير أبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

سعادة فرنسية ألمانية بسقوط أزنار

أحمد كامل: سقوط حكومة اليمين في إسبانيا أعاد الروح إلى المحور الفرنسي الألماني القائد للاتحاد الأوروبي فطوال ثماني سنوات من حكمه لم يتوقف أزنار عن وضع العصي في طريق هذا المحور، تقرير يوسف دكاش من باريس.

[تقرير مسجل]

يوسف دكاش: هذا الرجل مشبع بروح الكبرياء الأسباني يعتقد بأن إسبانيا بلد عظيم وبالتالي يجب أن يحتل مكانا قياديا على الصعيد الدولي والأوروبي خوسيه ماريا أزنار الذي تزعم إسبانيا طوال ثماني سنوات ترجم رغبته الجامحة هذه على الصعيد الدولي بالانحياز المطلق إلى واشنطن إلى درجة دعمها في حرب عارضها 90% من الأسبان وترجم ذات الرغبة على الصعيد الأوروبي بإزعاج المحور الفرنسي الألماني القائد للاتحاد الأوروبي.

كل الأوروبيين يعرفون أن الاتحاد الأوروبي هو ثمرة المصالحة التاريخية بين باريس وبرلين وأن الدولتين هما أكبر قوتين اقتصاديتين في أوروبا وأول كتلتين سكانيتين فيها كل ذلك سمح لألمانيا وفرنسا بلعب دور القائد والكبير الذي يعتبر جميع الآخرين صغارا بالمقارنة به كلمة بلد صغير كانت بالضبط ما يزعج أزنار هذا ما قاله مقربون منه وأكده في مواقفه طوال ثماني سنوات كان رئيس الحكومة الأسبانية السابق كان يحاول أن يثبت أن بلده كبير وأقصر الطرق لتحقيق هذا الهدف تمر دون شك عبر مهاجمه المحور الفرنسي الألماني فإذا كان المحور يعارض الهيمنة الأميركية على العالم ويؤيد بناء دفاع أوروبي وتبني دستور للاتحاد الأوروبي ويسعى لحل فيه شيء من العدل للقضية الفلسطينية فإن حكومة أزنار تبنت مواقف معاكسة تماما وذهبت هذه الحكومة أبعد من ذلك حين سعت إلى شق الصف الأوروبي بإقامة محور موازٍ للمحور الفرنسي الألماني يضم بريطانيا وحكومة اليمين الشعبي بزعامة سيلفيو برلسكوني في إيطاليا وتبرع أزنار بمهمة جذب دول أوروبا إلى هذا التكتل الفريد وغير المتجانس انتهاء حقبة حكم اليمين الشعبي في إسبانيا يشكل بالتأكيد خبرا سعيدا لباريس وبرلين إنه يضعضع معسكر واشنطن داخل أوروبا ويمهد لانفراط المحور المشاكس خاصة إذا سقط برلسكوني في الانتخابات الإيطالية المقررة خلال أشهر.

بلير وبرلسكوني وتداعيات سقوط أزنار

أحمد كامل: التغيير الحكومي في إسبانيا أفقد بريطانيا ومن خلفها الولايات المتحدة حليفها الأوروبي الأول وبَدَّد حلم بلير بإقامة محور أوروبي موازٍ للمحور الفرنسي الألماني، تقرير ناصر البدري من لندن.

[تقرير مسجل]

سلفيو بيرلسكوني يخشى أن يلقى مصير أزنار
ناصر البدري: رغم العزلة السياسية التي قد يجد رئيس الوزراء البريطاني توني بلير فيها بعد نتيجة الانتخابات الأسبانية إلا أنه يبقى مصرا على مواقفه تجاه المسألة العراقية وضرورة إبقاء القوات البريطانية هنالك حتى استكمال مهمتها.

توني بلير- رئيس الوزراء البريطاني: الاعتقاد أننا عندما نتنازل فيما يتعلق بالمسألة العراقية لنرضي هؤلاء الإرهابيين اعتقاد ثابت فهؤلاء سيواصلون أسلوبهم إنها حرب على الديمقراطية وأسلوب حياتنا وحريتنا لذلك يتعين علينا مضاعفة جهودنا لهزيمة الإرهاب وتعزيز التعاون الدولي البناء لتحقيق ذلك.

ناصر البدري: أغلب المحللين السياسيين يؤكدون على أن فوز الاشتراكيين في إسبانيا وإعلانهم سحب قواتهم من العراق نهاية شهر يونيو المقبل يعيد رسم خارطة التحالفات السياسية في القارة الأوروبية لصالح محور باريس برلين ولعل أسوء ما يخشاه بلير هو أن يكون سحب القوات الأسبانية من العراق بداية انفراط عقد التحالف الدولي الهش هنالك خاصة إذا استمرت حالة عدم الاستقرار في العراق، تداعيات أحداث مدريد لم تقتصر على الجوانب السياسية فقط فقد أثارت تلك التفجيرات حالة استنفار أمني قصوى لدى الأجهزة الأمنية.

جون ستيفنس- محافظ شرطة لندن: الخطر لا يتهدد مترو الإنفاق والقطارات فقط وإنما يتهدد لندن عموما ومرافق مثل الملاهي الليلية وغيرها من الأماكن أخرى.

ناصر البدري: عمدة لندن أقر بأن نجاة لندن من عمل إرهابي سيكون معجزة.

كين ليفينغسن- عمدة لندن: نعلم أن منظمة إرهابية ستنجح حتما في اختراق إجراءاتنا الأمنية ومن واجبنا أن نصعب مهمتهم وأن نقلل عدد الضحايا وأن ننقذ هؤلاء الجرحى في أسرع وقت ممكن.

ناصر البدري: وسط هذه الأجواء المضطربة داخليا وخارجيا وفي انتظار نتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية يؤكد بعض المراقبين السياسيين أن متاعب بلير بسبب الحرب على العراق مرشحة لمزيد من التصعيد.

أحمد كامل: إذا كانت حكومة أزنار هي أول حكومة تسقط ثمنا لمشاركتها في الحرب على العراق فإن حكومة الإيطالي سيلفيو برلسكوني تخشى حقا أن تصبح ثاني حكومة تدفع نفس الثمن.

[تقرير مسجل]

من حق رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني أن يكون أكثر القلقين مما جرى في مدريد وما حَلَّ بحكومة اليمين الأسبانية فوضع الملياردير الإيطالي وسياساته تكاد تكون نسخة طبق الأصل عن وضع حكومة أزنار وسياساتها، داخليا ينهج برلسكوني التوجه الشعبوي اليميني الذي يستميل طبقة واسعة من البسطاء بفضل إمبراطورية إعلامية فتاكة لكنه يخطئ بعداء المثقفين والملايين من النشطاء السياسيين من اليسار وحماة البيئة وأنصار السلام.


رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني أكثر القلقين بما حَلَّ بحكومة اليمين الأسبانية، لأنه مثل أزنار أيد احتلال العراق وأرسل قوات إليه رغم معارضة غالبية ساحقة من شعبه
مثل أزنار تماما أيد رئيس الوزراء الإيطالي احتلال العراق وأرسل قوات إلى أراضيه رغم معارضة غالبية ساحقة من شعبه وانحاز إلى إدارة بوش وأيدها في شن حرب منفلتة من كل قيد على ما يسمى بالإرهاب، ومثل نظيره الأسباني أبعد برلسكوني إيطاليا عن مواقفها التقليدية المؤيدة للفلسطينيين والمتفهمة للقضايا العربية وقربها إلى حد التماهي مع مواقف إسرائيل شارون ورغم أن سيد روما القادم من عالم الأعمال لم يعارض تبني الدستور الأوروبي كما فعل أزنار إلا أنه أعاق تبني سياسة خارجية موحدة وساهم في انقسام أوروبا تجاه الحرب على العراق وتجاه القضية الفلسطينية وفي العديد من الملفات الداخلية الأوروبية، بيرلوسكوني أنضم دون تردد إلى معسكر أوروبا الأميركية وفق التعبير الشائع وحوله لسانه السليط إلى متحدث باسم هذا المعسكر خاصة من خلال تهاجمه على الإسلام بألفاظ لم يسبقه إليها أي زعيم أوروبي وبسقوط حكومة اليمين في مدريد يخسر الزعيم الإيطالي حليفا رئيسا على الساحتين الأوروبية والدولية ويصبح مع بلير وحيدين بمواجهة محور ألماني فرنسي إسباني تلتف حوله غالبية دول غرب أوروبا وتحسب حسابه جميع دول شرقها، برلسكوني الذي ينتظر انتخابات عامة قبل نهاية العام يعيش هاجسا مضاعفا الخوف من تحول تفجيرات مدريد والزلزال السياسي الذي أحدثته إلى نموذج يحتذى في إيطاليا والخوف من الدفعة المعنوية الكبيرة التي حصل عليها اليسار الأوروبي عموما والإيطالي على وجه الخصوص بعد انتصار الاشتراكيين في إسبانيا.

إجراءات أوروبية لمواجهة الإرهاب

أحمد كامل: الحكومات الأوروبية من كان منها سعيدا أو آسفا بسقوط حكومة اليمين في إسبانيا أجمعت على الخوف من تكرار أحداث مدريد في بلادها واتخذت لتجنب ذلك إجراءات استثنائية، تقرير لبيب فهمي من بروكسل.

[تقرير مسجل]

لبيب فهمي: يرجى من المنظمات المتشددة أن توقف عملياتها داخل حدود الاتحاد الأوروبي خلال مائة وثمانين يوما إعلان لم تجرؤ دول الاتحاد الأوروبي على التصريح به علنا عقب الاجتماع الاستثنائي لوزراء الداخلية الذي خرج بقرار واحد تكليف الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية خافير سولانا بإعداد مشروع خطة أمنية شاملة لمكافحة ما يسمى بالإرهاب وذلك في مدة أقصاها ستة أشهر على أن يتم تعيين منسق أوروبي للشؤون الأمنية يسهر على التطبيق الفعلي للمخطط الأمني الجديد، فأمام عجز الدول الأعضاء منفردة في تحديد درجة الخطر الإرهابي الذي يهددها وتباين مواقفها بشأن إدارة المسألة الأمنية اكتفى الوزراء باتفاق حد أدنى يرضي جميع الأطراف هجمات مدريد وهاجس تكرارها في مدينة أوروبية أخرى لم يتمكن على ما يبدو من تغيير نظرة الأوروبيين للمسألة الأمنية التي مازلت تعتبر جزء من القضايا السيادية فقد رفضت معظم العواصم الأوروبية فكرة إنشاء هياكل أمنية جماعية جديدة داعية إلى تكثيف التعاون ضمن الأجهزة القائمة كشبكة يوروبول الأمنية ويوروغوست القضائية وشددت على ضرورة الاكتفاء بالقوانين والتشريعات الحالية خاصة تلك التي تم تبنيها بعد هجمات نيويورك وواشنطن.

تشريعات تضم إرساء مذكرة اعتقال أوروبية وتحديد لمفهوم الإرهاب والدعوة إلى التعاون الاستخباراتي والتحقيق والمراقبة المشتركة في القضايا المتعلقة بالإرهاب، اقتراحات لم تعتمدها بعد أغلبية الدول الأوروبية في تشريعاتها الوطنية صعوبة التنسيق الأمني الفعال على المستوى الأوروبي والذي سيستمر ما لم تحدد بعد آليات إدارته يدفع بالدول الأعضاء إلى الاعتماد على أجهزتها الخاصة وقوانينها لاحتواء ظاهرة الإرهاب حيث تبنت معظم العواصم في السنوات الأخيرة مجموعة من التشريعات الخاصة لمكافحة الإرهاب تمنح الأجهزة الأمنية والقضائية صلاحيات كبيرة ففي محاولة للقضاء على هذا المرض العُضال الذي يهدد الآن كيان المجتمع الأوروبي المنفتح والديمقراطي تتحول الدول الأوروبية شيئا فشيئا إلى كيانات مُسيَّجة ومقيدة للحريات وضع أصبح يقلق كثيرا منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان.

أحمد كامل: انتهى لقاءنا معكم لهذا الأسبوع قبل أن أودعكم أُذكركم بأنه يمكنكم مراسلتنا عبر عنوانا الإلكتروني europe@aljazeera.net أو على رقم الفاكس المُبين على الشاشة 003222308610، نلتقي في الأسبوع المقبل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة