التحذير من تعديل ميثاق المحكمة الجنائية الدولية   
الخميس 28/6/1431 هـ - الموافق 10/6/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:33 (مكة المكرمة)، 13:33 (غرينتش)

- موجبات ونتائج المراجعة الجارية لميثاق المحكمة الجنائية الدولية
- التعديلات المقترحة وتأثيرها على استقلالية المحكمة

ليلى الشيخلي
محمد تاج الدين الحسيني
محمد علي المرضي
ليلى الشيخلي:
حذرت منظمة العفو الدولية من تعديل ميثاق محكمة الجنايات الدولية وفق التصورات الراهنة التي تقول إنها ستقود لتسييس المحكمة وتقويض استقلاليتها، يأتي التحذير فيما تجري في كمبالا مراجعة لميثاق المحكمة وسط توجهات لتفويض مجلس الأمن تحديد جرائم العدوان التي يمكن للمحكمة النظر والتحقيق فيها. حياكم الله، نتوقف مع هذا الخبر لنناقشه في عنوانين رئيسيين، ما موجبات المراجعة الجارية لميثاق المحكمة وكيف بدا حصاد عمل هذه الهيئة القضائية الدولية؟ وفي أي اتجاه تصب التعديلات المقترحة لجهة قدرة المحكمة على أداء دورها مع تزايد جرائم الحرب؟... ميثاق روما الذي أسس بالأحرى لأول محكمة دولية دائمة يخضع اليوم لمبضع التقييم، سبع سنوات من العمل والجدل انقضت من عمر المحكمة فتحت خلالها أربع تحقيقات وأصدرت تسع مذكرات اعتقال وتحتجز اثنين ينتظران المحاكمة، وفيما بدا الأمل معقودا أن توسع للمحكمة هوامش تحركها تزايدت بدل ذلك الخشية من انكماش هذه الهوامش وتآكل حياديتها ونزاهتها.

[تقرير مسجل]

نصر الدين علوي: لم تتوان منظمة العفو الدولية عن دعوة الدول التي صدقت على ميثاق روما المؤسس لمحكمة الجنايات الدولية إلى عدم قبول التعديلات المقترحة التي من شأنها أن تقوض عمل المحكمة، نداء العفو الدولية جاء بمناسبة انعقاد مؤتمر المراجعة الأولى لميثاق روما المنعقد في كمبالا العاصمة الأوغندية، وتقول المنظمة إن هناك توجها عاما لإعطاء مجلس الأمن وهو هيئة سياسية صلاحية إقرار أي الجرائم يمكن للمحكمة أن تحقق فيها دون تحديد فترة زمنية معينة، وتحاول أغلبية الدول المشاركة في المؤتمر منع المحكمة من التحقيق وملاحقة مواطني الدول غير الموقعة على ميثاق روما أو الدول التي صدقت على ميثاق روما وترفض التعديلات التي يجري التفاوض بشأنها، وتعتقد العفو الدولية أنه إذا منعت المحكمة من التحقيق في مثل هذه الجرائم ومقاضاة مرتكبيها فإن ذلك سيؤدي إلى نظام قضائي من مستويين، وتخشى العفو الدولية من أن أغلبية الدول التي كانت مؤيدة للمحكمة هي التي تدفع باتجاه مقترحات من شأنها تقويض قدرة المحكمة على التحقيق واتخاذ القرارات في حال حصول أي عدوان. المهم أن ما يجري في العاصمة الأوغندية هذه الأيام قد يحدث ثورة حقيقية في صلاحية محكمة الجنايات الدولية وقد يفقدها الكثير من استقلالها، فما جرى خلال السنوات الأخيرة من أحداث فضح في الحقيقة للدول الأعضاء سلوك محكمة الجنايات، لعل أهم هذه الأحداث مطالبة المدعي العام للمحكمة بتوقيف الرئيس السوداني عمر البشير بتهم ارتكاب جرائم حرب في دارفور السودانية، في المقابل لم تتحرك آلة محكمة الجنايات الدولية في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ولم يلاحق أي مسؤول إسرائيلي بتهم جرائم حرب رغم أن تقرير غولدستون أكد حصولها.

[نهاية التقرير المسجل]

موجبات ونتائج المراجعة الجارية لميثاق المحكمة الجنائية الدولية

ليلى الشيخلي: معنا في هذه الحلقة من الخرطوم محمد علي المرضي الخبير القانوني وعضو البرلمان السوداني، من الرباط معنا الدكتور محمد تاج الدين الحسيني أستاذ القانون الدولي في جامعة محمد الخامس. دكتور محمد تاج الدين أبدأ معك، سبع سنوات من بدء عمل المحكمة وهذه مراجعة مجدولة، ما الذي كشفته هذه المراجعة؟

محمد تاج الدين الحسيني: كشفت هذه المراجعة أن محكمة الجنايات الدولية عاجزة حتى الآن عن القيام بمهامها ليس فقط لأن عدد البلدان الموقعة والمصادقة يبقى محدودا بحيث هناك فقط 111 دولة التي وقعت وصادقت في البلدان العربية نلاحظ فقط أنه بغض النظر عن الأردن وجيبوتي وجزر القمر ربما باقي البلدان العربية لم تصادق، كذلك المحكمة وقعت في إشكالية تسييس، وأكثر من هذا يمكننا أن نلاحظ اليوم أن تلك الأصوات التي كانت في البداية تندد بالتسييس وعلى رأسها الولايات المتحدة ربما تسير بهذه المحكمة مجددا نحو التسييس، لأن المؤتمر الذي انعقد في كمبالا في أوغندة والذي انطلق في 31 الشهر الماضي وسوف ينتهي في الـ 11 من هذا الشهر، طرحت أمامه عدة قضايا للمراجعة، وأظن أن هناك اتجاها أميركيا يهدف إلى أن تصبح محكمة الجنايات الدولية مقتصرة على توجيه الدعوة من طرف مجلس الأمن الذي ستبقى له صلاحية الاحتكار علما بأنه حتى الآن المحكمة الجنائية لديها صلاحيات واسعة أولا على مستوى الإمكانيات المتاحة للوكيل العام فالوكيل العام له الصلاحية بأن يأمر بإجراء الأبحاث ويحيلها إلى الدائرة التمهيدية من أجل البحث فيها ثم تجري المتابعة، كما أن البلدان المعنية من حقها أن توجه مثل هذه الشكوى إلى الوكيل العام، اليوم إذا اتجهنا نحو مجلس الأمن بمفرده فمجلس الأمن هو جهاز سياسي قبل كل شيء، وأكثر من هذا مجلس الأمن يتخذ قراراته على أساس حق الفيتو والولايات المتحدة ستصبح بهذه الطريقة -إن هي صادقت على اتفاقية المحكمة- ستصبح متحكمة عن طريق الفيتو في إمكانية توجيه أي من الملفات إلى المحكمة من عدمه.

ليلى الشيخلي: طيب ربما هذا ما دعا كلوديو كوردون سكرتير عام أو الأمين العام للأمنستي إنترناشيونال منظمة العفو الدولية ليدق ناقوس الخطر، محمد علي المرضي إذا كانت المحكمة قد فشلت في السابق من تحقيق الأهداف التي بدأت من أجلها فإن التوجه الجديد سيجعل الأمر أسوأ حسبما ما قاله كلوديو كوردون يقول هذا التوجه سيؤدي إلى ازدواجية في معايير تطبيق العدالة، كيف؟

محمد علي المرضي: هذا صحيح وبلا أدنى شك لأن المحكمة أساسا قامت بالتراضي بين الدول وهي ليست جهازا من أجهزة الأمم المتحدة حتى يكون الجميع خاضعين لها وإنما تواضعت الدول في روما على فكرة المحكمة وأنشئت وأعد ميثاق روما ليحكم إجراءات هذه المحكمة الجنائية بموافقة بعض الدول ورفض الدول الأخرى التي لم توقع، فبالتالي لا يمكن أن يكون مجلس الأمن هو الجهة التي تحدد القضايا التي تحاكم والدول التي تحاكم والأشخاص المتهمون الذين يحاكمون، هذا بلا أدنى شك يخالف قواعد القانون الدولي ويخالف نصا صريحا في معاهدة فيينا لقانون الاتفاقيات بألا تخضع أي دولة لاتفاقية لم تصادق عليها أجهزتها التشريعية، أنا أعتقد أن هذا..

ليلى الشيخلي (مقاطعة): عفوا لمقاطعة هذه الفكرة ولكن أريد يعني هذه الجزئية تحديدا التي ذكرتها أن مجلس الأمن سيكون الجهة المخولة الوحيدة التي تحدد -كما قال كلوديو كوردون- تحدد جرائم العدوان التي يمكن للمحكمة أن تنظر فيها، جرائم العدوان هذه من كان يحددها في السابق؟ وهل كانت هناك أخطاء كبيرة بحيث تم الاحتياج إلى تغيير هذا الأمر؟

محمد علي المرضي: الجرائم محددة في ميثاق روبما ولكن الممارسة هي الخاطئة، الانتقائية التي كان يعمل بها مدعي المحكمة الجنائية الدولية وعدم المهنية من قبله في التعامل مع القضايا التي يحقق فيها واختياره أشخاصا بعينهم ودولا بعينهم ليحقق ويتحرى معهم، هذه هي الأخطاء التي جعلت الكثيرين يرفضون هذه المحكمة رغم أن الدول التي وقعت كثيرة في عددها ولكنها في وزنها قليلة للغاية إن استبعدنا الولايات المتحدة وروسيا.

ليلى الشيخلي: طيب دكتور محمد تاج الدين يعني من الثغرات أو الأخطاء الأكبر كما ذكر كان المادة 124 تحديدا التي تسمح بعدم محاكمة مجرمي الحرب لمدة سبع سنوت أولى هذه فهمت على أنها رخصة قتل مدتها سبع سنوات وكان يتوقع أن يتم التخلص من هذه المادة إزالتها تماما أو على الأقل مراجعتها تحديد فترتها ولكن هذا لم يحدث.

محمد تاج الدين الحسيني: إعلان هناك اليوم على جدول أعمال هذا المؤتمر الاستعراضي الذي ينعقد في كمبالا على جدول الأعمال عدة نقاط أساسية، من بين هذه النقاط مراجعة المادة الرابعة والعشرين التي تتعلق بتجديد ولاية المحكمة على مستوى إمكانية السماح لمدة سبع سنوات وأعتقد أن مثل هذه النقطة ستعرف التغيير، لكن ما هو أكثر أهمية على جدول الأعمال هو أن تضع المحكمة من تلقاء نفسها تعريفا واضحا ودقيقا لمفهوم العدوان، لأنه كما تعلمون العدوان طرقت إشكاليته عدة مرات من طرف الأمم المتحدة وأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي قرارا يحتوي على محاولة تعريف العدوان على أساس أنه فعل مسلح تقوم به دولة ضد دولة أخرى إلى آخره متجاوزا لحدود الاستقرار الإقليمي إلى آخره، اليوم العدوان أصبح يطرح لدى الكثيرين على أساس أنه كذلك شكل من أشكال الإرهاب لأنه إذا كان هناك إرهاب الأفراد وإرهاب الجماعات فهناك إرهاب الدول الذي هو أكثر خطورة لأنها تتمتع بالسيادة وبالقوة المسلحة، ففي إطار تعريف العدوان من طرف هذا الاجتماع له أهمية كبرى في تحديد المسار لكن كما قلت إذا ربط بمجلس الأمن فسنعود مجددا إلى نفس الحلقة المفرغة لأنه منذ تأسيس الأمم المتحدة ومجلس الأمن هو الذي يتحكم في إطار مقتضيات الفصل السابع في تحديد ما هو العدوان، إذاً النتيجة سوف تبقى واحدة وسوف تصبح إزدواجية المعايير إزدواجية مضاعفة لأنه بغض النظر عن إزدواجية المعايير التي يعيشها المجتمع الدولي للأسف في إطار قاعدة القانون سندخل إزدواجية أخرى فيما يتعلق بإعطاء الحق لبعض الدول في عدم قبول الخضوع للتغييرات الجديدة ويمكننا أن نرى صورة المجتمع الدولي كما هي عليه اليوم لنقتنع بهذا الواقع المر، كيف يعقل أن يوجه الاتهام إلى رئيس دولة يتمتع بالحصانة ويطلب تسليمه في نفس الوقت الذي تكون فيه جرائم خطيرة قد ارتكبت من طرف إسرائيل، مذبحة غزة التي راح ضحيتها أكثر من 1900 من القتلى وأربعة آلاف من الجرحى ثم ما وقع للسفينة أو ما يسمى بقافلة الحرية وهذه الجرائم لم يكن للوكيل العام في حاجة إلى أن يتوفر على أدلة، الأدلة موجود في شاشات التلفزيون وفي وسائل الضبط التلفزي.

ليلى الشيخلي: جميل، أنت أشرت إلى نقطة يعني هي عن توجيه التهم ومذكرة الاعتقال لرئيس دولة يحكم هذه سابقة، أتوجه لمحمد علي المرضي، طبعا في السودان لديكم موقف معين من هذا الموضوع، هل هذا هو السبب الذي من أجله شنت الصحافة في السودان حملة قوية جدا جدا على موضوع المراجعة، اعتبرتها حتى طورا جديدا من الاستعمار لإفريقيا كما سمتها، حتى أن بعض الخبراء منعوا من التوجه إلى كمبالا، هل ترى مبالغة في رد الفعل أم تراه مبررا؟

محمد علي المرضي: أنا أعتقد هذا موقف طبيعي للغاية لأننا من حيث المبدأ رفضنا أن نخضع للمحكمة الجنائية الدولية لأننا لم نصادق على ميثاقها وبالتالي فكل القرارات التي اتخذت في مواجهة السودان لم تكن إلا إنفاذا لمخطط يستهدف السودان رئيسا ودولة وشعبا، ولذلك نحن غير معنيين بالإجراءات التي تتخذ الآن في أوغندة ولكننا نلحظ أن هناك مسعى حثيثا من الدول الكبرى التي تريد أن تسيطر أكثر وأكثر على المحكمة الجنائية الدولية بأن تجعل مجلس الأمن هو الجهة والمرجعية لتحديد القضايا، المعلوم أن مجلس الأمن يقع في واقع الأمر تحت سيطرة الولايات المتحدة الأميركية. دعونا نتحدث بوضوح وموضوعية، الولايات المتحدة رفضت أن توقع على ميثاق روما حماية لمواطنيها وجنودها من أن يقدموا للمحاكمة في الجرائم التي ارتكبوها في العراق وأفغانستان وأماكن أخرى، ولكن رفضها توقيع الميثاق أبعدها عن السيطرة على المحكمة الجنائية الدولية فهي تود أن تردم هذه الفجوة بأن من وراء الكواليس تعمل على أن يحول الأمر برمته إلى مجلس الأمن حتى تستطيع أن تلتقط القفاز الذي فقدته..

ليلى الشيخلي (مقاطعة): طيب السؤال لماذا تلعب أطراف مختلفة من بينها الاتحاد الأوروبي دورا في هذا التوجه والرغبة الأميركية؟ أسئلة كثيرة نطرحها بعد الفاصل أرجو أن تبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

التعديلات المقترحة وتأثيرها على استقلالية المحكمة

ليلى الشيخلي: أهلا بكم من جديد إلى حلقتنا التي تتناول تحذيرات منظمات حقوقية من تسييس عمل محكمة الجنايات الدولية وتقويض استقلاليتها. محمد تاج الدين كنت قد تحدثت عن الجانب السياسي، بقاء الولايات المتحدة وإسرائيل تحديدا خارج إطار هذه المحكمة خصوصا أنهما دولتان توجه لهما تهم كثيرة بخصوص جرائم حرب في أفغانستان في العراق في غزة، كل هذه الأمور تصب في مصلحة الولايات المتحدة في البقاء خارج إطار المحكمة، إلى أين مصير القضايا المعلقة التي تخص هذه البلدان؟

محمد تاج الدين الحسيني: فعلا الولايات المتحدة وإسرائيل كانا من بين أوائل الدول التي رفضت المصادقة على ميثاق المحكمة الجنائية الدولية والسبب معروف، إسرائيل بسبب جرائمها التي لا تنتهي في لبنان في غزة في الضفة الغربية ضد قوافل الحرية إلى آخره، نزعتها العنصرية سلوكها العام، الولايات المتحدة تعتبر نفسها بمثابة الرمز الأساسي لأحادي القطبية والمهيمن على آلية الاستقرار في المجتمع الدولي وتخشى على لسان ممثليها في أعلى المستويات من أن يتعرض جنودها في وقت ما لمتابعة ما أمام هذه المحكمة ولذلك سبق لمسؤول سام في الحكومة الأميركية أن قال بأن الولايات المتحدة تعارض هذه المحكمة بأنها معارضة للتسييس تماما كما فعلت في اليونيسكو عندما انسحبت مرة من هذه المنظمة متهمة إياها بالتسييس، الولايات المتحدة اليوم تريد أن تعود وكأنها تدخل من النافذة لهذه المحكمة مستغلة هذا اللقاء الاستعراضي في كمبالا لتطرح فكرة جديدة وهي إعطاء صلاحيات أوسع لمجلس الأمن وهي مدركة تماما الإدراك أن مجلس الأمن تحت قبضتها بفضل حق الفيتو وتحالفاتها، اليوم فقط صادق مجلس الأمن رغم روسيا ورغم الصين صادق على العقوبات ضد إيران وهذا كان فيه مفاجأة لعدة دول مثل البرازيل وتركيا التي كانت تنتظر غير ذلك، إذاً الولايات المتحدة تشعر اليوم بأن مجلس الأمن تحت قبضتها وتعلم جيدا أن مقتضيات الميثاق صريحة، المادة 108 تمنع أي تعديل للميثاق إذا لم يحظ بأغلبية الثلثين داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة بما فيها الخمسة دول الدائمة العضوية، فهي إذاً تجد نفسها في وضعية مريحة وبالتالي يمكنها أن تدفع أمام المحكمة من تشاء من البلدان الضعيفة والبدان النامية في وقت تحتمي فيه وراء حقها في استعمال الفيتو وهذه وضعية خطيرة تذكرنا بشيء أساسي وهو أن القانون الدولي يعيش أزمة حقيقية يعيش أزمة اللامركزية يعيش المجتمع الدولي وضعية إحباط لا مثيل له وهي وضعية تراجعت فيها المبادئ والأخلاق لمصلحة المصالح الحيوية لهذه..

ليلى الشيخلي (مقاطعة): هذه الوضعية محمد علي المرضي كيف ستؤثر على القضايا التي تنظر فيها المحكمة حاليا؟

محمد علي المرضي: نعم سوف تؤثر بصورة مباشرة إذا أصدرت المحكمة الجنائية قرارا بتوقيف شخص ما فيمكن للدولة أن ترفض ولكن عندما يأتي هذا التوقيف من مجلس الأمن فإن أي دولة عضو في الأمم المتحدة ملزمة بأن تطبق قرارات مجلس الأمن، هذا هو الهدف الأساسي من تعديل الميثاق ووضع السلطة في يد مجلس الأمن حتى تستطيع الدول التي لها الهيمنة على مجلس الأمن أو لها السيطرة على مجلس الأمن أن تملي عليه ما تريد وتحمله على اتخاذ القرارت التي تنفذ بها سياستها، بالإضافة إلى أن مجلس الأمن يمكن أن يستخدم كعصا غليظة ضد الدول التي تشق عصا الطاعة على الدول الكبرى وترفض أن تنفذ مخططاتها فيمكن أن تلتف الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي حول هذا الأمر بأن تستصدر من مجلس الأمن قرارا بإحالة رئيس ما أو دولة ما إلى مجلس الأمن وما يكون أمام هذه الدولة ما تدفع به لأن هذا أمر صادر من مجلس الأمن وهو أعلى سلطة وكل الدول تخضع له.

ليلى الشيخلي: وبالتأكيد سيكون له أيضا انعكاسات على قضية الرئيس البشير تحديدا ولكن ربما مهم أيضا أن ننوه -سيد محمد تاج الدين- على الضغوط الأوروبية التي ذكرتها تقارير صحيفة، ذكر أن هناك دول هددت بحجب المساعدات عنها -دول إفريقية تحديدا- إذا لم تقبل بهذا التوجه الجديد.

محمد تاج الدين الحسيني: فعلا بلدان الاتحاد الأوروبي تحاول أخذ الأمور من الوسط في علاقاتها بكل الأطراف فعندما قامت الولايات المتحدة بمهاجمة أو غزو العراق لاحظنا كيف أن الموقف الأوروبي جاء ليعارض ذلك الاتجاه، ما تريد الولايات المتحدة أن تكرسه الآن هو أن تجلب إليها بلدان الاتحاد الأوروبي وقد وقع هذا فعلا فيما يتعلق بفرنسا وألمانيا ليس فقط على مستوى التدخل في عين المكان ولكن حتى على مستوى التكييف القانوني، الولايات المتحدة الآن تريد أن تضفي على سلوكها في المجتمع الدولي تريد أن تضفي عليه قاعدة القانون وبالتالي هذا الاتجاه الجديد فيه نوع من الخطورة على مفهوم الشرعية الدولية بحيث كيف يعقل أن تبقى إسرائيل حتى اليوم بعيدة عن أي متابعة قضائية رغم أن جرائمها مثبتة بالصوت والصورة ومعروفة لدى الجميع في وقت يتم التوجه إلى بلدان نامية تعيش مشاكل لا حدود لها وتعرف صراعات قبلية ويتم متابعة مسؤولين، علينا هنا أن نطرح القضية بكل صراحة لنقول إن القانون لا يعرف إزدواجية المعايير، القانون يقف على مبدأ الإنصاف ومعاملة جميع الأطراف بنفس وسائل العقاب، المحكمة بين يديها إمكانية إصدار أحكام إلى حدود ثلاثين سنة سجنا، إمكانية اصدار أحكام بغرامات بالمصادرة إلى آخره.

ليلى الشيخلي: تحدثت عن قادة الدول النامية بما أنك ذكرتهم، للأسف الوقت ضيق جدا، يعني ماذا عن قادة ورؤساء سابقين وجهت وهناك حملة شرسة لملاحقتهم قانونيا بسبب جرائم حرب، اتهامهم بجرائم حرب، توني بلير وجورج بوش الابن هل فرص ملاحقتهم قضائيا تضاءلت أم تلاشت تماما محمد علي المرضي؟

محمد علي المرضي: قطعا تلاشت بلا أدنى شك لأنه إذا أحيل الأمر إلى مجلس الأمن ليتخذ فيه ما يرى ويحيل من يحيل فهذا يعني أن الذين لهم وزن في دولهم ولدولهم أوزان عالمية سوف يفلتون من العقاب بلا أدنى شك، وهذا هو المقصد هذا هو واحد من الأسباب ولكن الأسباب الأخرى كثيرة للغاية أهمها السيطرة أهمها خلق الفوضى، الفوضى الخلاقة في الدول النامية والأهم من ذلك إحكام القبضة على مجلس الأمن وتوجيهه في اتجاه يخدم مصالح الدول الكبرى. نحن نعتقد أن هذا اتجاه خطير للغاية سيقوض مبادئ العدالة ويفتح الباب أمام استهداف الدول الضعيفة ويجعل من السهل على كثير من الشخصيات العالمية ورؤساء الدول الكبرى أن يفلتوا من العقاب.

ليلى الشيخلي: شكرا جزيلا لك محمد علي المرضي الخبير القانوني وعضو البرلمان السوداني وشكرا جزيلا للدكتور محمد تاج الدين الحسيني أستاذ القانون الدولي في جامعة محمد الخامس، وشكرا على متابعة هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر، بأمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة