ملف الثورة العرابية ج1   
الثلاثاء 2/1/1432 هـ - الموافق 7/12/2010 م (آخر تحديث) الساعة 12:09 (مكة المكرمة)، 9:09 (غرينتش)

- بدايات محمد عرابي وصعود القوى الوطنية
- عرابي أمام قصر عابدين

- حبكة تحاك وراء البحر

- مواجهة غير متكافئة

لطيفة سالم
صلاح عيسى
رفعت السعيد
عبد الوهاب بكر
يوجين روجان
["وكنا نتعجب كيف أن الترميمات في الطوابي العادية تعد تهديدا وحضور المراكب الحربية وإحاطتها بالثغور المصرية لا تعد تهديدا!! ولكن نتذكر أن الحق للقوي. أحمد عرابي]

عماد همام: الحق للقوي أو كما يعبر عنها الإنجليز might is right معادلة قديمة قدم البشرية بسيطة كمنطق الأطفال إلا أن نوازع الطفولة أحيانا ما تغري بتحدي هذا المنطق، أو على الأقل أن هذا ما خلص إليه أوكلان كولفين وهو يصف حال الضباط المصريين الذين وقفوا في ساحة عابدين في 9 سبتمبر/ أيلول 1881. في اليوم التالي أي 10 سبتمبر/ أيلول جلس كولفن بصفته المراقب المالي البريطاني في مصر يكتب تقريره إلى وزير خارجيته عن الواقعة التي شهدها عيانا "أنا لا أظن أن الضباط أشرار ولكنهم أطفال لا يدركون خطورة ما يقومون به، وإذا مد إليهم جسر تراجع يضمن والي البلاد عدم تكرار أعمال العنف فلن أوصي بحال باتخاذ إجراءات متطرفة بحقهم" إلا أن إجراءات متطرفة قد اتخذت بالفعل فبعد 303 أيام من مذكرة كولفن كانت مدفعية الأسطول البريطاني تدك بقسوة هذه المدينة "الاسكندرية"، اليوم يطلق اسم عرابي على هذا الميدان الذي كان في القلب من القصف البريطاني مع ظهيره المسمى بميدان التحرير والمميز –للمفارقة- بإطلالة جنات مكان محمد علي باشا. هنا مركز الاسكندرية وقلبها النابض هكذا تبدو المنطقة اليوم وهكذا بدت يوم 12 يوليو/ تموز 1882، وما بين التاريخين جرت مياه كثيرة في النهر والبحر، تلاطمت الأمواج ما بين المحيط والخليج وضاقت صفحات الوثائق بأوزارها.

- المجلس ده بدأ يقل قدره.

- ما نلغي قصة محمد علي ده ونعلنها جمهورية.

- أحدهما نصحه بأن يطلق النار على عرابي والآخر طلب منه أن ينسحب.

- الحي الشعبي انطلق الناس بالشوارع بيقولوا جرى إيه يا مسلمين بيقتلوا إخواننا.

- سقطت على الإسكندرية 3270 قذيفة.

- عرابي كان مغامرا.

- لم يكن رجل من رجال الفن العسكري.

- كان شخصية مش مثقفة.

- فعرابي ده كان الباشا بتاع مصر.

- رجل فلاح عسكري.

- وكتبوا عن بعض الكتابات لا تليق.

- عرابي رد عليهم "وهذا شأن أولاد الكلاب"

- الغفلة يا سيدي.

عماد همام: صار لفظ ميدان عرابي يقبل أن يتجاوز مدلوله الجغرافي ليمثل موقفا وموضعا مختلفا عليه، فينا من يراه موضعا للعزة ومن يراه موضعا للهزيمة، تراه غالبيتنا موضعا للمنفى ولا يختلف أحدنا عليه كموضع للغضب. ولكن ماذا عن الآخرين، كيف يبدو ميداننا في أعينهم؟ وهل حقا أن دورهم وفي غفلة منا قد تجاوز مجرد الرؤية الثاقبة إلى تشكيل الصورة بالكامل؟

بدايات محمد عرابي وصعود القوى الوطنية

عماد همام: عندما تولى الوالي محمد سعيد باشا حكم مصر في يوليو/ تموز 1854 أمر بدخول أولاد مشايخ البلاد وأقاربهم في العسكرية، فانتظم عرابي في سلك الجندية في ديسمبر/ كانون الأول عام 1854 وعمره وقتها يناهز15 ، "يجب أن يكون معلوما يا بني أن ترقية العربي إلى يوزباشي سوف تكون خطرا على أسرتنا ولو بعد مائة عام"، إلا أن محمد سعيد باشا الابن الأصغر لمحمد علي خالف هذه النصيحة على طول الخط ونزع إلى تمصير الجيش على نطاق واسع ما ساعد عرابي على بلوغ أعلى الرتب العسكرية في زمن قياسي، انقلبت الأمور في عهد إسماعيل باشا فقد اضطهد عرابي كونه محسوبا على الوالي السابق كما يصف هو نفسه".ومكثت برتبة القائم مقام 19 سنة وأنا أنظر إلى اليوزباشية والملازمين الذين كانوا تحت إدارتي وقد صار بعضهم أمير ألايا وبعضهم أمير لواء وبعضهم أمير الأمراء" وعلى صعيد الشأن العام أيضا تغيرت الأحوال فرغم ضخامة مشروع إسماعيل النهضوي إلا أن هذا المشروع قد اكتنفه سلوك من البذخ ما أدى للاقتراض الذي أفقد مصر في النهاية أسهمها في شركة قناة السويس. في 17 أبريل/نيسان 1876 أرسل الجنرال إدوارد ستانتون القنصل البريطاني العام في مصر برقية إلى حكومته يبلغها أن خديوي مصر قد أعرب عن رغبته في التوصل إلى إجراءات لتوحيد ديون حكومته أو إدارة ممتلكاته لتخفيض الرسوم الزائدة المترتبة على الديون.

لطيفة سالم/ أستاذة التاريخ المعاصر: أذكر أنه شفت وثيقة ضابط من الضباط بيوري له جرابه المقطع بيقول له هل يليق أن يكون هناك ضابط في جيش أفندينا بهذا الجراب.

عماد همام: في هذه الظروف اشترك عرابي في تأسيس ما عرف بجمعية مصر الفتاة التي كان لسان حالها جريدة أبو نظارة لمؤسسها يعقوب صنوع وقد سامت إسماعيل سياط النقد اللاذع بل وصلت أهدافها إلى حد وجوب عزله، على أن جمعية مصر الفتاة لم تكن أكثر ما يؤرق إسماعيل وخاصة بعد أن أرغم في 28 أغسطس/ آب 1878 على توقيع مرسوم بتشكيل حكومة مختلطة تتضمن وزيرين أجنبيين ويرأسها نوبار باشا الموالي للغرب.

صلاح عيسى/ كاتب صحفي: الخديوي إسماعيل في الواقع حين وجد نفسه في مواجهة مع الدول الأوروبية تستهدف السيطرة على مقدرات مصر وشل قدرته على إدارة البلاد فبدأ يلقي بنظره إلى القوى الوطنية الموجودة في مصر.

رفعت السعيد/ مفكر وسياسي: الجو كان مناوئا لإسماعيل فقرر أن يشرك معه كبار الملاك وكبار الأغنياء في اللعبة وأن يستدرجهم ليستصدروا قرارات لصالحه.

صلاح عيسى: تشكل ما سمي بالجمعية الوطنية وهذه الجمعية الوطنية عملت بيان مطالب وهذه المطالب بتشمل تصفية وطنية للديون تشمل إنشاء مجلس نواب وتشمل دستور.

عماد همام: دعم إسماعيل تلك اللائحة الوطنية بدون تحفظ ضاربا بعرض الحائط احتجاجات الدول الغربية عليها وذهب بعيدا فأمر بتشكيل حكومة وطنية برئاسة شريف مقصيا بذلك الوزيرين الأجنبيين، كما أعطى الضوء الأخضر لإعداد لائحتين فرعيتين الأولى تتضمن الدستور وقد تم تقديمها بالفعل والثانية خاصة بالانتخابات وكانت لتقدم في غضون أيام لولا نجاح إنجلترا وفرنسا في استصدار فرمان من السلطان العثماني بعزل إسماعيل. لم يخف عرابي شماتة واضحة في إسماعيل وابتهاجا بمجيء توفيق حيث يذكر في رسالته لجرجي زيدان محرر مجلة الهلال "فانظر إلى آثار قدرة الله تعالى واعلم أنه يكال لك بالكيل الذي تكيل به". ولكن لأي مدى كان عرابي مصيبا في ابتهاجه بتوفيق الذي ارتقى العرش مدعوما بالإنجليز؟

صلاح عيسى: هو توفيق شخصية محيرة جدا لأنه طبعا في بداية الثورة هو بدأ كان من ضمن المتعاطفين مع الثوار.

لطيفة سالم: توفيق كان بيكره الإنجليز أو بيكره التدخل الأجنبي في ذلك الوقت.

صلاح عيسى: كان ممن يلتقون بالأفغاني ويتأثرون به.

لطيفة سالم: كان من ضمن جماعة الأفغاني وكانوا كمان عندهم محفل ماسوني.

صلاح عيسى: هو يعني ممن شجعوا الثوار في بداية عهده.

لطيفة سالم: وصل بدي لدرجة أنه هو كان يقعد ليتفق معهم كيف يتخلص من إسماعيل أبوه، فعندما تولي توفيق الخديوية راح له الأفغاني وطبطب عليه على كتفه كده وقال له أنت أملنا في مصر.

صلاح عيسى: وكان في نفس الوقت لديه شكل ما من أشكال حفظ الجميل للبريطانيين.

لطيفة سالم: لأنه هو أصبح خديوي بفضل الإنجليز لأن السلطان ما كانش عايز يصدر له فرمان.

صلاح عيسى: اختار أن يقف مع الغزو ومع الغزاة باعتبار أن الغزاة جاؤوا ليثبتوا عرشه ويواجهوا عصاة ومتمردين ضد هذا العرش.

عماد همام: في أغسطس/ آب من عام 1879 وبعد أقل من شهرين من تولية توفيق قدم شريف باشا استقالة حكومته احتجاجا على تعطيل الحياة النيابية ومن ثم تولى من بعده رياض باشا الذي كان أكثر ما يقض مضجعه ذلك التجمع الذي عرف تاريخيا بالحزب الوطني القديم تميزا له عن ذلك الذي أسسه مصطفى كامل لاحقا.

لطيفة سالم: الحزب الوطني القديم ده ما زال إلى اليوم رغم الباحثين ورغم المؤرخين و.. و.. لا ندري بالضبط من الذي أسسه لأنه كانت فيه جماعات مختلفة يعني حتلاقي فيه جماعة حلوان، جماعة حلوان دول كانوا بيشتغلوا فيها الأتراك الدستوريون.

عبد الوهاب بكر/ رئيس قسم التاريخ -كلية الآداب- جامعة الزقازيق: كان اسمه جمعية حلوان لأنه كان مكان التجمع في ضاحية حلوان وكان يجتمع فيه مجموعة من المفكرين والعسكريين وعرابي وأمثاله ممن يفكرون في شؤون مصر.

لطيفة سالم: أنا أعتبره هو كان واجهة جميلة للحركة الوطنية لدرجة أنه فيما تقدم أثناء أحداث الثورة العرابية لما ما بقاش في وزارة خالصة وشالوا حتى عرابي من نظارة الجهادية كان بيقول أنا رئيس الحزب الوطني أنا رئيس الأمة كلها.

عرابي أمام قصر عابدين

عماد همام: حتى لو لم يعبر هذا اللقب عن أي وضع رسمي إلا أنه ظل ملتصقا بعرابي حتى النهاية كما يظهر من الصحف الإنجليزية التي اعتادت تصدير صورته بلقب قائد الحزب الوطني المصري، وفي كل الأحوال فقد كانت شعبيته قد تكرست داخل الجيش عندما أقدم ناظر الجهادية الجركي المتعصب عثمان رفقي على القيام بحركة تنقلات واعتبرت مهينة للضباط المصريين، أدرك عرابي أن الخديوي نفسه وراء هذا التدبير من ثم عاد ليلا إلى منزله ليجد الضباط ينتظرونه وهم في حالة ثورة ثم فوضوه زعيما لهم يفدونه بأرواحهم وما زالوا يضغطون عليه حتى قبل أن يكون مفوضا. "وفي الحال كتبت عريضة إلى دولة رئيس النظار رياض باشا مقتضاها الشكوى من تعصب عثمان رفقي لجنسه والإجحاف بحقوق الوطنيين والتمست فيها تشكيل مجلس النواب من نبهاء الأمة المصرية تنفيذا للأمر الخديوي الصادر إبان توليته". في الأول من فبراير/ شباط عام 1881 استدعي عرابي وزميلاه علي الفهمي وعبد العال حلمي لديوان الوزارة لمناقشة ترتيبات حفل زفاف شقيقة الخديوي وهناك جرى اعتقالهم واحتجازهم، وصف عرابي لاحقا هذه اللحظات بقوله "وبعد إقفال باب السجن جاء خسرو باشا وكان رجلا صلفا جاهلا فوقف خارج السجن وقال إيه زينبيل ليهرفرل يعني فلاحين شغالين بالمقاطف"، على أن الأمر كان أخطر من مجرد تحمل سخرية خسرو باشا فقد علموا في محبسهم أن باخرة نيلية قد تم تجهيزها لتصحبهم وقيل إنها تحمل على متنها ثلاثة صناديق بحجمهم تم إحداث ثقوب بها إلا أن الأمور لم تصل بهم ليلاقوا مصير إسماعيل المفتش لأنهم كانوا قد اتخذوا من الاحتياطات ما يؤمن خروجهم من هكذا مأزق، فما لبثت قوات موالية لهم بقيادة البكباشي محمد عبيد أن وصلت لديوان الوزارة حيث اقتحمته عنوة ودون مقاومة تذكر وأطلقت سراحهم. إلا أن هذه الواقعة لم تمر دون أن تنتبه أطراف معنية لأن هناك لاعبا قد ظهر على الساحة المصرية لا بد أن يوضع في الموازنة كما وشت بذلك بعد عدة شهور رسالة تشارلز كوكسن القنصل البريطاني في الإسكندرية إلى وزير خارجيته لورد غرانفيل والموجودة ضمن وثائق وزارة الخارجية بالأرشيف البريطاني وقد ذكر فيها "إن الحركة العسكرية قد نشأت بين الضباط العرب أنفسهم الذين يشعرون بجرح الإهانة بسبب وضع القيادة في يد الأتراك والشركس حصريا وللأسف فهم لا يثقون على الإطلاق بتأكيدات الخديوي ورياض باشا"، لم يلبث محمود سامي البارودي صديق الثوار الذي أقيل من منصبه كناظر للجهادية وجيء بداود يكن الذي استهل عهده بقرارات تستهدف إخراج وحدات الجيش المتمردة من العاصمة وقد رفض ضباط ألايا القلعة تنفيذ الأمر واعتصموا في ثكناتهم بل وأكثر من ذلك قرروا أن يتوجهوا بقيادة عرابي قائد ألايا العباسية والرجل صاحب النفوذ الأقوى في الجيش إلى قصر عابدين عصر يوم التاسع من سبتمبر 1881 ليعرضوا على الخديوي مطالبهم والتي ستتمدد في لحظة فارقة لتستوعب مطالب الأمة بكاملها.

صلاح عيسى: هو طبعا وقفة سبتمبر كانت جزء من حركات سياسية متدرجة بدأت في مصر منذ نهاية عهد الخديوي إسماعيل.

لطيفة سالم: بتقول عايزين دستور عايزين مجلس يتكلم باسمنا.

صلاح عيسى: قوى وطنية كثيرة جدا مثقفون وطنيون بدؤوا يلفتوا، تلامذة الأفغاني اللي كانوا ما زالوا موجودين بقوة في الساحة الثقافية المصرية كل دول بدؤوا يتحركوا يؤثروا في داخل القوات المسلحة.

لطيفة سالم: من مطالب عسكرية إلى مطالب تخص الأمة، يعني ما بقتش بقى حكاية أنا عايز أترقى أنا مش عايز أتنقل، لا.

عبد الوهاب بكر: تكون البطل أو ظهور البطل يعني عندما وجد عرابي نفسه يواجه الخديوي زال الجفوة أو أقصد الرهبة التي بين الحاكم والمحكوم وبدأ عرابي يتحدث باعتباره يمثل الأمة فعلا.

عماد همام: من ضمن ما ذكر كوكسن في رسالته أنه يأمل أن يتمكن شريف باشا من إقناع الضباط أن الخراب سيحل بهم وبعائلاتهم ورفاقهم وبلادهم إذا لم يتراجعوا عن الموقف المحفوف بالمخاطر الذي يتبنونه. أما أوكلاند كولفن المراقب المالي في مصر فيكتب تقريرا يصف الضباط في نبرة عنصرية بأنهم شرقيون لم يعتادوا أفكار أوروبا القاسية ولا الانضباط العسكري رغم أنه يعود فيعترف أنهم يتألمون تحت وطأة شعور قوي بالظلم. ترجع أهمية وثيقتي كوكسن وكولفن ضمن وثائق الأرشيف البريطاني لكونهما الشخصين الذين شهدا وقفة عابدين وقاموا بالتفاوض مع القائم مقام أحمد عرابي بعد انسحاب الخديوي ومن ثم فإن توصياتهما ستؤسس لقرارات لندن لاحقا والتي يبدو أنها انحازت لجانب كولفن، فعلى صعيد احتمالات التدخل العسكري نجد أن كولفن ومنذ اليوم الأول لم يغلق الباب تماما أمام هذا الخيار حيث يذكر في رسالته عن الضباط "وإذا مد إليهم جسر تراجع يضمن لوالي البلاد عدم تكرار أعمال العنف فلن أوصي بحال باتخاذ إجراءات متطرفة معهم" أي أن الإحجام عن الخيار العسكري كان مشروطا عند كولفن بينما عند كوكسن نجد أنه كان يراه أصلا مشروعا كارثيا حيث يذكر في رسالته مخاطبا وزير خارجيته "أشعر بأنني ملتزم بتحذير سعادتكم من أن نزول قوات أوروبية ربما يؤدي إلى كارثة مرعبة إذ أعلن عرابي بيه وفقا لما سمعته من مصادر موثوق بها أنه في هذه الحالة لن يكن مسؤولا عن سلامة الأجانب وتحدث عن قدرته على حشد قوة قوامها مليون من البدو الذين وعدوا بتقديم المساعدة في مقاومة أي غزو أجنبي"، لم يلتفت إلى تحذيرات كوكسن لغرانفيل وزير خارجيته لأن غرانفيل ببساطة كان قد ترك الموضوع برمته للسير تشارلز ديلك وكيل وزارة الخارجية للشؤون البرلمانية، كان ديلك صاحب قدرة على التأثير في أعضاء مجلس العموم وكان من ناحية أخرى يتمتع بدعم قوي من رجل المال والسياسي النافذ جوزيف شيمبيرلين والذي رغم انتمائه لحزب الأحرار كان من أشد الصقور فيما يتعلق بحماية مصالح بريطانيا وراء البحار ولو بالقوة.

جون تشالكرافت/ محاضر في قسم الدراسات الحكومية بجامعة لندن للاقتصاد: البريطانيون الذين اتخذوا قرار الاحتلال كانوا مجموعة صغيرة جدا في الواقع كانت هناك معارضة في البرلمان وخارج البرلمان بل وحتى داخل مجلس الوزراء لذا فمن قرر الدخول في هذا الاحتلال لمصر هم واقعيا مجموعة صغيرة تؤمن بأنها على حق، كانت جزءا مما أسميه ثقافة الإمبريالية.

عماد همام: إلا أنه كان في بريطانيا أيضا وعلى طرف النقيض مما يسمى بثقافة الإمبريالية كان هناك رجال مثل ويلفريد سكاون بلنت والذي رغم كونه مجرد دبلوماسي سابق مستشرق ورحالة وشاعر ليس له أي موقع رسمي فقط صنع لنفسه في مصر دورا مثيرا للجدل.

يوجين روجان/ مدير مركز الشرق الأوسط بجامعة أكسفورد: كان ويلفريد سكاون بلنت واحدا من رجال العصر الفيكتوري الذين آمنوا أن لديهم أفكارا لحل مشكلات العالم وكان لديه من أوقات الفراغ ما يسمح له بوضع أفكاره موضع التطبيق، كان رجال من أمثال بلنت يمثلون كابوسا لوزارة الخارجية البريطانية.

صلاح عيسى: أنا لا أشك في بلنت على الإطلاق وأعتقد أنه كان مخلصا في كل ما كتبه وما تزال كتبه كتابه خصوصا كتاب التاريخ السري لاحتلال إنجلترا لمصر أهم كتاب وأكثر كتاب تعاطفا مع الثورة العرابية.

يوجين روجان: إنه من المثير للاهتمام أن نجد أنه بعد عقود قليلة من احتلال مصر كتب بلنت مذكراته عن تلك الفترة وأسماها تاريخا سريا علت فيها النبرة التآمرية.

عماد همام: وبالعودة إلى اليوم المشهود يوم وقفة عابدين يصف بلنت في كتابه المثير للجدل كيف بدأ ذلك اليوم حيث يذكر أن عرابي أرسل في صباح 9 سبتمبر/ أيلول للخديوي بقصر الإسماعلية وهو مقره الشخصي ليخطره أنه سيتحرك بالجيش ظهر نفس اليوم إلى قصر عابدين وهو المقر الرسمي لكي يخبره بطلبات الأمة.

رفعت السعيد: كتب من طرفي إلى نظارة الجهادية في 9 سبتمبر بأن جميع العساكر ستحضر إلى ميدان عابدين، ده بيطبق قانون المظاهرات يعني مش قايم بانقلاب، لا، ده بلغ وزير الجهادية أنا جاي بالآليات بتاعتي حنصطف في ميدان عابدين لعرض طلباتها وطلبات أحالها على الحضرة الخديوية.

عماد همام: "وذلك في الساعة التاسعة عربي من يوم الجمعة وفي الميعاد المذكور أتت العساكر من محالها إلى ميدان عابدين بغاية الأدب والاحتشام وقبل ذلك حررت إلى قناصل الدول الأوروباوية كافة بما سيحدث بهدوء وسكون وفي وقت معين وأعلنتهم أنه لا خوف على رعاياهم ولا على أموالهم"، عند الرابعة عصرا أصدر عرابي أوامره بإغلاق منافذ قصر عابدين ومنع الدخول أو الخروج، كان عدد قواته حول القصر قد بلغ نحو من 2500 جندي و18 مدفعا، سار الخديوي إلى الساحة ولما توسط الميدان طلب عرابي فتوجه إليه وخلفه نحو ثلاثين ضابطا وسيوفهم مسلولة وعرابي أمامهم ممتطيا جواده وسيفه في يده، فلما قرب منه دعاه الخديوي إلى أن يترجل فنفذ عرابي الأمر وعندها همس كولفن محرضا توفيق "الآن هذه لحظتك، كن شجاعا".

[فاصل إعلاني]

حبكة تحاك وراء البحر

عماد همام: أظهرت اللحظات الحاسمة خلال وقفة عابدين ردود أفعال متباينة ما بين كولفن وكوكسن من خلال نصيحة كل منهما للخديوي توفيق.

عبد الوهاب بكر: أحدهما نصحه بأن يطلق النار على عرابي والآخر طلب منه أن ينسحب إلى الداخل.

عماد همام: إلا أن انطباعات الرجلين المباشرة قد اتفقت تماما على أن عرابي ووفقا لأي تقييم كان لديه من الدوافع السامية ما يبرر سلوكه لنفسه وأنه شخصية جديرة بالاحترام ويحظى بتقدير أتباعه المؤيدين له. انسحب الخديوي لداخل القصر استجابة لنصيحة كوكسن الذي أدار هو وكولفن بعد ذلك جولة من المفاوضات مع عرابي عبر مترجم ويذكر بلنت أن كوكسن قد عاد إلى ومن القصر ست أو سبع مرات وفي المرة الأخيرة عاد حاملا موافقة الخديوي النهائية على المطالب وعلى تسمية شريف رئيسا للنظار. بدا الإصلاح الدستوري على مرمى حجر ففي الرابع من أكتوبر/ تشرين الأول أصدر الخديوي مرسوما لإجراء الانتخابات التي ستأتي بمجلس يضع دستور البلاد. كان كل شيء يدعو للتفاؤل لولا أن حبكة ما كانت تنضج على الجانب الآخر من البحر.

يوجين روجان: وجد البريطانيون أنفسهم إما أن يتراجعوا أمام العسكرية المصرية أو أن يدخلوا الحرب ضد عرابي، الأحداث دفعت بريطانيا أن تسلك الخيار الثاني.

عماد همام: كان عرابي يرتاح لصورة رئيس الوزراء البريطاني وليام إيوارت غلادستون كنصير للحريات على حين لم يكن يثق في القنصل العام في مصر إدوارد ماليت، ولكن يبدو أن ماليت نفسه كان في حيرة شديدة من نوايا حكومته ولديه شكوك بشأن ما يدور بخلد غلادستون أو هكذا ظن بلنت الذي يصف حواره مع ماليت "كان بإمكاني أيضا أن أؤكد له فيما يتعلق بغلادستون أنه لا حاجة به لأي شك في أن رئيس الوزراء بعد معرفته بالحقائق لا بد أن يأخذ جانب الدستور"، إلا أن اطمئنان بلنت الرخو قد غض طرفه عن جهود فائقة بذلها ديلك وكولفن بدعم من شيمبيرلين لإثارة الرعب لدى حملة الأسهم، قدم الإصلاحيون في مصر باعتبارهم مجموعة من الفوضويين والهمج وأن كارثة على الأبواب ما أدى بالفعل لانخفاض في البورصة ومن نافلة القول إن غلادستون شخصيا كان من حملة الأسهم. قدم شريف باشا لمجلس النواب مشروعا متوازنا للائحة أساسية يكون بمقتضاها للنواب حق النظر في القوانين والمصروفات العمومية إلا أنه قبل أن يبدي المجلس رأيا في المشروع جاء الرأي وعلى غير انتظار من وراء البحار. كانت قد آتت أكلها جهود ديلك وكولفن وفي الثامن من يناير/ كانون الثاني قدم القنصل العام ماليت ونظيره الفرنسي سنكويز مذكرة للخديوي تتضمن دعم الدولتين لسلطته واستياءهما من الاتجاه لإقامة حياة نيابية بمصر.

جون تشالكرافت: أعتقد أن على المرء أن يحاول أن يضع في الاعتبار لماذا لم يهتم البريطانيون والفرنسيون لما يقوله العرابيون لهم، لأنهم عندما كانوا يقولون إنهم يؤمنون بالدستور ومبادئه ببساطة لم يكن الأوروبيون يصدقونهم.

صلاح عيسى: احتلال إنجلترا لمصر كان جزء من التطور الاقتصادي الذي شهدته الدول الأوروبية، الرأسماليات الأوروبية في خلال النصف الثاني من القرن 19 وهذا التطور كان يعني خلق في داخلها أجنحة احتكارية تسعى لاحتجاز الأسواق واحتكار الأسواق وتتنافس فيما بينها على الاستعمار.

عماد همام: نصح بلنت والشيخ محمد عبده النواب والضباط بالاعتدال في هذه الأزمة خاصة وقد اقترح شريف حلا وسطا بتأجيل البت في المادة محل النزاع، لكن النواب لم يتنازلوا قيد أنملة ومن ثم لم يجد شريف بدا من الاستقالة وكلف الخديوي محمود سامي البارودي بتشكيل حكومة وطنية خالصة أصبح عرابي وزير حربيتها. في أوائل شهر أبريل/ نيسان من عام 1882 تمكن الضباط من إحباط تدبير لاغتيال عرابي فيما عرف بالمؤامرة الشركسية نسبة للضباط الذين قاموا بتدبيرها، أخذت دائرة الاتهام في الاتساع حتى طالت عثمان رفقي الذي تصدر اسمه أخيرا قائمة بأربعين ضابطا حكم عليهم بالنفي المؤبد مع تجريدهم من الرتب والنياشين، ما لبث الخديوي في التاسع من مايو/ أيار أن عدل الأحكام التي رؤي أنها بالغة القسوة بحيث تم تخفيفها إلى النفي المخفف مع الاحتفاظ بالرتب، حاول محمود سامي بصفته رئيس النظار مراجعة الخديوي في أمر التخفيف إلا أن هذا أصر على إرادته السنية مما حدا بالوزراء لعقد اجتماع في العاشر من مايو/أيار استقروا فيه على دعوة البرلمان للنظر في أمر الخلاف مع الخديوي وعقب الاجتماع تلقى مصطفى فهمي وزير الخارجية زيارة مثيرة للريبة من القناصل للسؤال عما إذا كان هناك خطر يهدد حياة الرعايا الأجانب، وفي اليوم التالي كان وزير الخارجية البريطاني غرانفيل مجتمعا مع السفير الفرنسي حيث تم الاتفاق على وجوب إرسال قطع بحرية إلى مصر. مالبثت الخلافات بين الخديوي والحكومة أن توارت ظاهريا على خلفية الانزعاج من وصول القطع البحرية، ظهرت على مسرح العمليات الكساندرا، بنلوبي، مونارك، إنفليكسبل، سلطان، إنفينسيبل، ديميرمار وسوبير مع حفظ الألقاب ولكن ترى لأي مدى كان ظهور هذه الباقة يدعو للانزعاج؟

صفوت الزيات/ محلل عسكري: هذه الثمان سفن التي ستقترب في مجموعتين من شاطئ الاسكندرية، مجموعة ستقف أمام رأس التي خمس سفن وثلاثة أمام البواز، إجمالي عدد مدافعهم 77 مدفع آرمسترونغ طراز 7، 8 و9 و10 و12 و16 روسة.

عماد همام: تلقى محمود سامي من حكومتي إنجلترا وفرنسا إنذارا بوجوب استقالة حكومته وإبعاد عرابي خارج البلاد وكل من عبد العال حلمي وعلي فهمي خارج العاصمة وقبل الخديوي الإنذار مما أدى لاستقالة الحكومة وأصبح الوضع على وشك الانفجار كما يصف عرابي قائلا "واجتمع مجلس النواب وجميع قناصل الدول حولي كعرف الضبع يطلبون مني حفظ الأمن والراحة العمومية فقلت لهم لا قدرة لي على ذلك لأنني قد استعفيت ثم دعيت إلى حضرة الخديوي الذي أخذ علي عهدا بحفظ رعايا الدول الأجنبية وتم إعلام جميع المصالح الحكومية بذلك"، كانت كل الظروف تنسج لعرابي فخا محكما كما تشي بذلك تلك الوثيقة التي تحمل توقيعات أعضاء مجلس النواب وتلتمس من الخديوي إعادة عرابي ناظرا للجهادية دون أن تكون هناك حكومة أصلا.

رفعت السعيد: وعرابي دخل في معركة مرغما وهو عارف جيدا مرمى مدافع الأسطول وعارف مرمى مدافعه، لكن ما كان قدامه غير أنه يدافع عن العدو الإنجليزي وهو وزير دفاع ما هو ده كما مصيبة ثانية، أنت حاطه وزير دفاع وجايب الإنجليز يضربوه.

مواجهة غير متكافئة

عماد همام: وسط الهدوء الحذر كان شيء ما يجري تدبيره بليل وكانت الإسكندرية لتكون مسرحا له، في الخامس من يونيو/ حزيران نقلت الآستانة للقاهرة شكوى الخارجية البريطانية بشأن قيام بعض الطوابي بتحصينات موجهة للأسطول البريطاني وطلبت سرعة الرد، وقد قلل عرابي من أهمية تلك الأعمال ووصفها بالترميمات الاعتيادية.

صفوت الزيات: أنه لسنا أمام حصون بالمعنى المفهوم، أنت تعلم أن ساحل الإسكندرية هو سهل رملي منبسط خال من التلال أو الأخاديد أو المناطق الجبلية أو الهضاب أو حتى ما يسمى الهيئات الحاكمة المحصنة الطبيعية.

يوجين روجان: أعتقد أن البريطانيين لم يكونوا يخشون الدفاعات التي كان المصريون يبنونها حول ميناء الإسكندرية والذي كانوا يريدونه هو فرض حكمهم على المصريين وبدؤوا بإصدار إنذار لعرابي بتفكيك تلك التحصينات بدعوى حماية الأسطول البريطاني من النيران المصرية ولكن ما رأدوا حقيقة فعله هو إخضاع عرابي لإرادتهم.

صفوت الزيات: عندما نتحدث عن كل مدافع الطابيات من هم زوي المواسير المششخنة القادرة على إنتاج قذائف بسرعات عالية فهم كانوا في حدود 45 قطعة مدفع آرمسترونغ سبعة بوصة وثمانية بوصة وتسعة بوصة وعشرة بوصة. هذه المدفعيات كانت بدون أجهزة تنشين وكان يوجد جهاز تنشين واحد في مدرسة الطوبجية.

عماد همام: في التاسع من يونيو/ حزيران اكتملت ما يبدو أنها خيوط المؤامرة فقد توجه عمر لطفي محافظ الإسكندرية في زيارة غامضة للقاهرة وفي نفس الوقت توالت بالاسكندرية مظاهر مريبة مثل وصول مجموعات من البدو المسلحين وغض البوليس للطرف عنهم.

صلاح عيسى: قيل من ضمن الحالات التي قيلت إن عددا كبيرا جدا من العربان اللي هم كانوا في منطقة البحيرة في ذلك الحين تم استيرادهم وسمح لهم بدخول مدينة الإسكندرية وقيل إن القصر هو الذي جاء بهم.

عماد همام: من ناحية أخرى وردت إشارات عن تسيلح مجموعات من السكان الأوروبيين بالمدينة، كان الوضع ينتظر شرارة وقد جاءت بعد يومين أي في 11 يونيو/ حزيران، حيث وقعت مشاجرة ما بين حمّار مصري ومالطي استأجر حماره ورفض دفع الأجر.

صلاح عيسى: الرجل كان سكرانا فأخرج مدية وضربه بها، حي شعبي انطلق الناس في الشوارع بيقولوا جرى إيه يا مسلمين بيقتلوا إخواننا!

عماد همام: من هذه البقعة بدأ الشجار وسرعان ما تفاقم الوضع وامتد الهياج من شارع السبع بنات إلى الشارع الإبراهيمي وجهة الجمرك والمنشية، قتل بعض العائدين من الترسانة بعد زيارتهم للبوارج الإنجليزية والفرنسية وبينما كان سلاح الجماهير العصي والهراوات كان الأوروبيون من ناحيتهم يحصدون المواطنين بإطلاق الرصاص عليهم من نوافذ المساكن التي تمركزوا وراءها.

لطيفة سالم: قبل مذبحة الإسكندرية بفترة حوالي أسبوعين كانت بتصل أسلحة إلى مقر القنصلية.

صلاح عيسى: كان في شكوك كبيرة جدا في أن القناصل لعبوا دورا في التدبير لهذا.

عبد الوهاب بكر: القناصل وخاصة ماليت على وجه التحديد كان يخزن السلاح في دار القنصلية وقام بتوزيعه على الأهالي.

لطيفة سالم: لكن في الوقت نفسه أنا لازم أضيف شيئا أن الاسكندريين كان النجيم عندهم وكان حسن موسى العقاد عندهم اللي هو شهبندر التجار في الوقت ده وكان بيخدم تماما الثورة العرابية وكان بيشتري لهم برضه يعني المحلات اللي كان بتبيع النبابيت كانت بتورد لهم في الوقت ده.

عماد همام: قدرت بعض الوثائق الإنجليزية عدد القتلى من الأوروبيين بثلاثمئة مثل هذه الوثيقة الموجودة بالأرشيف البريطاني ولم يكن لهذه التقديرات أي سند أو مبرر أكثر من زيادة التعويضات التي سيكون على مصر دفعها.

لطيفة سالم: الرصاص حصد الوطنيين لم يحصد الأجانب، الأجانب كانوا بيتدربوا برجل كرسي بنبوت بحد يخش في خناقة بالأظافر والأسنان حاجة كده.

عماد همام: في 23 يونيو/ حزيران 1882 افتتح مؤتمر الآستانة بحضور سفراء بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وروسيا والنمسا وفي 25 وقع السفراء على ميثاق شرف بألا تسعى أي دولة منفردة لاحتلال أي جزء من أرض مصر أو الحصول على امتيازات خاصة بها.

صلاح عيسى: هو بريطانيا ولذلك كانت تريد أن تستعجل قبل إقرار هذا الميثاق في مؤتمر الآستانة وتبدأ الغزو لكي تضع الدول الأوروبية أمام الأمر الواقع وكان ذلك ما حدث بالفعل لأنها بدأت الغزو وبالتالي ميثاق النزاهة ظل كما هو ولكن أضيفت إليه فقرة تعطي بريطانيا الحق في أنه هي تتدخل منفردة إذا طرأت حالة طارئة.

عماد همام: في السادس من يوليو/ تموز 1882 اتخذ المجتمعون بالآستانة قرارا بالتدخل العسكري في مصر وعلى الفور أبرق الأدميرال فريدريك بوشام سيمور قائد الأسطول البريطاني لطلبة عصمت قائد منطقة الإسكندرية مخطرا بوجود مدفعين جديدين تم تركيبهما بطوابي بالإسكندرية ويهدد بقصف الطوابي ما لم يتم وقف هذه الأعمال، ورغم رده بأن هذه الأنباء لا أساس لها من الصحة فقد تلقى طلبة عصمت في يوم العاشر من يوليو/ تموز إنذارا أخيرا من سيمور قال فيه "أتشرف بإخبار سعادتكم أنه نظرا لأن الاستعدادات العدائية الموجهة ضد الأسطول الذي أقوده آخذة في الازدياد طوال يوم أمس في طوابي صالح وقيتباي والسلسلة فقد عقدت العزم على أن أنفذ غدا الـ 11 من الشهر الجاري عند شروق الشمس العمل الذي أعربت لكم عنه في خطابي بتاريخ السادس من الشهر الجاري ما لم تقم قبل تلك الساعة بتسليمهم مؤقتا وبغرض نزع السلاح بطاريات المدفعية القائمة في رأس التين وعلى الشاطئ الجنوبي لميناء الاسكندرية". دارت العجلة ولم يعد في الإمكان إيقافها، فتحت جهنم أبوابها في السابعة صباحا وبدوام كامل لم تقطعه إلا ساعة توقف من الحادية للثانية عشر ظهرا وقد سجلت وثائق المخابرات العسكرية البريطانية هذه اللحظات من خلال تقرير سيمور الذي يذكر فيه "قمت في تمام السابعة صباحا ومن على ظهر السفينة إمبرينسيبل بإرسال إشارة إلى البارجة الكساندرا لإطلاق قنبلة باتجاه التحصينات المسلحة التي أقيمت مؤخرا في طابية الاسبيتالية وتلت ذلك إشارة عامة إلى بوارج الأسطول بمهاجمة بطاريات العدو، بدأ إطلاق النار على حصون الماغز ورأس التين وأضا وفاروس وبعد النجاح في إسكاتها في الساعة 5,30 مساء أمرت بالتوقف عن إطلاق النار". بعد جولة قصيرة من القصف صباح اليوم التالي الـ 12 يونيو/ تموز لاحظ الأدميرال سيمور وجود راية بيضاء مرفوعة على الصاري القريب من رأس التين وما لبث أن أصدر أمره للضباط هيدوورث لامبتون أن يدخل ميناء الإسكندرية بسفينة البيتيرن ليتحقق من الأمر، ما أن صعد لامبتون على متن يخت المحروسة حتى طلب من قبطانه أن يصله بالحاكم العسكري للاسكندرية وما لبث طلبة باشا عصمت أن جاء في لانش بخاري وحذا يخت المحروسة ثم ذكر أنه كان يتهيأ للخروج لملاقات سيمور فرد لامبتون بأن سيمور لا يمكنه مقابلته قبل تسليم بطاريتي الماكس والقمرية مع احتلال القوات الإنجليزية للماكسن، ويمضي لامبتون في وصف الحوار قائلا "ثم بينت للباشا أن هذين الموقعين تحت سيطرتك تقريبا وأنك لا تنوي رفع العلم البريطاني ولا القيام بأي شيء يؤذي مشاعر الأمة المصرية ولكنك تشترط الاستلام السلمي كضمانة لحسن النوايا، فقال الباشا بعد قدر من المماطلة والمراوغة إنه لا يملك التفويض اللازم لإجابة مطلبك عندها أبلغت الباشا وكانت الساعة تشير إلى 12,20 أن عليه تقديم استسلام خطي قبل الثانية مساء فتوسل التأجيل إلى الثالثة فأبلغته بأنني لا أستطيع تغيير الموعد خاصة مع اقتناعي بأن لديه السلطة لتسليمنا ما نطلب لكونه المدفع المغوار عن الإسكندرية". استؤنف القصف من جديد لتتحول الإسكندرية في ذلك اليوم الـ 12 من يوليو/تموز 1882 إلى شعلة من النيران جراء القصف، ورغم أن المؤرخين أيضا يذكرون الدور الذي لعبه سليمان داود قائد الألايا السادس عندما أضرم النار في بعض المناطق كي يحول دون نزول الإنجليز فإن كل الصور التي التقطت لاحقا تدل على مدى التأثير الثانوي لما أقدم عليه داود مقارنة بالقصف البريطاني فالحجم الهائل للدمار يشي تماما باستحالة أن يتم إنتاجه محليا بهذه السرعة وفي هذه الظروف، وبقدر ما حل بالأبنية والمنشآت كان للأفراد أيضا نصيبهم، فالأدميرال سيمور يذكر في أحد خطاباته التي سجل بها أحداث ذلك اليوم "أرسلت الزوارق الحربية إلى السرب الراسي قبالة الساحل وجئت منه بجميع أفراد مشاة البحرية وبعض المدافع من طراز غاتلينغ واستولينا خلال النهار على الترسانة"، من الجدير بالذكر أن مدافع غاتلينغ التي ذكرها سيمور هي نوع من المدافع الخفيفة التي لا علاقة لها بالتعامل مع التحصينات ولكنها تستخدم في الأساس في قتل الأفراد وبكثافة عالية.

صفوت الزيات: فبلا شك نحن كنا أمام مجزرة بشرية وليس أمام فقط محاولة تحييد الطوابي المصرية عن.. باعتبارها مصادر خطر كما ادعت بريطانيا العظمى كذبا في هذه الفترة.

عماد همام: لم تكن تلك هي آخر الأكاذيب، ولم يكن أولئك هم آخر الشهداء، كان ذلك هو الفصل الأول من الحرب وللقصة بقية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة