وثيقة جنيف، قمة خمسة زائد خمسة في تونس   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 12:45 (مكة المكرمة)، 9:45 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

جميل عازر

ضيف الحلقة:

د. خطار بودياب: الباحث في الشؤون الدولية - باريس

تاريخ الحلقة:

06/12/2003

- وثيقة جنيف بين الواقع السياسي والأحلام
- ياسر عبد ربه ويوسي بيلين.. شخصيتا الأسبوع

- حوار الفصائل الفلسطينية في القاهرة

- زيارة الرئيس البرازيلي للشرق الأوسط

- قمة خمسة زائد خمسة في تونس.. الهموم والأولويات

- مؤتمر منظمة الأمن والتعاون في أوروبا

- خلاف الناتو حول مستقبل الترتيبات الدفاعية الأوروبية

جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى حلقة جديدة من (الملف الأسبوعي)، وفيها:

وثيقة جنيف وعبد ربه وبيلين واقعية سياسية، أم أضغاث أحلام؟

الفلسطينيون في القاهرة حوار جديد برؤية جديدة، أم عودة إلى سالف المهاترات؟

وخمسة مع خمسة المغرب العربي والجنوب الأوروبي هموم مشتركة وأولويات مختلفة، فما هي فرص التعاون؟

وثيقة جنيف بين الواقع السياسي والأحلام

كان الترحيب بوثيقة أو مبادرة أو حتى اتفاقية جنيف -سمها ما شئت- بنفس القدر لما واجهته من رفض وانتقادات، فهي مثيرة للجدل على أي حال، خاصة وأنها تبدو كبديل عن خطة خارطة الطريق التي تبنتها المجموعة الرباعية ممثلة في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا، ولكنَّ تأكيد الأمين العام للأمم المتحدة ووزير الخارجية الأميركي على وجوب بقاء خارطة الطريق الإطار الذي تسير ضمنه الجهود من أجل إحلال السلام يضع النقاط على الحروف، ومع ذلك فإن وثيقة جنيف تنطوي على أهمية ربما خارج الإطار العملي، من حيث أنها تعبِّر عن تصورٍ مستقبلي يتعايش فيه الفلسطيني مع الإسرائيلي وإن يكن في دولتين مستقلتين.

يوسي بيلين وياسر عبد ربه

تقرير/ حسن إبراهيم: بارقة أمل يا تُرى، أم تعبير عن نوايا طيبة لموقعيها ومؤيديهم؟ وكما أنه لا توجد وصفة سحرية لحل المأزق الإسرائيلي الفلسطيني، فإنه يُضحي من التجني أن يُحكم بالفشل التام على وثيقة جنيف التي وضعها (يوسي بيلين) وياسر عبد ربه، ورغم أن الرجلين يدركان ماهية الموقف الأميركي الرسمي من خارطة الطريق إلا أنهما لاشك قد نالا دفعة معنوية من لقاء (كولن باول) وزير الخارجية الأميركي، ومن إشادة الرئيس (بوش) بالاتفاقية التي اعتبرها خطوة في الاتجاه الصحيح، فما الذي جاء في الوثيقة؟

- انسحاب إسرائيلي من 97% من الضفة الغربية وكامل قطاع غزة.

- اشتراك الدولة الفلسطينية وإسرائيل في السيادة على القدس، بحيث يؤول الحرم القدسي الشريف والأحياء العربية في القدس الشرقية إلى السيادة الفلسطينية.

- تفكيك معظم المستوطنات في الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك العديد من المستوطنات الكبيرة.

- إلغاء حق العودة للاجئين الفلسطينيين الذين يبلغ عددهم أربعة ملايين، ومنح إسرائيل الحق في تحديد عدد من يُسمح لهم بالعودة رغم مخالفة ذلك لقرار الأمم المتحدة رقم مائة وأربعة وتسعين (194)، الذي ينص على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة.

وما كانت الحكومة الإسرائيلية ستعير هذا الاتفاق كبير اهتمام لولا أن 31% من الرأي العام الإسرائيلي يؤيد الاتفاق، و38% يعارضونه، فانبرى وزراء حكومة شارون يفندون بنوده، بل ووصم بعضهم يوسي بيلين بالخيانة والتعاون مع الإرهابيين، وبالطبع أعلنت حكومة شارون أنها متمسكة بخارطة الطريق، وهي التي تحفَّظ شارون على معظم بنودها.

ولكن (أرئيل شارون) نفسه في أزمة، فهو يعاني من فضيحة مالية تورط هو وأولاده فيها، ولاشك أن فشله في تحقيق الأمن للمواطن الإسرائيلي يعتبر من أكبر المنغصات لفترته في الحكم، ويواجه انتقادات من واشنطن والاتحاد الأوروبي على حد سواء، فهو يرفض التراجع عن بناء الجدار الفاصل بين إسرائيل والضفة الغربية، ويراهن على اكتمال تشييد الجدار، واستتباب نوع من الأمن ربما لحمل الإسرائيليين على انتخابه مرة أخرى، لكنه يبدو أنه قد تجاوز حدوده كرئيسٍ لوزراء دولة هي الشريك الاستراتيجي للولايات المتحدة صاحبة عشرات قرارات الفيتو في مجلس الأمن الدولي لمنع صدور أي قرار يدين إسرائيل لانتهاكاتها المستمرة لحقوق المواطنين الفلسطينيين ولعمليات القتل والتدمير والحصار، وعندما يُجرَّح كولن باول شخصياً، ومن قِبَل كبار مسؤولين إسرائيليين، فإن ذلك يدل على مدى تخبُّط اليمين الإسرائيلي الحاكم.

لكن الرأي العام الفلسطيني نفسه لا يعلق كثيراً من الآمال على خطة تحرم فلسطينيي الشتات من حق العودة، بل سماها بعضهم خيانة، بينما يخيم اليأس من أي تعقُّلٍ إسرائيلي على قلوب الفلسطينيين، وهم يرون آلة الحرب الإسرائيلية تقتل وتهدم المنازل محاولة اقتلاع شعب بأسره.

ياسر عبد ربه ويوسي بيلين.. شخصيتا الأسبوع

جميل عازر: ولكن ياسر ويوسي حتى وإن كانا يحلمان عندما فكرا في تأليف وثيقة من هذا القبيل لابد ويدركان من أنها مثيرة للنقاش، بل وللغضب لدى الكثيرين من فلسطينيين وإسرائيليين، فهذان الوزيران السابقان عبد ربه الفلسطيني وبيلين الإسرائيلي ينتميان إلى جيل واحد عايش النكبة وإنشاء دولة إسرائيل، وترعرعا في ظل تداعيات الحدثين، والاثنان محسوبان على التيار اليساري في الجانبين، وقد تخرجا في المبحث الأكاديمي ذاته، وإن يكن من جامعتين مختلفتين، وهكذا يمكن القول إن الأحداث التي صقلت شخصيتي الأسبوع في الملف ربما كانت هي ذاتها التي دفعتهما في النهاية إلى هذه الشراكة في جنيف.

ياسر عبد ربه ويوسي بيلين
تقرير/ جيان اليعقوبي: مهندسا اتفاق جنيف رجلان يثيران الكثير من الضجيج حولهما، لا بسبب تعنتهما وعنفهما، بل على العكس لاتهامهما بالليونة التي قد تؤدي في نظر البعض إلى التفريط بالحقوق الأساسية وتجاوز الخطوط الحمراء، الرجلان ينتميان جيل النكب، نكبة ضياع فلسطين ونكبة إنشاء إسرائيل على أنقاضها.

فياسر عبد ربه من مواليد يافا عام 45، أي أنه تهجَّر مع عائلته وهو في الثالثة من عمره، حيث رحل الجميع إلى الأردن، ومن هناك بقي يتنقل ما بين بيروت، والقاهرة، ودمشق، وتونس إلى أن عاد إلى رام الله وهو على مشارف الخمسين، وكعادة الفلسطينيين في جعل التعليم سلاحهم السري للمقاومة وإثبات الذات نال عبد ربه شهادته الجامعية في الاقتصاد والعلوم السياسية من الجامعة الأميركية في القاهرة بعد أن كان كغيره من مجايليه قد انضم مبكراً إلى العمل السياسي، وأصبح الساعد الأيمن لنايف حواتمه (زعيم الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين)، ولكنه ما لبث أن انشق عن الجبهة عام 91، وأصبح من الحلقة المحيطة بياسر عرفات، ثم تردد اسمه ومنذ البداية في كل المفاوضات العلنية والسرية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وكان موجوداً في مدريد وأوسلو وواشنطن وكل ما تفرع عنهما من مفاوضات وصولاً إلى جنيف قبل أيام.

أما زميله يوسي بيلين الذي وُلِد عام 48 في مستوطنة (بتاح تكفا) قرب تل أبيب، فلم يعش طفولته لاجئاً مثل عبد ربه، بل في كنف الدولة الوليدة، ونال شهادة الدكتواره هو الآخر في الاقتصاد والعلوم السياسية، وأتقن إلى جانب العبرية العربية والإنجليزية والفرنسية بعد أن كان قد انخرط في صفوف حزب العمل وأصبح ناطقاً باسمه من عام 77 إلى 84، ثم عضواً في الكنيست عام 88، وتقلَّد بعد ذلك عدة مناصب رفيعة في حكومات كل من (إسحق رابين) و(شيمون بيريز) و (إيهود باراك) مما أكسبه خبرة مميزة في الشأن السياسي مع احتفاظه بعلاقات واسعة مع الفلسطينيين والمجتمع العربي، فضلاً عن دوره غير المعلن حتى الآن في الاتصالات السرية بين الجانبين والتي سبقت اتفاقات مدريد وأوسلو، ويرى بيلين أن تطبيق الاتفاقات السابقة والعودة إلى طاولة المفاوضات أمران لا مناص منهما لاقتلاع العنف وزرع الأمل في وجود حياة مختلفة في مستقبل الشرق الأوسط.

مع أن بيلين وعبد ربه يبدوان وكأنهما يصرخان في البرية وسط دوي الرصاص، وصراخ الأمهات، وهدم البيوت، وتجريف الأراضي، فمن يدري لعلهما ينجحان يوماً في إرساء سلام عادل يستطيع فيه ياسر عبد ربه العودة إلى مسقط رأسه في يافا، والعيش فيها آمناً إلى جوار بيلين.

حوار الفصائل الفلسطينية في القاهرة

جميل عازر: وربما لا يتحقق ذلك إلا في المستقبل الأبعد بالنظر إلى ما يدور من نقاش حادٍ بين الفصائل الفلسطينية الاثني عشر المجتمعة في القاهرة، فبينما يجري الحديث عن هدنةٍ لوقف العمليات ضد الأهداف الإسرائيلية لمدة عام، وهو ما ترفضه خمسةٌ من الفصائل على الأقل عادت الاختلافات والخلافات لتطغى على جو الحوار، فانسحاب ممثل حركة فتح من الاجتماع بدعوى التشدد في موقف المعارضين لهدنة، دليل على أنه ما لم يتم التوصل إلى موقف وسط، فإن جدوى الحوار ستظل موضع شك في الوقت الراهن على الأقل، فلا جنيف ولا خارطة الطريق تنطويان على ما يمكن أن يؤلِّف بين الفصائل الفلسطينية إن هي نفسها لم تأخذ بزمام المبادرة.

إجتماعات الفصائل الفلسطينية في القاهرة
تقرير/ حسين عبد الغني (مراسل الجزيرة – القاهرة): من غير المتوقع أن يصل الحوار الفلسطيني المنعقد في القاهرة إلى الطريق المسدود، الذي وصل إليه في يناير الماضي، رغم أن المتشائمين يرون أن الحوار مفتوح على كل الاحتمالات بما فيها احتمالات الفشل.

وقف إطلاق نار بشروط أم تحييد للمدنيين في الصراع كان محور الخلاف الشديد بين الفصائل الفلسطينية التي انقسمت إلى كتلتين رئيسيتين تزعمت إحداهما حركة فتح الرئيسية، التي اعتبرت أن وقف إطلاق النار هو مطلب دولي إقليمي يكفل للقضية الفلسطينية ألا تذهب إلى غياهب النسيان لحين انتهاء الانتخابات الرئاسية الأميركية، وهو ما يبدو أن الموقف المصري العام ليس بعيداً عنه تماماً.

أحمد ماهر (وزير الخارجية المصري): وقف العنف هو أمر لصالح الطرفين ولصالح الأمن والاستقرار والسلام والتسوية في المنطقة.

حسين عبد الغني: الخلاف الآخر كان حول تشكيل قيادة فلسطينية موحدة، تعكس الثقل المتزايد للحركات الإسلامية خارج منظمة التحرير مثل حماس والجهاد، وعلى الرغم من الاتفاق على المسألة من حيث المبدأ، إلا أن فصائل المنظمة بالإضافة لفتح بالطبع كانت راغبة في التشديد على أن أي قياده يجب أن تكون مؤقتة وليست بديلاً بأي حال من الأحوال عن منظمة التحرير الممثل التاريخي والشرعي للفلسطينيين.

د. واصل سيف (ممثل جبهة التحرير العربية): إننا نتمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية، وهي الجامع لشعبنا الفلسطيني، والمكون الأساسي الذي يمثل شعبنا الفلسطيني في الوطن والشتات، وأيضاً لابد من السعي الجدي لمشاركة القوى الإسلامية بما فيها حماس والجهاد في هذا الإطار.

حسين عبد الغني: الحوار الفلسطيني قد لا ينتهي إلى الفشل لكن قيمة ما سيتم التوصل إليه سيرتبط بمدى تفعيله في الواقع، وبالموقف المشكوك تجاهه من حكومة متشددة مثل حكومة شارون.

برعايتها مجدداً الحوار الفلسطيني، يبدو أن الحكومة المصرية مقتنعة بقدرة الفلسطينيين على الاحتفاظ بحق مقاومة الاحتلال، وعدم تقديم تنازلات مجانية لحكومة إسرائيلية متشددة، وفي الوقت نفسه تقديم مبادرة سياسية ما تنهي الانتقادات الدولية للفلسطينيين من ناحية، ومن ناحية أخرى توسع من دائرة المشاركة في صنع القرار الفلسطيني.

حسين عبد الغني – (الجزيرة) – لبرنامج (الملف الأسبوعي).

زيارة الرئيس البرازيلي للشرق الأوسط

جميل عازر: وإلى الشرق الأوسط جاء رئيس جمهورية البرازيل (لويس إناسيو لولا دي سيلفا) ليزور خمس دول عربية، وأن يستهل جولته بزيارة سوريا ثم لبنان، فإن في ذلك اعترافاً منه بمساهمة حوالي عشرة ملايين برازيلي من أصل لبناني وسوري في الحياة السياسية والاقتصادية في أكبر جمهوريات أميركا اللاتينية، ويحمل لولا دي سيلفا معه مشروعاً يتسم بطموح إلى تكوين كتلة تجمع الدول العربية ودول أميركا الجنوبية تمهيداً لاجتذاب دول الجنوب إليها، وبما أنه داعيةٌ أيضاً لتعديل تركيبة مجلس الأمن الدولي، ويُعرف بدفاعه عن قضايا الفقراء، يساوره طموحٌ أيضاً في أن تحتل البرازيل مقعداً دائماً في مجلس الأمن لتمثل من خلاله دول العالم الثالث.

الرئيس البرازيلي لدى زيارته للبنان
تقرير/ أسامة راضي: أول جولة لرئيسٍ برازيلي في المنطقة منذ أكثر من مائة وثلاثين عاماً، لويس إناسيو دي سيلفا الشهير بلولا، جاء إلى المنطقة حاملاً مشروعاً يحاول اختبار مدى إمكانية تطبيقه على الأرض، ويتمثل فيما اعتبره رسالة البرازيل الكونية لتشكيل تكتلٍ بين الدول العربية ودول أميركا اللاتينية، تمثل فيه تلك الدول العمود الفقري للتكتل المقترح الذي يأمل أن يتسع ليضم دول العالم الثالث، وهذه رؤية تصطدم حتماً بفكرة سيطرة القطب الأميركي الواحد، إذ يسعى لولا من خلالها إلى تجميع دول الجنوب في كتلة واحدة لمواجهة دول الشمال الغنية، وعلى رأسها الولايات المتحدة التي تتوجس من توجُّهات الرئيس البرازيلي الذي يدعو دول العالم الثالث إلى الاعتماد على الذات بدلاً من انتظار المساعدات الخارجية والخضوع لشروطها، ويقدم دي سيلفا برنامجاً لتنفيذ هذه المبادرة بالدعوة إلى قمة عربية أميركية لاتينية في العام القادم، لتعزيز العلاقات بين الجانبين، لاسيما على الصعيد الاقتصادي كمنطلق نحو تنسيقٍ أوسع نطاقاً، فهو يحاول استثمار وجود نحو سبعة ملايين برازيلي من أصولٍ لبنانية، ويضاف إليهم نحو مليونين من أصول سورية، يسيطرون على خُمس مقاعد مجلس النواب البرازيلي، نظراً لتحكمهم بجزءٍ كبير من الحياة الاقتصادية في بلاده، رغم نسبتهم الضئيلة من تعداد سكان البرازيل، هذا الواقع الذي يحاول دي سيلفا استثماره لتوسيع نطاق التبادل التجاري، الذي لم يبلغ خمسة مليارات دولار بين بلاده والدول العربية مجتمعة، ينطلق أيضاً من مواقف سياسية لا تختلف كثيراً عما تطالب به الدول العربية فيما يتعلق بالقضيتين الرئيسيتين حالياً، وهما العراق وفلسطين.

دي سيلفا بدأ مشروعه الثوري الذي طرحه في حملة انتخابات الرئاسة التي فاز فيها العام الماضي بجدية، تمثلت في قيامه بجولة واسعة في مختلف دول العالم المؤثرة إقليمياً ودولياً للترويج له، ولكن دي سيلفا دعا في جولته أيضاً إلى دعم رغبته في أن تشغل بلاده مقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي كممثلة لدول الجنوب، فهو يرى أنه إذا تحقق له ذلك فقد يضمن من خلاله تحقيق طموحاته، ولكن التمني شيء والواقع شيء آخر، فالمعارضة لمثل هذه الآمال كفيلة بإحباط آمال الرئيس البرازيلي وآمال الجنوب معه، رغم صواب المبررات.

جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيها أيضاً بعد فاصل:

منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، الرؤية الأميركية للمسرح الأوروبي على ضوء التطورات في جورجيا.

[فاصل إعلاني]

قمة خمسة زائد خمسة في تونس.. الهموم والأولويات

جميل عازر: وإلى تونس حيث انعقدت قمة الخمسة الأوربيين والخمسة المغاربيين في أجواءٍ تطغى عليها اعتبارات إقليمية فيها من التناقض أكثر مما تنطوي عليه من توافق، ولكن هذه القمة استبقتها أيضاً جولة سريعة قام بها (وزير الخارجية الأميركي) كولن باول في ثلاث من الدول المغاربية، فأثيرت التساؤلات حول مغزى هذه الجولة، فالولايات المتحدة الأميركية ليست الوحيدة التي أعادت النظر في أولويات علاقاتها بالشمال الإفريقي منذ بدء حربها على الإرهاب، فهذا ما فعله الأوروبيون أيضاً، ولكن يبقى الفرق بين أولويات شمالي المتوسط وجنوبيه شاسعاً، بحيث تندرج القمة في خانة الأكاديمي من الملتقيات.

القذافي ووزين العابدين بن علي خلال لقاءات القمة المتوسطية
تقرير/ مكي هلال: أن تتصادف زيارة كولن باول إلى ثلاث دول في شمال إفريقيا مع زيارة (شيراك) لتونس وقمة الخمسة زائد خمسة هناك، لابد وأن تثار تساؤلاتٌ عن وجود تنافس على النفوذ في هذا الجزء المتوسطي من العالم العربي، فالعلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، وخاصة فرنسا المتوسطية أيضاً، ليست في أحسن أحوالها، فقد ظلت تنظر إلى المغرب العربي، وبعد انتهاء استعمارها له على أنه حديقتها الخلفية والامتداد الاستراتيجي للفرنكفونية في إفريقيا ككل، ولكن الرئيس شيراك نفى وهو في تونس وجود منافسة مع الأميركيين، كما نفى ذلك الوزير باول وهو في الجزائر، بل أشاد الرجلان بدور كل من أوروبا والولايات المتحدة في المغرب العربي عامة، ومن هنا يجوز التساؤل عن العلاقة المنشودة، والأولويات التي تحكمها خاصة وأن الاتحاد المغاربي فكرة مشلولة، والتعامل مع دولة ينبغي -والحالة هذه- أن يكون تعاملاً مع دول منفردة، وليس مع كتلة واحدة.

الأميركيون قاموا بإعادة ترتيب أولوياتهم في العلاقة مع مختلف دول العالم، نتيجة لتداعيات هجمات الحادي عشر من سبتمبر، فأصبحت مسألة مكافحة الإرهاب المحور الذي تدور حوله مختلف الاعتبارات، وصار مدى التعاون في هذا المجال مقياساً لمستوى العلاقة ونوعيتها، حتى وإن يكن ذلك على حساب كماليات مثل حقوق الإنسان رغم التظاهر بغير ذلك.

والدول الثلاث التي زارها وزير الخارجية الأميركي عانت بشكلٍ أو آخر من الإرهاب على غرار ما حدث في جربا التونسية والدار البيضاء المغربية وما تعانيه الجزائر من عنف، وقد أصبح دور هذه الدول في الحرب على الإرهاب من الفاعلية والجدية إلى حدٍ يحمل الأميركيين على التغاضي عن المخالفات ولو بقدر محسوب.

وما مبادرة الشراكة الأميركية والمتوسطية إلا وسيلة لمحاولة التأثير على الدول العربية عامة ودول شمال إفريقيا بوجه خاص وتحفيزها نحو الانفتاح والتكيف مع الظروف العالمية لاغتنام ما تنطوي عليه المبادرة من فوائد اقتصادية وسياسية.

وبينما يود الوزير (باول) أن يرى انفتاحاً سياسياً في تونس والتزاماً أكبر بحقوق الإنسان وحرية التعبير، فإنه ينتظر من الجزائر محاربة بقايا العنف واعتماد الشفافية في الانتخابات الرئاسية القادمة وربما مزيداً من التعاون مع الطرح الأميركي فيما يتصل بحل مشكلة الصحراء الغربية، وهو ما بحثه باول مع المسؤولين الجزائريين والمغاربة.

وللدول الأوروبية المتوسطية الخمس أولويات أيضاً في التعامل مع الشمال الإفريقي، وعلى رأسها مشاكل الهجرة المشروعة وغير المشروعة عبر أراضي وسواحل الدول الإفريقية الخمس، والتعاون في مكافحة هذا البعبع الذي يؤرِّق المجتمعات الأوروبية المتوسطية وغير المتوسطية، أصبح في الحرب الأميركية على الإرهاب محوراً لعلاقات في مجالات أخرى على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والثقافية.

جميل عازر: وينضم إلينا من باريس (الباحث في العلاقات الدولية) دكتور خطار بودياب، دكتور خطار أولاً: نظراً لعدم التكافؤ الواضح بين الخمسة الأوروبيين والخمسة المغاربيين، ما هي في تقديرك أهمية مثل هذا اللقاء؟

د. خطار بودياب: مساء الخير. في تقديري إن أهمية هذا اللقاء هو تفتيش أوروبا عن تبرير توسعها نحو الشرق والوسط ومحاولة عدم نسيان الجنوب، الفكرة أساساً انطلقت عام 1990 بناء على اقتراح فرنسي، لكنها تعثرت بسبب مشكلة الصحراء الغربية والحظر الدولي على ليبيا والحرب التي اندلعت في الجزائر، وأتى مسار الشراكة في برشلونة عام 95 ليحاول أن يكون تعويضاً، لكنه فشل أيضاً نظراً لانعكاسات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عليه، والآن هذه المحاولة لإحياء حوار خمسة زائد خمسة تأتي قبل توسيع الاتحاد الأوروبي هي محاولة للتوفيق ما بين الهموم المغاربية بعدم نسيان أوروبا للمغرب، بعدم نسيان الاستثمار فيه والمساعدات، والتطلعات الأوروبية التي تخشى من أن تتحول هذه المنطقة إلى موئل للهجرة غير المشروعة أو إلى صعود لحركات متطرفة فيها، إذن انطلاقاً من ذلك كانت هذه المحاولة ومحاولة عملية للمرة الأولى لأنها هي أكثر واقعية من الناحية العملية من مسار برشلونة الواسع جداً.

جميل عازر: طيب إذا أخذنا أولويات الجانبين، أي الأولويات تقبل التحقيق أكثر من غيرها؟ لنأخذ مثلاً قضية الهجرة بالنسبة للأوروبيين، هل يمكن للأوروبيين أن يدفعوا دول الشمال الإفريقي التي يعتبرونها جسراً للمهاجرين خاصة المهاجرين غير الشرعيين، هل يمكن أن تقوم هذه الدول الشمال إفريقية بإجراءاتٍ للحد من الهجرة تلبيةً لرغبات الجانب الآخر؟

د.خطار بودياب: على أرض الواقع المسألة معقدة، أوروبا تنظر بخوف إلى منطقة المغرب العربي التي تضم 80 مليون من السكان اليوم، ومعدل الأعمار فيهم أقل من 25 سنة، في هذه المنطقة الشابة من العالم ورغم الإمكانات الاقتصادية هناك حالة من الفقر، وهناك حالة من السعي عند الشباب للهجرة نحو الجنة الأوروبية المزعومة، وأصبح البحر الأبيض المتوسط نوعاً من جدار برلين، ولا يعني ذلك فقط المغاربة بل يعني الإفريقيين جنوب الصحراء الذين يمروا إن عبر تونس أو ليبيا أو المغرب، لمحاولة الوصول إلى الشواطئ الأوروبية، وكلنا نشهد المآسي في هذا الصدد، الطرح العملي الوحيد في قمة تونس هو الاجتماع قريب ما بين المفوضية الأوروبية والدول المغاربية الخمس لمحاولة المساعدات الاقتصادية، أي أن تقدم أوروبا مساعدات لهذه الدول لكي تحتوي الأناس فيها، بمعنى إن التنمية تصبح البديل عن الهجرة، المسألة حتى الآن نظرية وننتظر الأمور التطبيقية، لكن محاولة وضع سد جديد لا ينفع، لأن دول المغرب العربي تقول إن أوروبا بحاجة فعلاً لهذه اليد العاملة، بينما أوروبا تفتش عما تسميه القمصان البيض أي الكوادر وليس العُمَّال من ذوي الكفاءات المحدودة الذين أسهموا قديماً في تنمية الاقتصاد الأوروبي، والخوف الأوروبي يعود أيضاً لأن تواجد عدد كبير من المسلمين في أوروبا أخذ يشكل عامل جديد تخشاه أوروبا على المدى المتوسط.

جميل عازر: طيب. أين يأتي دور – مثلاً- مكافحة ما يسمى بالإرهاب في هذه المعادلة الأوروبية الشمال إفريقية؟

د. خطار بودياب: بالفعل كما تكلمتم في تقريركم قبل المحادثة عانت هذه الدول من الإرهاب قبل الولايات المتحدة وقبل أوروبا وعانت من مشاكله، بالنسبة لإعلان تونس اليوم أول تركيز فيه على نغمة مكافحة الإرهاب، وهذا الموضوع أصبح الآن محور كل المقررات الدولية، وإذا كان هناك تعاون فعلي فهو التعاون ما بين وزراء داخلية الدول المغاربية ووزراء داخلية دول الاتحاد الأوروبي، إذن من هذه الناحية العملية ليس هناك من جديد، لكن في الماضي إبَّان الحرب الجزائرية أو إبَّان المشاكل المحدودة في تونس أو اليوم في الدار البيضاء في المغرب، كما حصل في مايو الماضي، كانت دوماً الدول المغاربية تقول بأن القواعد الخلفية لما يسمى بالإرهابيين أو المتطرفين توجد في الأساس في أوروبا وكان وقتها الخطاب المغاربي غير مسموع، الآن بعد حادث 11 سبتمبر والتطورات الأخيرة أصبح هذا الخطاب مفهوماً وأصبح التعاون أدق من الأول.

جميل عازر: طيب، بالنسبة للاتحاد المغاربي الذي يبدو أنه لا يزال يعني طرحاً افتراضياً، هل تعتقد أن أوروبا تعمل بإخلاص على دفع الدول المغاربية الخمس إلى إعادة النظر في مواقفها والعمل على تفعيل هذا الاتحاد؟

د. خطار بودياب: أعتقد إن هناك تحول في الموقف الأوروبي، لأن التنافس حول المغرب العربي ليس فقط تنافس أميركي فرنسي، بل هو تنافس أوروبي أوروبي، فمثلاً ما بين فرنسيا وإسبانيا وإيطاليا هناك سعي حثيث من يحتل الموقع الأول في هذا البلد أو ذاك وخاصة بالنسبة للعقود النفطية أو الغازية الكبيرة، لكن الآن مع الاندماج العالمي والتكتلات العالمية حتى يصبح للاتحاد الأوروبي دور أكبر هو بحاجة لأسواق كبيرة، من هنا في كلام شيراك أو في كلام باول كلام محدود عن الاقتصادات الثلاث التي يمكن أن تشكل سوقاً مغاربية متطورة، أي الجزائر والمغرب وتونس، وهذا يعني إن أوروبا أو الولايات المتحدة بحاجة للتعاون بدل التعاون مع سوق من 30 مليون نسمة كما السوق الجزائرية، لماذا لا يكون ذلك مع سوق من سبعين مليون نسمة؟ إذن هناك سعي الآن للاندماج، لكن الاتحاد المغاربي العقدة فيه ليست اقتصادية، بل سياسية وأبرزها عقدة الصحراء الغربية بين الجزائر والمغرب، وهنا برز التنافس الفرنسي الأميركي في أوجه، إذ إن الولايات المتحدة أخذت منذ فترة تعتبر الجزائر الدولة المؤيدة الأولى لها في منطقة المغرب العربي وتؤيد الطروحات الجزائرية فيما يخص الحكم الذاتي في الصحراء، بينما أيَّدت فرنسا الطروحات المغربية حول الحكم الذاتي وحول استمرارية تبعية الصحراء للمغرب، وهناك كانت محاولة باول تغطية ذلك، وكان موعده قبل شيراك نوعاً من لفت النظر بالقول بأن المغرب العربي أصبح ضمن دائرة الاهتمام الأميركي كما هو.. كما هي بقية المناطق في الشرق الأوسط، إذن نحن نشهد حول هذه المنطقة نوعاً من الاهتمام الجديد في دائرة الضوء، لكن إذا لم تتمكن الدول المغاربية وخاصة المغرب والجزائر من تخطي عقدة الصحراء الغربية، نكون لا نزال في البداية وتكون كل هذه الاجتماعيات أكاديمية ونظرية لا غير.

جميل عازر: طيب، بالنسبة للتنافس بين الأميركيين والأوروبيين على النفوذ في شمال إفريقيا، هل تعتقد أن مسألة مكافحة الإرهاب يمكن أن تكون الحفَّاز الذي يوحد بين موقفي الأميركيين والأوروبيين إزاء هذه المنطقة؟

د. خطار بودياب: بالفعل يتوجب عدم المغالاة في تفسير التنافس إنه تنافس اقتصادي وليس من الأكيد تنافس سياسي واستراتيجي لأن للطرفين مصالح مشتركة في عديد من الميادين، الولايات المتحدة اليوم تحاول إقامة مركز كبير للتنصت في الجزائر عندها قواعد وتسهيلات إن في المغرب أو تونس أقامت مركزاً للشراكة الديمقراطية في تونس، وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا لها الكثير من النفوذ، ومن المساعدات الاقتصادية والاستثمارات في هذه البلدان، وأعتقد إنه بالرغم من الفوارق حول هذا الموضوع أو ذاك هناك قاسم مشترك، هناك خوف من العالم الإسلامي وهناك خوف من المد المتطرف في بعض الدول، وفي هذا المجال هناك وحدة موقف فعلية أوروبية وأميركية.

جميل عازر: خطار بودياب في باريس، شكراً جزيلاً لك.

مؤتمر منظمة الأمن والتعاون في أوروبا

وفي تجمعٍ آخر استضافته هذه المرة المدينة مايسترخت الهولندية، وجَّه (وزير الخارجية الأميركية) كولن باول في مؤتمر منظمة الأمن والتعاون في أوروبا تحذيراً إلى روسيا بألا تناصر الانفصاليين في جمهورية جورجيا، وإذ دعا زميله وزير الدفاع (دونالد رامسفيلد) موسكو لاحقاً إلى سحب قواعدها العسكرية من جورجيا، فإن هذا الموقف الأميركي يُعيد إلى المسرح الأوروبي مشارف حربٍ باردة جديدة، فمنطقة القفقاس تحتل هذه الأيام المكانة التي شغلتها منطقة البلقان من حيث كونها بؤرة قابلة للاشتعال بما تنطوي عليه من بؤر للصراع والمنافسة ابتداءً من الشيشان ونفط بحر قزوين وحتى أبخازيا وأرمينيا وأذربيجان.

وزير الخارجية الأميركي بجانب وزير الخارجية الروماني ورئيس منظمة الأمن والتعاون الأوروبي
تقرير/ سمير خضر: خمسة وخمسين دولة شاركت في اجتماع مايسترخت لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وبالطبع كان وزير الخارجية الأميركي محط أنظار الجميع، لا لشخصه بالطبع وإنما لطغيان إن لم يكن هيمنة السياسة الأميركية على شتى مناطق النزاع في العالم إضافة إلى سعي واشنطن لفرض نظرتها الخاصة للأمور على حلفائها، وأصدقائها قبل أعدائها.

انصبَّ جُلُّ اهتمام اجتماع مايسترخت على الوضع في جورجيا التي شهدت تغييراً سلمياً في السلطة إثر اضطرار الرئيس (إدوارد شيفرنادزه) للاستقالة من منصبه تحت وطأة ضغط المعارضة، كل القوى الأوروبية تبدو اليوم راغبة في احتضان السلطة الجديدة في تبليسي وتسعى إلى إزاحة خصومها، والمواجهة كانت واضحة بين واشنطن وموسكو في هذا الشأن، فكلا البلدين رحبا بهذا التغيير السلمي وعرضا المساعدة على جورجيا الجديدة، لكنهما اختلفا حول مَنْ ستكون له اليد العليا في أمور البلاد.

الولايات المتحدة أطلقت الرصاصة الأولى من خلال مطالبتها بانسحاب القوات الروسية المتمركزة في جورجيا وهو مطلبٌ لا تعارضه موسكو، لكنها ترفض رفضاً باتاً وضع جدولٍ زمني في واشنطن لهذا الانسحاب، وترى في الموقف الأميركي محاولةً جديدة لإقصائها من هذا البلد الذي سيمر عبره نفط بحر قزوين، هذا الخلاف أدى إلى تخلي المؤتمر عن إصدار بيان ختامي مكتفياً بإعلان من قِبَل رئاسة المؤتمر الهولندية.

موضوع جورجيا كان الحدث الطارئ على اجتماعاتٍ تطرقت أيضاً إلى مواضيع الساعة وعلى رأسها مكافحة الإرهاب، إذ إن العديد من الدول الأوروبية تنظر بعين من الشك والريبة إلى المنهجية الأميركية في هذا المجال والتي تنسى أو تتناسى أن مكافحة الإرهاب تُخلِّف ضحية هامة ألا وهي الحريات الأساسية التي تحرص معظم دول أوروبا على احترامها، وهذا ما أشار إليه وزير الخارجية الهولندي الذي انتقد صراحة سجل واشنطن في هذا المجال مشيراً إلى وضع المعتقلين في سجن جوانتانامو.

اجتماع مايسترخت لم يمر كذلك دون تظاهرات من قِبَل مناهضي العولمة، الذين ركزوا بشكل رئيسي هذه المرة على ما سموه الإرهاب الرسمي الذي تمارسه بنظرهم الولايات المتحدة في العراق.

خلاف الناتو حول مستقبل الترتيبات الدفاعية الأوروبية

جميل عازر: ويبدو الخروج من المسرح الأوروبي هذا الأسبوع صعباً، فقد شهد نشاطاً ملحوظاً على أكثر من صعيد، فاجتماع وزراء الدفاع لحلف شمال الأطلسي في بروكسل كان استمراراً للمشادة بين جانبي الأطلسي حول مستقبل الترتيبات الدفاعية الأوروبية، فأي خطوة في هذا الاتجاه تثير لدى الأميركيين إحساساً بأنهم المستهدفون فيما تبدو لهم كمؤامرة أوروبية لكسر هيمنتهم ليس على الشأن الأوروبي فقط، بل وعلى العالمي أيضاً، ورغم محاولة الأوروبيين لطمأنة واشنطن بأن قوة دفاعية أوروبية لن تكون بديلاً أو منافساً للناتو، يبدو أن وزير الدفاع الأميركي عاقدٌ العزم على جعل الأوروبيين يخططون وفقاً لمقتضيات استراتيجية الولايات المتحدة.

جورج روبرتسون الأمين العام لحلف الناتو
تقرير/ أحمد كامل (مراسل الجزيرة – بروكسل): أن تطلب واشنطن من حلف الناتو الاستعداد للعب دورٍ في العراق فهذا يعني أن العقيدة الجديدة للحلف دخلت حيز التنفيذ وأنها لا تستبعد الانخراط في عمليات ساخنة جداً بين الشمال والجنوب، وإذا كان حلف شمالي الأطلسي قد قام فعلاً بدور في أفغانستان، فإن وضع أقدامه في العراق مختلفٌ تماماً عسكرياً وسياسياً وعقائدياً.

عسكرياً: لأن مستوى الخسائر البشرية في صفوف القوات المتواجدة في العراق مرتفع إلى درجة تسمح دون تردد باعتبار الحرب غير منتهية، فيما تقترب عملية الناتو في كابول كثيراً من عمليات حفظ السلام الروتينية.

سياسياً: حظيت الحرب على أفغانستان ومازالت تحظى بإجماع غربي على كل المستويات، فيما أثارت الحرب على العراق ومازال احتلاله يثير أعمق الانقسامات داخل الصف الأطلسي.

عقائدياً: تثير عمليةٌ أطلسيةٌ كبيرةٌ في العراق سؤالاً محرجاً عن ماهية الناتو الجديد، ناتو ما بعد انهيار الكتلة الشيوعية؟ السؤال هو دون مواربة، هل تحوَّل الحلف الأطلسي من حلف دفاعي هدفه حماية أوروبا من الخطر الشيوعي إلى حلف هجومي يتحرك في كل أنحاء العالم لتحقيق المصالح الأميركية أصالة والأوروبية عرضاً وبالتبعية؟

تورطٌ واسعٌ للناتو في العراق يعني الرد بالإيجاب على السؤال الكبير ويعني تعزيز القناعة الأوروبية بوجوب بناء قدرات دفاعية أوروبية مستقلة عن الحلف الأطلسي.

طلب واشنطن توسيع عمليات الناتو في أفغانستان والاستعداد للعب دورٍ مماثل في العراق ومعارضتها الشديدة للدفاع الأوروبي، وتململ دول أوروبية من فكرة التواجد في العراق، كل ذلك يدل بوضوح على أن واشنطن تريد تحويل الناتو إلى عصا دولية تدعم سياساتها وتحمي مصالحها، ويدل بوضوحٍ على أن الأوروبيين يدركون ذلك ويدركون أن ساعة الحقيقة قد اقتربت.

فإذا وافقت الدول الأوروبية على الذهاب إلى العراق تحت جنح الناتو فهذا يعني قبولها باحتلال مقعدٍ خلفيٍّ في القطار المتجول لما تسمى بالحرب على الإرهاب، ويعني تخليها عن طموح الاستقلال عن المظلة العسكرية الأميركية، أما إذا رفضت أو رفض بعضها فستكون رسالة واضحة لإدارة بوش مفادها أن حلفاء واشنطن الأوروبيين يعرفون الفارق بين مواجهة الإرهاب وبين استغلاله لبناء إمبراطورية عالمية تدار من البيت الأبيض.

انتصر في مواجهته الكبرى مع المعسكر الاشتراكي دون إطلاق رصاصة واحدة وانتصر في معركة غير متكافئة في يوغسلافيا، لكن حلف الناتو يستعد اليوم للدخول في حرب لا يعلم أحد كيف يكون النصر فيها.

أحمد كامل – (الملف الأسبوعي) - بروكسل.

جميل عار: وبهذا نختتم جولتنا في (الملف الأسبوعي)، نذكر حضراتكم كالمعتاد بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، أو الكتابة إلى عنوان البرنامج الإلكتروني، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة