ظاهرة ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية عالميا   
الاثنين 1429/2/26 هـ - الموافق 3/3/2008 م (آخر تحديث) الساعة 17:32 (مكة المكرمة)، 14:32 (غرينتش)

- أبعاد الظاهرة، حجمها، وانعكاساتها
- سبل تطويق المشكلة واحتواء آثارها


 
ليلى الشيخلي
عبد الحافظ الصاوي
 عمر الكتاني

ليلى الشيخلي:حياكم الله. نتوقف في حلقة اليوم عند ظاهرة ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية والسلع الغذائية في الأسواق العالمية لاسيما القمح، إضافة إلى عدد من المواد الأساسية الأخرى وسط تقديرات بأن هذه الموجة ستستمر لسنوات مقبلة. نطرح في الحلقة تساؤلين، إلى أين ستتجه ظاهرة ارتفاع الأسعار وكيف ستنعكس على الأوضاع المعيشية للطبقة الفقيرة؟ وما هي الخيارات المتاحة لتطويق هذه القفزات السعرية واحتواء آثارها الاقتصادية والاجتماعية؟... مجلة التايمز المعروفة كتبت في هذا الموضوع محذرة من أن الطفرات السعرية تمثل أزمة عالمية تحاصر الناس في أقواتهم وخطرا يتهدد السلم الكوني برمته وظاهرة آخذة بالاتساع، وقبلها تحدثت مجلة الإيكونوميست الشهيرة عن نهاية عصر الغذاء الرخيص في ضوء الزيادات المطّردة في كلفة إنتاج السلع الغذائية مجملة أسباب ذلك في عوامل كثيرة أغلبها قديم وأقلها حديث.

[تقرير مسجل]

إيمان رمضان: بالنسبة لهؤلاء قد يكون رغيف الخبز يوما حلما بعيد المنال ليضاف إلى قائمة أحلام بسيطة لم تتحق، فارتفاع منتظر في سعر القمح يشي بمزيد من الجوعى مثلما يشي بزيادة في عدد الأغنياء، تلك المعادلة المختلة وإن بدا طرفاها في نسق منتظم فكل ما يربط الفقراء بالأغنياء في هذا العالم مجرد علاقة طردية عددا. حقبة قادمة من جنون أسعار السلع الغذائية الأساسية وعلى رأسها القمح رغيف الخبز.

مشارك: في سنة 2007 كان الطن بـ1200 جنيه النهارده الطن يعادل دلوقت 3000 جنيه، فطبعا مش معقول هأقدر أشتغل به بدل ما كنت أشتغل الكمية أنا أشتغل عشرين شوال النهارده بشتغل عشرة إشولة بس.

إيمان رمضان: وهنا تدق منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، ذلك الكيان الدولي المعني بإطعام الأفواه الجائعة حول العالم وما أكثرها، تدق ناقوس الخطر. تتوقع الفاو أن تخفض نسبة معونتها الغذائية من السلع الأساسية بسبب ارتفاع أسعار القمح والغلال الأخرى ما لم تحصل على التمويل الكافي لسد الاحتياجات، غير أن قانون العرض والطلب ليس المحدد الوحيد لسعر القمح، فسعر هذه السلعة الحيوية يتأثر بعوامل متشابكة شديدة التعقيد أهمها زيادة أسعار النفظ ما يعني زيادة كلفة الانتاج. الانحباس الحراري وما ينتج عنه من تغيرات مناخية كالجفاف والفيضانات والصقيع، تحسن الاقتصاد كما حدث في الصين والهند مثلا وارتفاع في دخل الفرد وتحسن القدرة الشرائية، فزادت استهلاك اللحوم التي خصصت من أجل إنتاجها نسبة أكبر من الحاصلات الزراعية علفا للأبقار والدواجن. طائرة بريطانية تطير للمرة الأولى باستخدام وقود عضوي حدث قد يعتبره الكثيرون إنجازا بشريا، إلا أنه يخفي في طياته كارثة إنسانية فبرميل من الإيثانول العضوي الذي يستخدم وقودا يستهلك في إنتاجه كمية من الذرة تكفي لسد احتياجات شخص لمدة عام، وقد نتج عن هذا الإنجاز أن تهافت المزارعون على زراعة الذرة ذلك الكنز المدفون على حساب زراعة القمح مما ساهم في ارتفاع أسعاره بشكل حاد. هذه الأسباب جميعها وضعت الحكومات أمام تحديات تفرض عليها حماية سلعة غذائية رئيسية تحيا بها الشعوب بضبط سوقها والسيطرة قدر الإمكان على ظروف إنتاجها، أسعار سلع تقفز لتقفز معها أسعار سلع أخرى إنها لعبة الدومينو ذاتها التي تبدأ بانهيار الدعم على السلع الغذائية الأساسية لتحطم في طريقها مبدأ حماية المستهلك وتنتهي بانهيار المستهلك ذاته.

[نهاية التقرير المسجل]

أبعاد الظاهرة، حجمها، وانعكاساتها

ليلى الشيخلي: معنا في هذه الحلقة من القاهرة الكاتب والمحلل الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي، ومن الرباط معنا أستاذ الاقتصاد والتنمية في جامعة محمد الخامس الدكتور عمر الكتاني. لنبدأ معك عبد الحافظ الصاوي، يعني أيام الستينات أيام الأحلام الوردية كان يقال إن السودان وحده قادر على إطعام العالم العربي. ما الذي جرى؟ لماذا لم يتحقق هذا الحلم؟

عبد الحافظ الصاوي: في الحقيقة لنبدأ من السودان حيث بدأت، إذا ما أردنا أن نتحدث عن الواقع العربي فيما يتعلق بمسألة الفجوة الغذائية الموجودة واعتماده بشكل كبير على الاستيراد من الخارج، فمنذ سنتين أو ثلاث كان يقال إن فاتورة الغذاء العربي تبلغ قرابة العشرين مليار دولار، فما بالك الآن بعد معدلات التضخم المرتفعة وارتفاع أسعار النفط التي انعكست في كثير من السلع لتزيد بمعدلات كبيرة. فإذا كنا نتحدث عن السودان الذي يحقق فقط 62% من احتياجاته من القمح في ظل إمكانياته الهائلة من وجود أكثر من عشرين مليون فدان من الأرض الخصبة والصالحة للزراعة والتي يتوفر بها الماء، وأيضا توجد القوى البشرية، وفي ظل حصول حكومة السودان الحالية على صادرات نفطية وصلت لما يزيد عن 3 مليار دولار، فلماذا لا تحقق السودان اكتفاء ذاتيا في القمح أو تصدر القمح وباقي السلع الغذائية إلى كل الدول العربية وغيرها؟ نحن في الحقيقة نعاني من أزمة إرادة، سواء كان ذلك في السودان أو كان في باقي الدول العربية، وحتى لا يكون كلامي مرسلا سأدلل لك بحالتين أخريتين، حالة اليمن على سبيل المثال وهو اقتصاد يصنف على أنه من الاقتصاديات الأقل نموا في العالم ولكنها تحقق فيما يتعلق بالقمح نسبة 15% فقط، وهذا معدل منخفض، في حين أنها تتجه لإنتاج سلعة في غاية الغرابة بالحسابات التنموية وهي القات، القات الزيادة في مساحات زراعته وزيادة محصوله على حساب القمح والسلع الأساسية الأخرى! ومن العجب أن نجد منذ شهرين أو أكثر خروج مظاهرات الخبز في الشارع اليمني، إذا كانت المظاهرات هناك تخرج من أجل.. اسمحي لي أن أدلل بمثال آخر على ذلك..

ليلى الشيخلي(مقاطعة): طيب مثال آخر بشكل سريع لو سمحت.

عبد الحافظ الصاوي: بشكل سريع، مصر رفعت الدعم عن القطاع الزراعي بالكامل منذ أكثر من 18 عاما ولكنها في نفس الوقت سمحت بإعفاء ضريبي لنشاط يعتمد على المضاربة داخل البورصات، فالأرباح المتحققة داخل البورصة معفاة بالكامل من الضرائب، فما بالك بالمزارع الذي يمتلك مساحات صغيرة ودخل قليل ويدفع الضرائب؟ أين هو التخطيط التأشيري في ظل اقتصاد السوق؟ هذه بدائيات اقتصاد السوق..

ليلى الشيخلي(مقاطعة): جميل يعني هذا بالضبط ما أريد أن أصل إليه، شكرا لك، المزارع العادي والمواطن العادي في النهاية. دكتور عمر الكتاني، اعتدنا على مناقشة هذه المواضيع بلغة أكاديمية اقتصادية بحتة، لغة أرقام، ولكن المواطن العادي في النهاية هو من يتأثر وواضح أنه بدأ يتأثر هل دخلنا فعلا مرحلة الخطر؟

"
هناك غياب كبير للدراسات المستقبلية في العالم العربي فلا توجد دراسة واحدة تتوقع أخطار ارتفاع الأسعار على التوازن الاجتماعي في العالم العربي، بالإضافة إلى انتشار الأمية في البادية
"
عمر الكتاني

عمر الكتاني
: دخلنا مرحلة الخطر. قد يستمر هذا الخطر والمشكل الأساسي بالنسبة للقطاع الفلاحي أحد المشاكل هو انتشار الأمية في البادية في العالم العربي، فنسبة الأمية في العالم العربي في البادية تتراوح بين 50%، وثلثي السكان في البادية أميون، وكيف يمكن الرفع من الإنتاجية حتى ولو قامت الدولة بدعم هذا القطاع؟ كيف يمكن الرفع من الإنتاجية وأغلب سكان البادية أميون؟ هذه نقطة أساسية لا بد من ذكرها. النقطة الثانية هي ضعف التوقعات، ما يقع الآن حاليا وقع احتماله من طرف خبراء أجانب، ولكن في العالم العربي لم يقع ذكر ولو دراسة واحدة لتوقع أخطار ارتفاع الأسعار على التوازن الاجتماعي في العالم العربي، فليس هناك توقعات وهناك غياب كبير للدراسات المستقبلية ويالتالي الجانب الثالث هو أن الخطر لا يكمن فقط في القطاع الفلاحي، ما ثبت الآن من الناحية الاقتصادية هو أن ما يقع في القطاع الفلاحي عندما تكون أزمة في القطاع الفلاحي فإنها هذه الأزمة تنعكس بشكل مباشر في كثير من الدول العربية على القطاع الصناعي لأن نسبة كبيرة من الناس يشتغلون في القطاع الفلاحي عندما يكون الإنتاج مرتفعا، في سنوات المطر يكون الانعكاس إيجابي على القطاع الصناعي وعلى قطاع الخدمات، وعندما يكون الإنتاج ضعيفا ينعكس بشكل مباشر على القطاع الصناعي وعلى قطاع الخدمات، فلا يمكن أن نحلل خطر الوضع الاجتماعي في القطاع الفلاحي بمعزل عن التأثيرات التي تعم القطاعات الأخرى وهذا شيء يؤكد على أن الخطورة مضاعفة أكثر مما نحن نتوقع.

ليلى الشيخلي: طيب يعني عبد الحافظ الصاوي، لا نريد أن نغوص كثيرا في التاريخ يعني كما ذكرت أنت في مصر وفي الأردن وفي المغرب كانت هناك عدة ثورات أو انتفاضات للخبز، هل يجب أن يكون سعر الخبز خطاً أحمر؟

عبد الحافظ الصاوي: في الحقيقة نحن أمام معادلة صعبة يواجهها المواطن العربي بشكل عام وهي أن تلك الحكومات وضعت هذه الشعوب في إطار ملعب العولمة وفي إطار التعامل مع هذا الاقتصاد من خلال الأسعار العالمية، وكل ما يطلبه المواطنون أن يتعادل طرفي المعادلة، فإذا كنت تطالب المواطن أن يعيش في ظل أسعار عالمية فلا بد أن يحصل على أجر عالمي أيضا حتى يكون هناك نوع من التوازن، أما أن يعيش في ظل أسعار عالمية وأجور إقليمية أو قطرية متدنية لا تتناسب مع متطلباته الحياتية الأساسية فهذا غير مقبول. نحن مثلا عندنا في مصر وفي غيرها من البلدان العربية على مدار أكثر من سنتين وجدنا الكثير من الطوائف والمهن خرجت تطالب بتحسين دخولها وبتعديل رواتبها، ولعل آخر هذه الكوادر التي خرجت تطالب بهذا التعديل فئة لم يكن أحد من المصريين يتخيل أبدا أن تصل فئة الـ خمسةع إلى المطالبة بتحسين أجرها، هذه فئة الـ خمسةع تطلق على الأطباء، كان الطبيب إذا ما التحق بكلية الطب أو عمل بهذه المهنة كان يقال أنه سيحقق خمسةع، العربية والعروسة والعزبة والعمارة والعيادة، فماذا يواجه هذا الطبيب الآن في ظل مرتب، إذا ما كان أخصائيا يعني حاصل على درجة الماجستر أن يحصل على نحو 300 جنيه؟ يعني ما يعادل ستين دولارا أميركيا أو أقل، هل يستطيع إنسان يرعى أسرة أن يعيش بهذا الدخل وبهذا الراتب؟ في الحقيقة نحن عندما دخلنا إلى حلبة العولمة سواء في مصر أو في غيرها من الدول العربية افتقدنا إلى الإرادة التنموية القوية التي تستطيع أن تنافس وأن يكون لها حضور في هذه الحلبة، فغيرنا نجح في هذا الدور، لننظر إلى الصين إلى الهند إلى ماليزيا إلى غيرها من هذه الدول بينما نحن جلسنا نكون من مستهلكي العولمة ومن مستوردي سلعها الطرفية في حين تركنا الإنتاج وتركنا الخدمات. واسمحي لي أن أقول في عجالة سريعة إن ظاهرة ارتفاع الأسعار ستستمر خلال الفترة القادمة بناء على ما توقعه تقرير صادر لصندوق النقد الدولي في شهر يوليو الماضي وحدّثه في أكتوبر فيما يتعلق بمعدلات النمو على مستوى العالم، حيث أنها ستنقلب خلال العام 2008 إلى قرابة 4,1 من عشرة، فانخفاض معدل..

ليلى الشيخلي(مقاطعة): شكرا أستاذ عبد الحافظ الصاوي، أريد أن أسألك دكتور عمر الكتاني، هل معنى هذه أن نبوءة كيسنجر الشهيرة بأننا يعني لن نسيطر عليهم بالقوة ولكن بحرمانهم من الخبز، هل هذه النبوءة في طريقها للتحقق من خلال ما نشهده اليوم؟

عمر الكتاني: للتصحيح فقط، هم لم يسيطروا علينا بالغذاء نحن الذين قبلنا بأن يسيطر علينا بالغذاء، نحن الذين لم نوظف المهندسن الكافين في الميدان الزراعي لتوزيع الأراضي عليهم ولتشجيع من طرف البنوك والمؤسسات المالية، نحن لم نضغط بالشكل الكافي على البنوك لتحويل البنوك من بنوك ريعية إلى بنوك استثمار لأن هناك ما يسمى ببنوك الاستثمار ليس هناك ما يكفي من بنوك الاستثمار في العالم العربي، لا زال هناك نوع من الإقطاع في الأراضي، هناك كثير من الإدرايين الذين يملكون نسبة كبيرة من الأراضي التي لا تستغل ولا توظف في الناحية الاقتصادية، هناك بعض التجارب الناجحة التي لا يعرف عنها الإنسان العربي وكنموذج بعض التجارب في السودان التي جمعت بين المهندس وصاحب الأرض والمؤسسة التمويلية ..

ليلى الشيخلي(مقاطعة): لكن سامحني دكتور، يعني قبل أن نتحدث عن الحلول الممكنة لهذا الوضع الذي نعيشه، ربما يجب أن نتوقف، هل فعلا ندرك حجم المشكلة؟ أم يجب أن يدق المزيد من النواقيس؟ هل نحن فعلا ندرك حجم المشكلة؟

عمر الكتاني: لا، تعرفين لماذا؟ لأنه ليس هناك دراسات مستقبلية في العالم العربي، لأن مادة الدراسات المستقبلية لا تدرس أصلا في المعاهد العليا، ليس هناك مادة اسمها مادة المستقبليات، فالمفروض أن كل دولة من الدول العربية تضع لها خريطة مستقبلية لمجموعة الأخطار المحدقة بها سواء من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية أو البشرية وتضع لها أو تبدأ في وضع مخطط لها على المدى الطويل، هذه الدراسات موجودة في الغرب هي الآن الدراسات الغربية تدرس ما هي الأخطار المحدقة بنا ونحن لم نصل إلى هذه الدرجة، ولهذا مسؤولينا يفتقرون، وقد قال أحد المسؤولين في الدول العربية قال إن الخلط ما بين المال والسياسة جعل هناك عقم في التفكير لدى المسؤولين لحل المشاكل الاجتماعية، وهذا عامل سياسي ولكن عامل سيكون الأثر الاجتماعي له كبير جدا.

ليلى الشيخلي: إذاً فاصل قصير، مضطرة لأخذ هذا الفاصل، ثم نعود لنناقش الحلول الممكنة، أرجو أن تبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

سبل تطويق المشكلة واحتواء آثارها

ليلى الشيخلي: أهلا من جديد، إذاً حلقتنا تبحث في ظاهرة ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية والسلع الغذائية عالميا ولا سيما القمح، أستاذ عبد الحافظ الصاوي، يعني هناك إجماع على توصيف المشكلة وحجم الخطر الموجود، بالنسبة للحلول من وجهة نظرك ما هو الحل الأقرب والأكثر واقعية للتحقق في عالمنا العربي؟

"
لحل ظاهرة ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية لا بد أن نعمل في ظل ما يسمى رقابة الأسواق من حيث الأسعار وجودة المنتجات، وتشجيع المزارعين على زراعة السلع الضرورية بدعم من قبل مجتمع الأعمال والدولة
"
عبد الحافظ الصاوي

عبد الحافظ الصاوي
: في الحقيقة إذا ما أردنا أن نتحدث عن حلول فلنكن واقعيين، أولى هذه الحلول أن نعمل آليات اقتصاد السوق التي ارتضيناها في ظل إطار العولمة، فهذه الأدوات تحتم أن يكون للدولة دور، ليس بالضرورة أن يكون القيام بالإنتاج والاستثمار ولكن أن تعمل في ظل ما يسمى برقابة الأسواق من حيث الأسعار ومن حيث جودة المنتجات، هذه واحدة. الأمر الثاني ما يتعلق بالتخطيط التأشيري، من غير المقبول أن تكون سلع إستراتيجية على الناحية الغذائية وخاصة الحبوب والقمح ثم تواجه بهذه اللامبالاة على صعيد الكثير من الدول، فيعني غير مقبول أبدا أن نظل كأكبر مستوردين للقمح الأميركي مثلا في مصر في حين أننا نمتلك إمكانيات ومقومات للنجاح في تحقيق معدلات كبيرة خاصة أننا لنا مع أميركا تجارب سابقة، ففي عام 2003 كان من الممكن أن نستبدل القمح الأميركي بالاستيراد من أوروبا الشرقية حيث كان لديها فائض في هذا المحصول ولكن أميركا من أجل رفع الأسعار ومن أجل سيطرتها على السوق توجهت إلى هذه البلدان واستوردت هذا القمح رغم عدم حاجتها إليه وبذلك ارتفع القمح من 90 دولار للطن في عام 2003 إلى نحو 190 دولار للطن، فلا بد في الحقيقة من  مسألة دور للدولة. ثانيا صناعة الوعي لدى المستهلكين وخاصة المزراعين منهم بأن تتجه هذه الأراضي وهؤلاء المزارعين إلى زراعة السلع الضرورية في ظل تشجيع من قبل مجتمع الأعمال ومن قبل الدولة، وكما حدث في مصر مؤخرا بزيادة سعر الأردب من حوالي 300 جنيه إلى 320 جنيه، في الحقيقة هذه الزيادة سوف تساعد المزارع أن يحصل على عائد لزراعته تساعده على أن يساير الأسعار المرتفعة في السوق الموجودة الآن، ولكن كما قال الأستاذ مكرم محمد أحمد نقيب الصحفيين المصريين في مجلة المصوّر في 18 يناير 2008 إن مشكلتنا في قضية الغذاء والتي نستورد نحو 60% منه تتمثل في عدم وجود إستراتيجية لتحقيق الاكتفاء الذاتي، فنحن حينما نرفع أسعار الإنتاج للمزارع المصري من 300 إلى 320 فهذه زيادة ليست إستراتجية ولا سياسة ثابتة، ولكنها متعلقة بأسعار القمح العالمية إذا ما ارتفعت الأسعار غازلنا المزارع في الداخل بأن يرفع الأسعار المحلية وإذا انخفضت تخلينا عن هذا ليقع فريسة ليد التجار الذين يربحون في تلك الحالتين في ارتفاع الأسعار وانخفاضها على المستوى العالمي..

ليلى الشيخلي(مقاطعة): عفوا سامحني لأن الوقت يداهمني، دكتور عمر الكتاني، نحن بحاجة فعلا إلى حلول أكثر جذرية أنت تحدثت عن أمية المزارع، وأستاذ الصاوي تحدث عن دخول الدولة ولعب دور أكثر فاعلية في هذا الموضوع. إلى أي حد فعلا هناك أيضا مسؤولية على القطاع الخاص؟ يعني نرى مشاركة شركات ضخمة في مجالات مثل العقارات والصناعة والتمويل ماذا عن الزراعة هل هذا أيضا عنصر يجب أن يؤخذ في الحسبان؟

عمر الكتاني: القطاع الخاص يمكن أن يساهم ولكن لا بد أن يكون هناك توجيه عام من طرف الدولة، لا بد أن يكون هناك مخطط، لا بد أن يكون هناك.. ولا يمكن حتى القطاع الخاص أن يقوم بأن يطالب بالاستثمار والأمية منتشرة في البادية، كيف تريدون أن يخاطر في الاستثمار مع يد عاملة أغلبها أمي ولا تستطيع أن تكون منتجة؟ فهذه نقطة أساسية. وكانت هناك دراسات في المغرب أثبتت أن الفرق ما بين الأراضي التي تنتج حبوب أكثر وبين الأراضي التي تنتج بشكل ضعيف هي الفرق في تكوين الفلاح الذي ينتج، هذه نقطة أساسية. النقطة الثانية وهي هناك الآن سياسات عصرية في مجال القرى النموذجية للتنمية المستدامة، ما هي القرى النموذجية للتنمية المستدامة؟ هي وحدات تخلق داخل البادية، وحدات عمرانية تجعل هذه القرى تستمد طاقتها من العاملين والساكنين داخل البادية، وبالتالي هم الذين يبنون سكنهم ويجهزونها وينظمون المدارس والمعاهد بطبيعة الحال بمخطط عام، هذه القرى المستدامة لم تطبق لحد الآن في الدول اللي.. ويمكنها أن تقوم بإعادة رفع من المستوى التعليمي والإنتاجي للفلاح العربي، كذلك لا بد من تنمية تكوين عدد المهندسين الزراعيين وتوزيع الأراضي عليهم ودعمهم عوض الخطورة في القطاع الخاص هو أن هناك ميل حاليا في بعض الدول العربية لخصخصة هذا القطاع لصالح الاستثمارات الأجنبية وهذا خطير جدا، لأن معناه استسلام..

ليلى الشيخلي(مقاطعة): يعني بدأت بالكلام عن الستينات وأريد أن أعود أيضا لعهد الستينات، عندما كان يقال أموال خليجية، مزارعون مصريون، وأرض سودانية. ماذا حصل لهذه المقولة؟ يعني هل عفا عليها الزمن؟ هل يجب أن ننساها؟ تغيرت المعطيات، تغيرت الأرقام؟

عمر الكتاني: لا كانت هناك فرصة كبيرة جدا، وأنا هذه آخر نصيحة، وهي الاهتمام بالسودان كما تفضل الأخ الدكتور، الاهتمام بالسودان، لا بد أن نغير سياستنا الخارجية إزاء السودان لأن مستقبل الغذاء في العالم العربي هو السودان، ومعناه أنه لا بد للدول العربية ومصر هي الأولى التي هي جارة للسودان أن تغير من سياستها تجاه البلد، وأن تقوم بفتح قنوات التعاون والدعم للاستثمار الاقتصادي والداخل في قطاع الـ...

ليلى الشيخلي(مقاطعة): باقي لي أقل من دقيقة أريد أن أسمع أيضا كلمة أخيرة من الأستاذ عبد الحافظ الصاوي فقط لنتخم الحلقة، برأيك أيضا تعليق سريع على ما قيل؟

عبد الحافظ الصاوي: في الحقيقة كما تعلمين أننا مصابون بعقدة الخواجة، فالرئيس الفرنسي ساركوزي عندما حدثت مشكلة بنك سوستيه جنرال قال بأن نظام المالية العالمي أصيب بالجنون وعلى البنوك أن تدفع أموالها لمن يعظمون الثروة لا لمن يضاربون في الأسواق. ونحن على هذا المنوال نطالب أيضا بأن تتجه أموالنا من المضاربة على الأسهم وعلى غيرها من أدوات أسواق المال وعلى العقارات إلى إنتاح حقيقي تنعكس صورته في قيمة مضافة وفي فرص عمل وفي زيادة أرزاق الناس، ويعني لا زالت المقولة التي توجهت بها للأخ صحيحة وسليمة من أموال خليجية وأيد مصرية وأراض سودانية، ولكن حالنا الواقع كما قال الشاعر العربي:

كالعيس في البيداء يقتلها الظما

والماء فوق ظهورها محمول

ليلى الشيخلي: حلو جميل، نختم بهذا البيت حلقتنا. شكرا جزيلا لك الكاتب والمحلل الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي من القاهرة، ومن الرباط معنا أستاذ الاقتصاد والتنمية في جامعة محمد الخامس الدكتور عمر الكتاني، شكرا لكما، وشكرا حزيلا على المشاركة في هذه الحلقة. وشكرا لكم مشاهدينا الكرام، انتهت حلقتنا من برنامج ما وراء الخبر بإشراف نزار الضو النعيم، في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة