تداعيات التدخل العسكري الفرنسي في مالي   
الأربعاء 11/3/1434 هـ - الموافق 23/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 9:09 (مكة المكرمة)، 6:09 (غرينتش)

- فرنسا والبحث عن مسارات وطرق للتدخل العسكري
- محاولات جر الجزائر لحرب مالي
- الحرب المالية وتأثيرها السلبي على المنطقة


فيروز زياني
حسني عبيدي
الحسين ولد مدّو

فيروز زياني: تقدمت القوات الفرنسية باتجاه شمال مالي فيما استجابت عدة دول إلى طلب باريس وقادة دول غرب إفريقيا من أجل زيادة المساعدة الدولية للعملية العسكرية الجارية هناك، وكانت باريس أعلنت أن قواتها ستبقى في مالي إلى حين ما وصفته بدحر الإرهاب.

نتوقف مع هذا الخبر لنناقشه في عنوانين رئيسيين: ما مدى نجاعة الاستمرار في استخدام القوة العسكرية وسيلة وحيدة للتعاطي مع الوضع في مالي؟ وما هو المطلوب حتى لا يتحول هذا النزاع إلى مهدد حقيقي لاستقرار مالي والدول المحيطة بها؟

فيما بدا اهتماماً فرنسياً على أعلى المستويات بالعمليات العسكرية التي تجري في مالي قال وزير الدفاع الفرنسي إن مقاتلات بلاده تقصف أهدافاً في مدينتي غاو وتمبكتو شمالي مالي بعد ورود أنباء عن تقدم رتل من القوات الفرنسية باتجاه شمال البلاد الذي يسيطر عليه الإسلاميون منذ عدة أشهر، وبينما حدد وزير الدفاع الفرنسي الهدف من العمليات التي تخوضها قواته هناك بأنه استعادة السيطرة على كامل الأراضي المالية كانت فرنسا قد أكدت على لسان رئيسها أنها لن تغادر الأراضي المالية قبل القضاء على الإرهابيين على حد قول رئيسها.

[تقرير مسجل]

نبيل الريحاني: مالي البلد الغارق في فقره وصراعاته السياسية وانقلاباته العسكرية كّرس بفعل العملية الفرنسية الجارية فيه موقعه مركزا لرهانات محلية وإقليمية ودولية، واقع بدا جلياً في قمة أبيدجان التي تداعت لها قيادات مجموعة دول غرب إفريقيا المعروفة بالإيكواس، وفي الجهود الفرنسية الحثيثة لحشد الدعم الإقليمي والعربي والغربي لحملة باريس العسكرية التي طوت أسبوعها الثاني؛ الجزائر التي شرعت تدفع في عين أميناس نصيبها من كلفة الحرب على المسلحين الإسلاميين في مالي تلقت دعوة من الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند لمساهمة أكبر لحل الأزمة في منطقة الساحل في مقابل تحمس أغلب أعضاء الإيكواس أبدت الجزائر خشيتها مراراً من أن أي مغامرة عسكرية في مالي قد تقود المنطقة برمتها إلى كابوس أمني وإنساني يفوق طاقتها مفضلة التريث والبحث في حلول تفاوضية تقود إلى عزل القاعديين عن غيرهم من حركات التمرد في شمال ووسط مالي، لم تطق باريس صبراً وهي ترى المسلحين الإسلاميين يقتربون ببطء من العاصمة المالية باماكو يكادون يجهزون على دولة نخرها الفساد السياسي والعسكري لعقود فعمدت إلى خطوة بدت استباقية لم تجد الجزائر حيالها سوى فتح مجالها للمقاتلات الفرنسية خاصة وأن جهودها التفاوضية مع بعض الجماعات شمال مالي أصيبت بنكسةٍ إثر توجه حركة أنصار الدين وغيرها للسيطرة على مدن إستراتيجية في البلاد، اندفاع فرنسي أضعف من زخمه فتور أوروبية أميركية تساوره شكوك في نجاعة العمل العسكري قابله تحفظ جزائري هش حكمته قراءة تتوجس من قيادةٍ فرنسية لمجهود ما يعرف بمقاومة الإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي، الجزائر صاحبة الباع والذراع في مقارعة الجماعات الإسلامية المسلحة بقيت عصية على محاولات احتواء لخبرتها الواسعة التي اكتسبتها من الأيام العصيبة للحرب الأهلية صدرت عن الأميركيين وعدد من الدول الغربية تتقدمها فرنسا بما لها من مصالح إستراتيجية تاريخيةٍ في المنطقة، تغيرت المعادلة وبات الإحجام والإقدام خيارين أحلاهما مُر.

[نهاية التقرير]

فيروز زياني: لمناقشة هذا الموضوع معنا من باريس الدكتور حسني عبيدي مدير مركز الدراسات والأبحاث حول العالم العربي في جنيف وأستاذ العلاقات الدولية في جامعتي باريس وجنيف، ومن نواكشوط معنا المحلل السياسي الحسين ولد مدو نبدأ معك دكتور حسني ونسأل حول هذا التصريح الأخير للرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بأن التدخل في مالي سيستغرق الوقت الضروري لذلك، هل تملك فعلاً فرنسا أدوات هذه السياسة هي التي هرولت ومنذ أول يوم لطلب المساعدة المالية واللوجستية من عديد الدول؟

حسني عبيدي: التصريح الأخير للرئيس الفرنسي يكشف بأن باريس أصبحت مقنعة الآن بأن التدخل فقط من خلال ضربات جوية لن يؤدي إلى نتيجة ايجابية كما كانت تتمناه منذ البداية وأنه لا بد من تدخل عسكري سواءً بري أو بطلب مساعدات إقليمية ومساعدات دولية، هل فرنسا لديها القدرة على الاستمرار؟ أعتقد أنه نفس فرنسا العسكري لا يمكن أن يطول خاصة إذا كان هناك التزام  للقوات على الأرض وفي إطار هذا التردد الأوروبي لحد هذه الساعة التردد اللوجستي يعني الآن المساعدة لوجستية أو مادية لم تصل إلى حد فعلا المساعدة العسكرية وباريس تعي أخيراً بأن كذلك القوات الإفريقية ليست بتلك القدرة التي يمكن فعلاً أن تقوم بالمقاول للدور الفرنسي في المنطقة، ولذلك فرنسا الآن فعلاً تبحث على ليس مخرج وإنما على حلول أخرى على مسارات أخرى من أجل مساعدتها في الاستمرار باعتبار أن الضربات الجوية لن تكفي وحدها لتأمين واستقرار مالي أضف إلى ذلك عملية الاستمرار في حالة نجاح دحر التنظيمات المسلحة من المدن التي كانت تسيطر عليها.. 

فرنسا والبحث عن مسارات وطرق للتدخل العسكري

فيروز زياني: إذن فرنسا وفق الدكتور حسني عبيدي تبحث عن مسارات وطرق أخرى لهذا التدخل لعل التدخل جوياً لم يعد مجدياً كما رصد الدكتور حسني عبيدي ربما هي تريد تدخل برياً أتحول للسيد الحسين ولد مدو إلى أي مدى تدخل بري جوي استعدادات لوجستية ومالية قد تمد بها فرنسا وحدها والتدخل العسكري وحده كفيل فعلاً بأن ينهي الموضوع في مالي؟

الحسين ولد مدو: أعتقد بأن ثمة مسألة متدرجة أساساً الفرنسيون حينما أعلنوا بأنهم لن يدخلوا الأراضي المالية ولم يحاربوا على الطريقة البرية بالنسبة لهذه الجماعات المسلحة لشمال مالي كانوا يهدفون من وراء ذلك إلى مجرد عملية تسويق والحقيقة أن الفرنسيين يعرفون بأن إقامتهم في مالي ستطول وبأن الضرائب التي ستنجر عن هذه الحرب أيضاً ستكون باهظة سواء على مستوى فرنسا وعلى مستوى عملية الاستقطاب المالي لتمويل هذه الحرب فضلاً عن أنه لا يمكن كثيراً التعويل من الناحية اللوجستية ومن الناحية المالية على تلك القوات التي ستوفرها منظمة غرب إفريقيا بصفة عامة سيما وأن آخر اجتماعاتها كان قد دعت مجلس الأمن إلى ضرورة المساعدة في عملية الانتشار فما بالك بعملية الاستعداد والدخول في الناحية العملية، لذلك ستواجه فرنسا إشكالات كبيرة سواءً على مستوى تعبئة الموارد المالية وحتى البشرية في ظل لا أقول ولا اسميه تقاعسا أوروبيا لأني أعتقد بأن الأوروبيين سيكونون وكانوا بالفعل إلى جانب فرنسا وكذلك الأميركيين ولكن طبيعة الحرب ونوعية الشريك على الأقل في هذه الحرب ستضطر فرنسا إلى المزيد من بحث الخيارات المتعددة سيما وإنها أمام مواجهة عصابات لا تبدو في طبيعة الجيوش النظامية وهو ما يتطلب نوعاً من تعضيد الجهود الفرنسية بمراعاة الأبعاد الداخلية سواءً في المحيط الصحراوي القاحل أو سواءً أيضا في طبيعة حرب العصابات التي في دعوتها العالمية التي تقوم عليها القاعدة وأخواتها بشمال مالي أيضاً تتعاطى بطريقة عالمية كردود فعل ولا تواجه الجيش الفرنسي بالسماء المالية بقدر ما تواجه ارتكازاته وردات فعله فضلاً عن مواطن هذه الدول الغربية في البلدان الأخرى كما حدث في الجزائر مؤخراً.

فيروز زياني: إذن وفقاً للسيد الحسين ولد مدو على فرنسا البحث عن خيارات أخرى دكتور حسني هل تعتقد أن من بين هذه الخيارات التي ستلجأ إليها فرنسا ربما بعد مدة ومضطرة أيضاً التفاوض؟

حسني عبيدي: يعني فرنسا قبل كل شيء تخشى أن تكون هناك خسائر بالأرواح وكما تعلمين التقلب في الرأي العام ممكن جداً بين لحظة وأخرى إذا كان تمت فعلاً خسائر في الجنود الفرنسيين ولذلك هي تعمل من أجل أن لا تكون المدة طويلة في نفس الوقت تريد أن تحضر الرأي العام وإذا جاء هذا التصريح الرئيس، الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، إلى من يمكن أن تتجه يعني فرنسا للأسف لم تستسغ بما فيه الكفاية إلى ما قاله الممثل الأمين العام لمنطقة الساحل السيد رمان برودي الذي قال بأنه يجب عدم التسرع في عملية لم يتم التحضير لها جيداً ولا بد العمل على مسارات أخرى الجمع بين كما سماه هو بين العمل الدبلوماسي والتفاوض وكذلك القوة العسكرية كقوة..

فيروز زياني: لكن دكتور حسني..

حسني عبيدي: عملية ضغط وليس كخيار أول خيار استراتيجي.

فيروز زياني: دكتور حسني..

حسني عبيدي: نعم..

فيروز زياني: رد الفرنسيون على هذه النقطة المتعلقة بالتسرع بأنهم كانوا مضطرين إلى ذلك وإلا لما كان يوجد الآن على خارطة مالي.

حسني عبيدي: صحيح لكن كانت هناك يعني خيارات أخرى مثلاً القيام منذ فترة يعني نحن نعلم جديدا بأن شمال مالي هم مشوه كذلك هناك غياب لهذا النظام للسلطة أنه الجيش أصبح جيشاً انقلابياً فبدل مثلاً القيام بعمل دعم للجيش قدرات الجيش المالي ربما كذلك فصل الجماعات المسلحة ما بينها وبين الأهالي أي كانت هناك عمليات استباقية يمكن أن تبدأ قبل البدء في عملية عسكرية ستضع الجميع أمام مأزق إما أن تمشي مع فرنسا أو ربما ستسمى بأنها لا تريد مساعدة فرنسا في محاربة الإرهاب وهو نفس المأزق أو لنقل الفخ الذي نصب للجزائر التي كانت منذ سنوات تنادي بحرب دولية على الإرهاب اليوم هناك تصويت مجلس الأمن على قرار 2058 بالتالي بدأ من الصعب على الجزائر وعلى الدول الأخرى أن لا تتفق أو أن لا تساير على الأقل الموقف الفرنسي في محاربة الإرهاب وفي وقف زحف التنظيمات المسلحة، لكن مرة أخرى هل فرنسا لديها القدرة على الاستمرار في عملية ستطول وربما تصل إلى مناطق أخرى؟ أعتقد الإجابة لا ولذلك هناك فعلاً قلق داخل الأوساط الفرنسية الاتحاد الأوروبي غائب تماماً هناك شلل كبير ربما عملية عين أميناس ساعدت الحكومة الفرنسية بأن تقول بأن حربها على الإرهاب أو حربها في مالي ليست حرب افريقية ليست حرب الوصاية ليست حرب الدولة المستعمرة وإنما هي حرب ضد الإرهاب الدولي..

فيروز زياني: وقد أشرت..

حسني عبيدي: بدليل ما وقع لرهائن الدول الأوروبية..

محاولات جر الجزائر لحرب مالي

فيروز زياني:  نعم دكتور حسني وقد أشرت إلى حادثة عين أميناس وأشرت أيضاً إلى الفخ الذي نصب  للجزائر في الواقع كثيرون يشاطرونك الرأي وأتحول بهذه الفكرة للسيد الحسين ولد مدو هل جرت الجزائر فعلاً إلى هذه الحرب جراً خاصة وإن استحضرنا آخر تصريح الليلة فقط لوزير الدفاع الفرنسي جان ايف لو دريان الذي قال بأن ما حدث بعين أميناس هو في الواقع عمل حربي إلى أي مدى باعتقادك الجزائر جرت إلى هذا الموضوع وهل باتت فعلاً جزءا منه؟

الحسين ولد مدو: هو بكل تأكيد بأن العملية التي قامت بها الجماعات المسلحة في عين أميناس أكدت على الأقل بالنسبة للطرح الفرنسي نوعاً ما هذه الوجاهة التي كان يتقدم بها فرانسوا هولاند إلى كل مخاطبيه وإلى كل شركائه بأن الحدث جلل وبأن الإرهاب تحدٍ دولي ويتعين على المنظومة الدولية أن تواجهه، صحيح كذلك أن الموقف الجزائري تغير مؤخرا ونحن نعرف بأن الجزائر عادة سواءً بحكم سياقها الحالي أو بحكم تراثها التاريخي مفرطة الحساسية حيال التدخل الفرنسي وحيال المشاركة في الحروب وفي لحظة وبعد عديد من المفاوضات سيما وأنها كانت من أول الداعين إلى ضرورة إتاحة الفرصة للمزيد من الحوار بين الفرقاء الماليين وبين الحكومة المالية من أجل تحييد الجماعات الأكثر تجذراً وهم أنصار الدين والحركة الوطنية لتحرير أزواد إلى أننا نلاحظ أنها سمحت أخيراً للقوات الفرنسية بأجواء الجزائرية بأن تمر عبر الأجواء الجزائرية وهي على درجة من مباركة العملية مع الاختلاف الكبير على الأقل فيما يعرف..

فيروز زياني: لكن إلى أي مدى تعتقد سيد الحسين إلى أي مدى باعتقادك الجزائر ستنخرط إن صح تعبير في هذه العملية العسكرية في مالي والجميع يعلم بأن ربما الجزائر ترفض تماماً التدخل خارج حدودها عسكرياً هل ربما سنشهد تفاوضاً مع جماعة أنصار الدين التفاوض الذي ليس غريباً عليها هي كانت تجري تفاوضاً مع هذه الجماعة قبل العملية العسكرية بقليل فقط؟

الحسين ولد مدو: بكل تأكيد أعتقد بأن الجزائر وليبيا كانت الراعيتين الأساسيتين على الأقل خلال العقود الماضية للقضية الأزوادية سواءً في محاولة إيجاد حلول تضمن تجاوز مراحل الغبن ومراحل الظلم والقهر الذي ظلت تعاني منه هذه المنطقة بصفة عامة قبل أن يتسلل إلى هذه المنطقة بعض من المجموعات التي جعلت المطالب والمغانم ذات الطابع المدني من حيث تعزيز البعد أو الحكم الذاتي في هذه المنطقة جعلتها تخطت ببعد كوني وبعد دولي يرتبط بمواجهة الجماعات المسلحة وأعتقد بأن للجزائر دوراً في هذه المرحلة ليس فقط في دعم المجهود الدولي الهادف إلى عملية تحييد المجموعات المسلحة وإنما كذلك في محاولة تحييد السكان الأصليين والحركات الأكثر تجذراً على المستوى الشعبي تحييدها عن هذا الصراع وأنا واثق من انه إذا تضافرت العديد من الجهود ستتمكن الجزائر زيادة على المجموعة الدولية من محاولة تحييد ما أمكن بعض من هؤلاء الفرقاء الحاليين سيما وأن التركيز سيكون منصبا على حركة أنصار الدين والتي قامت بالعملية مبتسرة التي جرت كل هذه عمليات التدخل دون تشاور مع مختلف الشركاء المحليين وهو ما عقد الوضع وبرر لفرنسا..

فيروز زياني: نعم..

الحسين ولد مدو: عملية التدخل المباشر تحت ذريعة إمكانية مهاجمة باماكو لاحقاً..

فيروز زياني: سنعود حتماً إلى هذه النقطة المهمة التي أشرت إليها لكن لعل السؤال أيضا الذي سنطرحه بعد الفاصل، كيف يمكن ضمان عدم تحول العملية العسكرية في مالي إلى حرب مفتوحة تهدد مالي وحتى جيران مالي؟ نواصل النقاش بعد فاصل قصير.

[فاصل إعلاني]

فيروز زياني: أهلاً بكم من جديد مشاهدينا كان هذه الحلقة نناقش تداعيات استمرار التدخل العسكري الفرنسي في مالي على استقرار المنطقة، قبل الفاصل كنا نتحدث عن مجموعة أو جماعة أنصار الدين أتحول بالسؤال الآن للدكتور حسني عبيدي، هذه الجماعة التي سبق وأن تفاوضت الجزائر معها إلى أي مدى فعلاً يمكن الوثوق بها خاصة إذا ما استحضرنا ما حدث ربما قبل سماح الجزائر بفتح مجالها العسكري من أن هذه الجماعة في نفس الوقت التي كانت تفاوض مع الجزائر ربما تقدمت عسكرياً إلى بعض المناطق في مالي، ومن هنا السؤال إلى أي مدى فعلاً يمكن الوثوق بأي تفاوض مع هذه الجماعة؟

حسني عبيدي: أنا لا أستبعد أن تكون جماعة أنصار الدين يعني منقسمة على نفسها وإن كان هناك فعلاً تيار يريد التفاوض بل ذهب بعيداً في عملية التفاوض مع الجزائر باعتبار أن الجزائر كانت راعية أساسية للمفاوضات في عملية شمال مالي ثم يجب أن لا ننسى أن أنصار الدين الايجابية في الموضوع أن الحركة الوطنية لتحرير الأزواد بإعلانها المبدأ الأول الاستقلال على دولة مالي أعتقد أنها فتحت فعلاً باب الجحيم في مالي أنها أولا خافت العديد من الدول منها الجزائر وهي حساسة جداً لعملية الأقليات خاصة الطوارق ويمكن أن تكون هذه بمثابة كرة الثلج بكل المنطقة وفي نفس الوقت خوف من الحركات الجهادية المسلحة الأخرى منها وخاصة القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وبالتالي كان حتماً على الجزائر أن تحاول أن تجد أطراف أخرى من أجل كبح جماح التنظيمات الأخرى وفي نفس الوقت أن يكون لديها على الأقل وسيلة اتصال لكن إذا سمحت هناك نقطة..

فيروز زياني: نعم..

حسني عبيدي: مهمة وهي قضية يعني فتح المجال أعتقد أن الدبلوماسية الجزائرية ربما يعني وصلت إلى قناعة وهي أنه ما مدام أن الحرب أصبحت حتمية الآن وأنه القرار خرج من مجلس الأمن فمن الأجدى ربما تقديم أضعف الإيمان أقل خدمة إن صح بين قوسين لفرنسا والمشاركة على الأقل في المسار المعلوماتي في عملية التخطيط، وأعتقد أن زيارة الرئيس هولاند كان من أسبابها هي أولاً ضوء أخضر أو ما نسميه في الدبلوماسية على الأقل الحياد الايجابي للجزائر في هذه العملية لأن بدون الحياد الايجابي للجزائر من الصعب جداً أن تقوم هذه العملية، الآن أصبحت تبعات وتداعيات خطيرة جداً بالإضافة إلى تدفق الآلاف من اللاجئين والذين فعلاً سيكون عبئ على كل دول الجوار بما فيها الجزائر هناك إنهاك للقوة لأن التنظيمات المسلحة بعد العمليات الجوية من المؤكد أنها ستخرج من مخابئها ومن معاقلها فستتوجه إلى أين إلى الحدود الأكثر اتساعاً سواءً كان في موريتانيا أو الجزائر، ولذلك ما أخشاه هو إنهاك، عملية إنهاك القوات المسلحة أصلاً في كل دول الجوار، والتي هي أصلاً منهكة والتي وهي أصلاً في عمليات مسلحة دائمة لضبط الحدود خاصة بعد سقوط نظام القذافي وعجز الحكومة الليبية إلى حد الساعة لضبط حدودها..

فيروز زياني: بالفعل..

حسني عبيدي: هذه نقطة أساسية وهي أنه محاولة استقرار ليبيا ربما ستخلق بؤر عدم استقرار في المنطقة إذا لم تصاحبها عمليات أخرى من أجل فعلاً أن تكون المقاربة شاملة.

الحرب المالية وتأثيرها السلبي على المنطقة

فيروز زياني: يعني أشرت إلى نقطة مهمة وضع أمني هش تعيشه المنطقة بعد سقوط نظام القذافي في ليبيا وسهولة انتشار السلاح كما تحدثت الكثير من التقارير عنه في ظل هكذا وضع وأتحول بالسؤال هنا للسيد الحسين ولد مدو يعني ما المطلوب حتى لا يتحول هذا الصراع في مالي ربما إلى صراع تتسع وتمتد رقعته وتطال هذه الدول دول المنطقة جميعاً؟

الحسين ولد مدو: أعتقد بأن الصراع المالي بدأت شراراته تطال كل دول المنطقة وهو صراع سواءً في أبعاده الإنسانية والبشرية، كان الجيران خصوصاً دول الميدان هي أول من اكتوت سواءً باستقبال آلاف أو مئات عشرات آلاف النازحين في موريتانيا أو في الجزائر وسواءً باستهداف الجماعات المسلحة أيضاً لهذه البلدان كما حدث في الجزائر، لذلك أول من يدفع الضريبة زيادة على الأبعاد المدنية في مالي بصفة عامة والشعوب التي تعاني القهر والظلم والغبن في منطقة الشمال بالنسبة لمالي كانت دول الميدان سيما الجزائر وسيما موريتانيا لذلك أعتقد بأنها بدأت تدفع تلك الضريبة، والضريبة ستزداد أكثر سيما وأنه بعد مختلف المباحثات التي جرت سواءً بوساطة من الجزائر ومن الفاعلين الدوليين بصفة عامة حصلت بعض التنزيلات بالمفهوم التجاري من طرف جماعة أنصار الدين وحتى من طرف الحركة الوطنية لتحرير أزواد تنازل عن مفهوم استقلال الدولة والتنازل عن مفهوم التطبيق العام للشريعة على امتداد القطر المالي قبل أن نفاجئ بعملية اختصار هذه الخطوات وتحييد المسار التفاوضي والحواري واللجوء إلى العمل العسكري بعد مبادرة أنصار الدين بالهجوم أو التوجه جنوباً، لذلك أعتقد بأن أغلب الدول هذه المنطقة سيما موريتانيا والجزائر وهذا التخوف الذي كثيراً ما أبدتاه حيال انعكاسات التي ستطال المنطقة بعد الحرب هو تخوف وجيه ويستمد وجاهته أساساً من أن  وحدها الجغرافيا لا تتحول، هؤلاء هم الذين سيبقون في النهاية سواءً في استضافة اللاجئين أو سواءً في تلقي كل الضربات من هذا أو ذاك نيران صديقة أو نيران غير صديقة والجيوش الفرنسية والجيوش المتعلقة بدول غرب أفريقيا سترحل إن عاجلاً أم أجلاً مع ترك المنطقة كبؤرة توتر دائم.

فيروز زياني: بؤرة توتر دائمة الضريبة بدأت تدفع أيضاً كما ذكرت إنسانيا تدفق عشرات آلاف اللاجئين أمنياً، حادثة عين أميناس لعلها المثال الأوضح عسكرياً كما ذكرت الدكتور حسني عبيدي إنهاك الجيوش وبالتالي ما أفق الحل باعتقادك ربما  لحل هذه الأزمة؟

حسني عبيدي: يعني فرنسا هي بصراحة يعني هذه الحرب هي حرب الرئيس هولاند يعني وهي يعني حرب وجود كذلك بالنسبة لفرنسا التي لا يمكن أن تقبل بمنطقة نفوذ أساسية لها منطقة مالي والنيجر ولذلك التفكير بالمصالح الحيوية والاقتصادية في منطقة هي أصلاً هي منطقة تنافس، والولايات المتحدة كما تعلمين كانت لديها خبرة في هذه المنطقة وهي التي أصلاً كّونت عسكريين للعديد من قيادات الجيش المالي، هناك صراع نفوذ، فرنسا تخشى فعلاً أن تذهب منها هذه المنطقة لكن المشكلة القضية الآن وهي هذه عقلية الاستعلاء وعدم الاهتمام بآراء الآخرين ربما ستؤدي بنا إلى فعلاً وضع حرج جداً ووضع معقد ويصبح من الصعب حتى على دول الجوار التي هي مترددة بالعملية العسكرية أن يعني أن تمد يد المساعدة القول بأن الحكومة المالية طلبت المساعدة من دول الإيكواس نحن نعلم جيداً ما مدى هشاشة هذه الحكومات وعدم شرعيتها لأن في النهاية ما يحدث الآن هي ..

فيروز زياني: خاصة دكتور حسني اعذرني فقط اعذرني أفتح قوس صغير فقط وسأعود إليك خاصة إذا ما علمنا بأن من وصل إلى حد الآن من القوات الأفريقية الموعودة ليس سوى 100 جندي من أصل 5700 الموعودة بها مالي.

حسني عبيدي: صحيح يعني نحن الآن نحتفل بذكرى الاحتفال بالصداقة الألمانية الفرنسية أنه ألمانيا فقط يعني منذ أسبوعين قالت أنها ستبعث طاقم طبي يعني مفوضية الاتحاد الأوروبي أشتون الآن تقريبا غائبة تماماً لذا نحس أن هناك إحساسا بين مرات وأخرى أن إفريقيا ستدفع ثمن حسابات ليست لها علاقة مباشرة  بالدول الإفريقية، وأن مقاربة التفاوض قبل كل شيء مقاربة تحييد الجماعات المسلحة على الأهالي ومحاولة إعطاء بعد اقتصادي وبعد سياسي لهذه المنطقة تم كذلك استبعاده لمصلحة الحسم العسكري هل فرنسا قادرة بعد خروج التنظيمات المسلحة لتأمين واستقرار مالي، من المؤكد لا، فكيف يمكن؟ هل مرة أخرى ستعود وتلعب دور دركي مالي ودركي إفريقيا في النيجر؟ من المؤكد لا، لأن المواطن الفرنسي غير مستعد أن يدفع هذه الفاتورة، هذه الأسئلة من المفروض كانت تبحث قبل أن تتم هذه العملية التي مرة أخرى تمت باستعجال.

فيروز زياني: عملية تمت على عجل سيد الحسين ولد مدو لكن تبعاتها لحد الآن يبدو أن شراراتها طالت مختلف دول المنطقة، هل سنصل في مرحلة ما يمكن أن تتغير فيها الإستراتيجية الفرنسية أم لا باعتقادك؟

الحسين ولد مدو: أعتقد بأن التعويل في هذه الحالة لن يكون أساساً على فرنسا التي بدأت عملية تجذير مسار الحرب في هذه المنطقة..

فيروز زياني: على من يكون إذن، من بيديه تغيير قواعد اللعبة؟

الحسين ولد مدو: سيكون على دول الميدان التي اكتوت أكثر بهذه النيران والتي ستكون أكثر عملية وأكثر استعداداً أيضاً لاحتضان كل الارتكازات التي ستنشأ عن هذه الحرب وأخص بالذكر خصوصاً الجزائر وموريتانيا، على هذه الدول أن تتدفع نحو المزيد من تحييد أكبر عدد ممكن من المدنيين ومحاولة كسب أكبر عدد من الفرقاء المحليين إلى جانب استثمار نقطة الحوار بين الفرقاء والحكومة المالية في ظل مسار واضح يضمن استعادة مالي الشقيقة لوحدتها ويضمن كذلك تحييد العمل المسلح ولكن الاستجابة للمطالب المشروعة ما دون السيادة لسكان الشمال بصفة عامة وتلافي وتجاوز تلك المظالم الكثيرة، يؤسفني كثيراً أن تعقيدات الوضع الحالي أن كل الحرب ونحن ندخل في أسبوعها الثالث تجري بدون شهود لحد الآن لا وجود لإعلاميين..

فيروز زياني: لا كاميرات.

الحسين ولد مدو: حتى لا كاميرا لا صوت لا صورة، إذن هي تجري بدون شهود ولهذا ستكون بكل تأكيد انعكاسات خصوصاً على البعد المدني وعلى إمكانية الاختراقات والتجاوزات التي يمكن أن تحدث بفعل النيران الصديقة أو غير الصديقة من طرف الطيران الفرنسي وعموماً أعتقد بأن الحرب في مالي ستكسب على مستوى فرنسا بصفة عامة مزيداً من تشتيت وتفتيت ما يعرف بالجماعات المسلحة في هذه المنطقة ولكن لعل في تفتيتها عودة إلى اللانمطية التي كانت إحدى..

فيروز زياني: أشكرك.

الحسين ولد مدو: نجاحها ولذلك سنعود من جديد إلى الكرة من البدء.

فيروز زياني: شكراً جزيلاً لك الحسين ولد مدو المحلل السياسي كما نشكر جزيل الشكر ضيفنا من باريس الدكتور حسني عبيدي مدير مركز الدراسات والأبحاث حول العالم العربي في جنيف وأستاذ العلاقات الدولية في جامعتي باريس وجنيف، ختام هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر، السلام عليكم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة