وثيقة قصف الجزيرة.. تفاعلاتها وتداعياتها   
الأحد 1426/11/11 هـ - الموافق 11/12/2005 م (آخر تحديث) الساعة 14:09 (مكة المكرمة)، 11:09 (غرينتش)

- الوثيقة السرية وموقف الإعلام العالمي والعربي
- علاقة قناة الجزيرة بالإدارة الأميركية


فيروز زياني: أهلا بكم في برنامج كواليس، البرنامج الذي يحاول سبر أغوار وسائل الإعلام مرئية ومقروءة، عربية وغربية، مرة أخرى تعود وثيقة قصف الجزيرة التي كشفت عنها صحيفة ديلي ميرور إلى سطح الأحداث حتى وإن لم تغب عنها تماما في الفترة السابقة، فالقضية أخذت أبعادا قانونية وإعلامية وحتى سياسية، خاصة مع توجيه المدعي العام البريطاني تحذيرا إلى وسائل الإعلام من مغبّة نشر المزيد من المعلومات عن الوثيق من دون الحصول على إذن قضائي ويتداخل هذا القانوني بالسياسي وبالإعلامي حين تمتد المسألة إلى ما قد يُنظر إليه كتهديد لمستقبل حرية التعبير ليس فقط في بريطانيا لكن في سائر بلدان العالم بعد أن سبقه تهديدا لحياة العاملين في قناة الجزيرة.

الوثيقة السرية وموقف الإعلام العالمي والعربي

[تقرير مسجل]

عبد الحق صداح: لم يفق معظم الإعلاميين في العالم من صدمتهم بعد وذلك من هول ما سمعوا من نية أكثر الحكام في العالم نفوذا وقوة قصف قناة الجزيرة في قطر وبعض مكاتبها في الخارج، النسخة البريطانية لمحضر ما جرى من حديث بين الحليفين بوش وبلير في البيت الأبيض بداية شهر نيسان أبريل من عام 2004 نشر بعضا من محتواه على صدر صفحات ديلي ميرور البريطانية وإذا كان هذا البعض سائقا فإن ما خفي منه ربما كان أعظم وقبل أن يصل ما بات يُعرَف بالمذكرة السرية عن قصف قناة الجزيرة بين يدي كيفين ماغويل رئيس التحرير المشارك في ديلي ميرور الذي فجرها في الثاني والعشرين من شهر نوفمبر تشرين الثاني الماضي كالقنبلة على صدر صفات الجريدة ذات الشعبية الواسعة، مرت الوثيقة بمسار لم يعلم عنه المتتبعون إلا لماما، فقبل ما يزيد عن السنة علمت وسائل الإعلام في بريطانيا ببدء الجهات القضائية إجراءات المتابعة في حق شخصين متهمين بتسريب وثيقة سرية، لكنها كانت تجهل محتوى تلك الوثيقة وما حصل في تلك الأثناء هو أن ديفيد كوخ الموظف في سكرتارية مكتب رئيس الوزراء البريطاني والمُعارض للحرب على العراق قام بعد أيام من طباعة المذكرة في مكتب بلير بتسريبها إلى ليو كونور الباحث في مكتب النائب العمالي توني كلارك وذلك بعد ما رأى أن الوثيقة تتضمن معلومات خطيرة وبدوره قام الباحث ليو كونور بتسليم الوثيقة بعد دراستها إلى توني كلارك الذي كان نائب وقت ذاك والذي فشل في الانتخابات النيابية الأخيرة ليقوم هو في النهاية بتسليمها إلى الشرطة البريطانية التي تبين فيما بعد أنه يعمل لديها، عندئذ بدأت الشرطة تحقيقا رُفعت بموجبه دعوى ضد ديفيد كوخ الموظف في سكرتارية مكتب رئيس الوزراء وليو كونور الباحث في مكتب النائب توني كلارك بتهمة تسريب معلومات رسمية وفي خضم ما دار من جدل بشأن هذه الوثيقة ومدى رسميتها لابد من توضيح الحقائق التالية.. المذكرة يمكن وصفها بأنها النسخة البريطانية لمحضر اجتماع بوش وبلير تماما مثل ما هناك نسخة أميركية للاجتماع نفسه وبالتالي فهي ليست النسخة الرسمية التي يوقّع عليها الجانبان والتي قد لا تتضمن ما جاء في الوثيقة البريطانية من إشارة إلى تهديد بوش بقصف الجزيرة واجتهاد بلير في إقناعه بالعدول عن موقفه، المذكرة حسب بعض المُطّلعين من خمس صفحات وما جاء فيها بشأن الجزيرة لم يتعدى عشرة سطور أما باقي الحديث فانصرف إلى الشأن العراقي ومعركة الفلوجة التي امتنعت القوات البريطانية عن المشاركة فيها لخلاف بين الحليفين وأجتهد آخرون في تحليلاتهم وقالوا إن المذكرة ربما تضمنت إشارات لما أشيع فيما بعد عن استخدام القوات الأميركية لأسلحة محرمة في معركة الفلوجة وهذا ربما ما يبرر إقدام المدعي العام البريطاني غداة نشر الديلي ميرور للوثيقة بنصيحة رؤساء التحرير البريطانيين عدم نشر المزيد منها وليس منع ذلك كما تردد في بعض وسائل الإعلام فما قاله المدعي العالم حرفيا هو.. ننصح بعدم نشر أي شيء متعلق بالوثيقة دون الحصول على استشارة قانونية بسبب قانون سرية المعلومات.. وهو ما فهم منه الإعلاميون أنه منع مبطن وقد لاقت قناة الجزيرة بابا موصدا حتى الآن في سعيها للحصول على موافقة لنشر تفاصيل إضافية ليس عن المذكرة برمتها وإنما عن ما يتعلق فيها بالجزيرة طالما أن الأمر إن تأكد فهو ذو صلة بالسلامة الجسدية للعاملين فيها، الأوساط الإعلامية في بريطانيا اعتبرت قرار وقف نشر المذكرة بمثابة قصف لحرية التعبير في هذا البلد وسابقة لم يؤسس لها حتى نشر وثائق أكثر سرية كتلك المتعلقة بغزو العراق وقد أظهر الإعلاميون البريطانيون تضامنا كبيرا مع الجزيرة ومهنية عالية في معالجة الموضوع برمته ورغم أن وسائل الإعلام الأميركية كانت أقل تحمسا للموضوع من نظيراتها الأوروبية فإن محطة (C.N.N) خاصة الموضوع بعناية، اجتهدت في البحث إن كانت المسألة جدا أم هزلا.

وضاح خنفر- مدير عام قناة الجزيرة: بالطبع الأمر جدي للغاية، طالما أن هذه الوثيقة نشرت فإن الجزيرة والعالم العربي وكل المنظمات الصحفية تريد معرفة مضمون هذه الوثيقة إن كانت موجودة حقا، إن للأمر أهمية تاريخية وما لم يتم كشف هذه الوثيقة فإن مخاوف كثيرة ستظهر، ذلك أننا أمام مفهوم جديد لحرية التعبير.

عبد الحق صداح: وفي العالم العربي والإسلامي لم تكن موجة التضامن مع الجزيرة أقل قوة، فقد أثمرت الاعتصامات التي نظمها العاملون في القناة في قطر وفي المكاتب الخارجية مداً تضامنيا من قِبل زملاء المهنة في كثير من العواصم العربية.

فهمي هويدي- كاتب وإعلامي مصري: إنه في مهنة الصحافة لن تستطيع أن تكون مستقلا حتى على المستوى المهني دون أن تدفع ثمن استقلالك وعلى كل المشتغلين بالمهنة إذا أرادوا أن يدافعوا عن شرف مهنتهم أن يكونوا مستعدين أن يؤدوا الضريبة التي يتعين على كل واحد أن يدفعها لقاء هذا الاستقلال.

عبد الحق صداح: ومن هذا المنطلق تُركز قناة الجزيرة.. حسب ما جاء على لسان مديرها العام في لقاء شرح فيه للعاملين في المحطة استراتيجية التحرك المستقبلي.. تركز على المطالبة بكشف المستور في السطور الخمسة التي قيل إن المذكرة ذات الصفحات الخمس تضمنتها عن الجزيرة وقد شرعت القناة في استشارات قانونية بشأن ما يمكن اتخاذه من إجراءات في المستقبل وبصرف النظر عن الجدل الذي أرادت أوساط سياسية أن تسوق إليه وسائل الإعلام حول مدى جدية حديث بوش فإن الأمر يُعد بكافة المقاييس سابقة خطيرة تضع موضع الشك تبشير الإدارة الأميركية بالحرية والعالم الحر، فالهزل وحتى الجد المخلوط بالقول الهزل ليس خليقا بالساسة لا سيما إذا تعلق الأمر بحياة الأبرياء، كما أن هذه النية المبيّتة لضرب قناة الجزيرة إذا أمكن التأكد من صحتها تضع علامات استفهام كبيرة على مستقبل التغطيات الإعلامية في أوقات الحرب والتوتر، فالعنف المادي أو المعنوي الذي قد يُمارَس على الإعلاميين من قِبل أطراف النزاع إنما يستهدف إبعاد الروايات المستقلة التي يرويها الإعلاميون المستقلون وإذا حدث أن انسحب الإعلاميون المستقلون فإنه لن يبقى أمام الرأي العام سوى مصادر المقاتلين بكل ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر الدعاية والتضليل.

فيروز زياني: ومعنا بالاستديو السيد وضاح خنفر مدير قناة الجزيرة، سيد وضاح قضية وثيقة قصف الجزيرة كيف تفاعلت.. كيف تفجرت وكيف تسربت إلى أن وصلت إلى ديلي ميرور؟

"
بدأت الصحف البريطانية تهتم بقضية قصف الجزيرة عندما قرر المدعي العام عدم نشر وثيقة قصف الجزيرة إلا بعد استشارة قانونية
"
وضاح خنفر- مدير عام قناة الجزيرة: كما شاهدنا في التقرير الحقيقة هذه القضية ليست جديدة بمعنى أنها حدثت قبل مدة من الزمن.. مدة طويلة من الزمن، غير أن الإعلاميين في بريطانيا لم يكونوا يعرفوا لماذا يُحاكَم هذان الشخصان في المحاكم البريطانية، قيل في حينها أنهما تسببا في تسريب وثيقة سرية، لم يُعرف ما هي هذه الوثيقة حتى عَرف خيط من داخل هذه المجموعة التي أطّلعت على الوثيقة صحفي من صحفيين ديلي ميرور وأخبرني هذا الصحفي بأنه كان يعمل على هذه القصة من عدة أسابيع، ثم حاول أن يتوثق منها وحاول أن يتصل بعدد من الشخصيات من بينهم من قرأها ومن أطّلع عليها.. من بينهم وزير الدفاع الأسبق وغيره من الشخصيات الذين أكدوا وجود هذه الوثيقة، وثيقة تضم.. يعني الجانب البريطاني، الحقيقة أي اجتماع بين الرئيسين في العادة يكون هناك مذكرة تخرج عن الطرف.. في هذه الحالة الطرف الأميركي مذكرة أخرى عن الطرف البريطاني وهي الملاحظات التي تأخذها السكرتارية في الاجتماعين ثم هناك الوثيقة الرسمية اللي هي محضر الاجتماع، نحن الآن نتحدث عن الوثيقة التي خرج عن الطرف البريطاني، هذه الوثيقة تضمنت ملاحظات كثيرة في خمس صفحات، عشرة أسطر فقط تتحدث عن قناة الجزيرة، في حينه عرف مراسل ديلي ميرور بهذه القضية وبدأ يتحاور ويتفاعل مع الأشخاص المعنيين، ثم أنه قبل نشر هذه المذكرة أعلم رئاسة الوزراء البريطانية بما تحصّل لديه من معلومات قبل بثها ولم يعترضوا على نشرها، لكن بعدما نشر التقرير في ديلي ميرور وعرفنا نحن في ذلك اليوم بما قالته ديلي ميرور فوجئنا وفوجئ الإعلاميون جميعا في بريطانيا بقرار المدعي العام أو بتوجيهه لرؤساء تحرير الصحف بعدم نشر المذكرة إلا بعد استشارة قانونية، هنا بدأت نقطة تحول مهمة في مسار هذه القضية، من قضية تطرحها جريدة ديلي ميرور وممكن في هذه الحالة قضية قد يجوز عليها الحديث والنقاش إلى قضية أصبحت ثابتة باعتبار أن المدعي العام قد أمر بعدم نشر المذكرة، من هنا بدأت لحظة الاهتمام الحقيقي في الصحافة البريطانية بكل أطيافها بقضية قصف الجزيرة في ديلي ميرور.

فيروز زياني: حينما بدأ اهتمام الإعلامي بريطانيا وحتى عالميا بهذه الوثيقة كيف كان باعتقادك وحسب تقيمك تفاعل وتعامل وسائل الإعلام البريطانية العربية الغربية إجمالا والأميركية أيضا مع هذه الوثيقة؟

وضاح خنفر: الحقيقة في ذلك اليوم قررنا في إدارة قناة الجزيرة أن نذهب إلى بريطانيا من أجل أن نتطلع على الأمور.. يعني الآن نحن نتحدث عن قضية تهم الجزيرة، تهم أرواح العاملين في الجزيرة، تهم الإعلام العالمي، تهم المشاهدين في كل مكان، فكان لابد أن نبحث عن حقيقة ما حدث، عندما وصلت هناك وبدأنا الاتصال بالصحافة البريطانية والحديث إليهم في يومي الجمعة والسبت والأحد الـ(Week end) عطلة نهاية الأسبوع في بريطانيا كان الشغل الشاغل للصحافة البريطانية المسموعة والمرئية والمقروءة هي هذه القضية، لأنها تحولت الحقيقة في بريطانيا.. هنا بريطانيا.. لماذا أركز على بريطانيا؟ لأنها في بريطانيا أصبحت قضية وطنية، قضية الجزيرة هذا صحيح واحد، ثانيا هي قضية حرية رأي، ثالثا أيضا هي قضية حجب معلومات يمكن للجمهور أن يستفيد بالاطلاع عليها وهنا بدأ كثير من الصحفيين يهاجمون المدعي العام البريطاني الذي منع نشر هذه الوثيقة ويتعاطفون مع موقف قناة الجزيرة الباحث عن حقيقة هذه الوثيقة ونحن بالمناسبة في كل مسارنا التزمنا بأننا نريد البحث عن الحقيقة وأننا لا نريد أن نُعلق على هذا الحوار الذي تم بين جورج بوش وتوني بلير إلا بعد ما يتهيأ لنا أن نعرف حقيقة ما دار في هذا الحوار مع الإطّلاع على الوثيقة، الإعلام البريطاني بكل أطيافه وهنا أقول والحقيقة.. يعني أعبّر عن إعجابي وتقديري لهذا الموقف الشجاع والنبيل الذي اتخذته الصحافة البريطانية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وقفت موقفا واحدا وحقيقيا وجادا مع قناة الجزيرة ومع حقها في معرفة ما دار في هذا اللقاء، ثم أيضا الإعلام الأوروبي عموما كان أيضا مهتما والإعلام الأميركي بدرجة أقل، لأن الإعلام الأميركي هو ذكر هذه الحادثة لكن مر عليها مرورا ليس فيه التعمق الذي حدث في الإعلام البريطاني، أما طبعا بالنسبة للإعلام العالمي أيضا أنا.. يعني الحقيقة اطّلعت على تقارير إعلامية من كافة أنحاء العالم حاولت أن تتحدث عن هذه القضية وتداعياتها وما إلى ذلك.

فيروز زياني: الإعلام العربي لم تذكره؟

وضاح خنفر: الإعلام العربي.. هنا أود أن أقول إن الإعلام العربي في مجمله أو في معظمه لا شك أنه وقف موقفا نبيلا ومهنيا، هنا بالمناسبة القضية مش قضية مساندة قناة الجزيرة ولا القضية قضية تعاطف مع قناة الجزيرة ولا نحن الحقيقة نريد أنه نخرج كأناس.. يعني نريد التعاطف.. لم نشأ أن نقدم القضية ولم نشأ نسيسها، لم نشأ أن نجعلها قضية قناة الجزيرة، هي قضية أخطر من ذلك، القضية الآن قضية حق مؤسسة إعلامية في معرفة فيما إذا كانت من الممكن أن تكون قد قصفت أم لا، يعني هي قضية خطيرة جدا، الإطلاع على وثيقة ذات بعد تاريخي، هذه الوثيقة تهم الإعلام عموما، هذه الوثيقة تهم مسار التاريخ الإعلامي يمكن أن تدرّس يوما ما كوثيقة تاريخية، كمثال لعلاقة المؤسسة الإعلامية الحرة بالسلطات السياسية، إلا أن بعض الصحفيين.. يعني للأسف وهنا أرثي للبعض ممَن لم يلتزموا بالقواعد المهنية في التعاون مع هذه القضية، بل شككوا حتى في وجود مثل هذه المذكرة ومع العلم أن هذه مسألة مبتوت فيها، إن ما حد يتكلم الآن إنه مذكرة.. فيه ناس يحاكَموا الآن في المحكمة في بريطانيا على تسريب هذه المذكرة في قرار المدعى العام البريطاني.

فيروز زياني: نرجو مشاهدينا أن تبقوا معنا بقية هذه الفقرات وهذا الحوار مع السيد وضاح خنفر مدير قناة الجزيرة بعد فاصل قصير.


[فاصل إعلاني]

علاقة قناة الجزيرة بالإدارة الأميركية

فيروز زياني: قضية وثيقة قصف الجزيرة التي أثارتها ديلي ميرور سلطت من جديد الضوء على علاقة قناة الجزيرة بالإدارة الأميركية، فقد شاب هذه العلاقة منذ الحرب على أفغانستان ومن بعدها الحرب على العراق توتر وصل حد اتهام المسؤولين الأميركيين قناة الجزيرة بنشر وقائع غير صحيحة وحتى تقليب الرأي العام على الولايات المتحدة الأميركية والوقوف في صف أعدائها.

[تقرير مسجل]

زياد طروش: مدينة نيويورك الأميركية ذات يوم من شهر أبريل نيسان عام 2004، هنا تنساب الحياة هادئة كما في أكثر المدن الأميركية، هنا يلهو الأطفال فيما ينصرف الكبار إلى مشاغلهم وتتدافق حركة السير من دون أن يعكر صفوها ضجيج المحركات ولكن على بعد أميال من هناك في اللحظة نفسها أميركيون آخرون تختلف صورتهم وصورة المكان معهم، الفلوجة في العراق، عملية عسكرية أميركية فيما أصبح متعارف عليها فيما بعد بمعركة الفلوجة الأولى، قد تكون المعركة الأولى للأميركيين في تلك المدينة، لكنها في الحقيقة كانت حلقة أخرى في مسلسل التعامل الأميركي مع قناة الجزيرة، كان السيد دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي أكثر الأشخاص إثارة لموضوع تغطية الجزيرة للأحداث في العراق وكانت أحداث الفلوجة كما نقلتها الجزيرة ساحة أخرى لإطلاق الإدارة الأميركية الهجمات على مَن ينقُل وجها من الحقيقة يختلف عن الوجه الذي تسوقه هي.

دونالد رامسفيلد- وزير الدفاع الأميركي: أستطيع القول بشكل قاطع إن ما تفعله الجزيرة عمل شرير وغير دقيق ولا يمكن تبريره، لا أستطيع تحديد عدد الخسائر البشرية في الفلوجة، فنحن غير موجودين في المدينة وقواتنا لا تعمد إلى قتل المئات من المدنيين الأبرياء، إنه مجرد هراء فاضح وما تفعله هذه القناة أمر شائن.

زياد طروش: هذا الحديث للسيد رامسفيلد كان بتاريخ 15 أبريل نيسان عام 2004 أي عشية اللقاء الذي جمع الرئيس جورج بوش برئيس الوزراء البريطاني توني بلير في البيت الأبيض والذي أشارت صحيفة ديلي ميرور إلى أن بوش حدث فيه بلير عن تفكيره في قصف الجزيرة وقبل معركة الفلوجة الأولى كانت الأحداث التي تنقلها الجزيرة وجهات إعلامية مستقلة عما يحدث في العراق تثير قلقا متزايدا في واشنطن، فالحديث عن خسائر الجيش الأميركي أو تلك التي تلحق المدنيين والتشكيك في أحادية المعلومات التي توفرها المؤسسة العسكرية الأميركية أو الصحفيون المرافقون لقواتها على الأرض كان بالنسبة للأميركيين أشبه بالجبهة العسكرية الثانية التي يتوجّب عليهم كسبها ولتحقيق ذلك لم تكن الأسلحة لتعوذ الأميركيين، اختيار أنسب من المعلومات المقدمة، التشكيك فيما يقوله الآخرون واتهام الرأي المستقل بمعاداة أميركا والترويج للإرهابيين، سلاح آخر لم تتوانى القوات الأميركية في استعماله ضد الجزيرة وغيرها، بغداد.. الثامن من أبريل عام 2003.. مكتب الجزيرة يُقصف من قبل الجيش الأميركي والحصيلة استشهاد الزميل طارق أيوب، بغداد اليوم ذاته.. القوات الأميركية تقصف فندق فلسطين والذي كان يُعتبر محل إقامة معظم الصحفيين في المدينة أثناء الحرب وهو ما أسفر عن مقتل صحفييّن أجنبييّن وحتى وإن حاولت واشنطن إقناع العالم بأن الأمر لم يكن استهدافا مقصودا أو ربما هو خطأ عسكري إلا أن الأمر يدفع إلى التفكير طويلا قبل القبول بالرواية الأميركية وقبل العراق كانت الجزيرة في أفغانستان، كانت لفترة طويلة القناة الوحيدة التي أوصلت إلى العالم صورة ما يجري هناك وكما في بغداد حدث للجزيرة الأمر نفسه، هذا هو مكتب الجزيرة في كابول أو ما أضحى عليه المكتب بعد استهدافه بالصواريخ الأميركية عام 2002، مرة أخرى خطأ في تحديد الهدف كما يقول الأميركيون، لا يهم طبعا أن إحداثيات مكتب قناة تليفزيونية كالجزيرة موجودة لدى الأميركيين بما أن المكتب محاذ لمكتب وكالة (Associated Press) ومحطة (B.B.C) مع هذا الجزيرة هي المتهمة دائما وليست الضحية، تصريح صحفي للسيد دونالد رامسفيلد في الثامن والعشرين من أكتوبر عام 2001.

دونالد رامسفيلد: نعرف تماما أن الجزيرة لديها طريقة في نشر الدعاية لحركة طالبان باستمرار، كما أنها لا تتأكد من صحة هذه الدعاية، فهل هذا يسيء إلينا؟ نعم بكل تأكيد ولكن مع مرور الوقت ستتضح الحقيقة.

زياد طروش: هذا هو الموقف الأميركي من الجزيرة، موقف يؤكد أن معركة الفلوجة الأولى أو الثانية والحرب على العراق أو على أفغانستان ليست في النهاية إلا ساحات ساخنة على وسائل الإعلام المستقلة دفع ضريبة تغطيتها إذا ما اختارت الاختلاف عن وجهة النظر الرسمية، خاصة ما إذا كانت أميركية.

فيروز زياني: التقرير الذي تابعناه أستاذ وضاح منذ قليل يلقى الضوء على جانب من العلاقة يبن الإدارة الأميركية وقناة الجزيرة، يعني هذه الحادثة.. الكشف عن هذه الوثيقة ألا يطرح السؤال والتساؤل مجددا عن قصف مكتبينا في كابول وبغداد؟

وضاح خنفر: نعم هنا أطرح الحقيقة قضية مهمة جدا، خلينا أبدأ من البداية، نحن في قناة الجزيرة لا نرى أنفسنا في حرب مع أحد ولا نرى أنفسنا حزبا سياسيا ولا نرى أنفسنا تيارا ولا نرى أنفسنا.. يعني نحن نرى أنفسنا صحفيين يقومون بمهنتهم، إذا أراد أحد أن ينتقد قناة الجزيرة فمرحى بهذا الانتقاد على أسس مهنية وليس على أسس.. إذا كان يُغضب أو لا يُغضب طرفا سياسيا محددا، تجربتنا مع الأميركيين الحقيقة بدأت منذ أحداث أفغانستان، كان هناك نقد لأداء الجزيرة ثم بعد ذلك تحول إلى اتهام حقيقي بأنه الجزيرة تروّج للعنف وأن الجزيرة.. الاتهامات الكثيرة التي سمعناها من الناطقين الرسميين، ثم بعد ذلك تحولت إلى استهداف، استُهدِف مكتبنا في كابول ثم استُهدِف مكتبنا في بغداد، استشهد طارق أيوب ونحن حتى هذه اللحظة لم يصلنا من الطرف الأميركي.. رغم مطالبتنا المتكررة.. لا تحقيق حول استهداف مكتبينا ولا اعتذار كما حدث مع مؤسسات إعلامية أخرى قتل لها صحفيون في العراق، هذه مشكلة، ثم من بعد ذلك جاءت الاتهامات المباشرة من أعلى هرم السلطة في الولايات المتحدة الأميركية ومن السيد رامسفيلد ومن غيرهما اللذان.. قيل في لحظة من اللحظات أنه الجزيرة التي دأبت على نشر صور قطع الرؤوس وذبح.. يعني هذه الحقيقة يعرف مشاهدونا جميعا أن قناة الجزيرة لم تنشر قط منذ تأسيسها إلى اليوم صور ذبح الرهائن ولا قطع رؤوسهم وما إلى ذلك ومن هنا نعم ربما تحدث بعض الأخطاء، نحن مؤسسة أربعة وعشرين ساعة على الهواء، تتكون من صحفيين بشر يخطؤون كما تخطئ كل المؤسسات الإعلامية ونحن لدينا من الآليات في قناة الجزيرة أن نصلّح.. أن نصحح هذه الأخطاء وأن نعتذر لمشاهدينا عندما تقع، هذه ما في مشكلة فيها، لكن قصة أننا طرف هذا ليس صحيحا ومن هنا أقول نحن عندما سمعنا بهذه المذكرة مع هذه البيئة السابقة والأجواء السابقة.. نعم لا شك أنها تثير كثير من المخاوف ولا شك أنها تثير كثير من الاهتمام وكثير من ضرورة البحث ومن هنا.. الناس بيقول لك ليش أنتم مهتمين كثير؟ مهتمين جدا لأنه هذه المسألة جاءت بعد حالة معينة وبتقديري معرفة الحقيقة بشأنها مسألة في غاية الأهمية، حتى نضع حدا للآراء المختلفة وتباين الأقوال فيها لابد من أن نعرف حقيقة هذه المذكرة.

فيروز زياني: باعتقادك أي تأثير سيكون لهذه القضية على أي موضوع مستقبلي تكون ربما الولايات المتحدة طرفا فيه.. تحديدا التأثير الذي أتحدث عنه في الخط التحريري لقناة الجزيرة في التعامل مع أي موضوع الولايات المتحدة ستكون طرفا فيه؟

"
لا نستخدم الشاشة لحل خلافاتنا مع أي حكومة أو نظام، وما يحمى قناة الجزيرة حرفية صحفييها وطاقمها المتميز من الإعلاميين وشعور المشاهدين بمصداقية أخبارنا
"
وضاح خنفر: نحن دأبنا في قناة الجزيرة على عدم استخدام الشاشة لحل خلافاتنا مع أي حكومة أو نظام، هذه مسألة مهمة، مكاتبنا في العالم العربي أغلقت، كثير من مراسلينا اعتُقلوا وحدثت معنا أحداث كثيرة ليست هذه المرة الأولى التي تحدث إشكاليات من هذا القبيل، نحن لا نستخدم مهنيتنا ولا نتنازل عن مستوى الحرفية المرتفع للعاملين بقناة الجزيرة لكي نكافأ نظاما أو نخاصم نظاما آخر، هذه مسألة لا.. فيه مسألة.. نحن لسنا دولة، ليست لدينا جيوش، لا نقاتل، ما عندناش.. إحنا يا جماعة.. يعني ما يحمى قناة الجزيرة هي حرفية صحفييها وطاقمها المتميز من الإعلاميين، ثانيا شعور المشاهدين بمصداقية أخبارنا، إذا تنازلنا عن هذين معنى ذلك إن إحنا ننكشف أمام الجميع وهنا نخسر جمهورنا ولذلك سنتمسك بذلك، رغم أية ضغوط لا حيد عن المنهج التحريري الذي عوّدت الجزيرة مشاهديها عليه خلال السنوات الماضية.

فيروز زياني: الآن ما الخطوات التي ستقوم بها قناة الجزيرة في طريقها للسعي عن كشف الحقيقة تحديدا في موضوع وثيقة ديلي ميرور؟

وضاح خنفر: إحنا وصلنا إلى حد إنه قدمنا مذكرة للحكومة البريطانية طالبنا فيها بكشف الحقيقة، الحكومة البريطانية قالت إنها مسألة مطروحة أمام القضاء وإنه إحنا بعبارات عامة من توني بلير هو رفض أن يؤكد أو ينفى في الحقيقة إذا كانت.. وكذلك البيت الأبيض لم ينفوا ولم يؤكدوا، تحدثوا بعبارات عامة لا يفهم منها ردا قاطعا، إحنا الآن لجئنا إلى الاستشارات القانونية في بريطانيا، نعرف أن النظام القضائي في بريطانيا فيه من.. ما يمكّن.. من الأدوات التي تمكّن قناة الجزيرة وتمكّن أي صحفي أن يطّلع على الحقيقة، الآن هناك استشارة قانونية، نحن ننتظر نتيجة هذه الاستشارة، نحن عازمون على أن نستمر في هذا الخط إلى أن نصل إلى نهايته، لا تراجع عن معرفة حقيقة ما كُتب في ديلي ميرور لأنه يهمنا ويهم المشاهدين ويهم مهنة الصحافة ولذلك نعم سنسير في هذا الخط وسنعاود مرة أخرى استئناف البحث عن الحقيقة وكما قلت الخط القضائي الآن أمامنا.. يعني خيار مفتوح وسوف نستمر فيه.

فيروز زياني: سيد وضاح خنفر مدير قناة الجزيرة شكرا جزيلا لك.

وضاح خنفر: شكرا لك.

فيروز زياني: هكذا نصل مشاهدينا الكرام إلى ختام هذه الحلقة من برنامج كواليس، بإمكانكم التواصل عبر بريدنا الإلكتروني kawalees@aljazeera.net، لقائنا يتجدد بكم الأسبوع القادم بحول الله إلى ذلك الحين هذه تحية من كل فريق البرنامج وعلى رأسه المخرج صبري الرماحي السلام عليكم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة