إريك لاروش.. دور الأمم المتحدة في الصومال   
الاثنين 1429/2/12 هـ - الموافق 18/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:23 (مكة المكرمة)، 12:23 (غرينتش)

- الوضع الراهن في الصومال
- التحديات التي تواجه عمل الأمم المتحدة

- تجاهل المجتمع الدولي والدور الأميركي

- آفاق التغيير ومتطلباته

الوضع الراهن في الصومال



فادي منصور: السادة المشاهدين أرحب بكم من مبنى الأمم المتحدة في نيويورك. لقاء اليوم يحاور السيد إريك لاروش منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في الصومال. السيد لاروش فرنسي الجنسية وله خبرة واسعة في مناطق النزاعات من خلال عمله السابق مع اليونيسيف قبل تسلّمه منصبه الجديد في الصومال في شهر آذار / مارس من العام المنصرم. سيد لاروش أرحّب بك على شاشة الجزيرة، أولاً هل تتفضل بتعريف عملك والقضايا التي تُعنى بها الأمم المتحدة في الصومال.

إريك لاروش: عملي يقوم على الاهتمام بتنسيق الأنشطة الإنسانية وتنسيق كل ما يتعلق بالتنمية، بالإضافة إلى مسؤوليتي عن أمن الأمم المتحدة هناك.

فادي منصور: هل يمكن أن توضح حجم عملية الأمم المتحدة في الصومال حالياً، لناحية الموازنة والعاملين في الميدان؟

إريك لاروش: نعم، بالعودة إلى العام الماضي أنفقنا نحو 180 مليون دولار على الجهود الإنسانية ونحو 90 مليون دولار على التنمية في جميع أنحاء الصومال، بطبيعة الحال.

فادي منصور: صرّّحت مؤخراً بأن الوضع في الصومال صعب للغاية، هل أوضحت لنا الصورة العامة للظروف الإنسانية في الصومال؟

إريك لاروش: حسناً، الوضع الإنساني سيء للغاية، ولا أعتقد أنه كان بهذا السوء منذ ما يتجاوز السنوات العشر أو ربما علينا العودة إلى العامين 1992 و 1993 لنشهد وضعاً بهذا السوء. وذلك، كما نعلم جميعاً، بسبب أسوأ حرب أهلية في تاريخ الصومال، والتي وقعت في شهري مارس وإبريل، هذه الحرب التي ألحقت الدمار بكثير من البنى الاجتماعية والروابط التجارية، دفعت السكان إلى الفرار. وكنا نتوقع خلال بداية العام أن نتعامل مع مليون شخص بحاجة إلى المعونات، ولكننا الآن نتعامل مع مليون ونصف المليون شخص بحاجة إلى المساعدة الإنسانية ما يمثل زيادة بنسبة 50 بالمائة.

فادي منصور: أنت أضفت أيضاً أنك تتوقع أن يظل الوضع صعباً، هل كنت تشير إلى المستقبل القريب أم المدى البعيد؟ وعلى ماذا تبني توقعاتك؟

إريك لاروش: نحن لانقوم فقط بتقويم الأوضاع الراهنة ميدانياً، ولكننا قادرون على بناء توقعات حول ماذا سيحصل. والخلاصة هي أننا لم نشهد أبداً خلال السنوات العشر المنصرمة محصولاً زراعياً بهذا السوء في المنطقة المحيطة بمقديشو، وهي مهمة لأنها تمثل وعاء الغذاء للبلاد برمّتها. وبالتالي فإن الأوضاع السيئة في هذه المنطقة ستخلّف تداعيات هائلة على جميع أنحاء الصومال. ليس فقط السكان المقيمين، وهم نازحون، بل على من يستضيفهم وعلى الصومال ككل.

التحديات التي تواجه عمل الأمم المتحدة


فادي منصور: من جانب آخر، يبدو واضحاً أن جهود الأمم المتحدة تُواجَه بتحديات أمنية، هل يمكن أن تلقي المزيد من الضوء على هذه المسألة، وكيف تؤثر على جهودكم؟

"
العائلة التي تحتاج إلى المال في مقديشو، قد ترسل طفلها ليحصل على قنبلة ويلقيها على قافلة مقابل ثلاثين دولارا
"
إريك لاروش:
جهود الأمم المتحدة وجميع المنظمات غير الحكومية تنصبُّ على الوصول إلى الناس، وهذا شاغلنا الأول، وذلك لايقتصر فقط على التنقّل بل يشمل ما نسميه بفضاء العمل، إذ علينا أن نتمكن من الحديث إلى الناس بحرية، وتقييم أوضاعهم بحرية، وفي الوقت الراهن نواجه في جميع مناطق جنوب وسط الصومال 283 حاجزاً. ماهو الحاجز؟ إنه عبارة عن الكثير من المخلّفات التي تقطع الطرق بوجه الشاحنات والعربات، وعادة ما يطلب منك القيّمون على الحاجز مبلغاً من المال، يتراوح بين 30 و 40 دولاراً، وأحياناً يصل إلى 400 دولار لقاء عبور شاحنة واحدة. في هذه الحال تكون محظوظاً، إذ يقومون أحياناً باعتقالك لأيام عدة، قد يعتدون على السائقين أو يقتلونهم. إذاً هذه هي ظروف عملنا وهي أبعد ما تكون عن الظروف المثالية. ونحن نتشاجر كثيراً مع قوات الأمن التابعة للحكومة الانتقالية الفيدرالية، عندما نطلب منهم مساعدتنا، لأن الكثير من الحواجز تعود إلى زعماء الحرب، ولكن بعضها تابع للحكومة، والحكومة على مستوياتها العليا لاعِلم لها بالأمر إذ تفتقد إلى هرمية القيادة. فهذه البلاد تعاني من الفوضى على مدى الأعوام الخمسة عشر الماضية، وقوات الأمن والميليشيات تفتقر إلى لانضباط، لذا من الصعب أن تتطابق رغبات الوزراء دائماً مع مايجري على الأرض. وحتى لو ناقشنا المسألة مع الحكومة وقامت بدورها بتوقيع ورقة أو إصدار سياسة جديدة، فإن الأمر قد لاينعكس على الأرض، وهذا ما يجعل مسألة الوصول إلى الناس صعبةً جداً، وكما تعلم وقعت مؤخراً الكثير من الحوادث الأمنية. شهدنا في مقديشو 799 حادثاً منذ بداية العام، وهي بمعظمها حوادث إطلاق نار، وعبوات ناسفة، وتفجيرات انتحارية، وإلقاء قنابل يدوية. لقاء 30 دولاراً يقوم طفل بإلقاء قنبلة، وبالتالي، العائلة التي تحتاج إلى المال قد ترسل طفلها ليحصل على قنبلة ويقوم بإلقائها على أي قافلة. كما ترى، فإن الأمر مزعج للغاية. وأودّ الحديث عن أشكالٍ أخرى من القيود على عملنا، وهي التحرشات الأخيرة من قبل الحكومة، واتهامنا بإطعام الإرهابيين، وهم يكررون هذه المقولة. في إحدى المرات كنت متوجهاً من مقديشو إلى أفغوني..

فادي منصور (مقاطعاً): عندما تقول إرهابيين من تعني بذلك؟

إريك لاروش: لا أعرف من يعنون بالإرهابيين، لكن سأقول لك من هم هؤلاء الناس. في أحد الأيام كنت متوجهاً من مقديشو إلى أفغوني بموافقة رئيس الوزراء، وخلال طريق العودة أُبلغت بأنني أطعم الإرهابيين. من هم هؤلاء الإرهابيون؟ ومن هم الناس الذين التقيتهم؟ كنت ألتقي بأمهات مع أطفالهن، اضطررن للهرب من مقديشو خوفاً من الموت، وعلينا أن ندرك مدى صعوبة التمتع بحياة طبيعية في مقديشو، فلاوجود للسوق، والتضخم بلغ مستويات عالية جداً وأسعار السلع ارتفعت جداً، وبات يصعب على العائلات الحصول على وجبة طعام واحدة. إذاً ليست الطبقات الدنيا هي فقط التي تفرّ من مقديشو، بل أيضاً أناس مثلي ومثلك، لأننا نخشى على أطفالنا من الموت والحل الوحيد هو المغادرة، وعندما يغادر الناس يجدون أنفسهم بلا موارد، وعادة ما يقيمون في مخيّمات، والمخيمات التي زرتها مليئة بالنساء والأطفال غالباً، ولا أعتقد أنهم إرهابيون. في الواقع التقيت طفلةً في الثامنة من عمرها بُترت ذراعها بانفجار لغم أرضي، والدها قُتل، أمها قُتلت، وكذلك شقيقتها، هذه الطفلة المسكينة كانت تحظى برعاية السكان، وحرصتُ على أنهم سيمنحوها الرعاية اللازمة، ولا أعتقد أن هذه الطفلة ذات الأعوام الثمانية إرهابية. وفضلاً عن ذلك لم نواجه قط هذا العدد من الأطفال الذين يعانون سوء التغذية. لقد أشرت إلى حاجة مليون ونصف المليون شخص إلى المساعدة العاجلة، لكنني لم أذكر أننا لم نشهد في السابق هذا المستوى المرتفع من سوء التغذية في الصومال على الأخص في محيط مقديشو.

فادي منصور: كم يمثل هذا الرقم؟ 10 بالمائة من عدد السكان؟

إريك لاروش: بل 17.9 بالمائة من السكان يعانون سوء التغذية. منظمة الصحة العالمية تقول إنه عندما تتجاوز نسبة 15 بالمائة فإنك تواجه أزمة كبرى، نحن نواجه أزمة كبرى في الصومال. نسبة الأطفال الذين يعانون سوء تغذية حاداً، أي أولئك الأطفال الهزيلون الذين يوشكون على الموت، نسبة هؤلاء الأطفال تتجاوز أربعة بالمائة لاسيما في أوساط النازحين. 300 ألف شخص نزحوا بالإضافة إلى 400 ألف شخص نزحوا في السابق. هؤلاء الأطفال سيموتون، 83 ألفاً منهم يحتاجون بشكل عاجل جداً إلى مراكز للعلاج الغذائي، ولانملك الموارد للقيام بذلك، ولانستطيع علاجهم ولانملك القدرة بسبب النقص الحاد في المنظمات غير الحكومية الناشطة ميدانياً. كيف سنتعامل مع الأمر؟ سأقول لك، لو أن الحالة مماثلة في دارفور لكانت أثارت نداءات الاستغاثة في العالم، لكن ذلك لايحدث بالنسبة للصومال. لا أحد يهتم بالصومال، نحن نريد الاهتمام بهؤلاء الأطفال الذين سيموتون. وأنا لا أفهم لماذا نبدي اهتماماً زائداً باستغاثة الناس في دارفور دون أن نبدي القدر نفسه من الاهتمام بالصومال. ثمة ما هو غير طبيعي، عذراً، معدّل الأطفال سيئي التغذية في دارفور أقل بكثير من نظيره في الصومال، إذاً لماذا لايتفاعل الناس؟ لماذا لايبادرون إلى مساعدتنا؟ الأمر مريب وأنا أتساءل لماذا؟

فادي منصور: السادة المشاهدين، نتوقف مع فاصل نتابع بعده لقاء اليوم.

[فاصل إعلاني]

تجاهل المجتمع الدولي والدور الأميركي


فادي منصور: أهلاً بكم من جديد إلى لقاء اليوم مع السيد إيريك لاروش منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية. سيد لاروش قبل الفاصل أثرت سؤالاً كبيراً حول انشغال المجتمع الدولي بدارفور أكثر من الصومال برغم أن الوضع في الصومال أسوأ بكثير، هل لديك إجابة على هذا السؤال؟

إريك لاروش: إذا عدت بالتاريخ إلى العام 2003، ما حصل في نهاية العام 2003، من كان يموت؟ وأين كان هؤلاء الناس؟ حسناً، كانوا في دارفور، ونحن في ذلك، أنا كنت من بين الناس في جنيف، الذين حاولوا جاهدين جذب انتباه الحكومات والناس والإعلام إلى دارفور، لكننا لم نلق استجابة. وهل تعلم أن في حالات الطوارئ لايمكن رفع معاناة الناس مالم يتحرك المجتمع برمّّته. ما أعنيه، هو إذا تمكنت من تحديد مشكلة في مكان ما يمكنك إثبات معاناة الناس، لكن ما لم تتحرك المنظمات غير الحكومية والبرلمانيون والإعلام العالمي ونظام الأمم المتحدة، من السائق إلى رأس القيادة، لن تستطيع الاستجابة للمشكلة. مالم يحصل تحرُك، ولم تُرصد جميع الموارد لهدف مشترك، أي مواجهة المشكلة ومعالجتها، فإن الناس سيموتون ولن يعلم أحد بالأمر. لأن الإعلام غائب، والسياسيين غير مهتمين، ونحن في مرحلة تتطلب منا جميعاً سياسيين وأمم متحدة ومنظمات غير حكومية، بالإضافة إلى مواطني الصومال في الداخل والشتات، التحرك وتركيز الاهتمام على الصومال. وأعتقد أنه من المهم إدراكُ أننا باشرنا في الأمم المتحدة مساعي لإثارة اهتمام المجتمع الدولي. مؤخراً عيّن الأمين العام ممثلاً خاصاً للصومال، عيّن السيد أحمد ولد عبد الله، وقد توجّه مباشرة إلى مقديشو واجتمع مع الحكومة ومع المعارضة، وهذا مؤشر إيجابي، لن يحل المشكلة فوراً، لكنه يُظهر أن الأمم المتحدة ضالعة جداً في المساعي لإيجاد حل في الصومال، وتطبيع حياة الناس، لكن يتعين استكمال ذلك بتحرك كبير على مستوى المجتمع الدولي.

فادي منصور: دعني أسالك الآتي، من الواضح أن الإدارة الأمريكية تلعب دوراً كبيراً في الحالتين، في دارفور تدفع باتجاه تشديد العقوبات أو إبرام اتفاق سلام، ولعبت الدور نفسه في الصومال من خلال الإطاحة باتحاد المحاكم الإسلامية ودعم الحكومة والاجتياح الإثيوبي، هل تلمّح إلى أن الأمريكيين مهتمون بدارفور أكثر من الصومال، بعد التطورات الأخيرة؟ هل يساهمون بميزانية عمليات الأمم المتحدة؟ماهو الوضع هناك؟ لأنك تثير سؤالاً وتُحجم عن الإجابة، وأخمّن أنك تمتلك الإجابة.

إريك لاروش: سأتحدث عن الأرقام، أولاً، لا أريد الإجابة على أي سؤال سياسي، فهذا ليس عملي. أنا مسؤول عن الأمن والوضع الإنساني والتنمية، ولست مسؤولاً عن الشؤون السياسية. ثانياً، الأمريكيون هم المساهم الأكبر في الجهود الإنسانية، ومؤخراً شرع الأمريكيون بتمويل إعادة الإعمار، وهذه إشارة..

فادي منصور (مقاطعاً): مؤخراً؟ أي بعد الإطاحة باتحاد المحاكم؟

إريك لاروش: هذا العام، نعم، هذا العام. لكن هذا يُظهر أن المجتمع الدولي أدرك أن السعي إلى حل سياسي ووضع استراتيجيتين بعيدتي المدى لحل الأزمة السياسية، وإنقاذ حياة الناس بالمساعدات الإنسانية، لاتكفي. أعتقد أنه يتوجب التفكير بكيفية إعادة بناء البلاد وإعادة ترميم المجتمع.

فادي منصور: لكن هل ترحّب الحكومة بجهودكم وهل تسهّل حركتكم؟ لأنك قلت قبل قليل إنها اتهمتك بمساعدة الإرهابيين، هل هذه حالة استثنائية؟

إريك لاروش: أولاً، ولكي أكون صريحاً، لانريد أن تؤمّن الحكومة لنا المرافقة، لأنها ستمثل تهديداً إضافياً، لذا بالتأكيد لانريد ذلك. ونحن بانتظار قوات الاتحاد الإفريقي لتوفر لنا الحماية. وثانياً، لانريد من الحكومة أن تتولى أمننا حين نتواصل مع الناس. ولكن في المقابل علينا أن نقر، إذا اختصرنا الحالة في الصومال بالأوضاع في مقديشو، سنخلص إلى صورة قاتمة، لكن المناطق الأخرى أكثر أمناً، وكما أشرت نواجه الحواجز لكن يمكننا التنقل، لذا ينبغي أن نجد طريقة لنعود تدريجياً، ليس إلى مقديشو في فقط بل إلى جميع البلاد.

فادي منصور: بالنسبة إلى مقديشو هل كانت في وضع أفضل في ظل اتحاد المحاكم؟ أم أنها أحسن حالاً الآن؟

"
عملنا في الصومال كان أسهل في ظل المحاكم الإسلامية لأنها أرست الأمن
"
إريك لاروش:
لقد طُرح عليّ هذا السؤال مراراً، ولكي أكون صريحاً أقول، كان العمل أسهل في ظل المحاكم الإسلامية لأنها أرست الأمن، لكن هل كان الوضع سيدوم؟ أنا لست على يقين تام، لأنه في ظل المحاكم لاحظنا ميلاً لدى بعض العناصر للاعتداء علينا، وقد انقسمت المحاكم حول هذه المسألة. وأنا مطّلع على الواقع بسبب مسؤوليتي الأمنية ومباحثاتي الصريحة مع عناصر المحاكم. إذاً الجواب نعم، كان من الأسهل العمل في مقديشو، وثانياً لاأعلم كم كان سيدوم الوضع.

آفاق التغيير ومتطلباته


فادي منصور: أريد الانتقال إلى موضوع آخر. تشير الأرقام إلى أن 60 بالمائة من موازنة عملياتكم متوفرة، إذاً ماهي البرامج الذي تتأثر جرّاء النقص في الأربعين بالمائة الأخرى؟ هل هو برنامج الغذاء أم البرامج الأخرى مثل المياه والصحة والتعليم؟

إريك لاروش: لقد أجبتُ على هذا السؤال، الأمن والصحة. هناك أموال للتعليم، هناك نقص فيما يخص المياه والنظافة. عندما أقول أن الناس تحتاج أن تلمس المنافع اليومية، لقد استطلعنا أراء سبعة آلاف عائلة وأكثر من 50 ألف شخص خلال العام الماضي حول حاجاتهم. ولأن البلاد تعيش فوضى عارمة وينعدم فيها الأمان افترضنا أن السلام سيمثل الإجابة الأولى، لكنهم فضّلوا تعليم أولادهم، وهذا مفاجئ، ثانياً طلبوا الماء، فهم لايحصلون على الماء، الجفاف يعمّ الصومال والناس تفتقر إلى المياه. الإجابة الثالثة، هي الصحة والحصول على الدواء والرعاية الطبية. وفي المرتبة الأخيرة، الأمن. لذا الشاغل الأساسي للأم والأب ليس انعدام الأمن بل التعليم، لأنهم يدركون أن أطفالهم لن يتمكنوا من البقاء بدون تعليم، فهم لن يحصلوا على المعلومات والوظائف وما إلى هنالك. الفتى الذي يبلغ 15 عاماً في الصومال ولد أثناء الحرب وحُرم من التعليم، الصومال يعاني أدنى مستوى من التعليم في العالم، لذا هذا الفتى غير متعلم ولايعرف حلّ مشاكله، إلا عبر السلاح، لايعرف معنى السلام، والحياة النموذجية بالنسبة له هي تلك المليئة بالحواجز، وعمليات الخطف، وانفجار القنابل. وينبغي أن نُحدث تغييراً، ومالم يتلقى الناس التعليم من المستبعد أن نضع حداً لانعدام الأمن. وإذا كنا نريد أن نستثمر على المدى البعيد، علينا أن نستثمر في تعليم الناس.

فادي منصور: أخيراً طالما أنك ذكرت هذا الموضوع، من الواضح أن الناس في الصومال يحتاجون إلى مساعدتكم، ولكن هل تعتقد أنكم ستُحدثون فرقاً كبيراً إذا ما وفرتم الطعام والمياه، بدون وضع مشروع لإعادة بناء البلاد؟ يبدو أن الصومال غير قادر على الخروج من دوامة العنف، وكل ما تقومون به هو تأمين ما يلزم الناس من أجل البقاء، في غياب أي أمل بحلٍ سياسي يوفر الأمن في البلاد ويسهل تحقيق الأمور التي ذكرتها. وبالتالي، انطلاقاً من خبرتك الشخصية، هل تعتقد أن هناك فرصة جديدة لإعادة بناء الصومال؟ وماهي متطلبات ذلك؟

إريك لاروش: سؤالك صعب جداً، ولست متيقناً أنني أمتلك الإجابة. لدي إجابة شخصية وسأطبّقها كمبدأ. لقد أمضيت أعواماً كثيرة في ظروف مشابهة للصومال، وغالباً ما اعتقدتُ أن إنهاء الحرب يتم عبر السياسة، ولكن هذا القول لايصحّ دوماً. لاتستطيع أن تحمل أناساً يعانون على التحاور، مالم يشعروا بأنك تهتم بمعاناتهم وترغب بمساعدتهم. لن يكونوا على استعدادٍ لبحث السلام بينما يموت أطفالهم، ولا يملكون الطعام، في هذه الحال لن يتباحثوا حول السلام بل حول الغذاء. لذا فإن الشرط المسبق لإرساء السلام هو تخفيف معاناة الناس، لأنهم إذا كانوا مهددين بالموت ينبغي علينا أن نعتني بهم والحكومة والمجتمع المحلي يتقاسمان هذه المسؤولية بالدرجة الأولى. وأعتقد أن الحل لمشكلة الصومال يقتضي رعاية الناس أولاً، والاتفاق على خريطة طريق سياسية. لكنه يتطلب أكثر من ذلك، إذا بدأت بتنظيم المجتمع بطريقةٍ مسؤولة ستشرع بالتعامل مع المشكلة، لكن عليك تدريب وتأمين المستلزمات لهم. مسؤولية الحكومة لاتقتصر على تحصيل الضرائب بل تشمل الاستثمار في حياة الناس. كيف نحقق ذلك؟ عندها يأتي دور اليونيسيف، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة الإغاثة العالمية. ويتعيّن توفير فرص العمل والاستثمار فيها، والحرص على توفير التعليم للأطفال، ونظام صحي فعّال. هذا هو مفتاح الحل الذي يمثّل أحد البرامج الأساسية، التي سنبحث قريباً عن تمويل لها، وهذه البرامج أثبتت، حتى الآن، أنها ترسي السلام وتحقق السلام للناس العاديين. ليس بالضرورة بين الإثيوبيين والقوى المناهضة للحكومة، لكنها تحقق السلام للناس وتجعل محيطهم آمناً، وعندما يتحقق الأمن ستتمكن جميع المنظمات غير الحكومية والفاعلون الدوليون من الاستثمار في الصومال، لأنه في غياب الأمن لن يُقبِل المستثمرون.

فادي منصور: سيد لاروش، شكراً جزيلاً. السادة المشاهدون شكراً لاهتمامكم، وإلى لقاء آخر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة