دمشق كما يراها خيري الذهبي   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:09 (مكة المكرمة)، 14:09 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

توفيق طه

ضيف الحلقة:

خيري الذهبي: روائي سوري

تاريخ الحلقة:

25/05/2004

- النشأة والانطلاقة الأولى
- الثلاثية وفكر روائي جديد

- التاريخ في الرواية

النشأة والانطلاقة الأولى

خيري الذهبي: ولدت في دمشق في حي من أعرق الأحياء الدمشقية قديما كان اسمه حي القنوات.

توفيق طه: خيري الذهبي واحد من أهم الروائيين السوريين في الربع الأخير من القرن الماضي في روايته تحضر دمشق المعاصرة كما نعرفها بيوتها حدائقها وأحزانها أيضا وإذا كان الروائي السوري الكبير حنا مينا لم يستطع أن يكتب حرفا عن دمشق في رواياته فإن الذهبي على خلافه يبدو مفتونا بهذه المدينة التي تشكل وعيه فيها التقينا صاحب ثلاثية التحولات وفخ الأسماء أثناء زيارة عائلية له في الدوحة، فحدثنا عن بداياته قارئا نهما وروائيا في سنٍ مبكرة.

خيري الذهبي: بدأت الكتابة الروائية بمرحلة مبكرة كثير من الكتاب يزعمون أنهم أو يقولون إنهم بدؤوا الكتابة بالشعر، أنا لم أكتب الشعر أصلا على الإطلاق كتبوا المسرحية كتبوا النقد كتبوا القصة القصيرة أنا بدأت الكتابة بالرواية أصلا وأذكر أن أول رواية كتبتها كانت وأنا في عامي الثامن عشر طبعا لم أنشرها وكتبت بعد عدت روايات لم أنشرها كانت أول رواية نشرتها اسمها ملكوت البسطاء، في رواية ملكوت البسطاء هذه كنت قد حاولت أن أربط الحصانين معا حصان الحداثة وحصان المحلية، حصان أني أستخدم آخر ما قدمت التقنية الغربية من الكتابة كرواية رواية الأصوات

أول رواية كتبتها كانت وأنا في عامي الثامن عشر، وأول رواية نشرتها هي رواية (ملكوت البسطاء)

خيري الذهبي
ورواية تيار الوعي وحاولت أن أستخدم أيضا المحلية الشديدة الكتابة عن مكانٍ شديد المحلية الكتابة عن جماليات المكان الكتابة عن الهموم الذات الحقيقية لرجل الشارع من تحت وقبلت هذه الرواية حينما نشرت بصد طيب جدا في سوريا وباستقبال نقدي عال لكني أحسست أن القارئ العادي لم يستطع أن يتأقلم معها جدا وكنت قد خالطت الجو الأدبي وأنا الذي ربيت في مصر أصلا فلم أكن أعرف الجو الأدبي الذي سيطرت عليه.. سيطر عليه الثوريون في سوريا لم أكن أعرف المزاج الذي كانوا يعيشونه فوقعت في المطب الذي وقع فيه كثير من الكتاب السوريين وهو الهروب من الكتابة عن المكان، وكان ذلك في رواية طائر الأيام العجيبة وفي رواية ليال عربية.

توفيق طه: الذهبي من الروائيين القلائل الذين يمكن اعتبارهم روائي مدن فهو ابن المدينة وكاتبها أيضا المدينة عنده متعينة وواضحة على خلاف كثير من الروائيين السوريين الذين لا نعثر على المكان متعينا في روايتهم.

خيري الذهبي: المشكل لدى السوريين بشكل عام وهو أنهم بحكم كونهم وضعوا في وطن لا سابقة تاريخية له فكان حلمهم الدائم هو أن يتوحدوا مع المحيط الذي فصلوا عنه بإرادات غربية، لذلك رأينا أن كل الأحزاب السياسية التي ظهرت في سوريا منذ الاستقلال وحتى الآن لم يظهر حزب سياسي واحد يقول إن سورية وطني كل الأحزاب كانت تنظر إلى سوريا على أنها وطن معبر إلى وطن آخر هذا الوطن قد يكون الوطن العربي الكبير كما يفعل الأوروبيون أو يكون سورية الكبرى كما يفعل القوميون السوريون أو الوطن الإسلامي كما يريد الإسلاميون أو الأممية الشيوعية كما يريد الشيوعيون ولكن ليس فيهم من رغب في سورية وطنا نهائيا، هذا الفكر السياسي كيف انعقد على.. كيف انعكس على الأدب انعكس في خوفهم من الكتابة عن المكان لأني حينما أكتب عن جمالية المكان فأنا أخون الحلم، ثم انعكس هذا أيضا في خوفهم من الكتابة باللغة المحكية التي تثبت المكان لأني أيضا حين أكتب باللغة

لم يظهر أي حزب سياسي في سوريا منذ الاستقلال يقول إن سوريا وطني، بل إن كل الأحزاب كانت تنظر إلى سوريا على أنها وطن معبر إلى وطن آخر، بالتالي فإن هذا الفكر السياسي انعكس على الأدب سلبا
المحكية فأنا أثبت المكان وأخون الحلم الذي هو وطن آخر أكبر وأجمل طبعا هذا الشيء استمر ولدينا عدد من الصور الغريبة كتابات عن مكان غير موجود بغداد الأسطورية قرطبة الأسطورية أو مدينة لا علاقة لنا بها درستن مثلا كما فعل مصطفى الحلاج في حدث في.. أمسية في درستن هذا الهروب من المكان كما قلت لك شكل عائقا ضد التعمق في الكتابة وعن جمالية المكان وجمالية الشخصية وجمالية.. ثم كانت الثمانينات حينما يئس السوريون تماما من إمكانية تحقيق أي وحدة مع أحد لذلك بدأنا كما ستلاحظ منذ منتصف السبعينات وحتى منصف الثمانينات بدأنا كما يستكشف المكان (ok) حسنا لقد أصبح هذا وطننا وعلينا أن نعرفه فبدأت تلك المرحلة التي رأيناها في محاولة قراءة هذا المكان في جمالياته في حسناته في قباحاته في مواصفاته ورأينا عددا من الإنجازات رأينا كتابات هاني الراهب، خيري الذهبي، نبيل سليمة، فواز حداد عدد من الكتاب كلهم حاولوا أن يستكشفوا هذا العالم الجديد، كانت هذه البداية وهذا هي المرحلة الأولى التي عملت عليها.

الثلاثية وفكر روائي جديد

توفيق طه: لو تحدثنا عن ثلاثية التحولات وعلاقتها بالمكان الذي غيب طويلا في الرواية السورية.

خيري الذهبي: في منتصف الثمانينات رأيت أن أرجع إلى إلغاء التنكر الذي حاولته في رواية طائر الأيام العجيبة وفي رواية المدينة الأخرى في كتابتي عن المكان هو دمشق ولا أسميه دمشق فقررت أن أكتب عن دمشق التي أعرفها دمشقي أنا فكانت رواية التحولات بأجزائها الثلاثة حسيبه وفياض وهشام في رواية التحولات هذه كلمة التحولات كنت حريصا في كل مقابلة وفي كل فرصة على أن أقول أن كلمة التحولات هي ليست بمعنى التبدلات وإنما هي بمعنى الكلمة الإغريقية اللاتينية (metamorphosis) أي التناسخات فأنا كما أرى أن الحضارة العربية الإسلامية قد توقفت عن أي عطاء وتوقفت عن أي تبدل منذ القرن الرابع الهجري وهي لا تفعل منذ القرن الرابع الهجري إلى الآن إلا أن تنسخ نفسها دون أن تجدد نفسها، هذه التناسخات كيف كانت وكيف أعطت وماذا فعلت في الإنسان في رواية حسيبه رأيت أن أرى الوجه النسائي لمدينة دمشق، وأنت تعرف نحن في بلاد الشام بشكل عام نتيجة الغزوات الطويلة التاريخية التي غزت بلاد الشام لم تتوقف خلال الألفين سنة الماضية لم يمر خمسين عاما دون غزوة، فتحول الناس إلى الباطنية في دمشق تحولت باطنيتهم إلى الباطنية بالمعمار بمعنى أنك لو مررت في حي من أحياء مدينة دمشق القديمة طبعا مررت في الحارات ورأيت إلى عتمتها وقباحة جدران الحارات ورأيت أكوام الزبالة الموضوعة في هذا المكان أو ذاك لما قلت إلا أنها مدينة شديدة البؤس ولكن جرب مرة أن يفتح لك باب من أبواب هذه البيوت وتدخل لترى الجنة الهائلة التي احتفظ بها الدمشقيون لأنفسهم هذا الجمال لي أنا وليس للآخرين هذا عكس العمارة الغربية العمارة الغربية تضع الحديقة خارجا والمبنى داخلا البيت الدمشقي

الحضارة العربية توقفت عن العطاء منذ القرن الرابع الهجري، إذ إنها تنسخ نفسها دون أن تجدد
يضع الحديقة داخلا والقباحة خارجا أنه يريد أن يخيف الأخر أن يريه أقبح ما لديه لكنه يحتفظ بجمالياته لنفسه لكن جرب أن تفتح وتدخل لترى البحرة الجميلة والأشجار الجميلة والأسماك الموجودة في البحرة والطيور والرخام إلى أخر مفردات جماليات البيت الشامي أنا حاولت أن أشتغل على هذا طبعا أنت تعرف أن المرأة الشامية كانت حبيسة البيت ولأنها حبيسة البيت كان عليها أن تتأقلم مع هذا العالم أن تصنع من هذه الجنة جناتها الخاصة وان تديرها بمزاجها الخاص الرجل كان خارجيا بالنسبة لهذا البيت لا يأتي إلا بعد انتهاء عمله وكانت مهمته هو أن يقدم الطعام والخدمات والإنجاب أما ماعدا ذلك فهو مملكتها الخاصة حاولت أن أرى في هذه المرأة كيف كانت عاشت لكني اخترت لحسيبة أن تكون قد شاركت أباها منذ الثورة معه في الثورة كانت طفلة صغيرة ألبسها ثياب الرجال وشاركت معه في الثورة الفرنسية وهزمت معه عفوا في الثورة ضد فرنسا وهزمت معه في الثورة ضد فرنسا وعادت فقيرة معدمة كما عاد أبوها وكان عليها أن تبدأ رحلتها الطويلة في الزواج والإنجاب ومحاولة التغلب على ظروف الدكينجي، والدكينجي هو مصيبة من مصيبات الشام بلاد الشام كلها أنهم ناس لا طموحات كبيرة لديهم الدكينجي هو الذي يرضى بالربح ليرة تربح فرنجين وهذا كثر خير الله لا أريد أكثر من ذلك أنه ليس التاجر الكبير ليس المغامر الكبير ليس المغامر العقائدي ولا المغامر الثوري ولا المغامر الاقتصادي ولا المغامر السياسي أنه من يرضى بأقل القليل ولذلك لا يخسر الكثير وأيضا لا يربح الكثير حاولت أن أقرأ نفسية الدكينجي هذا حسيبة حاولت أن تثور على نفسية الدكينجي لكن الكل تعاونوا عليها حاولت أن تعمل في التجارة فخسرت وحاولت أن تعمل في الصناعة فخسرت وحاولت أن تصنع مشاريع كثيرة لكنها لم تفلح ..

توفيق طه: هذا عن حسيبة ماذا عن فياض وهشام

خيري الذهبي: في رواية فياض حاولت أن أقرأ الرجل، الرجل في جدله مع التاريخ لذلك كانت الرواية هي عن رجل من شيزر، وشيزر إذا عرفت هي قلعة تقع قريبة من حما وكان يحكمها أسرة بني منقذ الذين كان منهم الأمير الشهير أسامة بن منقذ الذي عاصر الحروب الصليبية، وفياض رجل عاصر الحروب مع فرنسا فكان هنالك نوع من التواصل الذهني ما بين أسامة وبين فياض وكانت مغامرة في كتابة روايتين في رواية وفي محاولة لقراءة التاريخ واستنطاقه مرتين، أما في هشام وهو أبن لفياض وأبن روحي لحسيبة لأنه ليس أبن لحسيبة هو أبن بنتها لحسيبة لكنه عمليا كأنه كان أبنها كان في علاقته مع الغرب هل يمكن أن تنشأ هذه الصورة الحقيقة بيننا وبين الغرب وبيننا كل هذا الجدل الطويل والصراع الطويل الفكري والثقافي، فهرب هشام من سوريا شابا يافعا تحت تأثير الاضطهاد المخابراتي والسجن والتعذيب والمضايقات وإجباره على توقيع وثيقة أنا مره أي أن يتجرد حتى من ذكورته ومن رجولته فيهرب من سوريا ويمضي إلى الغرب ويفعل كما تعرف فعل الكثيرون حينما مزقوا جوازات سفرهم وهوياتهم وقالوا لقد نسينا الوطن القديم لا نريده فعاش في ألمانيا وتزوج من ألمانيا وشفته من أمراضه امرأة ألمانية من أمراضه النفسية ثم بدأ يكتب ما يسمى بالروايات التاريخية ليصبح روائيا كبيرا تفاخر به ألمانيا لكن حظه السيئ هو أن واحد جاء من العالم القديم من سوريا ليحضر مؤتمرا من المؤتمرات فإذا به يرى نفسه وحياته الجديدة بعين ذلك الذي جاء من هناك حياته وعائلته وبيئته الألمانية كان قد تأقلم معها وبنى بيئته الجديدة لكنه حينما جاء ذاك كشف له أن حياته ليست كما يراها الجنة فابنته تلك المدمنة على الكوكايين والتي تحضر أصدقائها إلى بيتها والتي تعيش حياتها الحرة كما فتاة ألمانية مثل كل الفتيات في ألمانيا فجاءة بدأ يراها بعين الغريب فرأى أنها ليست تلك فتاة التي هو رباها فيخطئ مرة ويكون تحت تأثير هذا الصديق الذي جاء من هنا، بدء هو يهرب من هذا العالم ويكون قد سكر في إحدى المرات فتأتي ابنته إلى البيت مع صديقها ويراها في موقف لا يعجبه فيلطمها لطمة واحدة فتقع على الدرج وتموت، طبعا هذا نوع من التعبير عن هي كانت الجسر ما بين الحضارتين ما بين الثقافتين والتي دمرها رؤية العالم القديم لها فتأتي زوجته إليه في السجن وتقول هشام ليس أنت الذي قتلت تلك البنت إنما قتلها هم أولئك الوحوش الذين ربوك في العالم القديم أنهم ضابط المخابرات الذي أجبرك على كتابة وثيقة أنا مره أنه الشيخ في طفولتك الذي حرمك من جماليات الوردة ومن جماليات الطير أنهم أولئك وتقر تصف له حياته السابقة كلها وكيف أنجبت هذا الوحش الكامن في أعماقه ويعود ثانية إلى دمشق ويبدأ الكابوس في استعادة الماضي كاملا وتكون الرواية.

[فاصل إعلاني]

التاريخ في الرواية

توفيق طه: ماذا عن التاريخ القديم في روايتك الأخيرة فخ الأسماء كيف عالجته وبأي التقنيات؟ نحن نعلم أن بعض النقاد لاحظوا لجوئك إلى تقنيات ألف ليلة وليلة فهل قصدت إلى ذلك فعلا؟

خيري الذهبي: هنالك في الأدب نوعان دائما من الروايات التاريخية رواية تكتب عن التاريخ أي أنها تعيش التاريخ بمعنى أني حينما أكتب عن فترة معينة تبدأ من عام 1920 إلى 1950 فالرواية مكتوبة مسبقا قبل أن أكتبها أنها أحداث قد سجلها التاريخ أنها ماء قد سفح لا يمكنك استعادته ولا يمكنك التلاعب به لأنك في أي لحظة سيجئ من يقول لك أنت قد أخطأت أو كذبت حينما غيرت هذا أو ذاك، فالتاريخ كمعلومة موجود وأنت لا تستطيع أن تخرج عن الإحالة إليه وهذا نجده لدى كثير من الكتاب، هنالك نوع آخر هو الذي يستخدم الرواية مادة عفوا يستخدم التاريخ مادة للكتابة الروائية فهل تستطيع أن تقول ذهب مع الريح مثلا هي رواية تاريخية رغم أنها جرت في مرحلة معينة من التاريخ وتحدثت عن مرحلة معينة من التاريخ أنها ليست رواية تاريخية هل نستطيع أن نقول أن اسم الوردة لاومبرتو ايكو هي رواية تاريخية بالطبع ليست رواية تاريخية لكن أعمال أمين معلوف مثلا روايات تاريخية روايات جورج زيدان روايات تاريخية بدأت بهذه المقدمة لأقول أني لا أكتب الرواية التاريخية أنا أستخدم التاريخ مادة روائية أي أني أعيد طبخها لأكتب رواية وليس لأكون عبدا للتاريخ في رواية حسيبة مثلا كنت بين كل فصل أو اثنين أعود لأقول في نهايته وفي ذلك اليوم أمر عريف في الجيش رسام فاشل وعريف في الجيش الألماني اسمه ادولف هتلر باختراق الحدود الفرنسية فقط هذه الكلمة في ذلك اليوم الذي يرى فيه كذا وكذا فعلت حسيبة كذا وكذا فكان هذا كأنه التمبو الصوت الإيقاعي لكنه ليس التاريخ في رواية فخ الأسماء أحسست أن لدينا كنزا هائلا هو كنز الفانتازيا العربية التي لا نعرفها والتي لا نستخدمها والتي لا نكتب عنها إنها الحلم التاريخي لدى الإنسان العربي المسلم في اكتشاف اليوتوبيا لدينا كثير من اليوتوبيات في تاريخنا العربي الإسلامي التي حاول فيها الإنسان العربي المسلم أن يهرب من جور الحاكم الظالم وخاصة منذ جاء الحاكم المملوكي بكل بطشه أنت تعرف أن هنالك يوتوبيات كتبوها منذ جابرسا وجابلقا وهاتان مدينتان حلميتان من المدن الإسلامية اللتان يفترض ان سكانهما لا يرفعون ظهرهم نهائيا وهم يصلون ويسجدون في سبيل الله هذه اليوتوبيا الحالمة هل يمكن أن تعيش فيها البشرية أن يكون الإنسان عبدا تقيا لا عمل له ألا أن يعبد الله فقط وماذا عن جزئه الثاني الحيوي الحياتي الذي يجب أن يعيش، هنالك على الجانب الآخر المدن الحلمية الأخرى مدينة الحسن الصباح التي حاول أن يجعل فيها جنة على الأرض كي يجند رجاله للعمل من أجله هنالك المدن التي كانت تنتظر المهدي المنتظر حامل الحلم وحامل الفرح للبشرية ولاخراجها من ضائقتها السياسية هنالك عدد من المدن حاولت أن اشتغل عليها بدأت الرواية في أني قرأت مقطعا لمؤرخ عظيم اسمه الحافظ الذهبي يتحدث فيه عن ثلاثة من المماليك خرجوا من مصر إلى الشام وبينما كانوا يمرون بسيناء هبت عليهم عاصفة عنيفة

هناك نوعان من الروايات التاريخية: رواية تكتب عن التاريخ، أي أن التاريخ كمعلومة موجود والرواية تعيش هذا التاريخ، وهناك رواية يستخدم كاتبها التاريخ مادة للكتابة
ضيعتهم عن الطريق فلما ثكنت العاصفة اكتشفوا أن البغال ضاعت والخيل اختفى وقرب الماء تمزقت وأصبحوا عراة أمام الطبيعة والصحراء يحاولون البحث يمينا والبحث شمالا ولا طريق ولا سبيل فجأة يصرخ أحدهم مدينة ينظرون فإذا أسوار لمدينة وذوائب لنخيل وخضرة هائلة ونساء يقفن على الأسوار ينادين فيجرون وراء هذه المدينة ولكن المدينة تركد أمامهم يصرخ أحدهم هذه أرجون ويقول الآخر هذه تفليس أما الآخر فيقول سمرقند ثم يتواضعون على أن هذه المدينة التي يحلمون أن يعيشوا فيها يطاردونها حتى ما قبل الغروب فإذا قارب الغروب يعرفون أنه أن لم يدخلوها فلن يدخلوها إلى الأبد فيجرون بأقصى ما لديهم بسرعة ويدخلون إلى هذه المدينة بعد أيام تمر قافلة تجد هؤلاء المماليك الشباب الصغار نائمين في الصحراء لكنهم ليسوا عطاشا وليسوا جائعين وليسوا عراة بل في ثياب كاملة وفي صحة كاملة وفي وعي كامل ويجدون في يد أحدهم قطعة من دنانير لم يروا في درب من دربها قط يعني هذا النوع من الدرب لم يروا مثله قط ويرون في يد واحد منهم رغيفا من خبز لم يذوقوا مثله قط ويرون في يد أحدهم قطعة من ثوب نسائي لم يروا في رقته قط فيشكون فيهم ويحملونهم إلى السلطان الذي يطردهم أخيرا من الجيش فالجيش لا يحتمل الحالمين، مملوك وحالم لا يجتمعان لكن أهل المدينة الذين قاسوا المر من السلطان المملوكي يقررون أن يتركوا المدينة ويبحثوا عن المدينة الحلم فحينما يخرجون إلى البحث عن المدينة الحلم يصادفون كل مدن اليوتوبيا الإسلامية لكن بينما كان الصراع قائما ما بين السلطان الغاشم وأهل المدينة الذين يبحثون عن مدينة الحلم يكون العدو قد جاء وحاصر المدينة فيهرب السلطان ويترك المدينة لأهلها فيضطروا إلى الدفاع عن أنفسهم ويهزمون العدو أكثر من مرة لكنه يدخل عليهم من باب المفاوضات ويستطيع الاستيلاء على المدينة وتدمير كل ما فعله السلطان والشعب معا.

توفيق طه: في روايته الأخيرة فخ الأسماء يستعين الذهبي بالتاريخ وبالحقبة المملوكية دون سواها لكي يكتب رواية عن القمع وآلياته أنها رواية عن السلطان وشرعية الحكم في عودة إلى الماضي ربما لإضاءة الحاضر مشاهدينا الكرام بهذا ينتهي لقاؤنا اليوم والذي خصصناه لتسليط الضوء على تجربة الروائي السوري خيري الذهبي أوراقنا لم تنتهي ما زال لدينا الكثير للقاءات معكم ننتظرها فانتظرونا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة