التصوف والطرق الصوفية   
الثلاثاء 1431/4/15 هـ - الموافق 30/3/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:23 (مكة المكرمة)، 13:23 (غرينتش)

- حقيقة التصوف وضوابطه وأسباب انتقاد الصوفيين
- حكم ممارسات المتصوفة ومعنى التوازن بين التصوف والسلفية

- العلاقة بين التصوف والاعتزال ومقاومة الاستعمار

- الموقف من التصوف ومن بعض الممارسات والطقوس


عثمان عثمان
يوسف القرضاوي

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ..}[آل عمران:164] ما أهمية إبراز الجانب الصوفي في القرآن؟ وما العلاقة بين الفقه والتصوف؟ وما الموقف من الطرق الصوفية وممارساتها؟ التصوف والطرق الصوفية موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي والتي نستكمل فيها ما بدأناه في الحلقة الماضية ونحاول فيها أيضا أن نجيب على أسئلتكم واستفساراتكم، مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: يا مرحبا بك.

حقيقة التصوف وضوابطه وأسباب انتقاد الصوفيين

عثمان عثمان: في الأسبوع الماضي فضيلة الدكتور تحدثنا عن التزكية والتصوف الطرقي، في موضوع التصوف البعض يعتمد في نقله للتصوف انطلاقا من انتقادات ابن تيمية رحمه الله، هل انتقادات ابن تيمية كانت للتصوف ككل أم لبعض الانحرافات التي وقعت من بعض المتصوفين؟

يوسف القرضاوي:  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأزكى صلوات الله وتسليماته على من أرسله الله رحمة للعالمين وحجة على الناس أجمعين سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد فالذين ينقدون التصوف بمعنى أنهم يذمونه ويجرحونه ولا يكادون يرون فيه أي فضيلة وينتسبون أو يزعمون أن هذا هو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية في الحقيقة قد ظلموا شيخ الإسلام، وشيخ الإسلام ابن تيمية من الناحية العملية هو أحد رجال التربية الروحية، أحد الربانيين المؤمنين الصادقين يعني وأحد من لهم ذوق ويقول إنه لتمر علينا أوقات نقول لو أن أهل الجنة كانوا في مثل هذه الحال لكانوا في عيش طيب، ولما أدخل السجن قال لا يضرني، أنا يعني قرآني في صدري وجنتي معي وماذا يصنع أعدائي بي، سجني خلوة ونفيي هجرة وقتلي شهادة. فحياة الرجل يعني كما يراها كل من عايش هذه الحياة وتلمس آثاره يجده رجلا من الرجال الربانيين الصادقين وكذلك تلميذه ابن القيم، هذا من الناحية العملية، من الناحية النظرية يعني له مجلدان في التصوف والسلوك، نحن نعلم أن فتاوى ابن تيمية ورسائله جمعت في 35 مجلد غير الفهارس، من هذه المجلدات الـ 35 مجلدان واحد تحت اسم التصوف والآخر تحت اسم السلوك وله فيها يعني فتاوى ورسائل وكلمات يعني قوية جدا أنصف فيها المتصوفة ما لم ينصفهم غيره، فلا يذمهم بإطلاق ولا يقبل كل ما معهم بإطلاق، يقول هم طائفة من طوائف الأمة مثل الفقهاء مثل المحدثين مثل المتكلمين مثل الطوائف المختلفة، هؤلاء أيضا عنوا بجانب من جوانب الثقافة الإسلامية والسلوك الإسلامي، عنوا بجانب ما نسميه العبادات الباطنة والأعمال القلبية وما وراء القشور، يعنون باللباب، منهم أناس صادقون ومنهم أناس كاذبون ومنهم أناس راسخون في العلم ومنهم أناس دخلت عليهم الخرافات والترهات فانحرفوا عقديا دخلت عليهم الشركيات وانحرفوا يعني عباديا ودخلت عليهم البدع والمحدثات ودخلت عليهم أيضا تجاوزات في التربية والسلوك وليسوا في درجة واحدة ولذلك قال ابن تيمية هم كسائر غيرهم من الناس منهم السابق بالخيرات منهم الظالم لنفسه ومنهم المقتصد ومنهم السابق بالخيرات بإذن الله كما جاء في سورة فاطر في قوله {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ..}[فاطر:32] فهذه الدرجات الثلاث موجودة عند الصوفية كما هي موجودة عند غيرهم، فمنهم من الناس الملتزمون بالسنة المحاربون للبدعة الملتزمون بالتوحيد الحقيقي المحاربون للشرك، لا يصح أن نضع الجميع في سلة واحدة هذا التعميم والإطلاق في الأحكام في هذه الأشياء لا يخلو من خطأ دائما، لا زم نفرز ونميز بين فئة وأخرى وكل جماعة تحكم عليهم بما يستحقون من خلال يعني الناحية الموضوعية ماذا يقول هؤلاء في العقائد ماذا يقولون في العبادات ماذا يقولون في الأخلاقيات ماذا يقولون في المواريث الثقافية ماذا يقولون في كذا ومن هذا نحكم لهم أو عليهم.

عثمان عثمان: يعني طالما أن هناك هذا الرأي المتوازن لابن تيمية رحمه الله في التصوف، من أين وقعت هذه الإدانة للتصوف ككل من البعض؟

يوسف القرضاوي: هو يعني في بعض الناس يغالون في الأحكام، يعني شوف ابن القيم له عدة كتب في التصوف يعني "عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين"، "روضة المحبين"، "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي" إلى آخره، وأعظم كتبه في التصوف كتاب "مدارج السالكين، شرح منازل السائرين إلى مقامات إياك نعبد وإياك نستعين" منازل السائرين دي رسالة يعني مختصرة صغيرة لشيخ الإسلام إسماعيل الهروي، وشيخ الإسلام الهروي له يعني قدر كبير عند ابن القيم ولكنه خالف في مواضع كثيرة ويقول يعني شيخ الإسلام حبيب إلينا هو كان يقول شيخ الإسلام الهروي، يلقبونه بشيخ الإسلام، يقول شيخ الإسلام حبيب إلينا ولكن الحق أحب إلينا منه ويرد عليه في مواضع كثيرة ولكن يلتمس له العذر ويقول ولكن لا نسقط منزلته بهذه الأخطاء فإن بحر حسناته يعني يمكن أن يغمر هذه الزلات التي وقعت منه، في كتاب "مدارج السالكين" إن محققه الشيخ محمد حامد الفقي وهو كان رئيس جمعية أنصار السنة المحمدية ومن السلفيين المتشددين ما كان يعجبه تعليقات ابن القيم ويرد على ابن القيم، ابن القيم يلطف ويقرب ويجمع ولا يفرق ويبني ولا يهدم، الشيخ حامد الفقي في المرصاد، ففي الناس هكذا فبعض السلفيين اللي هم تلاميذ المفروض يكونوا تلاميذ ابن تيمية وابن القيم يعني يتبنون آراءهم في هذه الأمور، لا، هم يعني ملكيون أكثر من الملك كما يقولون، ولكن الخير كل الخير في المنهج الوسطي المنهج المتوازن وهو منهج ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور، الأخ خالد محمد من اليمن يتحدث أن هناك حملة كبيرة ضد التصوف وثمة دعاة يحكمون على أهل التصوف بالخروج من الملة، يسأل عن ضابط التصوف وأن تذكر فضيلتكم بعض أئمة الإسلام وفقهاء الإسلام الذي كان لهم تصوف على الكتاب والسنة، التصوف السني.

يوسف القرضاوي: الذين يخرجون المتصوفة جميعا من الملة هذا يعني لا يقبله مسلم، التكفير، الحكم على الناسب بالكفر، الكفر الأكبر المخرج من الملة يعني هذا حكم شديد جدا يعني هذا أقسى ما يحكم على الشخص يعني قتله أهون من هذا، تحكم عليه أنه في نار جهنم وأنه لم يعد مسلما ولا يجوز للمسلمين أن يوالوه أو يبروه أو يحسنوا إليه لأنه محكوم عليه أدبيا بالموت والهلاك، فهذه يعني عقوبة خطيرة جدا لا يمكن أن يقولها الإنسان إلا إذا كان عنده من الله برهان، يعني برهان واضح من قواطع الكتاب والسنة، القواطع، إنما المحتملات لا يكفر الناس بها، فيقال والأولى من هذا أن يقال هذا كافر إنما يقال من قال كذا وكذا فهو كافر ويضع الشروط والضوابط، يعني أن يقول كلاما خارجا عن الإسلام وأن يكون قصده هذا الأمر وليس له فيه تأويل ولا كذا.. هناك ضوابط لمن يعني يفتى أو يحكم بخروجه ومروقه من الإسلام، التهاون في هذا الأمر لا يجوز وبعض الناس بطبعا يريد من هذا أن يقف ضد منكرات الصوفية ومبتدعات الصوفية ولكن هذا لا يقتضي ولا يستلزم أنك تخرجهم من الملة، قل إن العمل الفلاني لا يجوز، الذكر الفلاني هذا لا يجوز، وبعدين أعمالهم ليست كلها في مرتبة واحدة يعني في أشياء تقدر تقول محرمة وأشياء تقدر تقول مكروهة وأشياء خلاف الأولى وأشياء تعتبر من البدع والبدع فيها بدع مغلظة وفي بدع مخففة وفي بدع متفق عليها وفي بدع مختلف فيها، يعني في واحد يقول إن هذا الأمر بدعة وواحد يقول لك يعني يمكن يتجاوز فيه، يعني رفع الصوت في الذكر مثلا أو الذكر الجماعي مثلا بعض الناس ترى هذا إحنا لما كنا يعني في السجن أحيانا أو في المعتقل لما يبحبحوا لنا شوية نقعد نقرأ الأدعية المأثورة بصوت جماعي لأننا نريد أن نعبئ الروح ونقوي العزائم فلما نقعد نقول اللهم إني أصبحت منك  في نعمة وعافية وستر فأتمم نعمتك علي وعافيتك وسترك في الدنيا والآخرة، ونقولها بصوت جماعي نحس بأنها بتعطينا قوة روحية فهذا ممكن يعني يغتفر فليس كل ما خالف الصوفية فيه غيرهم كله في مرتبة واحدة، فيجب أن نعطي الأمر حقه ونعطي العمل مرتبته الشرعية الحقيقية لأنه لا يجوز أن أمر يعتبر من الصغائر تدي له حكم الكبائر أو يعتبر من الكبائر تدي له حكم الكفر أو من الشبهات تعتبره من المحرمات القطعية أو من المكروهات تعطيه حكم المحرمات وهكذا، ضع كل عمل في المرتبة، التسعيرة الشرعية، كل عمل وكل تكليف الشرع جعل له تسعيرة معينة وهذا ما نسميه فقه الأولويات أنك تضع كل عمل في مرتبته فلا تقدم ما حقه التأخير ولا تؤخر ما حقه التقديم ولا تهون الخطير ولا تعظم الأمر الهين، هذا هو المطلوب مع الصوفية ومع غيرهم من الفئات المختلفة.


حكم ممارسات المتصوفة ومعنى التوازن بين التصوف والسلفية

عثمان عثمان: الدكتور أبو عبد الرحمن أيضا يسأل عما يمارسه بعض المتصوفة من طقوس تحت مسمى الكرامات وموضوع الرقص في حلقات الذكر على اسم الله كما يقول.

يوسف القرضاوي: الكرامات مش طقوس، الكرامات دي يعني تنسب لبعض الناس أنه يعني خرقت له العادة، ونحن أهل السنة نؤمن بالكرامات، كنا بندرس في الأزهر كتابا اسمه "جوهرة التوحيد" هو منظومة شعرية يقول،

وأثبتن للأولية الكرامة

ومن نفاها فانبذن كلامه

والإمام تاج الدين السبكي تكلم يعني في طبقات الشافعية كلاما طويلا في إثبات الكرامات وبين بالأدلة ورد على الشبهات ولكن المهم أن تثبت الكرامة حقيقة، في بعض الناس بالإشاعات يقولون هذا عمل كذا وحصل له كذا وفي تشاع أشياء بعدين يثبت أنها مجرد خرافة ولا أصل لها، وأولياء الله الصالحون الحقيقيون ما كانوا يهتمون بالكرامة بل كانوا يهتمون بالاستقامة، الكرامة دي هي هبة من الله أن يخرق الإنسان العادة وليس معناها أنه أفضل من غيره، رب ناس آخرين لا تظهر على أيديهم كرامات وأفضل ممن.. ولذلك الصحابة لم يعرف أنهم في عندهم كرامات، كم لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وهؤلاء العشرة المبشرون بالجنة والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار هؤلاء كم لهم من الكرامات؟ لا يكاد يذكر شيء يعني.. وبعدين الناس المتأخرين ملؤوا الدنيا بالكرامات وكأن الكون ده ليس له قوانين ثابتة يعني لما تقعد تسمع الحاجات دي  كأن الكون ده سايب مالهوش سنن وقوانين تمسكه، يعني أين سنن الله؟ {..فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً}[فاطر:43] فتكاد يعني تحس حينما تقرأ هذه الأشياء أو تسمعها من المتصوفة أنه ما فيش حاجة لها قانون ثابت وهذا يضر بعقلية المسلم.

عثمان عثمان: الكرامة فضيلة الدكتور يعني هل تعطى لولي الله أم أنه يطلبها هو؟ يعني ساعة ما بيحب بيعمل كرامة؟

يوسف القرضاوي:  هي المفروض تعطى هبة من الله عز وجل، وقد يسأل يعني في حادثة من الحادثات يسأل الله عز وجل، وأولياء الله الحقيقة شاع عند المسلمين يعني كلمة أولياء الله أصبح لهم عالم خاص كأن الولي ده مش إنسان، الولي هو إيه يعني الإنسان الذي قال ربنا الله ثم استقام يعني الله تعالى يقول {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}[يونس: 62، 63] هذه الآية مثل قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}[فصلت:30] هذه مثل هذه فالمؤمن المستقيم أو المؤمن المتقي هو ولي الله، ليس من الضروري أن يكون له عمامة خضراء ليس من الضروري أن تقع له الخوارق ليس من الضروري أن يدفن في ضريح، بالعكس الدفن في الضريح ده منهي عنه إذا كان الضريح ده حيضاء يعني بالشموع والناس تطوف به أو يعمل على مسجد لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن اليهود والنصار "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" فهذا هو الولي الحقيقي، هو من استقام، من قال ربي الله ثم استقام على طريق الإسلام امتثل الأوامر واجتنب النواهي.

عثمان عثمان: وماذا عن الرقص في حلق الذكر؟

يوسف القرضاوي: هذا أمر لم يفعله الصحابة رضوان الله عليهم، لم يكن له حلقات للذكر يعني يقعد يتطوح يمينا وشمالا، ما رأينا هذه سير الصحابة وسيرة النبي في عهد وفي عهد خلفائه ومن بعدهم لا نعرف هذه الرقصات ولذلك أنكرها العلماء الراسخون مثل عز الدين بن عبد السلام وهذه الأشياء التي يفعلها الصوفية أنكروها عليهم ولكن ينبغي أيضا نعرف أن هذا ليس مثل التجاوز في العبادات أو في استحلال المحرمات، بعض الناس منهم مثلا يقول أنا خلاص سقط عني التكليف، أنا وصلت إلى مرحلة لم أعد مخاطبا بالعبادة لأن ربنا يقول {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}[الحجر:99] فما عدتش مطالب بها، هذه ليست مثل اللي بيصفق في البتاع أو بيتطوح في الحلقة، هذه ليست مثل هذه، فقد يصل بعضهم إلى الكفر والعياذ بالله مثل من يقول بحلول الله فيه زي ما النصارى قالوا إن الله حل في المسيح يقول إن الله حل فيه، ما في الجبة غير الله، أو يقول بوحدة الوجود، ليس هناك ثنائية في الكون ما فيش خالق ومخلوق ورب ومربوب، هو وجود واحد يظهر أحيانا في الخلق وأحيانا يظهر في الخالق، إنما هو.. وهذا لا يقبل لا في الإسلام ولا في أي دين من الأديان، في إله وفي ناس يعبدون هذا الإله ويوحدونه فكيف نقول بزوال الإثنينية؟! هذا مرفوض حقيقة.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور عندما نتحدث عن التوازن وعن الوسطية يعني نتذكر أنكم في أحد كتبكم كتبتم عن ضرورة تسليف الصوفية وتصويف السلفية يعني ماذا تقصدون بذلك وكيف يتم؟

يوسف القرضاوي: هذا تعبير الحقيقة يعني أخذته من المفكر الإسلامي السوري المعروف الأستاذ محمد المبارك رحمه الله، كان بيننا جلسات وقعدنا نتحدث عن التصوف وليس من المطلوب أنه إحنا نزيل التصوف ولا نأخذ التصوف بعجره وبجره، السلفيون عندهم حق في نقد التصوف ولكن أيضا السلفيون ينقصهم هذه الدفقة الروحية التي عند المتصوفة ولذلك قال إنه إحنا المفروض أنه إحنا نسلف الصوفية ونصوف السلفية، يعني نسلف الصوفية معناها إيه؟ ندخل عليها انضباط السلفية لأن السلفيين ملتزمون بالكتاب والسنة ولا يقبلون أي حديث إلا إذا كان حديثا صحيحا أو حسنا، الصوفية بيأخذوا من كل ما هب ودب، أحاديث موضوعة أحاديث واهية، أحاديث منكرة أحاديث لا أصل لها، إسرائيليات يأخذون بها، لا يدققون تدقيق أهل العلم بل بعضهم كما ذكرت في الحلقة الماضية يذم العلم ويقول العلم حجاب بين العبد وربه وبعضهم يقول له أنت رايح فين؟ قال له رايح آخذ عن عبد الرزاق، عبد الرزاق الصنعاني كان في صنعاء في اليمن فرايح من بغداد يأخذ، قال له يعني وماذا أصنع بعبد الرزاق؟ نحن نأخذ علومنا من الخلاق، خذوها أنتم من عبد الرزاق، أنتم تأخذون علومكم عن ميت عن ميت، حدثنا فلان عن فلان عن فلان كلهم ماتوا، نحن بنأخذ عن الحي الذي لا يموت مباشرة، حدثني قلبي عن ربي، ما فيش أسانيد، فهذا في الحقيقة يعني أمر مرفوض، فالصوفية ينبغي أن ندخل عليهم انضباط السلفية بالكتاب والسنة وامتحان المعلومات اللي عندنا بأننا لا نأخذها إلا كانت ثابتة عند أهل العلم، فهذا معنى نسلف الصوفية. وعلينا أن نصوف السلفية لأن السلفية يعني السلفي القح يعني نجده ما فيش الرطوبة الوجدانية القلبية الروحانية اللي عند الصوفي الحق، في صوفي كذاب، يعني ليس كل الصوفية صادقين هناك صوفي يقول لك يعني كان الصوفية قديما يهمهم اتباع السلف والصوفية المحدثين يهمهم اتباع العلف، يعني كما قال أحدهم

وقالوا سكرنا بحب الإله

وما أسكر القوم إلا القصع

قصع الثريد واللحم والبتاع، فبعضهم مش صادق حتى في صوفيته، فهناك الصوفي الحقيقي عنده هذه المعاني اللي نسميها نحن الربانية، أبو الحسن الندوي سمى التصوف ربانية لا رهبانية وأنا قلت المرة اللي فاتت إنه إحنا ممكن نسميه التزكية كما قال القرآن أو الإحسان كما جاء في حديث النبي عليه الصلاة والسلام "..أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" فعلينا أن نسلف الصوفية ونصوف بهذا التطعيم لكل من الجانبين يخلق مزيجا وسطا إنسان سلفي صوفي مثل ابن تيمية ومثل ابن القيم، مثل الشيخ حسن البنا هو كان صوفيا في الأصل بدأ صوفيا وانتهى سلفيا ولكن بقيت الروحانية عنده ولما جاء يعرف جماعته قال هي دعوة سنية وطريقة سلفية وحقيقة صوفية، دعوة سلفية وطريقة سنية وحقيقة صوفية، ما قالش طريقة صوفية، لأنها تعنى بتطهير القلوب إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الشعراء:89]، {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ}[ق:33] فهذا هو المطلوب من العلماء أن يجمعوا عقلية السلفي المدقق وقلب الصوفي المحلق فيجمع بين هذه الروحانية وهذه العقلانية.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور نتابع إن شاء الله بعد الفاصل فكرة ارتباط التصوف باعتزال الدنيا والتخاذل عن مقاومة الاستعمار، نتابع إذاً بعد الفاصل فابقوا معنا مشاهدينا الكرام.


[فاصل إعلاني]

العلاقة بين التصوف والاعتزال ومقاومة الاستعمار

عثمان عثمان: مرحبا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة الحياة والتي هي بعنوان التصوف والطرق الصوفية مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. فضيلة الدكتور فكرة التصوف ارتبطت في أذهان الكثيرين بأنها تعني اعتزال الدنيا والتخاذل عن مقاومة الاستعمار، كيف ترون الأمر وكيف توضح هذه المسألة؟

يوسف القرضاوي: هو التصوف أول ما ظهر ظهر بعنوان الزهد وألفت كتب يعني في هذا المقام كلها كتب الزهد، الزهد للإمام أحمد بن حنبل، الزهد للإمام ابن المبارك، الزهد لهناد الثري، كتب كلها الزهد، الزهد في الدنيا أي في متاع الدنيا، يعني لا يكون هم الإنسان الدنيا، كما جاء في القرآن الكريم  {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ..}[النجم: 29، 30] مبلغهم من العلم الاهتمام بالدنيا والركض وراء الدنيا، ويقول القرآن {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى}[النازعات:40]، {فَأَمَّا مَن طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى}[النازعات: 37، 39] فالمطلوب من المسلم أن يؤثر الآخرة على الدنيا، ليس المهم أن يملك الدنيا، هناك أنبياء كانوا ملوكا ويملكون الدنيا، سيدنا سيلمان وسيدنا داود وسيدنا يوسف وحتى النبي عليه الصلاة والسلام في آخر حياته كانت الغنائم والفتوح وكل هذه الأشياء كانت بيده لكنه ما كان يبقي منها شيئا، الصحابة كان فيهم أغنياء كبار، السيد عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، حتى بعد النبي عليه السلام كان في الزبير بن العوام وطلحة وفلان وفلان من كبار الأغنياء ولكنهم كانت الآخرة آثر عندهم من الدنيا، فالمهم إرادة الدنيا، إذا أردت الدنيا فهذا هو المذموم ولو لم تملكها وإذا ملكت الدنيا ولكن قلبك معلق بالآخرة، إذا عرض لك أمران أحدهما للآخرة آثرت الآخرة على الدنيا، ولذلك القرآن يقول {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً}[الإسراء: 18، 19] أراد، كان يريد العاجلة ومن أراد الآخرة، يعني العملية تتعلق بالإرادة بالحب بالإيثار {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ، وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ}[القيامة: 20، 21] فالمؤمن قد يملك الدنيا ولا تملكه يعني ولذلك بعض الصوفية العارفين الحقيقيين قال اجعلها في يدك ولا تجعلها في قلبك، خلي عندك من الدنيا الملايين إنما خليها في يدك ما تدخلهاش في قلبك فهذا هو المفروض إنما مش معناها أنك تترك الدنيا وتقعد فقيرا وتتكفف الناس، النبي عليه الصلاة والسلام قال لسعد بن أبي وقاص حينما أراد أن يجعل كل ماله لابنته كان عنده بنات وقال له طيب اجعل ثلثي مالي نصف مالي قال له لا ثلثي مالي قال له إيه الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وقال نعم المال الصالح للمرء الصالح، يعني فهكذا موقف الإسلام لا يريد للمسلم أن يكون عالة على غيره خصوصا بعض الصوفية يجلسون في الخانقة أو في مقر الصوفية وينتظر تصدق الناس عليه ولعله هو قوي يستطيع يعني أن يكسب العيش ويمشي في مناكب الأرض ويلتمس الرزق في خباياه، ليه يكون عالة على غيره؟ {..فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ..}[الجمعة:10].

عثمان عثمان: وماذا فضيلة الدكتور عن ارتباط فكرة التصوف بالتخاذل عن مقاومة الظلم والاستعمار، هل هذه حقيقة؟

يوسف القرضاوي: هذا يعني ليس كل الصوفية هكذا، هناك صوفية قاوموا المظالم وقاوموا الاستعمار ووقفوا يأمرون الحكام بالمعروف وينهون عن المنكر ولا يخافون في الله لومة لائم، هناك عدد من الصوفية خصوصا في المغرب العربي الأمير عبد القادر الجزائري وقف يحارب الفرنسيين وكان من أهل العلم له بعض الكتب وكان من المتصوفة أيضا له كتاب اسمه "المواقف في التصوف"، حارب الفرنسيين حتى هزم أخيرا، هناك الأمير عبد الكريم الخطابي في الريف المغربي وقف يحارب الإسبان، هناك السنوسيون في ليبيا وعمر المختار هناك محمد المهدي الكبير حارب الإنجليز، كل هؤلاء يعني متصوفة فدعوى أن التصوف يعني كله استسلام للاستعمار أو للمظالم لا هذا ليس حقيقة وهذا يعني هناك قلة يمكن ترضى ببعض.. وبعض مشايخ الطرق الصوفية حاولوا يتحصنوا بالإنجليز ويستقوا بالإنجليز ومكتوب هذا في تاريخهم وهي فضيحة عليهم ولكن ليس كل المتصوفة مثل هؤلاء.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور نأخذ بعض السادة المشاهدين، الأخ عمر القاسم من السودان، السلام عليكم.

عمر القاسم/ السودان: السلام عليكم. أنا الحقيقة إحنا نشكر قناة الجزيرة على هذا البرنامج الديني، أنا أردت أن أعلق على بعض العبارات التي وردت من الشيخ وهو ذكر أنه لم ترد عن الصحابة أو السابقين كرامة، فأظن نحن نستذكر فقط أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه..

عثمان عثمان (مقاطعا): فضيلة الدكتور لم يقل هذا الكلام، ذكر بعض الكرامات من بعض الصحابة وقعت في التاريخ الإسلامي، شكرا الأخ عمر القاسم. نأخذ الأخ أحمد فتحي من مصر.

أحمد فتحي/ مصر: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يا مولانا لقد كفيتم وأجدتم ووفيتم ولكن فقط يا مولانا لنا سؤال ورجاء بسيط أنه حضرة جنابكم يعني وصفتم أن في الصوفيين فيهم كذا وكذا وهذا صحيح وهذا يقع على جميع الطوائف وهذا صحيح ويقع في جميع الطوائف وقد فصلتم الأمر تفصيلا وقلتم {..فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ..} وهذا صحيح ولكن المسألة يا مولانا الآن أنه دائما الهجوم من السلفية على الصوفية بينما لو أخذت الصوفية يعني نحن لا نريد أن الصوفية أن تأخذ نفس المبادرة لأن في الصوفية أصلا من يعاب بفعله ولو جئت ورأيت الطرق في مصر والجماعات الصوفية منهم من خرج خروجا زائدا عن الحد وتهجم حتى على رموز الأمة، لا أتكلم عن الصوفية فحسب، منهم من تهجم على أصحاب الحديث كالإمام البخاري، منهم يعني من لا يتعدى عمره كله نصف يعني عمر دعوتكم الكريمة في سبيل الدعوة وفي سبيل الشريعة..

عثمان عثمان (مقاطعا): أخ أحمد يعني نريد سؤالا مباشرا لو سمحت.

يوسف القرضاوي: يعني نرجو من الإخوة ألا يكون الهجوم من طرف لآخر، كل..

الموقف من التصوف ومن بعض الممارسات والطقوس

عثمان عثمان (مقاطعا): وضحت الصورة، شكرا جزيلا أخ أحمد فتحي من مصر. نأخذ الأخ عثمان عيسى من السعودية.

عثمان عيسى/ السعودية: السلام عليكم. سؤالي هو أخي في الصومال خلال الأسبوعين اللي فاتوا فيها حملات الهدم وإخراج الرفات من كبار علماء الصومال، سؤالي هو هل استخراج الرفات من قبل شباب حركة المجاهدين هل هذه الممارسات مباحة شرعا أو ما هي مباحة؟

عثمان عثمان: نعم، واضح السؤال شكرا جزيلا. الأخ محمد الشيخ من الغابون.

محمد الشيخ/ الغابون: السلام عليكم. أنا بدي أسأل الدكتور عن بعض الصوفية الذين يذكرون بالأسماء يقولون لها الأسماء الإدريسية هل لها أصل من الكتاب والسنة؟

عثمان عثمان: عفوا هل تعيد؟

محمد الشيخ: نعم أقول بعض الصوفية يقولون إن هناك أسماء يقال لها الأسماء الإدريسية.

عثمان عثمان: نعم، شكرا جزيلا. نبدأ من السؤال الأخير فضيلة الدكتور.

يوسف القرضاوي: الأسماء الإدريسية؟

عثمان عثمان: نعم.

يوسف القرضاوي: والله ما عندي علم، أنا أعرف الأسماء الحسني ونتحدث عنها الأيام دي في خطب الجمعة وهي أكثر من 99 كما حقق المحققون، وأما ما أعرفش يمكن يقولوا إن سيدنا إدريس كان له أسماء خاصة أو حاجة إنما معروف أن أسماء الله هي كثيرة وعندنا في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره "اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري" إلى آخره، ففي أسماء علمها بعض الناس وأسماء لم يعلمها أحد واستأثر الله بها في علمه أو علمها أحد من خلقه، نعم.

عثمان عثمان: الأخ عثمان عيسى يسأل عن هدم القبور، يقول إنه في الصومال هناك هدم للقبور، إخراج لرفات بعض العلماء، ما حكم ذلك؟

يوسف القرضاوي: هذه أشياء يعني لا يجوز أن تعمل إلا باجتماع آراء الناس إنما مجرد فئة ما يعني تملك الأمر تنزل هدم في المساجد وغيرها هذه أحداث فتنة، أحيانا يعني قد يكون حتى الأمر واجبا ولكن يؤخر، النبي عليه الصلاة والسلام لم يبن الكعبة على قواعد إبراهيم وقال لعائشة لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية أو بشرك لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم. لأنه لما قريش في الجاهلية بنوا الكعبة قصرت بهم النفقة عجزوا عن التمويل فتركوا منطقة من الكعبة لم يدخلوها فيها اللي بنسميها حجر إسماعيل، هذه إحنا بنلف بنسيب منطقة لأنها جزء الكعبة، فطيب الرسول ليه ما رجعهاش؟ قال يعني العرب كانوا حيقولوا حيهد الكعبة وحيعمل كذا، فترك هذا، ولذلك العلماء يقولون يجوز ترك المنكر حتى لا يحدث منكرا أكبر منه، إذا كان حيحدث فتنة أو كذا فهؤلاء الناس في الحقيقة مستعجلون لا يجوز أن يعملوا هذا الأمر، الأول يا أخي وحدوا البلاد وأوقفوا سفك الدماء حمامات الدم هذه والمجازر التي تقع بين المسلمين  أوقفوا هذا، هذا هو الفقه الصحيح.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يبدو من خلال حديثكم أن لديكم نزعة صوفية واضحة أو نزعة ربانية، ما مصادر هذه النزعة لديكم؟

يوسف القرضاوي:كل مسلم عنده هذا الجانب بل كل إنسان لأن ربنا خلق الإنسان يعني كما نرى في خلق آدم فيه جزء من الطين وجزء من الروح، {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي..}[الحجر:29] والإنسان يكون إنسانا بهذا الجزء الرباني السماوي الروحي، هذه النفخة الإلهية، فكل إنسان فيه هذه النزعة وإن كان بعضهم يتفاوت عن بعض، أنا يمكن عندي الجانب الوجداني الحمد لله قوي، ويمكن أنني أول ما تأثرت في حياتي تأثرت بالإمام الغزالي قرأت له كتابين كتاب "منهاج العابدين" وكتاب "إحياء علوم الدين" وانتسبت في مطلع حياتي إلى طريقة صوفية في قريتنا يعني هي كانت مشتقة من الطريقة الخليلية، إبراهيم أبو خليل الزقازيق، أن واحدا من بلاد الشيخ أبو شادي يعني طلع هو من هذه الطريقة وعمل طريقة له، هذه الطريقة كانت تقوم على أمرين، قراءة فصل من كتاب الإحياء وبعض الصلوات والأذكار والأوردة، ورد عندهم خاص، ولهم شعار، شعارهم يقول لهم إيه؟ "من جالسنا فلا يذكر إلا الله وحده فإن كان ولا بد من ذكر غيره فليذكر الآخرة وليذكر الصالحين" مع أن هذا لا ينافي ذكر الله وأنا مشيت مع هذا ولكن لم يعني يتوافق مع اتجاهي الوسطي العام فتركت هذا ولكن بقي الجانب الإيماني أو الرباني أو الروحاني أو الصوفي -سمه ما تسميه- موجودا عندي، حتى أنني في أحد ملتقيات الفكر الإسلامي في الجزائر كان عن الحياة الروحية في الإسلام وبعدين لما وصلت الجزائر قالوا عايزينك تقول المحاضرة الأولى وهذه المحاضرة عن المنهج الروحي في الكتاب والسنة، فألقيت محاضرة ومرتجلة لم أكن كتبتها والحمد لله كانت محاضرة يعني غنية جدا حتى أن بعض الإخوة يعني المشهورين بالتصوف زي أخونا الدكتور سعيد رمضان البوطي قال نحن تبين لنا أن الشيخ يوسف صوفي مقنع وإنه بيتستر بالسلفية والعقلانية وهذه الأشياء، وقال لي أحد الصوفية الكبار هناك الشيخ بوالقايد هذا كان الشيخ الشعراوي أخذ عليه الطريقة والعهد، فهو الرجل قال لي يعني أقولها لك بصراحة أنت ربنا أعطاك شيئا لم يعطه غيرك، قلت له هو إيه؟ قال لي أعطاك اللوعة يعني هذه الحرقة، هذه موهبة من الله، فهكذا حسبوني وأنا أعتقد أنني لا أنتسب إلى أحد إلا إلى الإسلام فقط إلى القرآن والسنة وإلى رسول الله محمد صلى الله عليهم وسلم، التصنيف ده الناس تصنف كما تشاء إنما أنا أقول {..إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}[الأنعام: 162، 163].

عثمان عثمان: يعني ربما الوقت ضاق لم يبق إلا ما يقرب من دقيقتين، ما موقفكم من التصوف الطرقي، من الذكر الطرقي؟

يوسف القرضاوي: أنا أرى أن كل شيء ينضبط بالقرآن والسنة وأنا من أجل هذا بدأت أكتب سلسلة في التصوف اسمها "في الطريق إلى الله" فقه السلوك، تيسير فقه السلوك يعني اللي هو بيتعلق بالأعمال القلبية، وأصدرت منه أربعة كتب "الحياة الربانية" و "العلم" و "النية والإخلاص" و "التوكل" و "التوبة إلى الله" والآن في المطبعة كتابي "الورع والزهد" وكتاب آخر في الطريق إلى المطبعة "المراقبة والمحاسبة" ومستمر في يعني في باقي الخوف والرجاء والصبر الشكر والرضى والأنس والمحبة يعني بحيث نستكمل هذه الأشياء يعني كلها لنرغب المسلم في السلوك والأدب مع الله ومع رسوله وأن يعيش الإنسان لآخرته ودنياه معا ولرضا ربه قبل أن يكون لحاجة نفسه فهذا هو التوازن الذي أخذناه من القرآن ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال في دعائه "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة عمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي إليها ميعادي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شكر، اللهم آمين، ربنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسن وقنا عذاب النار".

عثمان عثمان: أشكركم فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لا يسعني أيضا إلا أن أعتذر من السادة المشاهدين الذين راسلونا عبر البريد الإلكتروني وعبر صفحة البرنامج على الـ facebook وأيضا الذين اتصلوا عبر الهاتف لم نستمع الإجابة على أسئلتهم لضيق الوقت وكثرها أيضا، أشكركم على حسن استماعكم ومتابعتكم ومشاهدتكم، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب وسائر فريق العمل، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة