سريلانكا.. الأيام العصيبة   
الأحد 15/3/1426 هـ - الموافق 24/4/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:47 (مكة المكرمة)، 9:47 (غرينتش)

- تسونامي.. دمار وآلاف القتلى والمشردين
- صراع السياسيين وجهود الإغاثة الدولية

- إعادة البناء ومسؤولية وقوع الكارثة


محمد فال: على غفلة منهم كان قدر عظيم يتشكل، وَقَعَ شرخ هائل في قاع المحيط الهندي، هبطت صفيحة جيولوجية بحجم دول كاملة، مياه المحيط تندفع نحو القاع ثم تتجمع قبل أن تتدافع عائدة باتجاه الشواطئ، أحزمة عالية من الموج والزبد تُسرع نحو اليابسة، كان عبدول جابر مصور أفراح متوسط التعليم، لم تصهر معدنه مأساة كبيرة سابقة ولم يُحلق خياله أبعد مما تقتضيه إقامة بيت ورعاية أسرة، يعلم أن دخله يأتي من جيوب الصيادين وهم غالبية سكان القرية الشاطئية الوادعة بشرق سريلانكا، لذلك جَسَّد حبه للقرية بتوثيق مناسباتها الحميمة كالأعراس وولائم العقيقة. صبيحة يوم أحد كان يُفترض أن يكون عاديا سَمَع عبدول من خلال نافذة مكتبة جلبة غير عادية، صراخ مفزع وأصوات انفجارات وقعقعة أبواب، مَيَّز كلمة واحدة الماء.. الماء.. الماء، لم ينتظر أن يعرف حقيقة ما يحدث، كان أول مَن قدح في ذهنه هو الكاميرا وقلب العاصفة، فاته وصول الموجة الأولى لكنه أدرك الناس وهم يُغالبون مفعولها الرهيب، الأجساد اختلطت بحطام البيوت عجين من الدم والطين والأشلاء، الناجون بين هاربٍ ومن يحاول انتشال أجساد أولاده أو أقاربه.



تسونامي.. دمار وآلاف القتلى والمشردين

عبدول جابر- المصور: كنت أصور حين رأيت الموجة الثانية قادمة، وصل ارتفاعها في البداية عشرين قدما، جاءت دفقه قوية أدت بي إلى السقوط وسقطت الكاميرا من يدي وأخذها الموج، عُدت إلى البيت فوراً لأخذ كاميرا أخرى، حاولت زوجتي منعي من الذهاب لكني أمرتها والأولاد أن يصعدوا إلى السطح وأخبرتهم بعزمي على العودة للتصوير، رأيت كثيرا من الناس يُهرعون وهم عراة تماما، آخرون كانوا نصف عراة، لم أستطع تصديق عيني لأني لم أرَ مثل ذلك من قبل، رأيت كثيرا من الموتى وسط الماء الذي وصل الرقاب.

محمد فال: بين الموجتين الأولى والثانية مرت ثلاثون دقيقة تقريبا وفي أقل من ساعة بدء كل شيء يهدأ من جديد لكن بعد أن انقلبت الدنيا، القتلى بالآلاف بعضهم أصبحوا في جوف البحر، آخرون تحت الأنقاض والمئات بدأ تكديسهم في الجامع الكبير.

عبدول جابر: صممت على التصوير لأني أحسست أن هذا الحدث قد لا يتكرر، كنت أبكي في الوقت ذاته من هول ما رأيت، كان قلبي يتقطع لصيحات الاستغاثة. ومن حين لآخر كنت أحمل طفلا على منكبي وأُخرجه من الماء دون أن أوقف التصوير وكنت أبحث خلال التصوير عن طفلتين افتقدهما وقت الكارثة. وحتى وأنا أصور القتلى في المسجد كنت أبحث عبر الكاميرا عن جثتي للطفلتين.

محمد فال: في ذلك الصباح فقد قرية سانتا مردو وسلسلة القرى السريلانكية الشرقية المجاورة للمحيط الهندي أكثر من خمسة عشر ألف قتيل، لكن حجم الخسارة البشرية الحقيقي لم يتكشف إلا بعد أيام من تداول الأخبار، ليس في تلك القرى من لم يفقد أما أو أبا أو طفلا أو عائلة كاملة، مئات ومئات من الأطفال وخاصة الرُّضع تم جمع جثثهم الصغيرة من تحت الأنقاض ومن الشواطئ، كانت النساء وكبار السن والأطفال أغلب الضحايا وكان من الصعب طبعا تَقَبُّل ذلك بسهولة بالنسبة لكثيرين. أما الجزيرة بأكملها والتي مَسَحَت أطرافها الأمواج على نحو شبه كامل فقد قارب مجموع قتلاها الخمسين ألفا وبلغ عدد المشردين نحو ثمانمائة ألف. بالنسبة للمنكوبين فقد أَزِفَ الرحيل، لم يبقَ بالديار مقوم للحياة وللنزوح أشكال وطرق شتى عندما لا تكون سلطات البلد قادرة على الوصول إلى الضحايا في الوقت المناسب لسبب أو لآخر، مَن استطاع اللحاق بشاحنة أو حافلة امتدت بها يد مُحسِن فقد كان محظوظا ومَن لم يجد سوى قدميه مَطية فما وجد بُدًّا من قطع المسافات المطلوبة مهما كانت عقبات الطريق. ولم تكن عقبات الطريق بالقليلة أو الهينة، كان على النازحين الهاربين من مياه البحر أن يُواجهوا شبح مياه الأمطار التي كانت سيولها تصب باتجاه البحر هذه المرة، لم يجد النازحون من مأوى سوى دور العبادة ومنازل المحسنين وساحات المدارس، هنا تتراكم التحديات وتزدحم الاحتياجات التي كانت إلى ذلك الصباح بسيطة ومُعطاة فأمست مصيرية وصعبة المنال، من فراش وكساء وطعاما وشراب، كثيرون من كبار السن والأطفال كانت حاجاتهم أكبر إلى الشعور بالارتباط بشيء ما في الحياة خاصة لمَن فقدوا البيت والأبوين أو البيت والأولاد، بلغ الشُّح في المكونات الأساسية للمعيشة في تلك الأيام حدا جعل البعض يبحثون عن طعامهم في القمامة، مجرد الحصول على كوب شاي بات دونه التزاحم والشجار، شاي غابت عنه أباريق الفضة وكؤوس الزجاج لكنه مع ذلك ما زال يُسيل اللعاب، بل يُسيله أكثر من أي وقت مضى. بين أنقاض بيتها وبيوت بناتها تخلفت سيدة مثكولة، ارتباطها بالمكان وبذكريات أهله بدا أقوى من غريزة حب البقاء لديها، لم تنقطع خديجة عن البكاء المُر منذ فقدت ثلاثة من بناتها الخمس صبيحة الكارثة، كان من الصعب تجميع المعاني وبناء قصة من بثها الدائم الممزوج بقدرية متأصلة.

خديجة: ثلاث من بناتي توفين في الحال واثنتان وجدناهما جريحتين مربوطتين في الشباك وسط المياه، أما بيوتنا فدُمرت بالكامل، وضاعت كل الممتلكات.. رب كيف لي أن أعبر عن ذلك؟ إلهي كيف وقع ذلك؟

محمد فال: لقد تمكنت خديجة رغم محدودية دخل زوجها الصياد من بناء منازل لبناتها الأربع المتزوجات. وزواج كل بنت في هذا البلد يتطلب جمع مال كثير عبر سنوات من العرق والدموع كما يتطلب بناء بيت للأسرة الجديدة. وكل ذلك من واجب أهل البنت طبعا، طبقا للعادات المحلية كما أن زوج صالح يُعفى تماما من توفير المهر والبيت.

خديجة: أربع بنات أنا زوجتهن.. مَنَّ الله علينا بأزواج صالحين.. بناتي كلهن جميلات.. أربعة بيوت أنا بنيتها لبناتي لم يبق بيت قائم.. ولم تبق من بناتي المتزوجات سوى واحدة.

محمد فال: لم يمضِ سوى أقل من أربعين يوما على آخر عرس نظمته خديجة لابنتها الرابعة والتي كانت ضمن القتلى، مازال الطلاء جديدا فوق ما تبقى من جدران البيت وستائر مَخْدع الزوجية تهتز قليلا في الريح كأنها تخشى نسيان الوشوشات الأخيرة بين أحبة غفلوا عن قيمة اللحظة لأن آمالهم كانت أعرض من فسحة العمر المخبأة، كل ذلك ترك شروخا لا تندمل في روح الأم الثكلى وكلما زئر البحر من خلف الخراب وهو الجار الحميم كانت هي تجهش بالبكاء كأنه يُذكرها بظلم ذوي القربى. في معسكرات اللجوء يطول الانتظار وتُسدل الطبيعة ستارا إضافيا من المصاعب، مَرَّت أيام عديدة هنا قبل أن تصل إلى المنكوبين أي معونات حكومية، كان عليهم أن يتدبروا أمرهم بأنفسهم وأن يُرتبوا شؤون معاشهم ومسكنهم بالقليل المتيسر ولعل ضيق المكان المتوفر وقلة ما به من مقومات كان أصعب حتى من نقص الغذاء، تولت المنظمات الأهلية والأفراد في تلك الأثناء مهمة الإغاثة ضاربة مثلا رائعا في التآخي والإنسانية في وقت انشغلت فيه السلطات الحكومية بترتيب أوراقها وتمرير قراراتها عبر الأجهزة البيروقراطية المعقدة واعترفت الحكومة صراحة بدور المجتمع المدني في إنقاذ الموقف.

"
البحث عن الناجين والمفقودين ودفن الجثث ونقل المنكوبين إلى مراكز اللجوء  قامت بها منظمات أهلية ومعابد دون تمييز في العرق أو الدين
"
  ماهيندا راجا باكيسي

ماهيندا راجا باكيسي– رئيس الوزراء السريلانكي: خلال الأيام الأولى كان يتعين البحث عن الناجين والمفقودين ودفن الجثث ونقل المنكوبين إلى مراكز اللجوء ورعايتهم هناك وهي مهمة ساعدت في إنجازها المنظمات الأهلية والمعابد دون تمييز في العِرق أو الدين، لقد مثل ذلك مساعدة كبيرة للحكومة.

محمد فال: تُعتبر سريلانكا من الدول الضعيفة اقتصاديا في جنوب آسيا حيث يعتمد اقتصادها على زراعة الشاي والأرز وتصدير بعض المنسوجات والزيوت النباتية، كما أن البلد لا يزال يُغالب أثار حرب أهلية دامية اشتعلت نحو عشرين عاما بين حكومة تُهيمن عليها أغلبية سنهالية وجبهة نمور التاميل لتحرير إيلام التي تقاتل لإقامة دولة للتاميل الهندوس في شبه جزيرة جفنا وبعض مناطق الشمال الشرقي، ذلك النزاع خَلَّف نحو ستين ألف قتيل قبل أن يعرف هدنة حذرة قبل نحو عامين، إنهاك الحرب للموارد الوطنية المتواضعة أصلا وعدم سيطرة الحكومة المركزية على مناطق شاسعة في شمال شرق البلاد، إضافة إلى ضعف شبكة المواصلات خَلَق صعوبات موضوعية أمام قدرة الدولة على التدخل العاجل لإدارة الكارثة بشكل فعال. في تلك الأثناء بل منذ اليوم الأول بدأت المساعدات الدولية تتدفق على العاصمة كولومبو، لكن تركيز السلطات بدأ يتشتت أكثر بين الحاجة إلى الوجود العاجل المكثف في ميادين الكارثة وبين الانشغال باستقبال الوفود الرسمية والمساعدات في كولومبو والتشاور أو ربما التشاجر بشأن كيفية توزيعها، في الكواليس الرسمية حيث يُدون كل شيء ويدرس كل شيء أحيانا يضيع أيضا كل شيء فهل ستتحول مأساة وطنية وإنسانية إلى منازعات حزبية؟ وهل يختطف المقاولون ورجال السياسة ثمار سُقيت بدموع المنكوبين؟


[فاصل إعلاني]

صراع السياسيين وجهود الإغاثة الدولية

محمد فال: يقال هنا باختصار إن كارثة تسونامي كادت توحد البلاد مجددا بعد طويل فِرقة، لكنها ما لبثت أن بدأت تهدد بتفريقها أكثر من أي وقت مضى، فالتجاوب الجماعي الأول كان تحت تأثير الصدمة حيث دعت الرئيسة إلى المصالحة والوحدة في أجواء الألم العام. وبدأت إشارات إيجابية تَرِد من ثوار التاميل الذين قبلوا استلام مساعدات حكومية، لكن ذلك الأمل ما لبث أن بدأ يتبدد مثل سحابة صيف، إذ لم يرضَ بعض الفرقاء السياسيين في المعارضة ونمور التاميل عن الطريقة التي تُدار بها الأمور في قمة الهرم السياسي في نظرهم، الحكومة أقامت مركز عمليات وطنيا في العاصمة قيل إنه ظل حبس برج عاجي من البيروقراطية. وبالرغم من دخول الوزراء في نشاط محموم من الزيارات المكوكية لدوائرهم الانتخابية المختلفة لم تزداد شكاوى اللاجئين إلا حدة.

نعمان– مدرس ثانوية: السياسيون يأتون هنا ويزورون هذا الملجأ لا يساعدون أي مساعدة.. فوق هذه القرية يطير طائرات وأهل القرية يقولون لهم.. لا ينزلون هذا المكان لا يهتمون شؤون هذا المسلمين.

"
الإغاثة لا تصل إلى المواطنين، والحكومة اعترفت بأن 30% فقط من معونات الإغاثة قد وصلت إلى المتضررين
"
         ج.ل. بيريس

ج. ل. بيريس- الناطق الرسمي باسم زعيم المعارضة رانيل وكرمسينغي: الحقيقة هي أن الإغاثة لا تصل إلى المواطنين، هذا ما نلاحظه الآن في المناطق المنكوبة، بل لقد اعترفت الحكومة نفسها بأن 30% فقط من المعونات الإغاثية قد وصل إلى المتضررين.

رؤوف حكيم– زعيم حزب مؤتمر المسلمين المعارض: مستوى أداء الحكومة وأجهزتها لم يكن ملائما على الإطلاق، لقد اعترفوا هم أنفسهم بذلك هناك الكثير من الإحباط والحنق وما يوشك أن يصبح حالة من الشغب في مناطق عدة بسبب الاستياء العميق إزاء ما يحدث.

ماهيندا راجا باكيسي: لقد بدأنا نُقدم لكل لاجئ مبلغ قدره ثلاثمائة وخمسة وسبعون روبية أسبوعيا، حيث أن أولويتنا هي رعاية المواطنين المنكوبين، لا يمكن أن نترك مواطنا واحدا يجوع.

فاسوديوا ناناياكارا– الحزب الديمقراطي المعارض: إن المواطنين يجب ألا يُدفعوا إلى الشعور بأنهم موضع صدقة أو أنهم قد تحولوا إلى مجرد متسولين، يجب أن تُصان لهم كرامتهم ويُعاملوا كأصحاب حق.

محمد فال: واحدة من أخطر التهم الموجهة للحكومة كانت التمييز بين المناطق في توزيع المعونات وخاصة لمصلحة الجنوب ذي الغالبية السنهالية البوذية، فيما يرى سكان الأقاليم الشمالية والشرقية ومعظمهم أقليات تاميلية ومسلمة وهندوسية أنهم كانوا ضحية ذلك التمييز.

رؤوف حكيم: مركز التحكم في كل ما يجري يُدار من كولومبو وجميع المساعدات الأجنبية يتم تكديسها ثم نقلها من قَِبَل رجال السياسة الحكومية إلى مناطقهم الانتخابية، لكن ذلك لا ينطبق على مناطق الشرق لكوننا في المعارضة.

فاسوديوا ناناياكارا: بالأمس صرح وزير ينتمي لمنطقة جنوبية بأنه سيجعل تلك المنطقة هي الأكثر ازدهارا في البلد بأكمله.

ماهيندا راجا باكيسي: لا أوافق على هذا القول فهذه هي الادعاءات ذاتها التي نسمعها في الجنوب، حيث يقولون إننا نرسل مساعدات أكثر إلى الشمال والشرق. لقد قمنا في الواقع بتوزيع كل الإغاثة الممكنة دون أي تمييز في ذلك على أساس من جهة أو عِرق.

محمد فال: كان غضب نمور التاميل هو الأكثر إثارة للقلق، فالهدنة التي كانت قائمة بأعجوبة أصبحت على وشك الانهيار رغم أن النرويجيين وهم رعاتها الأصليون عادوا إلى النشاط وعقدوا اجتماعات مع زعماء التاميل، لكن التاميل شددوا على أن ما يُريدونه راهنا هو وضع آلية مشتركة مع الحكومة المركزية في كولومبو لتنسيق عمليات توزيع المساعدات الدولية بالعدل والمساواة وأن الحديث عن استئناف مفاوضات السلام أمر مؤجل إلى ما بعد تخطي الكارثة الراهنة. في تلك الأثناء كان من شأن الفراغ الناجم عن ضعف وسائل الحكومة أن يفتح الباب لمئات المنظمات الدولية التي تدفقت على البلاد. وفي ضوء انشغال أجهزة الدولة بمعضلة المساعدات الكثيرة وبالجدل السياسي الدائر بشأنها وجدت المنظمات الدولية قليل صعوبة في الانتشار السريع والتقلب في البلاد على وتيرتها الخاصة. بداية أدى انعدام التنسيق إلى نوع من الفوضى، لكن تلك المنظمات ما لبست أن اجتمعت لمعالجة الوضع بحيث يتولى التنسيق مسؤول محلي ويتم تبادل المعلومات وتوزيع الأدوار، لكن بعض الأصوات ارتفعت في أوساط اللاجئين وعلى ألسنة بعض السياسيين بشأن تجاوزات نُسبت إلى تلك المنظمات.

رؤوف حكيم: إنهم يحاولون بحسب التقارير التي تَحَقَّقْتُ من صحة بعضها أن ينشروا معتقداتهم تحت ستار العمل الإنساني، لوحظ ذلك من قِبَل بعض المسلمين واستدعى منهم ردود فعل غاضبة.

محمد فال: حتى السلطات اعترفت بوجود خلل في طريقة دخول وعمل بعض المنظمات.

ماهيندا راجا باكيسي: هناك تقارير تشير إلى حالات معينة، مثلا كهبوط مفاجئ لمروحيات لا أحد يعرف من أين جاءت أو لأي غرض، كما تأتي أحيانا أنواع من المواد التي لا شأن لها بمساعدة المنكوبين، أجل لدينا مشاكل من هذا القبيل.

محمد فال: في الواقع كان دور بعض تلك المنظمات محمودا ولا غنى عنه في معظم الأحيان، قرب مدينة تليكوفيل بإقليم أنبرا، حيث تتجاور قرى وبلدات عديدة مسحها تسونامي، تضافرت جهود المنظمات الدولية لإقامة أكبر مخيم للاجئين في تلك المنطقة، مخيم معبد غايتري ضم أربعمائة واثنتين وأربعين خيمة، تُؤوي أكثر من خمسمائة عائلة تحصل كل منها يوميا على مؤنها الغذائية وما تحتاجه من مياه شرب، قرية كاملة إلا أن منازلها من الخيم، من وقت لآخر يصل فريق جديد لإضافة شيء ما وفي طرف المخيم أقام الألمان مستشفى مؤقتا يتولى الرعاية الصحية اليومية للنزلاء. على بعد كيلومترات قليلة أُقيمت وحدة تصفية تُنتج مائة وخمسين طنا من المياه النقية يوميا لصالح اللاجئين، أما منظمة فرق الشمال الغربي الطبي الأميركية فإنها تُفضل التنقل بين معسكرات مناطق اللجوء من مناطق الشرق.

ليزا ريبس– فرق الشمال الغربي الطبية الأميركية: نعالج الأمراض الناجمة عن تسونامي ومنها الإسهال والجروح المختلفة والكسور والأمراض ذات الصلة بالمياه، لم نلاحظ حالات ملاريا عكس ما كنا نتوقع وقد عالجنا حالات من السعال وصعوبات التنفس الناجمة عن الازدحام في الأماكن الضيقة.

محمد فال: اتُّهِمَت المنظمات الأجنبية مع ذلك من قبل البعض بممارسة نوع من التمييز الديني خاصة ضد المسلمين.

نعمان– مدرس ثانوية: نحن نرى في المنطقة الشرقية في مكانة الهندوس في مكانة البوذيين مخيمات كثيرة موجودة، لا نعرف من أين جاءت هذه المخيمات، أنا.. ما جاءت حتى الآن واحد مخيمات إلى هذا منطقة المسلمات لا نعرف من هو المسؤول لهذه المخيمات يا أخي.

محمد فال: على الطريق الساحلي حيث تناثرت مخيمات اللاجئين استوقفتنا خِيم تحمل أسماء دول عربية تذكرنا فجأة أن العرب أدلوا بدلوهم في هذا العمل الإنساني الكبير. والحال أن أخبار المعونات العربية والإسلامية هنا ليس لها من وسيلة الانتشار سوى قصاصات عابرة في وسائل الإعلام المحلية أو كلمات نادرة بالخط العربي تحملها بعض مواد الإغاثة. لم يُسجل منذ وقوع الكارثة وصول أي زعيم عربي واحد أو وفود وزارية تُذكر إلى العاصمة كولومبو ناهيك عن مناطق المنكوبين.

نعمان: انظر أمة أوروبا، أمة في كندا، في (England) في أميركا كل الناس يأتون إلى سريلانكا تساعدون إلى البوذيين إلى الهندوس إلى مسيحيين، أين العرب؟ أين الرؤساء العرب؟ أين المؤسسات الإسلامية؟ ألا ترون حال المسلمين؟

محمد فال: كولومبو مع ذلك تلقت عشرات ملايين الدولارات من المعونات العربية، لكن القليلين فقط يعرفون ذلك بالنظر لغياب مُقدِم تلك المساعدات عن عيون المتضررين أنفسهم، في المقابل حرص الآخرون على ترسيخ وجودهم في وعي ووجدان المواطنين هنا من خلال الحضور البشري المكثف والتركيز على رعاية المتضررين بأسلوب شخصي مباشر وخاصة الأطفال.

ماهيندا راجا باكيسي: هذه الأمور تعتمد كما تعلم على الطريقة، لقد ساعدنا العرب كثيرا، دول الخليج والشرق الأوسط كلها قدمت المساعدات ولازالت تفعل لكنهم ربما لم يُولوا اهتماما كبيرا للناحية الدعائية.

محمد فال: الولايات المتحدة السريلانكية تقول هذه اللافتة العملاقة والمكررة في عشرات الشوارع بالعاصمة كولومبو، ذاك أسلوب قوم آخرين في الدعاية الإعلامية حتى لو كان حضورهم الإنساني الذي اختاروه عسكريا مثار شكوك وتحفظات بين مَن رأى أنهم جاؤوا لإقامة دائمة ومن رأى أنهم جاؤوا لاستطلاع الميدان لعودة مستقبلية وبين مخاوف الجارة الهندية التي تعتبر البلد جزءا من جوارها الأمني الإقليمي.

ماهيندا راجا باكيسي: لقد جاؤوا لكنهم يقومون الآن للمغادرة، جاؤوا فقط لمساعدتنا في إزاحة الأنقاض وتنظيف المدن وقد نفذوا مهمتهم وبدؤوا في الرحيل.

محمد فال: غير أن بعض المراقبين لم يَستبعد وجود اعتبارات أمنية متبادلة بين واشنطن وكولومبو من وراء اليافطة الإنسانية.

بايكياسوتي سارافاناموتو– مدير مركز دراسات البدائل السياسية- كولومبو: الأميركيون يقولون إنهم ينظرون إلى الموضوع ضمن سياق الحرب على الإرهاب وأنهم لا يريدون رؤية بعض اللاجئين يتحولون إلى إرهابيين، لكنني أشك في وقوع ذلك، أما الحكومة السريلانكية فقد ظلت تنظر دائما إلى المجتمع الدولي كنوع من طوق النجاة والضمانة الأمنية في مواجهة نمور التاميل أو أي نوع من التهديد الأمني أو العصيان الداخلي، لذلك لا أعتقد أن قلق الفاعلين السياسيين إزاء الوجود الأميركي أمر غير مُبرَّر ثم لا ننسى أخيراً أننا نحن الذين استدعيناهم.


إعادة البناء ومسؤولية وقوع الكارثة

محمد فال: مرت ثلاثة أسابيع من الجدل في كولومبو ومن الانتظار هنا في مواقع الكارثة ولا يزال لدى المنكوبين أمل وتطلع إلى ذلك اليوم الموعود الذي ستبدأ فيه السلطات ما أسمتها بحملة إعادة البناء.

ماهيندا راجا باكيسي: علينا الآن البدء في إعادة إسكان المواطنين ممن فقدوا بيوتهم وذلك بنقلهم إلى مساكن مؤقتة ثم إلى أخرى دائمة، أما المرحلة التالية فهي إعادة بناء البلد من خلال تطوير البنية التحتية وبناء الطرق والجسور والمستشفيات والمدارس.

محمد فال: في انتظار تطبيق هذا الكلام ظهرت مخاوف لدى البعض من احتمال الوقوع ضحية سياسات إعادة البناء ذاتها، فخديجة التي لا تريد مفارقة أنقاض بيتها ربما تُنقل من هنا عنوة خلال أيام أو أسابيع بعد أن أصدرت السلطات قرارا مثيرا للجدل يمنع البناء أو السكن على مسافة تقل عن مائة متر وأحيانا عن مائتي متر من الشاطئ، أما الأموال الطائلة التي تبرعت بها أو منحتها دول ومنظمات أجنبية فمازال ما وصل منها مكدسا بانتظار وضع الخطط المتوسطة والبعيدة المدى.

فاسوديوا ناناياكارا: ربما تكون الحكومة بصدد التفكير في تسليم العملية للشركات الغنية المختصة وشركات الصيد وأن تُحوِّل اللاجئين الفقراء إلى أيدي عاملة لدى تلك الشركات.

محمد فال: بعض المنظمات الأهلية أخذت زمام المبادرة لإعادة بناء حياة بعض الأفراد والأسر التي فقدت مقومات المعيشة، الورقة الخضراء منظمة محلية حصلت على تمويل من نظيرة لها في هولندا لبناء زوارق الصيد لصغار الصيادين الذين دمَّر تسونامي زوارقهم. واحد من أكبر التحديات على مستوى المواطنين على طريق إعادة الإعمار كان ملايين الأطنان من الأنقاض على امتداد مئات الكيلو مترات الأيدي العارية كانت أيسر وسيلة لمحاولة إعادة ترتيب ما يمكن ترتيبه وقليل من الآلات. حين تتزاحم الأولويات يحتار المرء في أيها الأجدى بالعناية لقد رُفعت أنقاض بيوت وجدران لكن أنقاض نفوس كثيرة لا تزال مستعصية على الرفع، من أين يجب أن تبدأ عملية إعادة البناء أمن الحلقة الأقوى أم من الحلقة الأضعف؟

[فاصل إعلاني]

محمد فال: حاول طلاب من جامعة جفنا ابتكار طرق شتى لرفع معنويات الأطفال من ضحايا تسونامي، محاولة لإعادة بناء نفوس وعقول صغيرة بات يتهددها الضياع والحال أن الأطفال هم مَن دفع أغلى الأثمان وحيث قضى الآلاف منهم في الكارثة وتشرد الآلاف آخرون يُتماً وفقداناً، هذا فضلا عما كان الكثيرون منهم يعانونه أصلا قبل تسونامي وما يعانونه حاليا في مخيمات اللجوء من سوء تغذية ونقص رعاية، في المقابل مثلت عودة الأطفال إلى المدارس وإن كان بعضهم فقط من ضحايا تسونامي المباشرين مَثَّلت حدثا يبعث على السرور، أناشيدهم البريئة كانت بقدر نقاء ثيابهم البيضاء ومجرد انتشارهم في الممرات وبين الشجيرات يشيع الأمل والتجدد، حتى في مراكز رعاية الأيتام كهذا الذي تقوم عليه فتاة متطوعة في إحدى مناطق سيطرة التاميل بشبه جزيرة جفنا لم تغب الابتسامة البريئة تماما عن وجوه بعض الأطفال رغم التركة الثقيلة التي وُلدوا في كنفها، تركة حرب سببت يُتْم الكثيرين منهم قبل أن يُكمل تسونامي عليهم أسباب الشقاء، سوميتا الصغيرة لا يهمها فهم شيء من ذلك ولا شأن لها بهموم تتقاذف في نفوس الكبار، كل هم سوميتا وربما مصدر غبطتها هو أن تُتقن بعض الأمور البسيطة، صعوبة الفهم والتعبير لم تقتصر على الأطفال فالمأساة أخرست الكثير من البالغين، كانت لغة الجسد هي الأقوى، الصمت كان أبلغ من الكلام. بالنسبة لمن استطاعوا التعبير وإن لم يستطيعوا الفهم تماما فَتَح الفشل في تفادي الكارثة الباب لأسئلة صعبة تقاذفتها السياسية والعلم، هل كان يمكن تفادي ما حدث؟ مَن المسؤول عن التقصير؟

فاسوديوا ناناياكارا: الحكومة كانت لديها وحدة لإدارة الكوارث، لكنها لم تكن تعمل فأُخذت على حين غرة والحال أنه كان لنا الحق في الحصول على المعلومات حول الكارثة في الوقت المناسب لأن مراكز الإنذار المبكر الخاصة بتسونامي والموجودة في جامعة كاليفورنيا وفي هاواي كانت على علم بما حدث.

"
يمكن التنبؤ بتسونامي، لكن في سريلانكا لم تكن تتوفر الأجهزة الخاصة برصد تسونامي التي تختلف عن أجهزة رصد الزلازل
"
      كابيلا داهاناياكي

كابيلا داهاناياكي- أستاذ الجيولوجيا بجامعة بارادينيا- سريلانكا: لا يمكن التنبؤ بالزلازل، لكن يمكن التنبؤ بتسونامي لأن هناك فاصلا زمنيا بين لحظة حدوث الزلزال ولحظة وصول أمواج تسونامي إلى الشواطئ بحسب بعدها عن مركز الهزة، لكن في حالة سريلانكا لا لوم على أحد لأننا لم نكن نتوفر على الأجهزة الخاصة برصد تسونامي والتي تختلف عن أجهزة رصد الزلازل.

محمد فال: أما صعوبة فهم الغايات فقد فتحت الباب للأسئلة الغيبية، أين كانت الآلهة؟ ماذا أرادت بهذا؟ ولماذا نحن بالذات؟ بالنسبة لمعظم الأديان لا لوم هذه المرة كما في كل مرة على القوة الغيبية إطلاقا، فالبشر هم السبب فيما حل بهم لا لتقصير في تكنولوجيا الإنذار المبكر بل في مجال مختلف تماما.

إمام المسجد الجامع في كالموناي: كان كثيرا من الناس يفعلون أعمال قبيحة يعني هنا شرب الخمر والزنا والربا وهكذا كان من أعمال قبيحة يفعلون يشغلون هذه الأعمال. وإن الله تعالى ليبلونهم هذه في نموذج البحر.

محمد فال: بعض الهندوس والبوذيين وحتى المسلمين اعتبروا نجاة بعض المعابد والمساجد من الكارثة بمثابة معجزات أو كرامات تدل بالنسبة لكل دين على صحة مساره، أما البشر الذين أفنتهم الأمواج بغتة فإما أُريد بفنائهم خير قادم نجهله أو أُنهي به شر قائم نغفل عنه، هل يمكن أن ينبع خير عظيم من كارثة رهيبة؟

كابيلا داهاناياكي: إذا كان الناس سيصبحون خَيِّرين أكثر بعد تسونامي بغض النظر عن الدين الذي يعتنقونه فإن تسونامي على الرغم من كل الدمار والموت الناجمين عنه يكون أيضا قد فعل خيرا للناس.

سكينة- متطوعة إغاثة من باكستان: كما يُقال لا شيء يحدث إلا لغاية ما، ربما يتحد الناس وتكون عاقبة خير والنزاعات الدينية والعِرقية التي كانت تمزق البلد ربما تختفي بطريقة ما، لكن بغض النظر عن كل ذلك ستأخذ إعادة البناء وقتا طويلا.

محمد فال: وقت طويل أيضا ربما يحتاجه عبدول جابر لاستيعاب ما حصل في حياته وخاصة ليتصالح مع تمزقه الأخلاقي الناجم عن تنازع غريزة مهنية جامحة دفعته لتصوير حدث جسيم نادر ودافع أخلاقي قوي كان يأمره بإلقاء الكاميرا والقفز وسط الأمواج لإنقاذ بعض الأرواح، الأسابيع التي مرت لم تنقص من ذلك التمزق في نفسه شيئا وتاريخ الأفراح الصغيرة الذي ظل يُسجله عبر السنين امتزج مع عينه الآن بلون الدم ورائحة الأشلاء، أما بالنسبة لخديجة فإن الزمن قد توقف هنا تماما عند لحظة الكارثة، كما انحسر المكان من حول أنقاض البيوت الصغيرة كأن لغزا كبيرا قد تناثرت قطعه هنا وخديجة لم تكن سوى قطعة واحدة متبقية من ذلك اللغز. في واحد من تلك الأيام العصيبة بدت شواطئ سريلانكا موحشة أكثر من أي وقت مضى، لم يُسمع هنا منذ أسابيع سوى شَجْو الريح والموج واكتست أفق الرؤية ونبرة البحر مزاجية شديدة، بعض الشبان حاولوا مع ذلك الاقتراب قليلا ربما لاختبار نوايا البحر. وإن ظلت المراكب حريصة عن الابتعاد كأن السكون قد استقر في أوصالها منذ يوم الكارثة تماما مثلما استقر الموت في أجسادٍ ربما تظل رهن هذه المقابر الاستعجالية إلى أجل معلوم.


جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة