وحدة الأمة وهاجس الطائفة   
الأربعاء 1433/10/19 هـ - الموافق 5/9/2012 م (آخر تحديث) الساعة 9:58 (مكة المكرمة)، 6:58 (غرينتش)

- دور الثورات العربية في إعادة الاعتبار لمفهوم الأمة
- التحريض على الطائفية في سوريا

- قراءة في مفهوم الطائفية وتحولاته الواقعية

- مسؤولية الأكثرية تجاه الأقلية

- توحيد الأمة تحت مظلة الخلافة الإسلامية

عثمان عثمان
محمد عمارة

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً ومرحباً بكم على الهواء مباشرة  في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:92] وحدة الأمة موضوع تم طرحه بقوة في أعقاب الحرب على العراق وما أفرزته من خطابات طائفية بالمعنيين الديني والسياسي، ولكنه يكتسب مشروعيته اليوم في ظل ما سمي بالربيع العربي وخاصة بعد الثورة السورية التي دفعت البعض لتغليب الاعتبارات الطائفية على اعتبارات وحدة الأمة وعلى اعتبارات قيم الحق والعدل ونصرة المظلوم، فهل أدت الثورات العربية إلى إحياء مفهوم الأمة من جديد؟ وما مستقبل دعاة الطائفية السياسية والحزبية والمصالح الضيقة؟ وكيف تستعيد الأمة ولايتها على نفسها؟ وحدة الأمة وهاجس الطائفة موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع الدكتور محمد عمارة المفكر الإسلامي المعروف والذي ينضم إلينا عبر الأقمار الصناعية من القاهرة، السلام عليكم فضيلة الدكتور.

محمد عمارة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحباً أخ عثمان.

دور الثورات العربية في إعادة الاعتبار لمفهوم الأمة

عثمان عثمان: مفهوم الأمة كاد يغيب خلال العقود الماضية لصالح الدولة القطرية، بداية هل ساهمت الثورات العربية في استعادة مفهوم الأمة من جديد؟

محمد عمارة: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، أولاً: دعني أقول إن وحدة الأمة لن تغب في يوم من الأيام منذ أن ظهر الإسلام وبلور أمته في هذا الشرق العربي والإسلامي، الذي غاب والذي تفتت هو وحدة دار الإسلام، إنما وحدة الأمة أن تعزم أن تلتقي إنسانا في الصين يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، تشعر أنك أخ له وأنه جزء من الأمة الإسلامي، دعني أقول في مقدمة الحديث عن هذه الطائفية، وهذا المرض العضال الذي ينخر في جسد هذه الأمة في هذه العقود أننا لم نعرف هذه الطائفية بل إن تراثنا الإسلامي لم يعرف مصطلح الأقليات إلى أن جاء بونابرت بغزوته الحديثة سنة 1798، بونابرت وهو في طريقه من مرسيليا إلى الإسكندرية أعلن أنه سيجند عشرين ألف من أبناء الأقليات في مصر والشام لإقامة إمبراطوريته التي تعيد إمبراطورية الإسكندر الأكبر، منذ ذلك التاريخ لعب الاستعمار على الطائفية، ونحن نعرف أن هناك محطات لهذا المخطط المعلن، ليس مؤامرة وإنما هو مخطط معلن خذ على سبيل المثال: مع قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين نشر المستشرق الصهيوني برنارد لويس في مجلة البنتاغون الأميركية مخططاً يدعو إلى إعادة تقسيم العالم الإسلامي من باكستان إلى المغرب، وإنشاء 32 كيان سياسي جديد على أسس عرقية وأسس طائفية وأسس مذهبية وقال إن هذا هو الضمان لأمن إسرائيل هذه واحدة، إستراتيجية إسرائيل في الثمانينيات التي نشرت في مجلة المنظمة الصهيونية العالمية  تتحدث عن تفتيت هذا العالم الإسلامي وتطبيق برنامج ومخطط المستشرق الصهيوني برنارد لويس، العراق ما يحدث الآن في العراق موجود في إستراتيجية إسرائيل في الثمانينيات وموجود في مخطط المستشرق الصهيوني برنارد لويس، وموجود أيضاً في سوريا وأيضاً في مصر والسعودية وفي كل هذه البلاد، شارون 1981 له محاضرة حول هذا الموضوع، في مايو 1992 ندوة عقدت في إسرائيل في مراكز البحث والجامعات وحضرها مندوبون من الطوائف المختلفة في الشرق الأوسط، وانتهت هذه الندوة إلى ضرورة تحالف هذه الأقليات الطائفية مع إسرائيل لمواجهة ضغط الإسلام والقومية العربية..

عثمان عثمان: إذن كل ما ذكرتموه دكتور، كل ما ذكرتموه ربما يصب في خدمة تفتيت هذه الأمة، ما دور الثورات العربية الآن في إعادة الاعتبار لمفهوم الأمة؟

محمد عمارة: الثورات العربية تعيد الاعتبار إلى وحدة الأمة لأني كما قلت وحدة الأمة لن تغب، لكنها تزيل نظم الاستبداد والتبعية والضعف التي كانت تقيم الحواجز والأسوار بين الأقطار وبين الدول القطرية والدول القومية، إذن هذه الثورات نحن نشهد الآن انفتاحاً بين مصر بعد ثورة يناير وبين ليبيا بعد الثورة على القذافي وبين تونس بعد الثورة على بن علي، نشهد ألواناً من التكامل بين مصر وبين السودان، نشهد تأييداً مصرياً من الثورة المصرية ومن الدكتور محمد مرسي رئيس الجمهورية لهذه الثورة البطولية التي تحدث الآن في سوريا، أنا أدعو إلى أن نقرأ ما يقوله الأعداء حول هذه الثورات ثورات الربيع العربي، السيناتور الأميركي جون ماكين زار القاهرة في فبراير الماضي ماذا قال؟ قال إن الحدث الذي يتم في مصر الآن هو الحدث الأهم في الشرق منذ سقوط الدولة العثمانية، وستكون له تداعياته في الشرق وفي العالم كله، ماذا قال الإسرائيليون عن نظام حكم مبارك الذي أسقطته ثورة يناير؟ قالوا إن مبارك كان كنزاً إستراتيجياً للأمن الإسرائيلي، ماذا قالوا عن ثورة سوريا؟ قالوا إذا سقط نظام بشار الأسد ستقوم بحيرة إسلامية تغرق فيها إسرائيل، إذن أقول ثورات الربيع العربي تفتح الأبواب لتجاوز الحدود والسدود والقيود التي وضعت لتقسيم العالم العربي، وأيضاً لتجاوز محاولات التفتيت التي خطط لها برنارد لويس والكيان الصهيوني وراعاها الاستعمار منذ غزو بونابرت في العصر الحديث..

التحريض على  الطائفية في سوريا

عثمان عثمان: انطلاقا مما ذكرتم دكتور كيف تفسرون ما يجري في سوريا في أعقاب الحرب على العراق، في أعقاب أيضا بعده أو قبله كانت الحرب اللبنانية الموضوع الطائفي طفى بقوة وأصبحت هناك محاصة طائفية، انطلاقا مما ذكرتم مما جرى في السابق، كيف تفسرون ما يجري الآن في سوريا؟

محمد عمارة: شوف نحن عشنا تاريخاً طويلاً تراثنا لم يعرف مصطلح الأقليات، العنوان السائد طوال هذا التاريخ نحن أمة فيها تنوع، والتنوع والتعدد سنة من سنن الله سبحانه وتعالى، الإسلام فيه عقيدة وشريعة وحضارة، عقيدة الإسلام خاصة بالمسلمين، كما أن عقيدة المسيحيين خاصة بالمسيحيين، أما الحضارة الإسلامية فهي رباط جامع بين كل أبناء هذه الأمة بدياناتها وطوائفها ومذاهبها وأعراقها، لأن هذا التنوع كما قلت سنة من سنن الله سبحانه وتعالى، ما يسمى بالأقليات ونحن نسميه تنوع في إطار الأمة، كل أصحاب هذا التنوع شاركوا في بناء الحضارة الإسلامية والحضارة العربية وهذه هي حضارتهم، لكن المخطط الاستعماري يريد إضعاف  الأمة، يريد تحويل هذه الأمة إلى طوائف ليكون بأسها بينها شديد، المجتمع الطائفي لا يستطيع أن يحمل مشروعاً حضارياً نهضوياً، لأنه شرط أن تحمل أمة من الأمم مشروعاً حضارياً نهضوياً يفك عنها قيود الاستعمار والغزو الفكري والغزو العسكري أن تكون هناك وحدة ثقافية ووحدة فكرية، هذه الوحدة التي عاشت طوال تاريخنا يريد الاستعمار أن يحل الطائفية لتمزق هذه الوحدة، أنا أضرب لك مثلاً: في عهد الدولة الفاطمية الإسماعيلية الشيعية المتطرفة، كانت الدولة الشيعية وكان المجتمع المصري السني، هذا أدى إلى ضعف الدولة فتح الأبواب للغزوة الصليبية التي اقتحمت القدس سنة 1099 ميلادية، عندما تكون هناك دولة متناغمة ومتحدة مع الأمة يكون هناك قوة تقف أمام الاستعمار، لكن إذا جاء نظام طائفي نظام أقلوي يحكم بلداً مثل سوريا أو يحكم بلداً مثل العراق، هذا هو الذي يأتي بالضعف فيدخل الاستعمار، أنظر إلى قضية العراق من الذي تحالف مع الاستعمار.

عثمان عثمان: إذن في الموضوع السوري، أنتم تقولون الآن بأن هناك قوى دولية تحمي النظام القائم في سوريا في مواجهة الثورة التي انطلقت مطالبة بالحرية والكرامة؟

محمد عمارة: نعم، لأن النظام هذا هو الذي سلم الجولان، هذا النظام هو الذي حقق الأمن على الحدود بين سوريا وبين إسرائيل، هذا النظام هو الذي قال عنه رجل الأعمال المعروف قريب بشار الأسد قال إن أمن هذا النظام من أمن إسرائيل، هذا النظام الطائفي العلوي في سوريا، هو الذي تقول عنه إسرائيل إنه إذا سقط فستكون هناك بحيرة إسلامية تغرق فيها إسرائيل، هذا النظام هو الذي يمول من الطائفية العراقية، هذا النظام هو الذي تحارب معه الآن على أرض سوريا ضد الشعب السوري: الحرس الثوري العراقي، جيش المهدي العراقي، الحرس الثوري الإيراني وجيش المهدي العراقي وحزب الله الإيراني، إذن هذا النظام الطائفي الأقلوي هو الذي يمزق وحدة سوريا، بل أنا أقول إن إطالة مأساة الثورة السورية الهدف منه هو إنهاك سوريا وإضعاف سوريا حتى إذا سقط هذا النظام تظل سوريا تلعق جراحها، وترمم هذه الجراح لسنوات طويلة فيظل الأمن الإسرائيلي والصهيوني قائماً، أنا أقول إن النظام الدولي الذي تمثله إسرائيل كقاعدة للحضارة الغربية وللعسكرية الغربية في الشرق هو الذي يرعى وجود النظم الأقلوية لأنني كما قلت؛ في ندوة في 1992 في مايو في إسرائيل قالوا إن هذه الأقليات حليف إستراتيجي مع إسرائيل ضد ضبط القومية العربية وضد الإسلام، المخطط من الأعداء منذ بونابرت إلى الآن.

عثمان عثمان: نعم، بالعودة إلى موضوع الحلقة وحدة الأمة كيف تتجلى القيمة الوحدوية للدين بحيث يجمع ولا يفرق؟

محمد عمارة: كما قلت الدين الإسلامي هو الذي يشرع للتنوع والتعدد في المذاهب وفي الفلسفات وفي الديانات، وفي ظل الدين الإسلامي وحاكمية الشريعة الإسلامية عاشت كل هذه الطوائف كل هذه الديانات بل حتى الديانات الوضعية عاشت في الحضارة الإسلامية وبنت في الحضارة الإسلامية، وشاركت في الترجمة وشاركت في كل بناء العلوم والفنون والآداب في هذه الحضارة الإسلامية، إذن الدين السلامي كدين لأنه يجعل من التعدد والتنوع والتمايز والاختلاف سنة من سنن الله سبحانه وتعالى، وليس مجرد حق من حقوق الإنسان، هذا الدين هو الذي يفتح الباب للتعايش بين كل هؤلاء الفرقاء المتعددين..

عثمان عثمان: ما موقع مسألة التعدد..

محمد عمارة: الحضارة الإسلامية لأنه جامع بناها كل هؤلاء، فإذن الدين الإسلامي هو الجامع الذي يجمع، وحد الأمة، وحد الحضارة، وحد الثقافة، وحد قبلة هذه الأمة في الحضارة وفي الثقافة وترك الناس وما يدينون، إذن الصيغة الإسلامية هي الصيغة الجامعة لكي تكون هناك أمة واحدة فيها تنوع وتمايز واختلاف في العقائد وفي اللغات وفي الأصول، أنا أقول أي أقلية.

عثمان عثمان: إذن الصيغة الإسلامية دكتور هي الجامعة هل يتعارض ذلك عندما نتحدث عن وحدة الأمة، عندما نتحدث عن الصيغة الجامعة هل يتناقض ذلك مع التعددية السياسية؟

محمد عمارة: لا، أولاً إذا كان أصول الإسلام ترعى التنوع والتعدد، فما بالك بالسياسية الشرعية التي هي من الفروع؟ السياسة الشرعية هي من الفروع، ولذلك نحن على طول التاريخ الإسلامي المستشرق الألماني الحجة آدم ميتز يقول لقد كان النصارى هم الذين يحكمون بلاد الإسلام، كانت الإدارة كانت الجباية كانت المالية كانت كل هذه الأمور في يد هؤلاء، إذن السياسة الشرعية الإسلامية على امتداد تاريخ الإسلام فتحت الأبواب أمام كل هؤلاء أبناء الأقليات إذا جاز التعبير لكي يكونوا جزءاً من هذه، بل أنا أقول لك إن مصر عندما فتحها الإسلام عمرو بن العاص كان الديانة المسيحية معزولة محصورة هرتقة، البطريرك بنيامين كان مضطهدا وكان هاربا 13 سنةً من حكم الرومان، الذي أعاد البطريرك وأعاد كنائس وأعاد الأديرة إلى أصحابها هو الإسلام وترك الناس وما يدينون، بل إن هناك كتاب اسمه " تاريخ الأمة القبطية" لوفيلة وهو كاتب قبطي، يقول يعقوب حنا وفيلة يقول إن الإسلام عمرو بن العاص هو الذي أشرك الأقباط في حكم مصر لأول مرة في تاريخها، يعني المسيحية دخلت مصر في نصف القرن الأول الميلادي إلى أن جاء الإسلام في القرن السابع، لم يكن هناك لا حكومة مسيحية ولا حكومة قبطية، وإنما الذي أشرك الأقباط في حكم بلادهم، وجعل لهم قضاء وحكماً ذاتياً وإلى آخره هو الإسلام، لأن الإسلام هو وحده الذي يعترف بالآخر، يقدس مقدسات الآخر ولا يقف عند الاعتراف بحقوق المسلمين فقط، وإنما يجعل كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين وعلى المسلمين ما عليهم، حتى يكونوا للمسلمين شركاء فيما لهم وفيما عليهم)) إذن الإسلام العقدي الشرعي الحضاري هو الصيغة الجامعة كي تكون هناك أمة فيها تنوع واختلاف، وأنا أضرب لك مثلاً: عندما تكن هناك دولة..

قراءة في مفهوم الطائفية وتحولاته الواقعية

عثمان عثمان: دكتور يعني حتى لا نستغرق في الأمثال دكتور، عندما نتحدث عن الصيغة الجامعة لكل شرائح وتنوعات المجتمع الطائفية والمذهبية والسياسية، ذكرتم أن هناك ربما تعويماً لبعض الطوائف في حكم بعض البلدان على حساب وحدة الأمة، لكن مفهوم الطائفية يبقى مفهوماً ربما ليس واضحاً ملتبساً عند البعض نريد أن ندخل هنا إلى تعريف الطائفية ما المقصود بها؟

محمد عمارة: شوف، عندما تكون هناك طائفة أو جماعة هذا شيء طبيعي، عندما يكون لديك مسيحيون في بلد أغلبيتهم مسلمون هذا شيء طبيعي، عندما يكون لديك أكراد في إطار الأمة الإسلامية لهم لغة مختلفة، عندما يكون هناك أمازيغ، عندما يكون هناك شيعة، عندما يكون هناك سنة كل هذا تنوع مطلوب ومعروف ومعقول وطبيعي، لكن إذا كان هناك غلو طائفي المشكلة ليست في الطوائف، وإنما المشكلة في الغلو الطائفي الأناني الذي يريد للأقلية أن تتحكم في الأغلبية، خذ على سبيل المثال: كان هناك طموح وطمع شيعي صفوي في إزالة العراق، تقاطع هذا المقصد مع مقصد إسرائيل التي قالت في إستراتيجية إسرائيل في الثمانينيات إن تفتيت العراق أهم من تفتيت سوريا، لأن العراق قوة وخطر عاجل على إسرائيل، حدث تحالف بين هذا التشيع الصفوي وبين التشيع داخل العراق في المعارضة العراقية تحالفوا مع الإمبريالية مع الصهيونية مع المسيحية الصهيونية لضرب العراق لغزو العراق في 2003، قتلوا علماء العراق أساتذة العراق ضباط الجيش العراقي، تحول العراق إلى مأساة القرن الواحد والعشرين بسبب هذا الغلو الشيعي الطائفي الذي تحالف مع الأعداء، وأصبح هناك نحو عشرة ملايين عراقي ما بين شهيد ولاجئ وأرملة وطفل يتيم إلى آخره، إذن هذه مأساة القرن الواحد والعشرين كما أن مأساة فلسطين هي مأساة القرن العشرين، إذن الغلو الطائفي هو الذي يريد تحكم الأقلية في الأغلبية، وهو يريد بناء كيان محدود كيان قد يكون ضعيفاً، بينما وحدة الأمة تجعل الشيعي يسير من المغرب إلى حدود الصين، تجعل الكردي يسير من المغرب إلى حدود الصين، تجعل الأمازيغي يسير من المغرب إلى حدود الصين، القبطي يسير من المغرب إلى حدود الصين؛ يعني وحدة الأمة تفتح أمام كل الطوائف والجماعات أبواب أمة أكثر من مليار وستمائة مليون 35 مليون كم مربع وطن هذه الأمة فيها هذه الثروات، إذن وحدة الأمة وتكامل دار الإسلام ليست في مصلحة الأغلبية السنية فقط، وإنما في مصلحة جميع أبناء ما يسمى بالأقليات..

عثمان عثمان: ما مسؤولية الأغلبية السنية دكتور هنا ما مسؤولية الأغلبية والأكثرية السنية تجاه الأقليات لدمجهم ضمن إطار الأمة الواحدة؟ أسمع الإجابة إن شاء الله بعد أن نذهب إلى فاصل قصير فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

مسؤولية الأكثرية تجاه الأقلية

عثمان عثمان: أهلاً وسهلاً بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة، والتي نتحدث فيها عن وحدة الأمة وهاجس الطائفة مع المفكر الإسلامي المعروف الدكتور محمد عمارة والذي ينضم إلينا مجدداً من القاهرة، دكتور نسأل عن مسؤوليات الأكثرية تجاه الأقلية لدمجها في الأمة؟

محمد عمارة: مسؤولية الأكثرية مسؤولية كبيرة مثل مسؤولية الأخ الأكبر في الأسرة، ومسؤولية الأكثرية في هذه القضية هي أن تطبق شعار الإسلام الذي هو التعبير الجوهري عن حقيقة المواطنة لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين وعلى المسلمين ما عليهم حتى يكونوا للمسلمين شركاء فيما لهم وفيما عليهم، إذا طبقنا هذا الشعار وجعلنا المواطنة عبارة عن المساواة بين كل أبناء الأمة في الحقوق والواجبات، نحن نستطيع بهذا أن نجذب أغلبية هذه الطوائف، ونعزل الأقلية المتعاملة مع الاستمرار والعميلة للاستعمار، لأنه هناك حتى في صفوف المسلمين أناس يراهنون على الغزاة؛ يراهنون على الغزو الفكري، يراهنون على العمال الأجانب، أنا أقول الاستعمار منذ غزوة بونابرت لعب دوراً كبيراً وخاصة بعد إنشاء الكيان الصهيوني على قطاعات من هذه الأقليات، خذ على سبيل المثال سنة 1952 نشأ في مصر جماعة الأمة القبطية تقول مصر كلها وطننا اغتصبها العرب والمسلمون من 14 قرناً، القبطية هي لغتنا، الإنجيل هو دستورنا ولا بد من استعادة أرض مصر كلها، وهناك في الكنيسة من تبنى هذا الفكر الانعزالي الطائفي العنصري، نريد عزل هذه القطاعات العميلة؛ العميلة للغرب والعميلة للاستعمار والعميلة للصهيونية ونجتذب أغلبية هذه الطوائف وأغلبية هذه الجماعات على أرضية المواطنة وهذا هو السبيل.

عثمان عثمان: عملياً كيف يمكن اجتذاب أغلبية هذه الطوائف؟ عملياً بشكل آلي كيف يمكن اجتذاب هذه الطوائف في مواجهة الطائفة التي تريد أن تعزلوها والتي توالي الغرب؟

محمد عمارة: خذ على سبيل المثال نحن في الدستور الذي نضعه الآن لمصر الثورة، النص التقليدي والقديم أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، استحدثنا مادة جديدة نقول إن أتباع اليهودية والمسيحية لهم الحق في الرجوع إلى شرائعهم في أحوالهم الشخصية وفي شؤونهم العبادية وفي اختيار قياداتهم الروحية، نطمئن جماهير هذه الأقليات إذا جاز التعبير فنجتذبها إلى المشروع الوطني، أيضا لا بد أن يكون هناك حوار يعني يضع أمام هؤلاء الناس القواسم المشتركة كيف أننا أمة واحدة، لغة واحدة، ثقافة واحدة، هوية واحدة، قومية واحدة، نضع هذه القواسم ثم نستعيد ذكريات التاريخ والمآسي التي جرتها الطائفية، يعني كيف أن تحالف ابن العلقمي ونصير الدين الطوسي مع هولاكو مع الصليبيين، مع الوثنية ومع الصليبيين كان وبالا على الشرق، كيف كان تحالف المعلم يعقوب حنا، يعقوب اللعين مع نابليون ومع كليبر كان وبالا على هذه الطوائف، وكيف كانت الثورات التي أعادت اللحمة، ثورة التاسع عشر، وثورة 1952، وثورة 2011، نريد أن نقول لهؤلاء الناس، أقباط مصر على سبيل المثال شاركوا في ثورة الخامس والعشرين من يناير، بينما الكنيسة وقفت مع حسني مبارك، إذن نقول نميز بين هذه القطاعات العميلة التي تقف مع الاستبداد، تقف مع الاستعمار وبين الجمهور الذي مصلحته في أن يقف مع الأغلبية، لأنه أي أقلية مصالحها، مشروعها، أمنها وأمانها لا بد أن يكون مع مشروع الأغلبية، مع المشروع الحضاري، ومع النهضة الحضارية للأمة، ولا يكون في تفتيت هذه الأمة، لأنه المزيد من تفتيت الدول القطرية هو الذي يجعل الضعف والاستضعاف قاسم مشترك فيؤدي إلى مزيد من الغزو الخارجي، والسيطرة الصهيونية، والغربية على هذا العالم، طمأنة جماهير هذه الأقليات، واجتذابها للمشروع الوطني والمشروع القومي، أيضا أنا أقول أن الثورات العربية، ثورات الربيع العربي عندما تعود بالأمة، وبجماهير الأمة إلى البناء، إلى مشروع حضاري، يعني الدكتور محمد مرسي يقول في معاهدة الدفاع العربي المشترك لأنها تزيل القواعد العسكرية، تزيل النفوذ الإيراني، تزيل الفزاعة الإيرانية، إلى آخره، عندنا تصنيع، زراعة لأكلنا، تكامل في اقتصادنا، هذه المشاريع تشغل جماهير الأمة، أغلبية وأقليات، عن الدخول في هذا التمزق، وفي هذا البؤس الذي يبشر به الاستعمار، وأقليات عميلة للاستعمار في صفوف هذه الأقليات.

عثمان عثمان: نأخذ مشاركة من الإنترنت، المشاهد حسين شهرا، يسأل فيقول من يمثل الأمة اليوم؟ تسمعني دكتور.

محمد عمارة: الذي يمثل الأمة هم الذين تختارهم الأمة في انتخابات حرة بصناديق انتخابات شفافة، لأننا لا نريد أن نريد أن نفرض على الأمة ممثليها، ونزور إرادتها كما كانت نظم الاستبداد، شوف التزوير الذي لا نظير له في عهد حسني مبارك، التزوير الذي لا نظير له في عهد حافظ الأسد وفي عهد بشار الأسد، إذن نريد الحرية، الحرية أولا، لأن الحرية قيمة، مقصد من مقاصد الشريعة، وهذا هو الذي يجعلنا نختار بصدق وأمانة الممثلين الحقيقيين، بصرف النظر عن خلفياتهم الدينية، وخلفياتهم الثقافية، وخلفياتهم السياسية، لأن التعددية هي التي تتيح الفرص أمام كل من يمثل الأمة بمذاهبها وبعقائدها المختلفة.

عثمان عثمان: دكتور ولاية الأمة على نفسها مفهوم طرحه محمد مهدي شمس الدين، في مواجهة ولاية الفقيه التي تقدم الاعتبارات الطائفية على اعتبارات ولاية الأمة، السؤال: ما أهمية استعادة ولاية الأمة على نفسها؟

محمد عمارة: يعني أنا أتمنى على إخوتنا الشيعة أن يتبنوا هذا الطرح الذي طرحه المرحوم الصديق محمد شمس الدين عليه رحمة الله، لأن هذا هو الذي يزيح كابوس ولاية الفقيه، ولاية الفقيه هي التي تؤدي إلى تآكل الانتماء الوطني، لأنها تجعل توجه المواطن الشيعي في لبنان تابعا لولي الفقيه في إيران وليس لمصلحة لبنان، تجعل الانتماء الشيعي البحريني إلى ولي الفقيه في إيران، وليس إلى مصلحة القطر البحريني، تجعل الشيعي في أي قطر من الأقطار مربوطا بولي الفقيه الذي هو موجود في إيران، أو في خارج بلده، إذن هي تؤدي إلى تآكل الانتماء الوطني بل قد تؤدي إلى الخيانة الوطنية لأنها تفضل ولي الفقيه، المرجع، على المصلحة الوطنية والقومية والقطرية لهذا البلد الذي يعيش فيه، إذن الطرح الذي قدمه المرحوم محمد شمس الدين، هذا طرح على العقول المستنيرة في طوائف الشيعة في البلاد العربية والإسلامية أن تتأمله وأن تتبناه بدلا من هذه الأكذوبة التي بعثها من مرقدها الخميني، والتي أعطت ولي الفقيه سلطات الإمام، التي هي سلطات الرسول، التي هي سلطات الله سبحانه وتعالى والتي ألهت الأئمة، وجعلت الإمامة عقيدة إلهية لا علاقة لها بالشورى، نحن نريد للشورى أن تكون أداة صنع القرار، وأداة إقامة النظام السياسي، أما ولاية الفقيه فهي على النقيض من الشورى لأنها تجعل السلطة لولي الفقيه، وليس لمجلس الشورى، وليس للانتخابات، وليس للحكومة المنتخبة، نحن رأينا في إيران خاتمي يحكم مرتين، ولايتين، يعني ينتخب ولا يحكم، بينما ولي الفقيه الذي يدعي سلطة كنسية دينية تماثل بل وتتفوق على الكهانة الكنسية التي عرفتها أوروبا في العصور الوسطى هو الحاكم، أنا أستغرب من أن يكون هناك عقل شيعي مستنير، وعندهم عقول متحررة وفلاسفة، علماء يخضعون لهذه الأساطير، ويتركون الشورى التي هي أداة بناء الحكم، أداة إدارة الأسرة، أداة إدارة الأمة والدولة، أنا أقول أين هذا من الإسلام الحقيقي الذي جعل الشورى فريضة، وقال علماء السنة إن الشورى من قواعد الشريعة، قواعد، وعزائم الأحكام، عزائم وليست رخص، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، وهذا مما لا خلاف فيه، هذا الفكر، وهذا التوجه هو الذي ينفض ولاية الفقيه، وأنا أتمنى على عملاء الشيعة، وفيهم كثير من العقلاء يتبنوا هذا الطرح، طرح ولاية الأمة، وليس ولاية الفقيه.

عثمان عثمان: على خطى الشيخ محمد مهدي شمس الدين ربما سار الآن السيد محمد حسن الأمين، والسيد هاني فحص في إصدار بيان، داعم للثورة السورية وخارجا عن السياق العام للموقف الشيعي الممانع أو المعارض لسقوط النظام السوري، هل تتوقعون لهذا التيار أن يكبر، أن ينضج ربما، أن يتوسع لمصلحة مفهوم الأمة على حساب المنطق الطائفي والاعتبارات الطائفية؟

محمد عمارة: بصرف النظر عن التوقع أنا أتمنى هذا، أنا أتمنى أن يكون هذا الطرح يتبناه جمهور كبير من الشيعة، عدد كبير من علماء الشيعة، ومراجع الشيعة لأن هذا هو الذي يجعل الشيعي جزءا من وطنه، جزءا من شعبه، ملتحما مع أمته ولا يفصله بطائفية وولاية الفقيه عن المحيط الذي يعيش فيه، نحن لا نريد للشيعة أو لأي طائفة أخرى أن تصبح جزيرة منعزلة في المحيط الإسلامي، أهل السنة والجماعة، يمثلون أكثر من 90% من الأمة الإسلامية، الأمة الإسلامية مليار وست مئة مليون، أكثر من تسعين بالمئة منهم أهل سنة، نحن لا نريد نظما منعزلة لطوائف شيعية وغير شيعية في هذه الأمة، نريد أمة واحدة، إذا كان الاتحاد الأوروبي قوميات متعددة، ديانات متعددة، لغات متعددة، حروب، وميراث من الحروب الاستعمارية والحروب القومية، ومحاكم التفتيش يتجه الآن لكي يكون دولة واحدة، سوق واحدة، اقتصاد واحد برلمان واحد، سياسة خارجية واحدة، فما بالنا ونحن أمة جمعها الإسلام على وحدة الأمة ووحدة الحضارة ووحدة الثقافة، ووحدة التوجه، ووحدة المصلحة نريد أن نمزقها بهذه الطائفية، عشنا أكثر من عشرة قرون أمة واحدة فيها تنوع، والتنوع ميزة من الميزات، بأن يأتي الاستعمار ويتبعه قلة من أبناء هذه الطوائف يريدون أن يمزقوا هذه الأمة ويحولوها إلى أقطار طائفية بأسها بينها شديد، عن المصالح العامة وتغرق في هذه الأنانيات الطائفية.

عثمان عثمان: عندما نتحدث دكتور عن وحدة الأمة ونطالب بها، أين يقع الحديث المنشور عن النبي عليه الصلاة والسلام: (تفترق أمتي إلى بضع وسبعين فرقة).

محمد عمارة: أولا هذا الحديث، أنا في كتاب مقالات غلو الديني واللاديني وفي كتاب تيارات الفكر الإسلامي أتيت بما يثبت أن سند هذا الحديث فيه كلام كثير، يعني من حيث الرواية فيه مطاعن كثيرة، من حيث الدراية لا علاقه له بصدق الأحاديث النبوية، خذ على سبيل المثال، هذا الحديث يتحدث عن أن اليهود افترقوا إلى اثنين وسبعين فرقة، هذا ليس صحيحا، لم يحدث في تاريخ اليهودية أن كان الافتراق عند هذا العدد، يتحدث عن افتراق المسيحيين إلى اثنين وسبعين فرقة، هذا لا علاقة له بالصدق، لم يحدث ان وقف الافتراق عند المسيحية عند هذا العدد، يتحدث عن افتراق المسلمين إلى اثنين وسبعين فرقة، لم يحدث أن فرق المسلمين وقفت عند هذا العدد، يعني أقول هذا الحديث، لا علاقة له بالصدق وبالانتساب الحقيقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كان من ناحية الرواية أو من ناحية الدراية، ثم إن هذا الحديث يتحدث عن افتراق الأمة، يعني كل هذه الفرق من الأمة، وأبو حامد الغزالي يقول إن اثنين وسبعين في المئة من هذه الفرق ناجية والهالكة فرقة واحدة، هناك كلام كثير أتينا به في كتاب تيارات الفكر الإسلامي وفي كتاب مقالات الغلو الديني واللاديني، فهذا الحديث يجب أن نضرب عنه صفحا وأن نستبعده من هذا الموضوع، الافتراق الذي نشكو منه ليس مصدره حديث من الأحاديث، وإنما الاستعمار والصهيونية والمخططات المعلنة والمنشورة في البنتاغون الأميركية وفي المنظمة الصهيونية العالمية وفي الندوات التي تعقد وعندنا منذ أشهر قليلة بعد ثورة يناير، رئيس الموساد السابق يقول نحن نشتغل على ملف الطائفية في مصر، بل أنا أقول في استراتيجية إسرائيل في الثمانينات، تقول هذه الاستراتيجية إذا تفتت مصر تفتت الباقون، وتتحدث عن تفتيت العراق لأنه أهم من تفتيت سوريا، لأن العراق أقوى وأكثر خطرا على إسرائيل، هذه النصوص، هذه الوثائق التي تشرع للطائفية، وليس الحديث الذي يرويه البعض، والذي يصدقه البعض، والذي لا علاقة له بصدق الرواية ولا بصدق الدراية.

توحيد الأمة تحت مظلة الخلافة الإسلامية

عثمان عثمان: الفقه السياسي الإسلامي دكتور كما تعلم بني على وحدة الأمة التي تحضنها وتديرها الخلافة الإسلامية، لكن اليوم مع وجود الدولة القُطرية، الدويلات المجزأة، كيف يمكن تنزيل هذا المفهوم على الواقع؟

محمد عمارة: شوف مفهوم الخلافة الإسلامية، بعض الناس يحولوا الخلافة إلى بعبع، الخلافة كما كتب عنها الفقيه، فقيه الدستور، والقانون والشريعة، عبد الرزاق السمهوري باشا عليه رحمة الله، الخلافة هي أي نظام سياسي وحتى لو لم يسمى خلافة، أي نظام يطبق الشريعة، وحدة الأمة، تكامل دار الإسلام، ثلاثة شروط، يعني لو إحنا عملنا نظام سياسي مثل الاتحاد الأوروبي، يبقى هي دي الخلافة، ويصبح كل أبناء الأمة مسلمين وغير مسلمين من المذاهب المختلفة لهم حقوق متساوية، جنسيتهم هي دار الإسلام، وليست قطرا صغيرا من الأقطار، إذن أقول إن الاتحاد الأوروبي نموذج لما نسميها، لما يريده البعض باسم الخلافة بل أنا أقول أن  منظمة التعاون الإسلامي، منظمة المؤتمر الإسلامي، لو أصبحت منظمة فاعلة لكانت هي الخلافة المعاصرة، لأن السمهوري باشا سنة 1926، عمل في باريس رسالة دكتوراه عن الخلافة الإسلامية كعصبة أمم إسلامية تحتفظ فيها كل دولة وطنية قومية وقطرية، باستقلالها الذاتي، ويصبح هناك سياسة عامة، دفاع مشترك، يصبح هناك اقتصاد، سوق اقتصادية إلى آخر هذا، يعني نموذج الاتحاد الأوروبي هو الذي يعيد لهذه الأمة تكامل دار الإسلام، فتحقق حاكمية الشريعة الإسلامية، وتتحقق وحدة الأمة الإسلامية، وتكامل دار الإسلام، هذا هو الذي يعود بنا إلى أمة واحدة فيها تنوع مذهبي وسياسي، ولغوي، وأصول عرقية مختلفة، جزر يحتضنها المحيط الإسلامي وتكون هذه الصيغة حتى لو لم نسميها خلافة، فهي التي تحقق الشروط والمقاصد من وراء الخلافة الإسلامية.

عثمان عثمان: ما دور هذه الأمة الإسلامية الواحدة التي تتحدثون عنها دكتور في نصرة المظلومين وفي الواقع السوري اليوم بشكل خاص؟

محمد عمارة: شوف رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنا ((إن مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمى)) من لم يشعر ولا يشعر بما يحدث لإخواننا في سوريا ليس هو عضو في الأمة الإسلامية وإنما هو عضو أشل لا علاقة له بالحيوية والحياة في جسد هذه الأمة، رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( أيهما أهل عرصة- مكان- بات فيه امرئ جائع فقد برأت منهم ذمة الله وذمة رسوله)) بينما نحن نرى في سوريا ليس فقط إنسان جائع وإنما إنسان يقتل يدمر يذبح يسجن يصلب يعدم بدون وجه حق، ونرى المهاجرين والمهجرين ونرى الدمار الذي يحدث لهذا البلد العربي الأمين، إذن أنا أقول إن هذا الإسلام شعار وحدة الأمة، حقيقة وحدة الأمة، تجعل الناس لا بد أن يتضامنوا، بكل ما يستطيعوا، وأنا أقول نموذج لهذا ما قاله الدكتور محمد مرسي أكرمه الله في مؤتمر عدم الانحياز، منذ يوم أو يومين عندما تحدث عن ثورات الربيع العربي وتحدث عن سوريا، وتحدث عن الدماء التي تسيل في سوريا وكيف أنها في أعناقنا حتى ان الإذاعة الفارسية الطائفية العنصرية حذفت كلمة سوريا من خطابه ووضعت كلمة البحرين، وأكثر من هذا، هو صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته، وترضى عن الصحابة والخلفاء الراشدين الأربعة، فالإذاعة الفارسية العنصرية الطائفية حذفت الكلام عن الخلفاء الراشدين، كشفت الوجه الحقيقي للتكفير الشيعي للصحابة، ولمن يوالي هؤلاء الصحابة، أنا أقول موقف الدكتور مرسي في هذا المؤتمر هو الذي يعلن عن الانتماء للأمة و عن الواجب على كل مسلم، كل عربي، كل حر في العالم لكي ينتصر لهذه الثورة البطلة، هذه الثورة التي أريقت فيها ألاف من دماء الشهداء والجرحى والمصابين والمهجرين، بلد يدمر على هذا النحو كل هذا لحساب الاستعمار ولحساب الصهيونية إرضاء للأنانية الطائفية التي تريد أن تهدم المعبد على الجميع كي تحكم بالاستبداد الذي دام لأكثر من أربعة قرون، هذا هو الشرط للانتماء لهذه الأمة حيال هذا الذي يحدث في هذا البلد العربي الاسلامي الشقيق.

عثمان عثمان: مسؤولية من استعادة هذه الوحدة؟ وحدة الأمة، وإعادتها إلى أن تأخذ دورها في الحياة، هل هي مسؤولية العلماء، مسؤولية الأمراء، مسؤولية المثقفين، مسؤولية الحكام، مسؤولية من بالضبط؟

محمد عمارة: مسؤولية الجميع، والمسؤولية يتحدد حجمها بقدر المسؤولية التي يحملها صاحب المسؤولية، الفرد العادي يستطيع أن تكون عواطفه مع وحدة الأمة ودعواته لله وهو ساجد لنصرة هذه الأمة وللمجاهدين في سبيل هذه الأمة ودين هذه الأمة وحضارة هذه الأمة، كل من يتولى مسؤولية، الداعية في المسجد، في الكنيسة، في المدرسة، في الاعلام، في الصحافة، في التلفزيون، كل انسان مسؤول، ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) ليس هناك انسان خارج دائرة المسؤولية، رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يقول: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) ويتحدث عن الأسرة ويتحدث عن المجتمع ويتحدث عن الايمان، ويتحدث عن الرجل وعن المرأة في الأسرة، أنا أقول ليس هناك انسان غير مسؤول عن هذا الذي يحدث قي أي بلد من هذه البلاد وإلا كان عازلا لنفسه، قاطعا لعقله و قلبه و وجدانه وجسده من هذا الجسد جسد الأمة الاسلامية.

عثمان عثمان: أريد أن أنقل هنا سؤال السيد جمال الطواب من مصر، هل التفرق والتشرذم من حال الأمة ينطبق عليه قول الله عز وجل {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 32].

محمد عمارة: يعني أنا أقول التفرق في الدين يأتي من التكفير، أما التنوع السياسي فلا علاقة له في الدين، لأن السياسة من الفروع، أما الذين يفرقون في العقيدة، أما الذين يكفرون من لا يوالي أئمتهم، أما الذين يكفرون من يوالي أبا بكر وعمر وعثمان وعلي، أما الذين يقولون إن الصحابة عندما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدوا عن الإسلام إلا ثلاثة، هؤلاء هم المكفراتية بالدرجة الأولى، هؤلاء هم الذين يفرقون في الدين لأنهم يكفرون أكثر من تسعين في المئة من المسلمين، أي أهل السنة والجماعة، أما التنوع السياسي، والتنوع في المذاهب العقدية، والتنوع في الفلسفات، والتنوع في اللغات، كل هذه سنن من سنن الله لأنه اختلاف اللغات والألسنة سنة من سنن الله {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ}[الليل:4] {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا}[البقرة: 148] {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [النحل: 93] فارق بين التنوع في الفروع، والسياسات والفقهيات وبين الاختلاف في العقائد وتكفير المخالفين في موضوع الإمامة وغيرها، هذا هو التكفير الذي يفرق ويمزق وحدة الدين.

عثمان عثمان: في ختام هذه الحلقة أشكركم الدكتور محمد عمارة، المفكر الإسلامي المعروف على هذه المشاركة الطيبة، كنتم معنا من القاهرة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح الذي عاد إلينا من جديد، لكم في ختام هذه الحلقة كل التحية، في أمان الله والسلام عيكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة