القنوات الغربية الموجهة للعرب   
الاثنين 30/11/1425 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

مالك التريكي

ضيفا الحلقة:

- سيميدار بيري: كاتبة وصحفية إسرائيلية – تل أبيب
- غيمون ماكلالين: رئيس القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية

تاريخ الحلقة:

28/07/2002

- أهداف القناة الفضائية الإسرائيلية الناطقة بالعربية
- أسباب تزايد القنوات الغربية الموجهة للمنطقة العربية

مالك التريكي: تجدد ثورة الإعلام الأجنبي الموجه نحو الشرق الأوسط بإطلاق قنوات إذاعية وتليفزيونية ناطقة بالعربية.

تساؤلات حول أهداف القنوات الغربية الموجهة وموقعها من الخارطة الإعلامية في المنطقة العربية.

أهلاً بكم. تشهد الساحة الإعلامية في المنطقة العربية منذ فترة تطورات لافتة للانتباه على أن المثير في هذه التطورات هو أن مأتاها ليس عربياً، بل إنه أجنبي، فقد ظهرت أخيراً قنوات جديدة للبث الإذاعي والتليفزيوني ناطقة بالعربية ومع ذلك فهي ليست عربية، كما أعلن عن مشاريع غربية أخرى، لإطلاق قنوات تليفزيونية باللغة العربية في المستقبل أو تخصيص فترات للبث بالعربية على قنوات تليفزيونية أجنبية، الأمر الذي يعني أن عدداً من الدول الغربية قد قررت تكثيف جهودها في مجال الإعلام الموجه، الإعلام الذي يريد مخاطبة المستمع أو المشاهد العربي واستهدافه برسائل محددة، إلا أن وسيلة الإعلام الموجه التي أثارت الانتباه والجدل أكثر من غيرها هي القناة الإسرائيلية الجديدة الناطقة بالعربية والتي بدأت البث قبل أكثر من شهر انطلاقاً من القدس برأس مال يصل إلى عشرين مليون دولار، وكان أرييل شارون (رئيس الوزراء الإسرائيلي) قد اعتمد فكرة إنشاء قناة إسرائيلية تغطي المنطقة العربية بناء على اقتراح من السفير الإسرائيلي السابق في القاهرة (موشي ساسون) الذي قال إن فكرة القادة.. أو فكرة القناة -عفواً- تتمثل في تقديم إسرائيل وتصويرها على حالها الحقيقية وليس على الحال المغلوطة التي تصورها القنوات العربية على حد تعبيره، أما الوزير المسؤول عن سلطة البث الإسرائيلية (رعنان كوهين) فقد أعلن أن القصد من القناة هو استخدامها سلاحاً مضاداً للدعاية المسمومة التي تطوقنا على حد قوله، ومع ذلك فإنه أوضح أن هذه القناة لا تعتمد الدعاية المضادة بل الإعلام الموضوعي، إلا أن هذه التصريحات لا تستطيع إخفاء حقيقة أن إسرائيل تريد مخاطبة الرأي العام العربي أملاً -على أقل تقدير- في تحقيق قدر من التفهم العربي للسياسات الإسرائيلية،

فهل تعتقد السلطات الإسرائيلية فعلاً أن مسألة الاحتلال يمكن أن تعالج بحملة علاقات عامة يفي أو يكفي فيها أن يُخاطب القوم بما يفهمون؟ وهل تأمل الحكومة الإسرائيلية فعلاً ألا يعتبر العالم العربي هذه القناة التليفزيونية قناة عدوانية بينما يعتبر الدول التي تمولها وتوجهها دولة عدوانية؟ جيفارا البديري دخلت مقر القناة الإسرائيلية ونقلت لنا هذه الصورة.

جيفارا البديري: الفضائية الإسرائيلية عبارة عن غرفتين وأستوديو ولا تقع في مبنى الإذاعة والتليفزيون بل في مبنى يعد مجمعاً لمحطات التلفزة العالمية، ولكن لماذا؟ هل لإضفاء شرعية أكثر على وجودها؟

أما التساؤلات الأكثر إلحاحاً فتتعلق بأهداف إطلاق تلك القناة التي لا يرى فيها الجانب العربي سوى محاولة لتجميل صورة إسرائيل في أذهان الأجيال العربية الجديدة.

سلمون منير (مذيع وصحفي): عبر القناة الفضائية بإمكان طرح الصورة كاملة إلى المواطن الذي يرغب بمتابعتنا.

جيفارا البديري: كثيراً من العاملين من مراسلين ومذيعين ومحررين وفنيين هم من عرب 48 بين قابي قوسين -الفلسطينيو الأصل- ومن البدو والدروز الذين مُنعنا من سؤال أحد منهم أمام الكاميرا، فيما لم يعد غريباً أن نرى صحفيين قدموا من جنوب لبنان وحملوا الهوية الإسرائيلية بعد أن حرر الجنوب يعملون فيها، أما الأساس في التعيين فهو الحصول على موافقة الأجهزة الأمنية والرسمية الإسرائيلية، وإن تعمقنا في البرامج المقدمة، سنجد نشرة الأخبار هي اللافتة، فالمصطلحات المستخدمة لا تزال على ما هي عليه: مخربون، عملية إرهابية، الحكم الذاتي، يهودا والسامرة بدل الضفة الغربية وغيرها من المصطلحات التي تدلل على أن الإدارة لا تزال -حسب رأي بعض المراقبين- تفتقر للموضوعية، والتهرب من الإجابة على هكذا أسئلة تؤكد ما نحاول الوصول إليه.

يوسف بنيا (مدير الفضائية الإسرائيلية): هذه ليست مصطلحات هذه هي الحقيقة، المنتحر هو منتحر.

جيفارا البديري: والمخرب؟

يوسف بنيا: والمخرب هو مخرب، كل من يسمح لنفسه بقتل الأبرياء ممكن أن تسميه مخرب.

جيفارا البديري: نعم، ولكن أستاذ يوسف أنت تقول أنه موجه للمواطن العربي، ولكن أيضاً المواطن العربي يعني هناك له مشاعر أخرى بأنه يرى أنه أيضاً الجندي الذي يقتل طفل هو أيضاً نوع من.. يعني مخرب.

يوسف بنيا: شوفي الحرب هي مأساة لا.. يعني مافيش أي جدل في ذلك، وفي حرب كما في الحرب فيه من الجانبين ضحايا ونحن نأمل أن القناة الفضائية يكون لها دور لتشجيع الحوار.

جيفارا البديري: إن كانت المفاهيم والمصطلحات المستخدمة في الإعلام تحاول جعل العالم مدينة صغيرة، فإن فضائية كهذه تنطلق من قلب دولة محتلة في قلب الشرق الأوسط يحاول القائمون عليها والعاملون فيها أساساً كسر سدٍ بُني منذ أكثر من خمسين عاماً، إلا أن هذا السد بحاجة إلى جسر موصل لمفاهيم لجمهور مُستهدف، ولكن هذا السد بحاجة أيضاً إلى جهود جبارة لإيجاد ثغرات في السد المنيع الذي يمكن أن يُكسر بالفعل إن تغيرت مفاهيم كثيرة،

إحدى هذه الثغرات صور للاعتداءات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين التي يُلتقط بعضها من الفضائية الفلسطينية وغيرها من الفضائيات التي تعتبرها إسرائيل معادية، ولكن التحريف حتى في تعقيب المسؤولين الفلسطينيين الذين قلما نراهم على شاشتها فيبدو واضحاً.

بعيداً عن الأخبار تعرض الفضائية أغانٍ قديمة لمطربين عرب وأفلاماً ومسلسلات اجتماعية وأخرى ترفيهية وثقافية، لكن الجالس على الطرف الآخر من خط المواجهة فلا يجد ما قد يشده لمشاهدة الفضائية الإسرائيلية، هذه العائلة من مخيم الأمعري ترى في هذه المحطة أنها ليست المكان المناسب لنشر الحقائق.

شاب: كانت قناة أخبار غير فضائية ما حد كان يصدق الأخبار فيها، واللي بيصدق الأخبار هاي مستحيل.

جيفارا البديري: ويبقى تساؤل أخير والأهم هل بالفعل سيكون بمقدور من نام واستيقظ على صور المجازر أن يرى صورة جميلة في مجتمع بُني على أنقاض مجتمع آخر؟

أهداف القناة الفضائية الإسرائيلية الناطقة بالعربية

مالك التريكي: يقول القائمون على القناة الإسرائيلية الناطقة بالعربية إذن إن الهدف من إطلاقها ليس تحسين صورة إسرائيل لدى الرأي العام العربي وإنما تقديم إسرائيل وتصويرها على حالها الحقيقية، أي تصحيح الصورة التي يعتقدون أن الإعلام العربي يقدمها مغلوطة ومشوهة، معنا لبحث قضية البث الإسرائيلي الموجه نحو البلاد العربية السيدة (سيميدار بيري) محررة شؤون الشرق الأوسط في صحيفة "يدعوت أحرنوت".

سيدة بيري، بعد أسابيع قليلة من إطلاق هذه القناة الإسرائيلية الناطقة بالعربية ارتكب الجيش الإسرائيلي مجزرة غزة، ألا يعني هذا أن مهمة هذه القناة هي مهمة مستحيلة Mession Impossible كلما أرادت أن تقول أشياء نطق واقع الاحتلال بحقائق أخرى وأشياء أخرى.

سيميدار بيري: مساء الخير، أنا موافقة معك إنه ما حصل في غزة شوَّه صورة إسرائيل وعمل.. إحنا الإسرائيليين فقدنا الكثير في الدعاية، في العلاقات العامة، في لغة التخاطب مع العالم العربي.

مالك التريكي: ما ذكرته الأوساط التي تُعتبر مؤيدة للسلام في إسرائيل هو أن طريقة التعامل الإعلامي مع الجمهور العربي والعقلية التي تُسيِّر هذه القناة طريقة تجاوزها الزمن لأنها أساساً تتمثل في إعلام موجه حكومياً يريد أن يشرح مواقف رسمية لرأي عام لا يتقبل هذه المواقف.

سيميدار بيري: أولاً أنا لست ناطقة باسم القناة الفضائية وبالمقابل أحب المنافسة، المنافسة بين القنوات الفضائية التي تشتغل وتبث في.. في هذه الأيام للجمهور العربي، في (الجزيرة) وفي الـ MPC وفي أبو ظبي وفي قنوات..

مالك التريكي: سيدة.. سيدة بري، سيدة بري هل تسمعينني؟ سيدة بيري.. سيدة سيميدار بيري.. سيدة سيميدار بيري هل تسمعينني؟ سيدة سيميدار بيري سيدة سيميدار بيري هل تسمعينني الآن؟ سيدة بيري..

يبدو أن خللاً فنياً قد منعنا من مواصلة الحوار مع السيدة.. مع السيدة سيميدار بيري (محررة شؤون الشرق الأوسط في صحيفة "يدعوت أحرنوت" الإسرائيلية).

ليست القناة الإسرائيلية الناطقة بالعربية سوى واحدة من عدة قنوات أو فترات بث تليفزيونية أشارت الأنباء إلى اعتزام إطلاقها من بلدان غربية مثل الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا فما الذي يجعل الرأي العام العربي مضماراً للسباق الإعلامي الغربي؟ هذا السياق الذي تسارع هذا العام، لكنه لم يتوقف بالمرة منذ أكثر من 64 سنة أي منذ أن بدأ البث العربي لهيئة الإذاعة البريطانية الـ BBC نظرة في القضية.

[فاصل إعلاني]

أسباب تزايد القنوات الغربية الموجهة للمنطقة العربية

مالك التريكي: تجددت هذه العام ثورة الإعلام الأجنبي الموجه نحو المنطقة العربية بعد أن كادت نهاية الحرب الباردة تنشر الانطباع بأن المنطقة العربية لم تعد محلاً للتنافس الإعلامي الأجنبي، إذ ليست القناة الإسرائيلية الناطقة بالعربية سوى واحدة من عدة قنوات تليفزيونية جديدة أُعلن عن قرب إطلاقها لمخاطبة المشاهد العربي باللغة العربية، حيث أن دولاً غربية مثل الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وألمانيا تعتزم إطلاق قنوات تليفزيونية ناطقة بالعربية أو تخصيص فترات للبث بالعربية على قنوات معروفة، هذا إضافة إلى أن هناك قنوات إذاعية غربية عريقة مثل هيئة الإذاعة البريطانية الـ BBC تبث بالعربية منذ أكثر من ستة عقود.

ياسر أبو النصر يلقي نظرة على هذه الخدمات الإذاعية والتليفزيونية الناطقة بالعربية.

تقرير/ ياسر أبو النصر: من بين إذاعتنا عدة ناطقة بالعربية عبرت موجات الأخير القصيرة منذ النصف الأول من القرن العشرين، استحوذت هيئة الإذاعة البريطانية التي انطلقت خدمتها العربية في العام 1938 على مكانة خاصة، وذلك رغم ظلال الشكوك التي أحاطت بحيادها في بعض جولات الصراع العربي الإسرائيلي، وبعد أكثر من 50 عاماً أغرى هذا النجاح القائمين عليها بإطلاق خدمة مرئية، عندما أصبح العالم يفطر ويتغذى ويتنفس تليفزيوناً، لكن النسخة التليفزيونية من B.B.C العربية التي انطلقت في يوليو/ حزيران عام 1994 أسدل عليها الستار بعد أقل من عامين عندما اصطدمت سياستها الإعلامية بحساسية الشركاء العرب، أجهضت التجربة، لكنها فتحت الطريق أمام خدما تليفزيونية أخرى وجدت طريقها إلى المشاهد العربي مع اتساع نطاق استقبال البث الفضائي في المنطقة العربية (اليورونيوز) أطلقت في هذا السياق في العام 1997 خدمة عربية بدعم مالي محدد المدة من المفوضية الأوروبية، لكن حظها لم يكن أوفر من سابقتها، فتوقفت بعد ذلك بعامين تحت وطأة أزمة مالية،

وإذا كان التوجه إلى العرب تليفزيونياً قد بدا للبعض نوعا من الترف الإعلامي القابل للاستغناء عنه في حال الضرورة، فقد تحول في مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر إلى احتياج ملح، بعد ما تلبدت سماء علاقات العرب والغرب بغيوم كثيرة سياسية وأيديولوجية، وربما حضارية، من هذا المنطلق تكتسب خدمة خجول أطلقها تليفزيون الـ (RAI) الإيطالي في أبريل/ نيسان من العام الماضي بعنوان (Rai Med) عناية خاصة الآن، وعبر ساعتين يومياً تقدم تلك الخدمة مختارات مترجمة من برنامج الـ (Rai) المختلفة تعاد مرةً أخرى في صباح اليوم التالي،

أما أحدث مولود فضائي عابر للقارات فيأتي من مؤسسة التليفزيون الألماني (DEUTSCHE WELLE ) التي بدأت العد العكسي لإطلاق خدمة ناطقة بالعربية يحملها القمر الصناعي المصري النايل سات ابتداء من أول اغطس/ آب، ومن خلال توليفة تستمر ثلاث ساعات يوميا من الأخبار والبرامج المنوعة المترجمة، يأمل القائمون عليها في إثارة اهتمام النخب العربية، ومن ثم توضيح الرؤية الألمانية.

إيريك بيترمان (مدير عام إذاعة وتليفزيون ألمانيا): العالم الإسلامي بات يمثل أحد أهم محاور التركيز لدينا اليوم، والدول العربية جزء مهم من هذا العالم، نريد تسهيل فهمنا على الدول العربية من خلال ترجمة برامجنا.

ياسر أبو النصر: أخذاً بنظرية (مارشال ماكلوهم) الملقب ببني الإعلام الذي أكد أن الوسيلة الإعلامية الجديدة من تلغي سابقتها، بل تؤدي إلى تطويرها، لن تخرج الإذاعة من حلبة السباق، فركبت إذاعة صوت أميركا العربية موجة التطوير، وأخرجت من رحمها الإعلامي مولوداً جديداً قبل نحو ثلاثة شهور.

إذاعة (سوا) الوريث الشرعي لصوت أميركا العربية الممولة من قبل الكونجرس تخلت عن النهج الإخباري الرصين وراحت تكسب ود الشباب العربي الذي تتوجه إليه أساساً بباقات من الأغاني العربية والأجنبية عبر موجات الـ F.M شديدة النقاء، تتخللها نشرات رشيقة تأخذ في اعتبارها الحسابات الأميركية، ويرى فيها المراقبون نواة لمحطة تليفزيونية أميركية، أوصت دراسات أجريت في الكونجرس أخيراً بضرورة إطلاقها لمواجهة مشاعر العداء العربي المتنامية ضد واشنطن، أحاديث كثيرة حول قنوات أخرى في الطريق، وتساؤلات أكثر لا يخلو بعضها من توجس حول ما يخبئه شعر التواصل ومد الجسور، ولا سيما في ظل حرب ملتبسة وبلا نهاية ضد الإرهاب.

مالك التريكي: رغم تزايد مشاريع القنوات الغربية الناطقة بالعربية التي أعلن عنها في الفترة الأخيرة، فإن الإعلام الغربي الموجه ليس طارئاً على المنطقة العربية، بل إنه اقترن مع بواكير البث الإذاعي الجماهيري منذ أن اكتشف الجمهور العربي الظاهرة الإذاعية في النصف الأول من القرن العشرين، إذ لم يكن في العالم العربي بأسرة سوى أربع محطات إذاعية محلية عندما بدأت هيئة الإذاعة البريطانية عام 38 تبث أخبارها وبرامجها باللغة العربية، ومنذ ذلك العهد.. أي منذ أكثر من أربع وستين سنة وإذاعة "هنا لندن" تخاطب المستمع العربي بلغة الفصحى كان دور كبير في تشكيل المعجم الإخباري العربي المعاصر، معنا من لندن لبحث قضية البث الموجه من البلدان الغربية إلى المنطقة العربية السيد (غيمون ماكلالين) رئيس القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية، أستاذ (ماكلالين) لقد تغير المشهد الإعلامي في المنطقة العربية كثيراً منذ بدأتم البث في الـ BBC بالعربية عام 38، و من أحدث الإضافات القناة الإسرائيلية التي تناولناها في الجزء الأول من البرنامج وقناة إذاعية أميركية، ما هو تفسيركم لهذه الهجمة –إن صح التعبير- هذه الهجمة الإعلامية على المنطقة العربية؟

غيمون ماكلالين: أولاً وقبل كل شيء أود أن أشكركم على تعليقاتكم التي شملتم الـ BBC بها، والتي أعتقد إنها تثين وتقدير لعمل من سبقوني في هذه المؤسسة وما رأيته على مدى 10 سنوات الماضية إن هناك في العالم العربي بشكل خاصة حاجة إلى توسيع هذه الخدمات، وهذا أمر لا يبعث على الدهشة والاستغراب، ونحن نريد تطويرا للخدمات التي كانت موجودة والموجهة إلى العالم العربي من قبل.

مالك التريكي: كأقدم وأعرق إذاعة عربية.. غربية أو إذاعة غربية تبث بالعربية إلى المنطقة لابد أن لكم تفسيراً لظاهرة تزايد القنوات التي تبث بالعربية خاصة هذا العام، وخاصة أنه هالك مشاريع لإطلاق قنوات أخرى، ما هو تفسيركم لهذه الظاهرة؟

غيمون ماكلالين: أعتقد أنه إلى حد ما إن هذا كان متوقعا حدوثه من.. من قبل، ولعدة أسباب، وقد رأينا في العشر سنوات الماضية وخاصة منذ الحادي عشر من سبتمبر إن بعض الحكومات الغربية قد بدأت بتوجيه الأسئلة حول كيفية التأثير بشكل أكبر في العالم العربي وبعد أن قلت هذا، فنحن في الـ BBC أنفسنا مختلفين عن اللاعبين الآخرين فنحن لا نسمي أنفسنا صوت بريطانيا، بل نحن صوت إذاعي من داخل المملكة المتحدة والتي تبث برامج إلى العالم العربي وإلى العالم بأسره.

مالك التريكي: قبل أن نأتي على ذكر الخصائص التي تميز البث البريطاني بالعربية عن.. عن البث من الدول الغربية الأخرى، ذكرتم أن بعض الدول الغربية أخذت قراراً بالتوجيه إلى الجمهور العربي في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر، هل الاستراتيجيات هذه الاستراتيجيات الطارئة –إن صح التعبير- المرتبطة بأهداف سياسية قصيرة الأمد، هل تعتقدون أنها يمكن أن تنجح في ظل الثورة المعلوماتية التي نشهدها الآن؟

غيمون ماكلالين: لا أدرى، و علينا أن ننتظر نتائج الأمور، ولكن فيما يخص وجهة نظر الـ BBC وخبرتي في مجال البث إلى العالم العربي وإلى أماكن أخرى في العالم، فأنني أعتقد إن الإذاعة لا تختلف عن.. إنها تختلف عن الدبلوماسية التي تتبعها الحكومات لأنها طويلة الأمد وتحاول أن تستغرق الوقت الكافي لتطوير نوع من الحوار بين شعب بلد وشعب بلد آخر عبر البث الإذاعي والتليفزيوني، ونحن على سبيل المثال في القسم العربي في الـ BBC نتوجه إلى العالم العربي بأسره ونحافظ.. ونحتفظ بمصداقية تجاهه هو في.. على مدى الـ 64 عاماً الماضية حاولنا فعل ذلك.

مالك التريكي: عندما بدأت الـ BBC البث بالعربية عام 38 كان الهدف الأول هو الرد على الدعاية النازية والفاشية، تغير الأمر كثيراً، ثم أصبحت الـ BBC مدرسة في المصداقية الصحفية وحتى في الفصاحة العربية لأنها ساهمت كثيراً في تطوير المعجم الأخباري العربي، هل يصح القول إن هيئة الإذاعة البريطانية تتبع استراتيجية إشعاع ثقافي؟ هل أن دورها البعيد الأمد نشر الثقافة البريطانية؟

غيمون ماكلالين: أعتقد أن تاريخ بدء القسم العربي في الـ BBC مثير للانتباه و ربما لا يلتقي ببعض المحاولات التي نراها اليوم، فكان هناك هدفان مختلفان في البداية عندما بدأنا البث العربي، صحيح، إن الحكومة البريطانية طالبت من الـ BBC أن تبدأ في عام 38 باللغة العربية لأن الحكومة البريطانية آنذاك كانت قلقة حول مدى تأثير البرامج الألمانية والإيطالية وتأثيرها على العالم العربي، و التي كانت منبعها إيطاليا، وأيضاً مثلاً مصر وفلسطين والعراق كانت جميعها تحت الانتداب البريطاني آنذاك، ورد الفعل الأول من الـ BBC كان الرفض، لأننا لم نرد أن ندخل في هذا المجال الذي ربما سيفسر بأنه دعاية سياسية، وقد استمر الجدل بين الحكومة والـ BBC على مدى عامين، التزمت الـ BBC خلالها بأن الـ BBC وكهيئة إذاعة عامة يجب أن تقرر ما هو معتبر خبر أو قيمة.. له قيمة إخبارية، وما يذاع أم لا، ولذلك أول إذاعة عام 38 كانت على هذا الأساس، وأول نشرة إخبارية في الثالث من يناير عام 38 كانت تحتوي قصة على السلطات البريطانية قامت بشنق عربي.. شخص عربي في فلسطين صبيحة ذلك اليوم لامتلاكه بندقية وذخائر، وكانت تلك قصة حقيقية وكانت أخبار حقيقية، ولكن الحكومة البريطانية استشاطت غضباً لأنها لم ترد للـ BBC أن تنشر مثل هذه الأخبار والـ BBC قالت نحن آسفون.. نحن نقرر ما هو يعتبر خبر يذاع أو لا، ونحن لسنا محطة حكومة ولنا مصداقيتنا في هذا المجال الذي يجب أن نلتزم بها ونحن نقرر في النهاية ما يذاع أو لا يذاع، وربما كانت هذه هي البداية التي رسخت استقلالية الـ BBC على مدى الـ 64 عاما التي تلت، وأيضاً عن طريق العمل وتكريس الجهد والنشاط من قبل العاملين ومعظمهم من الصحفيين العرب والذين جاءوا من مختلف أنحاء العالم العربي وأصبحوا من المعترف بهم في هذا المجال.

مالك التريكي: البلدان الغربية الرئيسية التي تبث باللغة العربية نحو المنطقة العربية تعاني من ما يمكن أن يسمى بأزمة صورة، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، وأزمة الصورة هذه الـ image crisis تؤثر طبعاً في مصداقية وسائلها الإعلامية مثل.. مثل صوت أميركي مثلاً، الحكومة البريطانية أيضاً يعتقد الرأي العام العربي عموما أن الحكومات البريطانية المتعاقبة تتبع سياسة في الشرق الأوسط لصيقة بالسياسة الأميركية، ولكن هذا لا يؤثر في مصداقية الإذاعة البريطانية.. في مصداقية الـ BBC، ما هي التفسير العملي الآن.. التفسير في هذا.. في هذا الزمن ليس التفسير المرتبط بالقرارات المتعلقة بالحرب العالمية الثانية.

غيمون ماكلالين: أن الـ BBC لا تبدو مستقلة، بل هي مستقلة فعلاً، إنها هيئة إذاعة عامة تعمل بموجب ميثاق ملكي تبث داخل المملكة المتحدة وإلى مختلف أنحاء العالم، ويتم تمويلها عبر قنوات مختلفة، الأقسام الداخلية عن طريق الإجازة لشراء أجهزة التليفزيون، القسم الدولي أو العالمي يتم تمويله عن طريق تجاري، وأيضاً القسم الإذاعي عن طريق وزارة الخارجية والحكومة عن طريق قرض مالي، ولكن من حيث الإدارة نحن مؤسسة واحدة ومن حيث المصداقية نحن ندير أمورنا بشكل يجعل مصداقيتنا هي المحك الأساسي ومن خلال الإجماع داخل بريطانيا على أن الـ BBC على الصعيدين الداخلي والدولي الخارجي يجب أن تبقى مستقلة ويجب أنه تظهر مستقلة دائماً، وعليه يجب أن تؤدي عملها بشكل فعال وفق هذه المعايير، ولذلك الناس حسب ما يروه داخل بريطانيا، ومن خلال ما يدفعونه من أجور لها أيضاً يرون نفس الشيء كما هي الحال مع مشاهدينا ومستمعينا في.. في الخارج، فنحن لسنا محطة حكومية، ولا نمثل صوت بريطانيا ولكننا هيئة عامة وهذا يؤثر في متوجنا النهائي.

مالك التريكي: سيد ماكلالين – سيد ماكلاين.. هل ستدخل بريطانيا مضمار السباق نحو البث التليفزيوني إلى المنطقة العربية مثلما ستفعل الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا؟

غيمون ماكلالين: لا أدري ماذا ستفعله بريطانيا، ولكن ليس لدى الـ BBC أية خطط للعودة إلى التليفزيون العربي الذي كان مشروعا تجارياً في منتصف التسعينات، لدينا خطط كثيرة لتوسيع نطاق إذاعتنا، والتي تقوم بدور مهم جداً باعتبار أكثر الإذاعات ذات المصداقية ربما في العالم في هذا المجال وربما سوف نبدأ بمشروع على الإنترنت Arabic service. Com.

والذي سنعتبره أداة مهمة للتوجه إلى الجيل الأكبر في العالم العربي.

مالك التريكي: السيد غيمون ماكلالين (رئيس القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية الـ BBC)، لك جزيل الشكر، وبهذا تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة