كلوديو كوردوني .. دور منظمة العفو الدولية   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 5:39 (مكة المكرمة)، 2:39 (غرينتش)

مقدم الحلقة

عبد القادر مام

ضيف الحلقة

- كلوديو كوردوني، رئيس قسم الأبحاث في منظمة العفو الدولية

تاريخ الحلقة

02/11/2000



كلوديو كوردوني
عبد القادر مام
عبد القادر مام:

مشاهدينا الأعزاء.. السلام عليكم جميعاً وأهلا بكم إلى هذا اللقاء.

في هذا اللقاء نحاول تسليط الأضواء على أعمال القتل والانتهاكات المفضوحة لحقوق الإنسان في الأراضي العربية المحتلة.. في هذا اللقاء معنا (كلوديو كوردوني) رئيس قسم الأبحاث في منظمة العفو الدولية.

السيد كوردوني.. في البداية دعني أتحدث بصفة عامة عما يجري في الأراضي العربية المحتلة وعن دور منظمتكم هناك، طبعاً شهد العالم في أحداث تيمور الشرقية كثيراً من المساعي لحل هذه القضية ثم أيضاً شاهدنا دوراً فعالاً وفاعلاً لمنظمة العفو الدولية هناك، إلا أننا لم نر ربما -وهذا انتقاد يوجه إليكم كمنظمة من كثير من الأطراف- دوراً بارزاً في الأحداث الحالية في الشرق الأوسط فكيف تردون؟

كلوديو كوردوني:

شكراً لك، إنها فرصة طيبة أن أشارك في هذا البرنامج اليوم، ربما أبدأ أولاً بالقول بأن هناك الكثير من القضايا المهمة جداً تلعب دوراً فعالاً في الوضع الحالي في إسرائيل والأراضي المحتلة، نحن كمنظمة نقوم بالتركيز فقط على انتهاكات حقوق الإنسان، أي نحن لا نتعامل مع جميع القضايا السياسية المهمة الأخرى كعملية السلام، أو القضايا الأخرى التي تشغل حياة الناس عامة، وعلى الرغم من ذلك بالنسبة إلى حالات الانتهاكات التي نتعامل معها في أي مكان في العالم نحن على وعي كامل بالتطورات المهمة التي حدثت بعد تاريخ التاسع والعشرين من سبتمبر والتي أدت إلى مقتل عدد كبير من الأشخاص من قِبل القوات الإسرائيلية وارتكاب انتهاكات أخرى، وتدخلنا بسرعة على إثرها.

وفي الأيام التي تلت بداية هذه الأزمة قمنا بإرسال محقق إضافة إلى شرطي سابق مختص في التعامل مع أحداث العنف بالذات لغرض أن تكون لنا فكرة وافية عما كان يجري على أرض الواقع، وفي خلال أسبوعين من ذلك أصدرنا تقريراً تضمن استنتاجاتنا المبدئية للموضوع وهو أن القوات الإسرائيلية كانت تستخدم وسائل عسكرية في تعاملها مع ما هو –عملياً- وضع مدني يتطلب تدخل الشرطة، وبالتالي أدى ذلك إلى مقتل عدد كبير من الناس لم يكن من المفترض أن يقتلوا، أو حتى أن يطلق عليهم الرصاص.

كانت هذه ردود الفعل الأولية لمحاولة الحصول على المعلومات على أرض الواقع. في الوقت نفسه أعضاؤنا –كما تدري هم في عدد من بلدان العالم- كانوا منذ الأيام الأولى يقومون بمحاولة تهدئة السلطات الإسرائيلية والتأكد من أنهم يقومون بتطبيق متطلبات حقوق الإنسان في ردها على الاضطرابات والمظاهرات القائمة، وكذلك طلبنا منهم بأن يتخذوا الإجراءات مع سلطاتهم كي تقوم هذه السلطات الأعضاء بممارسة بعض الضغوطات على السلطات الإسرائيلية لوضع حد لإنهاء الانتهاكات الجارية.

عبد القادر مام:

طيب.. سيد كوردوني.. في الواقع أن القوات الإسرائيلية، قوات الأمن الإسرائيلية الآن أصبحت تستخدم السلاح بشكل سافر، تستعمل الطلقات الرصاصية الحقيقية، هل استطعتم أن تضبطوا هذا في تقريركم؟ واستطعتم أيضاً أن تحاولوا تظهروه للعالم بهذا الشكل السافر؟

كلوديو كوردوني:

نعم، من نتائج بحوثنا الأساسية أن القوات الإسرائيلية كانت تتصرف كقوة عسكرية تواجه قوة عسكرية أخرى، بدلاً من التعامل مع الوضع الراهن كما نعتقد أنه الحال في معظم الحالات، وهو مواجهة المدنيين الذين يرشقون الأحجار وأحياناً قنابل نارية ضد القوات الإسرائيلية، فالتعامل مع هذه الحالة بشكل واف حسب أصول منظمة حقوق الإنسان عليك استخدام القوة فقط بالدرجة المطلوبة على سبيل المثال: لو كنت تواجه طفلاً يرشقك بالحجارة عليك ألا تطلق الرصاص على هذا الطفل إلا في حالة إذا كان يشكل خطراً على حياتك أو على حياة غيرك، وفي كثير من الأحداث –ولم نتمكن من دراسة جميعها طبعاً- هناك إيقاع واضح في تعامل الجندي الإسرائيلي حيث إنه بدلاً من استخدام الوسائل العادية للسيطرة على الاضطرابات كاستخدام الغازات المسيلة للدموع أو أساليب أخرى غير قاتلة، فإنهم يلجؤون بسرعة إلى استخدام ذخائر مميتة كالطلقات الرصاصية التي هي في الحقيقة عبارة عن كرة معدنية كبيرة مغطاة، الذي أدى في العديد من الحالات إلى مقتل الناس، ويبدو الأمر وكأنه أسوأ من الانتفاضة التي انتهت في عام 1993م، إذ حين ذاك كانت القوات الإسرائيلية- على الرغم من أنها قتلت في حالات لا تستدعي ذلك –كانت على الأقل تسعى قدر الإمكان- إلى استخدام القنابل المسيلة للدموع، أحد الأشياء التي أثارت انتباهنا في هذه الأحداث هي قلة استخدام القنابل المسيلة للدموع، والتسرع في استخدام الذخائر المميتة التي عادة تستخدم في حالة الحرب وليس ضد المدنيين، الآن إذا كنت في حالة مواجهة طلقات نارية فالأمر يختلف تماماً، فنحن لا نقول للجنود الإسرائيليين: إذا أطلق عليكم النار لا تستطيعون الرد بالمثل، وحتى في هذه الحالة ردودك وتفاعلك مع الموقف يجب أن يكون متكافئاً، فنحن لا نقبل –على سبيل المثال- أن ترسل على إثرها طائرات مروحية لقصف تأديبي لمركز شرطة، أو أي مبنى آخر لا يشكل خطراً مباشراً، أنت تفعل ذلك فقط إذا كنت في حالة حرب، ونحن نقول: إنه في الوقت الراهن ليس هناك حرب بين القوات الإسرائيلية والشرطة والسكان الفلسطينيين من جانب آخر.

عبد القادر مام:

طيب.. بالنسبة لإسرائيل، الآن تقول أنها تستعمل الأسلحة الحقيقية والذخيرة المميتة، أنه بسبب ما يقوم به الفلسطينيون من جانبهم، حيث هناك إسرائيل تقول فلسطينيون يقومون بمواجهات مسلحة أيضاً ضدها، هل أنتم في لجنة التحقيق لتقصي الحقائق هناك ضبطتم عمليات من هذا النوع؟

كلوديو كوردوني:

في الأيام الأخيرة بالذات هناك تقارير لم نقم بالتحري فيها مباشرة، ولكنها أكيدة عن عمليات لإطلاق النار تنفذ بشكل مستمر، خاصة في الليل من قرى مثل بيت جالا –على سبيل المثال- في الضفة الغربية ضد المستوطنات الإسرائيلية و(جيلو) القريبة من القدس وبالضبط أمام بيت جالا، هذا يبدو ما يحدث خاصة في الليل، فهناك مجموعة فلسطينية مسلحة من قرية بيت جالا أو من القرى الخارجية ويقومون بإطلاق النار على منطقة مدنية إسرائيلية أو مستوطنة، ونتيجة لذلك ترد القوات الإسرائيلية على ذلك باستخدام الدبابات، وفي إحدى الليالي قاموا باستخدام الطائرات المروحية، والذي نقوله هو: يجب ألا يكون هناك أي هجوم على المدنيين، سواء من قبل الفلسطينيين أو المستوطنين، يجب عليهم ألا يطلقوا الرصاص على القرى الفلسطينية، الأمر الذي كان يحدث أيضاً، فنحن نطالب السلطتين الإسرائيلية والفلسطينية بمنع العناصر المسلحة التي هي ليست تحت سيطرتهم، أي أنها ليست جزءاً من القوات المسلحة أو الشرطة من القيام بإطلاق الرصاص على المدنيين..

عبد القادر مام:

طيب.. سيد كوردوني يقال أن منظمة العفو الدولية لم تقم بضغوطات كبيرة متزايدة باتجاه الجانب الإسرائيلي لوقف هذه المواجهات المسلحة، أو بالأحرى أعمال القتل المستمرة، هل أنتم في المنظمة تحدثتم إلى مسئولين فاعلين في إسرائيل؟ وماذا كان ردهم؟

كلوديو كوردوني:

نعم، بالإضافة إلى الإجراءات التي اتخذناها حول العالم، فأحد الإجراءات التي نتخذها هو اللقاء المباشر مع الجهات المسؤولة، فعلى سبيل المثال التقينا –مؤخراً- مع أعلى مستشار قانوني في القوات الإسرائيلية.

عبد القادر مام:

ما اسمه هذا؟

كلوديو كوردوني:

وهو دانيال ريسنر، وريسنر هو رئيس قسم القانون الدولي للقوات المسلحة وطرف في مفاوضات شرم الشيخ ضمناً، في هذه اللقاءات طبعاً نعبر عن قلقنا ونتلقي ردوداً، ونطالب بمعلومات لنتأكد من أن لدينا معلومات دقيقة حول موقف الحكومة الرسمي عن الحقائق المكتشفة، وكذلك الإصرار على تطبيق توصياتنا.

عبد القادر مام:

كيف كان ردهم عن استخدام الأسلحة المبيدة؟

كلوديو كوردوني:

حتى الآن نحن لسنا راضين عن الإجابات التي تلقيناها، الإجابة بالأساس هي أن القوات الإسرائيلية تتصرف وفقاً لقوانينهم الخاصة، هذه القوانين تحظر استخدام الذخائر المميتة إلا في حالة وجود خطر يهدد حياتك، ونحن نعتقد بأن القوات الإسرائيلية تتجاوز القوانين المحلية وليس فقط القوانين الدولية، ولكن الموقف الرسمي ينفي قيامهم بذلك، كما تم إشعارنا بذلك ونحن نعتقد بأنه تطور خطير جداً، فهم يرون الوضع الراهن على إنه متجه نحو الحرب، وفي هذه الحالة يرون أنفسهم بأنهم محقون في استخدام إجراءات أكثر قسوة ضد الفلسطينيين، للأسف نسمع أيضاً من الجهات الفلسطينية كلاماً على أن هذه هي حرب بين القوات الإسرائيلية والشرطة الفلسطينية، ونعتقد أن هذا أمر خطير جداً لأن الوضع ليس وضع مواجهة ويجب أن يطبق الإجراء الطبيعي للقوانين المدنية، على سبيل المثال يجب عليك ألا تطلق الرصاص على طفل كما لو كان عدوك فقط لأنه يرشقك بالحجارة، عليك أن تتصرف كشرطي، هناك معلومة أخرى مهمة أكدتها لنا السلطات الإسرائيلية وهو أن هذه السلطات لا تقوم بالتحري في أحداث القتل من قبل قواتهم، حيث قبل بداية الأزمة في التاسع والعشرين من سبتمبر كلما قام جندي إسرائيلي بقتل أحد تقام على الأقل رسمياً تحريات وإن كانت غير وافية من قبل السلطات الإسرائيلية، وهذا لم يعد يحدث الآن، وهذا يعني إذا كنت لا تستطيع القيام بالتحريات اللازمة لأنك لا تستطيع أن تثبت قيام أي جندي بعمل خاطئ، إذا لا تستطيع أن تعاقب أي أحد، فهناك وضع بانعدام المسؤولية من قبل القوات الإسرائيلية عما يجري هناك، وهذا طبعاً يزيد من سوء الفهم، ويزيد من الإشاعات التي هي موجودة بكثرة في الأساس، فنحن الآن نطالب الحكومة الإسرائيلية بالقيام بالتحريات، وكذلك نطالب الشرطة الفلسطينية بالتحري في أحداث القتل، والتعاون مع التحريات الإسرائيلية في حالة بدئها.

عبد القادر مام:

لكن عندما تقولون أن إسرائيل تقول بأنها الآن في حالة حرب، هل هذا كلام صحيح برأيكم وبرأي العالم؟ وكيف ستواجهون هذه الحقيقة؟ لأن برأي الكثير من الناس وبرأي العالم جميعاً، إنها ليست حرب، هي بين قوات أمن مدججة بأسلحة وبين شعب أعزل.

كلوديو كوردوني:

هذا بالضبط هو موقفنا، نحن نقول حتى لو كانت هناك هجمات مسلحة ضد الجنود الإسرائيليين فيجب عليهم أن يتعاملوا معها كقوات شرطة تستطيع أن تستخدم الأسلحة النارية إذا استخدمت ضدك، ولكنك لا تستطيع ولا أقترح ذلك أن تدمر مبنى كاملاً فقط لأن ثمة شخصاً مسلحاً يطلق عليك الرصاص من ذلك المبنى، إذاً نحن نصر على أن هذه ليست حرباً وليس لدينا طرفان متقاتلان، ما لدينا هو قوات عسكرية إسرائيلية تواجه بشكل أساسي زمرة من الأطفال يرشقون الحجارة، وأحياناً أخرى قنابل نارية، وبعض الأحيان يطلقون الرصاص، وحتى في حالة الطلقات النارية عليك التعامل على أساس أنها خطر مباشر وتتبع أساليب قانونية كالتي يتبعها أي شرطي في بلده.

عبد القادر مام:

نحن نعرف أن القوات الإسرائيلية تستعمل مختلف الأسلحة في مواجهة الفلسطينيين، وعلى سبيل المثال تستعمل مروحيات كوبرا الأمريكية الشهيرة لتعقب الفلسطينيين، لم نسمع بمنظمة العفو الدولية أن وجهت انتقادات مثلاً للعالم، أو للدول المصدرة لهذه الأسلحة؟

كلوديو كوردوني:

ليس كل ما نقوم به يتم تغطيته في وسائل الإعلام، لذا فقد يبدو أحياناً بأننا لا نتدخل، ولكن في الحقيقة بصدد هذا الموضوع بالذات –أي استخدام المروحيات- دائرتنا في المملكة المتحدة والولايات المتحدة اعترضت على حكوماتها وطالبت بإيقاف إرسال هذه المروحيات إلى إسرائيل، لأنها تستخدم بطرق غير مقبولة، وفي الوقت نفسه الدوائر ذاتها طالبت حكوماتها البريطانية والأمريكية بالضغط على إسرائيل كي تقوم قواتها بالعودة أو اللجوء إلى استخدام أساليب شرعية شرطية، وألا تتصرف كقوة عسكرية مقاتلة.

عبد القادر مام:

الجانب الفلسطيني طالب بلجان أو بلجنة لتقصي الحقائق لتحديد المسؤولية في هذه المواجهات، وطبعاً أكدتها قمة شرم الشيخ في مصر، أيضاً لم نر مثلاً تأييداً لهذا الموقف من منظمة العفو الدولية؟

كلوديو كوردوني:

لقد طالبنا بقيام لجنة استقصاء عالمية منذ وقت مبكر، وذهبنا إلى جنيف لحضور جلسة خاصة عقدتها الأمم المتحدة –لجنة حقوق الإنسان- والتي في ختامها أيضاً تم التصويت على قيام لجنة استقصاء.

نحن لا نمانع أين ومن يقوم بإجراء هذه التحريات طالما يتم اتباع معايير أساسية معينة، وهي أن تتكون من أطراف محايدة لها خبرة عملية في السيطرة على الشغب وما شابه ذلك، وعلى أن تكون تقاريرها معلنة، كذلك الطرق التي ستتبعها، وعلى أن تكون الأطراف مستقلة عن أي حكومة أو أي صيغة من الضغوط وإلا لا يمكن إيجاد لجنة استقصاء غير محايدة.

ونحن أيضاً نعتقد أن على اللجنة هذه ألا تحدد دورها فقط بالأحداث الجارية في إسرائيل والأراضي المحتلة، ولكن أن تتحرى أيضاً في الذي حدث على الحدود على سبيل المثال في جنوب لبنان، حيث تم قتل مدنيين برصاص أطلق من الجانب الإسرائيلي، فهذا هو ما طالبنا به: لجنة استقصاء عالمية وحيادية تماماً تقوم بتغطية جميع الأحداث من التاسع والعشرين من سبتمبر، على أن تحظى هذه اللجنة بالتعاون التام من قبل الإسرائيليين والفلسطينيين، في الوقت الراهن – كما ذكرت أنت- فقرارات شرم الشيخ ليست واضحة تماماً، وليست لدينا فكرة عما ستكون عليه نتائج الاستقصاءات في هذا الحدث، ولكن إذا كانت النتائج ليست وفقاً للمعايير التي ذكرناها فطبيعي سننتقدهم على ذلك.

عبد القادر مام:

طيب، وما موقف منظمة العفو الدولية من تشكيل محكمة لجرائم الحرب على غرار ما قامت به منظمة الأمم المتحدة في رواندا مثلا، وفي بعض الأجزاء الأخرى من العالم؟

كلوديو كوردوني:

أولاً موقفنا من أي فرد مسؤول عن انتهاك بما فيه ارتكاب جرائم حرب يجب أن يحاكم بغض النظر عن انتمائه الدولي، الآن بالنسبة للوضع الراهن في إسرائيل والأراضي المحتلة نعتقد بأن الخطوة الأولى هي بدء عملية الاستقصاء العالمية، وكما كان عليه هذا الوضع في محاكمات يوغوسلافيا حيث قاموا أولاً بتكوين لجنة من الخبراء نظروا إلى الوضعية وقرروا على إثرها أنه ليس هناك أدلة كافية للإدانة، وكانت الطريقة المثلى للتصرف هو اعتماد محاكمة خاصة، فقد تكون المحاكمة الخاصة هي الجواب ولكن نعتقد أن الخطوة الأولى هي إجراء تحري عالمي، ومن الضروري أن نذكر الجميع بأنه حتى بدون محكمة خاصة فإنه بالإمكان مقاضاة المدانين بجرائم حرب في أي دولة في العالم، لأنه وفقاً لمعاهدة جنيف التي صادقت عليها جميع دول العالم تقريباً فإن أي محكمة في المملكة المتحدة، فرنسا أو زيمبابوي، بإمكانها اتخاذ قرار بمحاكمة أي شخص حتى لو كان جندياً إسرائيلياً على سبيل المثال، ربما ارتكب جريمة قتل، وبالتالي تعتبر جريمة حرب، وبإمكان هذه المحاكم إدانته ومحاكمته في بلدهم، فإذاً هناك نظام عالمي بالتعامل مع بعض الانتهاكات الفاضحة فقد يكون تشكيل محكمة خاصة أمراً جيداً ولكن في الوقت الحالي الخطوة المثلى والأولى هي بدء عملية استقصاء عالمية، وثمة نقطة أخيرة حول هذا الموضوع تكمن في مدى أهمية وجود محكمة جنائية عالمية في روما وفي أقرب وقت، وإذ تم التصويت عليها قبل عامين، لأن هذه المحكمة ستكون محكمة ثابتة وبإمكانها محاكمة أناس في كافة الظروف، وللأسف لم يتم التصديق عليها عدا من قبل دولتين عربيتين ولذا نأمل التعجيل في إجراءات إنشاء هذه المحكمة، وبالتالي سوف لن يكون هناك داع لمحكمة خاصة لأنه سيكون لدينا محكمة واحدة وعالمية للتعامل مع ظروف أخرى مثيلة.

عبد القادر مام:

طيب ما هي الطريقة التي ترونها طريقة صحيحة لتأسيس لجنة دولية للتحقيق في الجرائم التي ترتكبها إسرائيل؟

كلوديو كوردوني:

مثالياً كما مع الدول الأخرى فالأمم المتحدة هي الجهة المثلى للقيام بإنشاء مثل هذه الهيئة الاستقصائية، وهناك خبراء موجودون ضمن هيكل الأمم المتحدة على سبيل المثال: ثمة شخص ما متخصص في جرائم القتل، وآخر متخصص في قضايا التعذيب، وهؤلاء خبراء ذوو شهرة عالمية تم تعيينهم من قبل لجنة حقوق الإنسان، وجهة نظرنا هو أنه بإمكانك أن تحصل على لجنة استقصاء عالمية مكونة من أطراف تشمل أولئك الخبراء وخبراء آخرين أكثر تخصصاً في مجالات معينة مثل مكافحة الشغب وأناساً يتمتعون بخبرات قضائية، على أن يتم ذلك في إطار الأمم المتحدة، وإذا لم يتم ذلك فعلى الأقل يجب تطبيق المعايير التي تتبعها أي لجنة استقصائية أخرى.

عبد القادر مام:

هل منظمة العفو الدولية بحاجة إلى مزيد من التحقيقات، بحاجة إلى مزيد من التحريات لكي تستطيع أن تحدد أن إسرائيل الآن ترتكب جرائم حرب؟

كلوديو كوردوني:

نحن منظمة تهتم بحقوق الإنسان، دورنا هو البحث في أدلة أولية على أن هناك جرائم ارتكبت ضد الإنسان، جرائم حرب أو انتهاكات أخرى.

عبد القادر مام:

ولكن سيد أنطونيو الجرائم الآن ماثلة للعيان، عدد القتلى باستمرار يومياً نحن نشاهده يومياً على شاشات التليفزيون، الكل يتحدث عن هذا، نحن لا نحتاج إلى أدلة لكي نقول أن إسرائيل تحدد كطرف من مجرمي الحرب.

كلوديو كوردوني:

سبق وأن قلنا أنه بصورة عامة تنتهك القوات العسكرية الإسرائيلية المعايير العالمية، الآن علينا التثبت مِنْ مَنْ، وأي جندي كان مسؤولاً ومن أصدر الأوامر، وما إلى ذلك، لذا أنت بحاجة إلى جهة ذات كفاءة، سواءً أكانت لجنة استقصاء عالمية أو محكمة. ليست لدينا الإمكانية لهذا المستوى التفصيلي من التحري، لأنه أيضاً يجب أن تكون لك الصلاحية لاستجواب الشهود واستجواب المتهم بالتساوي، نحن لا ننظر إلى دورنا على أنه بديل لمسؤوليات الحكومة الإسرائيلية التي لها الإمكانيات للقيام بكل هذا، لذا نحن نقول أنه علينا أن نقوم بالاستقصاءات، وفي الوقت ذاته لا نرى دورنا على أنه بديل لأي محكمة في العالم قد تقود إلى محاكمة مماثلة، لأنه ليست لدينا الإمكانيات للقيام بهذا. دورنا هو لفت الانتباه إلى أن هناك أدلة وافية تثبت بأن هناك انتهاكات فاحشة ترتكب في الوقت الراهن، ولذا الحكومة هي الجهة المسؤولة، ولها أن تتخذ الإجراء المناسب.

عبد القادر مام:

باعتقادنا وباعتقاد الرأي العام الدولي كله أن القضية لا تحتاج إلى لجان، تحتاج إلى إجراءات فعالة لدفع الإسرائيليين وإرجاع الحق إلى أهله.

كلوديو كوردوني:

المحتوى الذي تقوم بوصفه دقيق، ولكن –كما ذكرت في البداية- نحن نقوم بالاطلاع فقط على انتهاكات معينة لحقوق الإنسان، ونقوم بذلك في أي مكان في العالم، فبالنسبة لنا أهم شيء في المرحلة الحالية هو وضع حد للقتل وللانتهاكات. هذه الخطوة الأولى والتي نطالب أعضاءنا القيام بحملة لوقفها، ولغرض محاكمة أولئك الذين ارتكبوا هذه الانتهاكات يأتي دور لجنة التحري أو أي محكمة في العالم.

ونعتقد أيضاً أن التحريات الحقيقية يجب أن تكون حيادية تماماً، لا تنسى أن هذه المنطقة كانت معزولة عن القانون الدولي لفترة طويلة، وعندما يأتي الحديث عن إسرائيل والأراضي المحتلة يختفي القانون الدولي من الوجود، نحن نريد على الأقل أن نرجع قانون حقوق الإنسان العالمي كي نتمكن من إثبات ما حدث بالضبط فيما يخص القتلى وما شابه ذلك.

النقطة الثانية فيما يخص الاستيطان وما غيره فهي مسألة مهمة ولكن ليس من شأننا القول بأنه لو تم احترام حقوق الإنسان على الأقل فهذا كان سيساعد في التعامل مع مفاوضات السلام والحلول النهائية لهذا النزاع.

عبد القادر مام:

من آخر الأشياء أن إسرائيل الآن تمنع وصول الإمدادات الطبية لمعالجة الجرحى إلى آخره في الأراضي المحتلة، أيضا الإمدادات الغذائية، ألا تعتقدون أن هذا انتهاكاً صارخاً لا يحتاج أيضاً إلى أدلة؟

كلوديو كوردوني:

نعم في التقرير الذي نشرناه مؤخراً حول وصول المعونات الطبية –تحديداً- إلى جرحى المظاهرات، حيث لم تتمكن سيارات الإسعاف من نقل الجرحى، أو أحياناً أخرى تم إيقافها تماماً، وفي قطاع غزة تم إطلاق النار على سيارة إسعاف واحدة وأدى إلى مقتل السائق الذي كان يحاول أن يسعف محمد الدرة الطفل الشهير الذي مات.

هذه تطورات خطيرة، ولقد طالبنا السلطات الإسرائيلية باحترام سيارات الإسعاف بأجمعها وعدم وضع أي قيوم على حركاتها، فعلى الأقل بإمكان أولئك الجرحى تلقي علاج أفضل.

عبد القادر مام:

طيب علمنا أنه لجنة تقصي الحقائق التابعة لمنظمة العفو الدولية والتي ترأسها أنت هناك في إسرائيل هي لا تزال هناك في إسرائيل الآن وتبحث في جوانب أخرى، هل لكم أن توضحوا لنا ما هي الجوانب التي هي تبحث فيها الآن؟

كلوديو كوردوني:

هناك مواضيع عديدة، ولكن هناك مسألة مهمة جداً لم يتم التحدث عنها وهي حالة الفلسطينيين ذوي الجنسية الإسرائيلية الذين تم اعتقالهم، ما نود معرفته هو كيف يعاملون وطبيعة الاتهام الموجه ضدهم، وهل سيحظون بمحاكمة عادلة، هذه إحدى المسائل التي نشعر أنها لم تحظ باهتمام كافٍ.

عبد القادر مام:

شكراً لكم، مشاهدينا الأعزاء كان هذا لقاء أجريناه مع السيد كلوديو كوردوني رئيس قسم الأبحاث في منظمة العفو الدولية، شكراً لكم جميعاً، وإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة