المسؤولية السياسية في وقف تدهور البيئة   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

مالك التريكي

ضيوف الحلقة:

د. هورست مالبيرغ: معهد أبحاث المناخ – برلين
زينة الحاج: حركة غرين بيس – بيروت

تاريخ الحلقة:

22/08/2002

- التغييرات المناخية وأثرها في الكوارث الطبيعية في أوروبا
- التطورات في مجال البيئة من 1992 حتى اليوم

مالك التريكي: الكوارث الطبيعية تتزايد في مختلف أنحاء العالم إلا أن الفيضانات في قلب أوروبا هي التي تضع ظاهرة تغير المناخ في قلب الاهتمامات الدولية.

تساؤلات حول المسؤولية السياسية في مجال وقف تدهور البيئة عشية انعقاد قمة الأرض في جوهانسبرج.

أهلاً بكم، الأصل في الطبيعة هو عدم حدوث الكوارث أو هكذا كان الظن حتى بضعة أعوام، والمعتاد في الكوارث هو عدم حدوثها إلا في المناطق الفقيرة المنكوبة أصلاً في إفريقيا وآسيا، أو هكذا كان الظن أيضاً حتى بضعة أعوام، إلا أن الكوارث الطبيعية أخذت خلال الأعوام الأخيرة تتزايد عدداً وتتفاقم ضرراً، كما أن أنباءها أصبحت منذ مدة ليست بالقصيرة تأتي من كل القارات بما فيها أميركا وأوروبا، ولكن مع هذا ومع أن الاعتقاد السائد هو أن الكوارث الطبيعية ناجمة عن التغيرات المناخية الخطيرة وأن هذه التغيرات ناجمة عن ظاهرة الاحتباس الحراري، وأن ظاهرة الاحتباس الحراري هي من الآثار السلبية للاستهلاك البشري، مع كل هذا فإن مشاهد الكوارث الطبيعية على شاشات التليفزيون كثيراً ما تبدو كأنها مقاطع من أفلام المغامرات، إلا أن الواقع أن الكوارث في جميع قارات الأرض من فيضانات الصين والهند وتشيكيا وألمانيا إلى السيول والانهيالات الترابية في أميركا اللاتينية، إلى أعاصير أميركا وحرائقها وفيضاناتها، إلى قحط إفريقيا وجفافها ومجاعاتها، كل هذه الكوارث تودي بحياة الآلاف وتحطم حياة الملايين، وذلك أو ولذلك فهي بالنسبة للضحايا والمتضررين واقع ملموس لم تصل النظريات بعد لتصوير كل أبعاده الكارثية، ففي الصين مثلاً تهدد مياه بحيرة (دونت تينج) الضخمة نحو عشرة ملايين شخص يعيشون في مقاطعة (هونان) حيث بلغ ارتفاع منسوب المياه أكثر من مترين فوق مستوى الخطر، وهو يرتفع بمعدل نحو نصف متر يومياً، رغم أن دونت تينج هي ثانية كبريات البحيرات العذبة في العالم، حيث تتجاوز مساحتها 2500 كيلو متر مربع، مثل هذه المظاهر أصبحت تستدعي في بعض البلدان إعلاناً لحالة الطوارئ وتعبئة عامة حتى للقوات المسلحة، كأن الأمر يتعلق بحرب كبري.

بل إن المستشار الألماني (جرهارد شرودر) أعلن بالحرف "أن كارثة الفيضانات الحالية تستدعي تعبئة وطنية عامة هي الأكبر في ألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية"، انتهى الاقتباس، ذلك أن الكوارث –عفواً- لم تعد تقتصر على العالم الثالث وبلدانه الفقيرة كالهند، وبنجلاديش، وجواتيمالا، والموزمبيق، بل إنها أصبحت تفرض شروطها على البلدان الغنية المتطورة حتى الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا.

لكن هل يمكن مواجهة غضب الطبيعة بالجيوش وحواجز أكياس الرمل، أم بمراجعة أخطاء نموذج الحياة الاستهلاكية والعمل على تفاديها وفهم الأسباب الحقيقية لانخرام التوازن البيئي.

أكثم سليمان يعرض نموذجاً من ألمانيا لأحد تجليات الطبيعة في لحظة غضب طوفاني.

تقرير/ أكثم سليمان: أوروبا منصف هذا الصيف مساحات شاسعة تمتد من تشيكيا وسلوفاكيا شرقاً إلى ألمانيا والنمسا غرباً غطتها مياه الفيضانات، فيضانات نهري الأدور والدانوب، وكما هو عليه الحال هنا في (دريسدن) في جبوب شرق ألمانيا خسر ملايين الأوروبيين لا ممتلكاتهم الشخصية فحسب، بل جزءاً من تاريخهم مع إتلاف المياه لوحات وتحف فنية كانت تزخر بها متاحف وسط أوروبا ومعارضها.

مواطن ألماني: هذا الفيضان لم أشهد له مثيلاً طيلة حياتي، وهو الأسوأ حسب ما أذكر، وليس لسكان دريسدن سوى الصلاة والدعاء لكي تنجو المدينة من الكارثة.

أكثم سليمان: عشرات الآلاف اضطروا إلى مغادرة منازلهم أطفالاً وشيوخاً ونساءً وإلى النوم في الخيام بينما نقل المتطوعون المرضى إلى أماكن.. وقام الجنود ببناء السدود للدفاع عن القرى والمدن في دول لم يحمها تقدمها من غضب الطبيعة.

تعبير الكوارث الطبيعية يعكس تسليماً بعجز البشر عن مواجهة قوى الطبيعة المهلكة في كثير من الأحيان، لكن أليس الإنسان مسؤولاً أيضاً عما يحدث من كوارث أحياناً بسبب تأثيره السلبي في البيئة؟ هذا هو السؤال الذي يشغل بال كثيرين من الخبراء اليوم.

الساسة مشغولون في الدرجة الأولى بكيفية تعويض الخسائر المادية التي تقدر في ألمانيا وحدها بأكثر من 15 مليار يورو، أمر يستحيل تحقيقه من دون تعاون دولي وإجراءات حكومية، ولكن أيضاً قضايا البيئة باتت تحتل حيزاً كبيراً من اهتمام السياسة في المجتمعات العصرية، في وزارة البيئة في العاصمة الألمانية برلين تتركز الجهود على استخلاص الدروس من الفيضانات الأخيرة بعد أن أصبحت التغيرات المناخية المفاجئة ظاهرة تهدد مناطق عديدة من آسيا إلى أميركا.

يورغن ماس (وزارة البيئة – برلين): علينا خفض نسبة الغازات الضارة، وأذكر هنا باتفاقية (كيوتو)، يجب اتخاذ إجراءات مختلفة في هذا الصدد في ألمانيا وأوروبا والعالم، أهمها الانتقال إلى الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة عوضاً عن طاقة المحروقات التي يصدر عنها غاز ثاني أكسيد الكربون.

أكثم سليمان: في معهد أبحاث المناخ في مدينة (بوتسدام) قرب برلين يقوم العلماء بدراسة التغيرات المناخية على سطح كرتنا الأرضية منذ عدة عقود، وإذا كان هناك اتفاق واسع بين العلماء على دور التغيرات المناخية في الفيضانات الأخيرة فإن الخلاف ما زال قائماً حول حجم الدور الذي يلعبه الإنسان في التسبب أو على الأقل في المساهمة في هذه التغيرات.

بروفيسور/ مارتن كلاوسن (معهد أبحاث المناخ – بوتسدام): لا نستطيع البرهان على أن الإنسان مسؤول عن الفيضانات الأخيرة، ولكن وحسب ما توصل إليه العلم حتى اليوم يمكننا القول إن الإنسان وتأثيره على الطبيعة من خلال الغازات الملوثة للبيئة ساهم في رفع درجة حرارة الأرض بشكل كبير في العقود الماضية، وتؤكد البيانات والتحليلات أن هذا الأمر يؤدي إلى زيادة حالات هطول الأمراض بشكل شديد الغزارة.

أكثم سليمان: فهل ينجح إنسان اليوم في أن يكون جزءاً من الطبيعة لا عامل تدمير لها؟!

التغيرات المناخية وأثرها في الكوارث الطبيعية في أوروبا

مالك التريكي: يبدو أن هنالك اتفاقاً إذاً على أن الفيضانات الحالية في أوروبا الوسطي والشرقية هي من نتائج التغيرات المناخية، ولكن هل صحيح أن البحوث لم تصل إلى نتيجة مؤكدة حول ما إذا كان الإنسان مسؤولاً عن هذه الكوارث؟ لبحث قضية التغيرات المناخية وأثرها في الكوارث الطبيعية الحالية في أوروبا الوسطي والشرقية معنا من برلين الدكتور هورست مالبيرغ (مدير معهد أبحاث المناخ بجامعة برلين)

دكتور مالبيرغ، لابد أنكم استمعتم في تقرير أكثم سليمان قول البروفيسور (مارتن كلاوسن) من معهد أبحاث المناخ في بوتسدام بأنه لا يمكن البرهنة الآن على أن الإنسان مسؤول عن الكوارث الطبيعية التي تقع في مختلف أنحاء العالم، وخاصةً الآن في أوروبا كيف يستقيم هذا القول، خاصةً أننا نعرف أن التغيرات المناخية هي سبب الفيضانات، وأن الاحتباس الحراري هو سبب التغيرات المناخية، وأن الإنسان هو المسؤول عن الاحتباس الحراري؟

د.هورست مالبيرغ: يجب أن ندرس تاريخ المناخ كي نفهم هذه الأمور، وعندما نلاحظ في وسط أوروبا ونراقب البيانات التي لدينا حول المناخ في السنوات المائتين الماضية بأن فسنرى أن هناك في القرون الوسطي سنوات كانت دافئة جداً، ثم هبطت درجات الحرارة إلى سنة 1850، بعد ذلك بدأت الحرارة بالارتفاع حتى القرن الماضي سنوات التسعينات، وهذا الأمر استمر..استمر مائتي عام، يجب أن نفكر الآن ما هو السبب في هذا، الآن يأتي البعض ويقولون 1850 بدأت الثورة الصناعية، إذاً فالسر في الثورة الصناعية، ولكن عندما ننظر بدقة إلى الأمر فسنرى أن النشاط على سطح الشمس تغير في هذه السنوات، وهذا هو محور أبحاثي التي أقوم بها، التغيرات على سطح الشمس في السنوات 250 الماضية والتغيرات الحرارية على الأرض، وأنا توصلت إلى نئائجها أن ثلثي التغيرات اللي تحدث على سطح الكرة الأرضية هي تعود في الدرجة الأولى إلى الطبيعة وليس للإنسان.

مالك التريكي: هذا القول -دكتور مالبيرغ- له قول مشابه لدي بعض الأوساط العلمية، وهذه الأوساط تُتهم، ولا أقصد أنكم تتهمون شخصياً، ولكن هذه الأوساط تتهم بأنها نوعاً ما تهون من شأن المشكلة، وأيضاً تعطي شهادة براءة للشركات الكبرى التي هي مسؤولة أكثر من غيرها عن التلوث.

د.هورست مالبيرغ: نعم، أنا أعرف هذا، ومنذ أن بدأت بهذه الأبحاث وبنشر هذه الأبحاث في العالم جاءتني رسائل بهذا الصدد بأن أبحاثي والأبحاث الشبيهة تؤدي إلى الأمر كما ذكرت، ولكن علماء المناخ المطلوب منهم هو تفسير التغيرات المناخية بشكل موضوعي والوصول إلى نتائج، وأنا لا أدعي أن المستقبل سيكون كما كان في الماضي، أنا أبحث في الماضي، لا يوجد عالم على سطح الكرة الأرضية يستطيع أن يفسر حالة المناخ على سطح الكرة الأرضية في الماضي والحاضر والمستقبل، ولا أقول أن لا يتوجب علينا أن نفعل شيئاً، بل أضرب مثالاً لكي يحافظ على صحتي يجب أن أراعيها وأن أحذر مما يضربها، وهذا ما يجب علينا أن نفعله أيضاً في قطاع المناخ والطقس.

مالك التريكي: هل هنالك للظاهرة ظاهرة (نينيو) هذه الظاهرة الجوية أي.. أي علاقة بما يحدث خاصةً في السنوات الأربع الأخيرة عندما اجتاحت مناطق كبرى من آسيا وأميركا الجنوبية؟

د.هورست مالبيرغ: لا.. لا علاقة لهذه الظاهرة بالأمور التي ذكرت، لقد درست أيضاً ظاهرة أعاصير نينيو وظاهرة النينيو تمر أيضاً بحالات البرودة، وهذا يعني أن المحيط الهادي لم ترتفع درجة حرارته، النينيو لا علاقة له بما أصابنا الآن، بالإضافة إلى ذلك أود أن أشير إلى أن التأثير في أوروبا غير موجود تماماً، النتائج التي توصلت إليها هي أن النينيو يؤثر في منطقة المحيط الهادي بشكل كبير وكلما زاد تأثيره هناك قل تأثيره في أوروبا.

مالك التريكي: لقد كانت المخاطر الناجمة عن تدهور البيئة دكتور مالبيرغ قاسية جغرافياً بالنسبة للأوروبيين، لأنها تحدث عادةً في مناطق فقيرة في آسيا وإفريقيا، وعصية على الإدراك أيضاً، أيجوز القول الآن إن حدوث هذه الكوارث في قلب أوروبا سيجعل قضية الحفاظ على البيئة من أهم القضايا السياسية التي ربما قد يكون لها دور حتى في حسم نتائج الانتخابات، وأنتم مقبلون على انتخابات؟

د.هورست مالبيرغ: نعم، أنا لست باحثاً في مجال الانتخابات، ولكن طبعاً بالتأكيد هذه المصائب كانت بعيدة عنا في الماضي، ولكن لا يمكن القول أن هذا لم يحدث قبلاً في وسط أوروبا، لقد كان هناك عام 1855 حالة مماثلة للآن تماماً وكان هذا نهر الدانوب، وعندما كنت طالباً تعلمت أول شيء كيف فاض نهر الأودر، هذه الظواهر الكوارث يجب أن نحذر، وسائل الإعلام تقرب المصائب مننا أكثر مما هي قريبة فعلاً عندما كنت صغيراً لم أكن أسمع بهذه الأشياء، والآن وسائل الإعلام تقربها، وأيضاً الأنباء عن قدوم الكوارث الطبيعية والتحذير منها يلعب دوراً في هذا الشأن، عندما نفكر في كارثة جبال الألب عام 1855 لقد قام الإنسان بارتكاب أخطاء كثيرة فيما يتعلق بحماية الطبيعة، وكلما ازداد عدد سكان الناس فوق الكرة الأرضية اقتربت مناطق السكنى من الأنهار.

مالك التريكي: دكتور.. دكتور مالبيرغ.. دكتور مالبيرغ.

د.هورست مالبيرغ: وهذا الاقتراب والبناء بالقرب من الأنهار كسر دورة الأنهار الطبيعية والتي تحتاج إلى مساحة لتفيض، وهذه ظاهرة طبيعية.

مالك التريكي: دكتور مالبيرغ.. دكتور هورست مالبيرغ.. دكتور هورست مالبيرغ (مدير معهد أبحاث المناخ في برلين) لك جزيل الشكر.

تزايد عدد الكوارث في السنوات الأخيرة على نحو مشهود إلى حد أن معدل الأشخاص المتضررين من الكوارث ارتفع من 147 مليون نسمة سنوياً خلال الثمانينات إلى أكثر من 211 مليون نسمة سنوياً خلال التسعينات.

بعد الفاصل نظرة في التطورات التي طرأت على مجال البيئة من قمة الأرض الأخيرة في ريودي جانيرو إلى قمة الأرض القادمة في جوهانسبرج.

[فاصل إعلاني]

التطورات في مجال البيئة من 1992 حتى اليوم

مالك التريكي: في قمة الأرض الأخيرة التي عُقدت عام 92 في ريودي جانيرو بالبرازيل انعقدت الآمال على أن تعمل جميع الدول وخاصةً الدول الغنية على الحد من تدهور البيئة، وذلك باتخاذ الإجراءات العملية الكفيلة بالتقليل من عوامل التلوث المؤدية إلى المتغيرات أو إلى التغيرات المناخية وبالعمل أيضاً على الحفاظ على التنوع البيئي، كما صيغ جدول أعمال مستقبلي سُمي أجندة القرن الحادي والعشرين يرمي إلى القضاء على المشكلات البيئية والحد من الفقر، لكن يبدو أن السنوات العشر الأخيرة منذ انعقاد قمة ريودي جانيرو لم تشهد أي تحسن في مجال الحفاظ على البيئة، بل على العكس مثلما يبين ياسر أبو النصر في هذا التقرير.

تقرير/ ياسر أبو النصر: أمطار غزيرة وسيول في عز الصيف، ارتفع في درجات الحرارة ونسب الرطوبة في مناطق لا عهد لها بهذا النوع من الطقس، فيضانات مدمرة في أنهار ارتفعت مناسيبها على نحو مفاجئ وغامض، وكأنها رسالة من القدر لقادة العالم الذين سيحتشدون في ثاني قمة للأرض بعد أيام أن تحركوا أو انتظروا الطوفان.

تحذيرات العلماء منا لتغيرات المناخية وتداعياتها لم تتوقف منذ نحو عقدين، وإذا كانت هذه التغيرات ما تزال لغزاً في كيفيتها وتوقيت حدوثها، فقد باتت أسبابها تخطى باتفاق معظم الأوسط العلمية التي تتجه بأصابع الاتهام إلى ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض فيما يعرف بظاهرة الاحتباس الحراري، يؤكد العلماء أن القرن العشرين كان الأعلى حرارة منذ نحو ألف عام، ومنذ أواخر الستينات انحسرت المناطق التي تغطيها الثلوج بنسبة 10%.

ناقوس خطر دق بعنف في العام 1998 بارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض عن معدله الثابت البالغ 15.8 درجة مئوية بمقداره 0.6 في سابقة هي الأولى منذ 120 عاماً، وسجل النصف الأول من العالم الحالي ثاني أكبر ارتفاع وسط تنبوءات بأن العام 2002 سيسجل أعلى متوسط حتى الآن.

أكثر التفسيرات العلمية شيوعاً تحمل النشاط الإنساني بالدرجة الأولى مسؤولية هذا الارتفاع، الذي يربطه البيئيون بتصاعد معدلات احتراق الوقود الأُحفري المتمثل في الفحم والنفط والغاز، سواء في عمليات التصنيع أو من وسائل المواصلات واختفاء التصنيع أو من وسائل المواصلات واختفاء ثلثي الغابات من سطح الكرة الأرضية.

ممارسات تنتج كميات هائلة من الغازات المتسببة في ظاهرة الاحتباس الحراري، مثل أول وثاني أكسيد الكربون والميثان التي تشكل مع غيرها ما يشبه الغطاء الزجاجي حول غلاف الأرض مما يحبس الحرارة ويمنعها من الانطلاق إلى الفضاء الخارجي، النتيجة اختلال توازن المناخ بكل تبعياته، كتهديد الإنتاج الزراعي وتلوث مصادر المياه، هذه المعطيات الخطيرة كان على رأس القضايا التي بحثتها قمة الأرض الأولى في ريودي جانيرو في العام 1992 وسط آمال عريضة بأن يعطي سياسيو العالم وقادته شيئاً من الاهتمام لإنقاذ البشرية، فوقعت خلالها اتفاقيتان حول التغيرات المناخية والتنوع البيئي، وصيغت أجندة للقرن الحادي والعشرين تستهدف القضاء على المشكلات البيئية والحد من الفقر، لكن الأعوام العشر الماضية لم تشهد تطوراً يُذكر، وبدلاً من تقدم العالم إلى الأمام أُصيب بنكسات متوالية، فارتفعت حرارة الكرة الأرضية بنحو 10%، وزادت انبعاثات أول وثاني أكسيد الكربون، وانخفضت معدلات دخل الفرد في 80 دولة، فيما تراجعت معظم الدول الصناعية عن تعهداتها بمنح الدول الفقيرة 1% من ناتجها القومي كمساعدات خارجية.

عقلاء كوكب الأرض ما برحوا يستصرخون قادته بأن صبر البيئة بدأ ينفد، ونجحت توصياتهم في حشد ممثلي 180 دولة في كيوتو باليابان عام 1997 لتوقيع اتفاق خفض الانبعاثات الحرارية، لكن صيحاتهم لم تكتسب القوة الكافية بعد لتفعيل البرتوكول وتنفيذه، وما زال كيوتو يتأرجح بين دول الاتحاد الأوروبي التي صادقت عليه والتزمت ببنوده وبين الولايات المتحدة التي انسحبت منه في عهد بوش تحت ذريعة إلحاقه الضرر بالاقتصاد الأميركي واتخاذ دول أخرى نافذة مثل روسيا، وكندا، وأستراليا من الرفض الأميركي نموذجاً يُحتذي، بينما حسمت في اليابان ترددها وصادقت على البرتوكول قبل نحو شهرين.

أما دول العالم الثالث الأقل تسبباً للظاهرة والأكثر تضرراً منها في نفس الوقت فكانت الأسرع بالتوقيع والمصادقة.

مفارقة أخرى من مفارقات زمن العولمة رغم أن نسبة مسؤولية هذا الدول مجتمعة عن ظاهرة الاحتباس الحراري لا تتجاوز 35% فيما تتسبب الدول الصناعية بنسبة 46% وتليها روسيا وأوروبا الشرقية بنسبة 19%، أما الحقيقة التي لا يملك ساسة العالم المتقدم أمامها إلا التسليم فهي أن الجميع ركاب سفينة واحدة إذا حدث ثقب لدى ركاب الدرجة الثالثة لم ينجو من الغرق ركاب الدرجة الأولى، رسالة بسيطة لكنها تبدو عصية على فهم بعض صناع القرار.

مالك التريكي: من أهم الأهداف التي تسعى الأمم المتحدة في لتحقيقها في مؤتمر قمة الأرض الذي يعقد في جوهانسبرج بجنوب إفريقيا بدايةً من السادس والعشرين من هذا الشهر ضمان الخروج من نموذج التنمية التقليدي الحالي الذي يستنزف البيئة ويهدد بتفجير الاضطرابات الاجتماعية على أن يتمثل البديل في انتهاج نموذج جديد هو نموذج التنمية المستدامة القائمة على التوازن بين القضاء على الفقر وبين حفظ الموارد البيئية التي تضمن قدرة الأرض على تأمين استمرار أسباب الحياة كامل البشرية، لكن منظمات حميات البيئة، مثل منظمة Grean Peace تتهم الدول الغنية بأنها لم تفِ بأي من الوعود التي أعلنتها في قمة الأرض الأخيرة في ريودي جانيرو، كما تخشي هذه المنظمات أن تكون القمة القادمة في جوهانسبرج مجرد تكرار لسلبيات القمة الماضية.

معنا من بيروت لبحث قضية المسؤولية السياسية في الدول الغنية في حماية البيئة السيدة زينة الحاج (مسؤولة قسم الشرق الأوسط في منظمة Grean peace حركة السلام الأخضر) سيدة زينة الحاج، منظمات حماية البيئة مثل منظمتكم منظمة Green Peace تؤمن بأن للدول الغنية مسؤولية سياسية في حفظ البيئة وبأن للشركات الكبرى المتعددة الجنسية مسؤولية اجتماعية في حفظ البيئة، ما هو تقييم Grean Peac لما تم إنجازه منذ القمة الأخيرة في ريودي جانيرو في هذا المجال خاصة في المجال السياسي أولاً؟

زينة الحاج: للأسف يعني لحد هلا الإنجازات كثير ضئيلة إذا ما بدنا نقول معدومة، أكيد الدول الكبرى والشركات الكبرى هي بتتحمل مسؤولية كتير كبيرة عن اللي عم بيصير حالياً بالعالم، يعني لو نأخذ مثال الولايات المتحدة اللي هي تقريباً 5% من الناس بالعالم هي بتنتج أو بتستهلك 35… بتنتج 35% من انبعاثات يعني Gasemissions باللي عم يطلعوا بالهوا، للأسف الولايات المتحدة انسحبت من اتفاقية كيوتو وضربت كل الاتفاقيات وكل الالتزامات الدولية بعرض الحائط لصالح.. يعني مصالحها الصناعية الخاصة، دولة ثانية مثل أستراليا اللي كل فرد منها بينتج انبعاثات بالهواء بتوازي دوبل أو يعني مرتين الانبعاثات اللي بتطلع من الدول المتطورة كمانها بيوم البيئة العالمي ها السنة كمانها رفضت إنما توقع على اتفاقية كيوتو وتلتزم فيها، بالرغم من أنه اتفاقية كيوتو نفسها ما أنها هي الحل، يعني هي أول خطوة لنحل مشكلة التلوث الانبعاثات ومشكلة التغيرات المناخية بالعالم، يعني اتفاقية كيوتو كما تدعي أنها حتى نعمل تخفيض بالانبعاثات بمستوى الانبعاثات اللي هو موجود 5%، بينما العلما والخبرا اللي عم يحكوا عن تأثير التغيرات المناخية على الكرة الأرضية عم بيطالبوا إنه يصير فيه تخفيض للانبعاثات بنسبة 60 إلى 80%، يعني بعدنا .. ما وصلنا لأي إنجاز.. للأسف ها الدول الكبرى هي بتتحمل المسؤولية الكبرى، وللأسف اللي عم بنشوفه إنه ها الدول الكبرى ما عم تلتزم بالتزاماتها الدولية، بل بالعكس عم بتحط مصالحها الشخصية ومصالحها الوطنية نفسها من صناعية قدام المصالح.. مصالح المجتمع المدني، كله قدام مصالح الكرة الأرضية وبالتالي الانعكاسات، وللأسف الأضرار الأكبر هي عم تلحق الدول النامية، يعني بمقدمتك بأتذكر قلت جملة كتير مهمة اللي هي إنه لأنه هلا صار فيه مشاكل بأوروبا عم نبلش نلحظ ها المشاكل، للأسف هايدا الواقع على الأرض، أما وقت اللي بيتعرضوا الدول النامية لكوارث ما حدا بيسأل عن الموضوع، بينما وقت اللي بيكون فيه دول متطورة عندها مشكلة كل ما عم.. كيف تحل المشكلة، أكيد الدول المتطورة مسؤولة بصورة أساسية وفعلية عن ها الموضوع، ومن الضروري يتحملوا المسؤولية. للأسف من (ريودي جانيرو) لهلا عشر سنين.

مالك التريكي[مقاطعاً]: الجانب الآخر. سيدة.. سيدة زينة الحاج، الجانب الآخر هو مسؤولية الشركات الكبرى، الشركات المتعددة الجنسية، وهي ربما لها نفوذ عملي أكثر حتى من الحكومات خاصةً أنها أغني من كثير من الدول، هذه الشركات لا تريد الالتزام بقوانين، لا تؤمن بالقوانين، هي تؤمن بميثاق شرف مثلاً أو بمدونات.. بمدونات سلوك، ما هو موقف منظمات حماية البيئة و Grean Peace بالضبط؟

زينة الحاج: بالنسبة لـ Grean Peace ها الموضوع الأساسي اللي عم نشوفه إنه الكرة الأرضية ومسؤوليات الدول وتحملهم لمسؤوليتهم عن بيع، وعم بيستعمل الكلمة المضبوطة بيع لصالح الشركات الكبرى، يعني بنشوف مثلاً إنه مثلاً الولايات المتحدة اللي هي أول واحدة تنازلت عن اتفاقية كيوتو من وقت وصول إدارة بوش على الحكم بالولايات المتحدة، إدارة بوش أو الحملة الانتخابية للرئيس بوش كانت ممولة من أكبر شركات نفط بالولايات المتحدة وبالأخص شركة إكسو موبيل أو إسو، ها الشركة هي ورا ها.. ها القرارات، يعني فيه محاولة بيع القرارات الدولية وقرارات الدول لصالح الشركات الكبرى، الشركات الكبرى لازم تتحمل المسؤولية، بس للأسف لحد هلا ما عم بيكون فيه آلية لكيفية تتحمل ها الشركات الكبرى مسؤولياتها، يعني باتفاقية هلا.

مالك التريكي[مقاطعاً]: سيدة.. سيدة زينة الحاج آسف على المقاطعة أنت مسؤولة قسم الشرق الأوسط في منظمة Grean Peac مسألة البيئة وحماية البيئة لا تزال تعد من المسائل الهامشية حتى في بعض البلدان الغربية ما هو موقع قضية البيئة في اهتمامات المواطن العربي بحكم تجربتك العملية؟

زينة الحاج: لأ، فيه اهتمامات جدية بها الموضوع، والموضوع عم بياخذ بلش حيز الاهتمام على المستوى الشعبي، بس للأسف على المستوى الدولي بعد بنشوف تأخير كتير كبير بها الموضوع، وهون عم بأحكي مش بس بلبنان على المستوى العربي ككل، التأخير هو بوضع برامج وأنظمة لكيفية حل المشاكل البيئية بلبنان، يعني.. للأسف لحد هلا معظم الدول العربية ما فيه عندها سياسة بيئية، سياسة بيئية تلحظ كل المشاكل البيئية الموجودة برغم إنه منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية هي من المناطق المهددة بالأخص بالتغيرات المناخية بما يتعلق بالتصحر، بما يتعلق بالفيضانات، وبما يتعلق بنقص المياه فيها. للأسف ما عم بيكون فيه تخطيط فعلي على الأرض.

مالك التريكي: سيدة.. سيدة زينة الحاج.. سيدة زينة الحاج (مسؤولة قسم الشرق الأوسط في منظمة grean Peace السلام الأخضر) شكراً جزيلاً لك.

وبهذا تبلغ -سيداتي سادتي- حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة