إسرائيل والعراق، فوز صدام، إندونيسيا وانفجار بالي، مياه الوزاني   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 2:30 (مكة المكرمة)، 23:30 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

توفيق طه

تاريخ الحلقة:

19/10/2002

- شارون وثمن الحياد الإسرائيلي في الحرب على العراق
- فوز صدام حسين بفترة رئاسية جديدة وأميركا تستعد للحرب

- تداعيات انفجار بالي على صناعة السياحة والمؤسسة العسكرية في إندونيسيا

- الموقف الإسرائيلي من مشروع ضخ مياه الوزاني في لبنان

- الصراع في أيرلندا الشمالية وموقف لندن منه

توفيق طه: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، وفيها اليوم:

شارون في الولايات المتحدة الأميركية يقبض ثمن وقوف بلاده خارج الحرب على العراق، بينما يزداد قمعه للفلسطينيين.

100% من العراقيين يوافقون على منح صدام حسين فترة رئاسية جديدة، بينما يبدأ العد التنازلي للحرب.

وانفجار بالي يقتل صناعة السياحة في إندونيسيا ويدفع المؤسسة العسكرية إلى الواجهة مرة أخرى.

شارون وثمن الحياد الإسرائيلي في الحرب على العراق

حسابات الحروب عجيبة للغاية، وفي حالة الدول الكبرى والمحورية كالولايات المتحدة الأميركية فإنها تضطر إلى تقديم تنازلات أو ممارسة ضغوط قد لا تستطيع ممارستها في أوقات السلم، وها هو رئيس الوزراء الإسرائيلي (آرييل شارون) يواجه في واشنطن ما تعرض له سلفٌ له عام 91، فحينها مارس الرئيس (جورج بوش الأب) ضغوطاً هائلة على (شامير) كي لا ينجر إلى حرب ضد العراق، فجورج بوش الابن يحاول ممارسة الضغوط نفسها على رئيس وزراء إسرائيلي ليكودي آخر، لكن شارون قد يخيب ظن أصدقائه في واشنطن حيث إنه لا يمارس السياسة وفق قوانين اللعبة، وقد يأخذ ما يشاء من واشنطن ثم يصم أذنيه عن صرخات الاستنكار والاشمئزاز بسبب سياسته الأحادية، أي القتل العشوائي للمدنيين الفلسطينيين وحصار رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية وقتل الحياة في الأراضي الفلسطينية برمتها.

الاستعدادات الإسرائيلية لمواجهة هجوم عراقي محتمل
تقرير/حسن إبراهيم: من الصعب أن يتكرر التاريخ بنفس الصورة، فآرئيل ليس إسحاق شامير، وليس عام 91 كعام 2002، مع أن محاور التحدي العراقي للولايات المتحدة مازال يتلخص في الرئيس العراقي صدام حسين وما يقال عن أسلحة دماره الشاملة وما تقول الولايات المتحدة إنه الخطر الذي مازال يشكله على جيرانه، ومازال طلب الولايات المتحدة من الإسرائيليين واحداً لا تقوموا بعمل يلفت الأنظار عن العراق، لذا فلم يكن شارون يتوقع أقل من التوبيخ داخل القاعات المغلقة والذي حرصت واشنطن على تسريب أخباره إلى العالم، فقد كاد بعملياته في المدن والقرى الفلسطينية والتي أدانها المجتمع الدولي وإعادة حصاره للرئيس الفلسطيني كاد أن يحول أنظار العالم عن هدف الولايات المتحدة المعلن، أي توجيه ضربة عسكرية قاصمة للعراق، ولم يستطع الرئيس الأميركي (جورج بوش) إلا أن يمارس ضغطاً على شارون كي يقبل بتسوية مرحلية للقضية الفلسطينية، أي خطة المجموعة الرباعية.

شارون يدرك أن صاروخاً عراقياً واحداً يفلح في إصابة هدف إسرائيلي سيلهب مشاعر الجماهير الفلسطينية وربما العربية، وقد يشجع كثيراً من الفدائيين على تكثيف هجماتهم ضد أهداف إسرائيلية، ويضيف إلى شعبية الرئيس العراقي في الشارع العربي.

أما عمليات القتل التي تستهدف التجمعات السكانية الفلسطينية لقتل أكبر عدد من المدنيين الفلسطينيين، فهي تعمق من حرج واشنطن التي دأبت على تأييد إسرائيل بلا تحفظ.

ما يعلمه شارون هو أن الولايات المتحدة لن تألو جهداً في دفع ثمن وقوف إسرائيل خارج الصراع، ورغم أن الرئيس الأميركي حاول القول إنه يتفهم دوافع أي رد فعل إسرائيلي إلا أن اللاصقين بدوائر صنع القرار في واشنطن يعتقدون أن آخر ما يريدونه هو صراع إسرائيلي عراقي قد يرسخ صورة التواطؤ الأميركي الإسرائيلي على العرب والمسلمين في الذهنية العربية.

شارون يحاول قبض الثمن كالعادة، بطاريات صواريخ مضادة للصواريخ الجديدة مع ضمانات أميركية بضرب جميع منصات إطلاق الصواريخ العراقية في الجانب الغربي من العراق، وسيحصل كذلك على نظام الإنذار المبكر الأميركي مرتبط بالأقمار الاصطناعية، وهو ما سيمكنه من الرد على بغداد خلال 7 دقائق، بل ستبلغ الولايات المتحدة إسرائيل بساعة الصفر قبل موعدها بـ72 ساعة، ويعلم شارون أنه في سبيل تسهيل الأمور على واشنطن فسيتعين عليه أن يتغاضى عن ضخ لبنان لمياه نهر الوزاني، وذلك لري القرى الجنوبية المحررة، ورغم تأكيدات الإسرائيليين أنهم سينصاعون إلى الإملاءات الأميركية مدفوعة الثمن بالطبع إلا أن لسان حال كثيرين في تل أبيب وواشنطن يقول إنهم يخشون أن يغلب الطبع التطبع، وأن ينجر شارون إلى رد على العراق قد يقلب الطاولة ويربك جميع الحسابات.

توفيق طه: ومعي من واشنطن الدكتور إبراهيم عويس من جامعة (جورج تاون).

دكتور، السؤال الذي أورده التقرير: ما الذي يضمن ألا يغلب الطبع التطبع ويرد شارون أو يبادر إلى ضرب العراق فيقلب الطاولة على رؤوس الجميع؟

د.إبراهيم عويس (جامعة جورج تاون- واشنطن): المعروف أن تاريخ رئيس الوزراء الإسرائيلي يختلف تماماً عن ما سبق من رئاسة الوزراء الإسرائيلية، ومن هنا أنا أعتقد أن تاريخه المليء بالقمع وبالحقد وبضرب المدنيين العشوائي للفلسطينيين، أنا أعتقد أنه سينحو ناحية أخرى مختلفة تماماً عما اتفق عليه حتى في واشنطن، ومن هنا أريد أن أذكر أنه بان لعدد من المرات أن المصلحة الأميركية لا تتطابق بالضرورة مع المصلحة الإسرائيلية، وأنه كان واضحاً بعد زيارة الرئيس.. رئيس الوزراء هذه المرة أن التغطية الإعلامية في الولايات المتحدة التي دائماً تضع هذه المقابلة في صدر الصفحات الأولى، فوجدنا فعلاً إهمال كبير جداً لما حدث في هذه المقابلة، وأن حتى تقرير البيت الأبيض.. التقرير الصحفي الذي ظهر بعد المقابلة كان يتكلم عن التعاون الاقتصادي ما بين الولايات المتحدة وإسرائيل ومنطقة التجارة الحرة التي بدأت في سنة 1985، ولم تتطرق للبنود الرئيسية التي تحدث فيها الرئيس بوش مع رئيس الوزراء الإسرائيلي.

توفيق طه: نعم، دكتور، هنا السؤال يعني إلى جانب هذا الثمن المادي، الصواريخ وما إلى ذلك الذي تلقاه شارون من واشنطن، ما هو الثمن السياسي الذي تلقاه؟ وهل يكفي فعلاً للجم أي جموح محتمل؟

د.إبراهيم عويس: أنا لا أعتقد إنه سيلجأ إلى سياسة الجمح التي طالب بها الرئيس بوش، والتي أرسل فحوى تلك الرسالة لرئيس الوزراء الإسرائيلي قبل يومين من وصوله، وسُلِّمت إليه باتباع سياسة الجمح.. في الواقع أن الرئيس.. رئيس الوزراء الإسرائيلي يضرب عرض الحائط تلك المطالبات الأميركية، بل بالعكس أنه يبين ويظهر على صفحات الإعلام الإسرائيلية بأن عملية غزة بعد قتل الفلسطينيين المدنيين أنها عملية ناجحة، ومن هنا نجد أن هناك فعلاً تعارض ما بين المصلحة الأميركية ومصلحة شارون، وأنه بدأت فعلاً الصحافة.. أو الإعلام الأميركي ينحو نحو آخر ضد شارون، لأن المنطلق الذي ينطلق منه يبين طبعاً تاريخه المليء بمثل هذه الأمور..

توفيق طه: نعم، هناك.. نعم

د.إبراهيم عويس: وأنه من الممكن جداً أن ينحو ناحية أخرى تضر بالمصالح الأميركية في المنطقة.

توفيق طه: نعم، هناك دكتور من يقول أيضاً إن أميركا لن تعود بحاجة إلى إسرائيل، هذه الحاجة الماسة بعد ما تحتل العراق من خلال الضربة المحتملة، ويعني.. وإنها بالتالي لن تضطر إلى مجاراة خطط شارون والخطط الإسرائيلية.

د. إبراهيم عويس: طبعاً. أولاً هل هناك حرب أو لا؟ دي مسألة لازالت سؤال كبير جداً، ولا نعرف تماماً إذا.. إذا إنه هذا الحدث سيحدث و.. أو لأ، لأنه هذه الحرب ستفتح فعلاً باب جهنم في المنطقة، وأن حسابات الولايات المتحدة الآن تحاول أن تُعيد النظر في تلك الأمور، لأنه ليس من مصلحة الولايات المتحدة أن تفتح باب جهنم في المنطقة، وأن تضع إسرائيل وشارون على رأس هذه الهجمات التي قد تؤدي إلى غليان الشارع العربي في جميع مناطقه، بل أيضاً الشارع الأميركي، لأن الشارع الأميركي الآن بدأ يتجمع، وبدأ يبين أن هذه الحرب ليست في مصلحة الولايات المتحدة.

توفيق طه: نعم. لكن.. نعم دكتور.. نعم.

د. إبراهيم عويس: طبعاً إذا كان السيناريو اللي بتتكلم عنه سيحدث طبعاً لاشك إنه من الممكن جداً إنه كل الأمور ستؤدي إلى عواقب أخرى. إنما أنا لا أعتقد أبداً أنه لا يمكن لسياسة الولايات المتحدة أن تختلف عن التأثير الإسرائيلي فيها، خصوصاً في الانتخابات القادمة، الانتخابات القادمة الآن هي مهمة جداً بالنسبة للرئيس بوش.

توفيق طه: هنا السؤال.. نعم.

د.إبراهيم عويس: وأن دور.. ما تساعده الإيباك بالنسبة لتمويل العمليات الانتخابية في الولايات المتحدة سيكون له تأثير مهم جداً في الفترة القادمة.

توفيق طه: في هذه الانتخابات، نعم.. دكتور، السؤال هنا يعني الثمن الذي تحاول واشنطن أن تدفعه للعرب من خلال الحل المرحلي الذي وضعته اللجنة الرباعية لقضية.. للقضية الفلسطينية، يعني هل هناك فعلاً إرادة سياسية في واشنطن من أجل تطبيق هذا الحل؟

د.إبراهيم عويس: أنا لا أعتقد أن هناك إرادة سياسية لتطبيق هذا الحل، وأن واشنطن تتَّبع سياسة التجديد لكل ما يحدث، ومقابلة الأحداث كما تجري، وليس تخطيطاً لمستقبلٍ من خلال جميع السيناريوهات المختلفة التي تُعرض على الرئاسة الأميركية، ومن هنا أنا لا أعتقد أن هناك فعلاً سياسة جدية، وليس هناك إلا تأجيل، ثم تأجيل، ثم تأجيل، كان.. كان مفروض يبقى فيه مؤتمر في.. في الصيف الماضي، دلوقتي طبعاً أُجلت إلى ثلاث سنوات، ومن هنا عملية التأجيل ستستمر، لأن التأثير الصهيوني تأثير رهيب على.. على من يدير سياسة الولايات المتحدة.

توفيق طه: نعم. دكتور إبراهيم عويس من واشنطن، شكراً لك.

فوز صدام حسين بفترة رئاسية جديدة وأميركا تستعد للحرب

ومن واشنطن وشارون إلى العراق، حيث فاز الرئيس العراقي صدام حسين بـ100% من عدد الأصوات في الاستفتاء على منحة فترة رئاسية جديدة. المسؤولون العراقيون يقولون إن 100% من الناخبين شاركوا في الاستفتاء، الأمر الذي يجعله رسالة عراقية شديدة اللهجة إلى الولايات المتحدة، وتمسكاً بالرئيس صدام حسين. ويبدو جلياً من الخطاب العراقي المصادم أن وراء الأكمة ما وراءها، فالرسالة الإعلامية العراقية مفادها أن الولايات المتحدة ستشن حرباً عليه، ومن هنا ركَّز خطاب الرئيس العراقي على الصمود أمام المعتدي والدفاع عن المقدسات، لكن ألا يوحي هذا الخطاب بنبرة التحدي العالية فيه، بأن العراق يتوقع حلاً دبلوماسياً في اللحظة الأخيرة؟

الرئيس العراقي صدام حسين
تقرير/سمير خضر: من كان يعتقد أن العالم العربي يحتكر نسبة الـ99% في الانتخابات والاستفتاءات، فقد حطم العراقيون هذه النسبة، إذ وصلوا إلى نسبة 100% في آخر استفتاء على تجديد ولاية رئيسهم صدام حسين لسبع سنوات أخرى. صحيح أن الوضع العراقي مختلف تماماً، فالعراقيون لم يذهبون إلى مراكز الاقتراع للتصويت على تجديد ولاية الرئيس وحسب، بل ركزت الحملة الانتخابية على ربط هذا التصويت بالمخططات التي يُجرى وضعها في أروقة البنتاجون لشن حربٍ جديدة عليهم، حربٍ تتضمن هذه المرة غزواً عسكرياً واحتلالاً، وتنصيباً لحاكم عسكري أميركي على العراق، وفي ظل مثل هذه المعطيات كان من الطبيعي أن يصوِّت العراقيون ضد مثل هذه المخططات من خلال الموافقة على إعادة انتخاب صدام حسين، ولكن وفي حين حاولت بغداد من خلال ذلك إرسال إشارات ورسائل حول رغبة الشعب العراقي لم ترَ واشنطن ومعها كثير من دول العالم في هذه النتيجة سوى مسرحية جرى إعدادها بعناية من قبل النظام، بغية درء مخاطر الحرب القادمة، ولم يكن من المستغرب أن يركز الرئيس العراقي في خطابه بعد أدائه اليمين الدستورية على هذه الاحتمالية من خلال دعوته أبناء شعبه إلى الصمود وإلى منازلة الأعداء بشتى السُبل، ورغم أجواء الابتهاج التي ظهرت على مُحيَّا العراقيين على شاشات التلفاز فإن قلوبهم تتوجس خشية مما هو آت لا محالة، فقد بدأت طبول الحرب تُقرع في البنتاجون ولم يعد يمر يوم دون أن ينبري الرئيس جورج بوش أو أحد أعوانه ليعدد مساوئ النظام الحاكم في بغداد والخطورة التي يمثلها بنظره على العالم المتحضر، كما بدأت الأساطيل البحرية تتوجه إلى مياه الخليج على شكل حاملات طائرات ومدمرات وقطع بحرية من شتى الأصناف، أما القوات البرية الأميركية التي ترابط حالياً في محيط العراق فقد زاد تعدادها عن الخمسين ألفاً يبدو أنها لم تعد تنتظر سوى تحديد ساعة الصفر التي تحاول واشنطن فرضها على المجتمع الدولي دون نتيجة، فالوضع الدولي اليوم يختلف كثيراً عما كان عليه في مطلع التسعينات، ومجلس الأمن الدولي منقسم على نفسه أو بالأحرى منقسم بين أقلية أميركية بريطانية تدفع باتجاه منطق القوة والحرب وأغلبية تتزعمها فرنسا ترفض مثل هذا المنطق.

أما الشارع العراقي وبعد انتهاء أعراس تجديد البيعة فقد عاد إلى همومه اليومية بانتظار ما قد تسفر عنه الأيام المقبلة التي لن تختلف بأي حال عن الأيام الماضية.

توفيق طه: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيها أيضاً بعد الفاصل:

متى يحل السلام في أقدم الصراعات العالمية ومن ينصف الجمهوريين؟

[فاصل إعلاني]

تداعيات انفجار بالي على صناعة السياحة والمؤسسة العسكرية في إندونيسيا

توفيق طه: جحيم في الجنة، كان ذلك وصف انفجار الملهى في جزيرة (بالي) السياحية، ومع تفجر السياح الذين تعثر التعرف على جثثهم بسبب احتراق معظمها كلية تركزت الاتهامات على الإسلاميين المتهمين بالارتباط بتنظيم القاعدة، لكن قبل الوقوع في فخ الاتهامات المسبقة يجب إدراك الطبيعة المعقدة لجزر الأرخبيل الإندونيسي ثم إثارة التساؤل عمن له مصلحة حقيقية في ضرب السياحة الإندونيسية، فعلى الرغم من أن معظم سكان إندونيسيا من المسلمين إلا أن المجتمع فسيفسائي لدرجة كبيرة، ثم هناك المؤسسة العسكرية التي أضحت الرابح الأكبر نظراً لأن عبء محاربة الإرهاب يقع عليها، ويبدو أن مؤسسات المجتمع المدني ستكون الخاسر الأكبر نظراً لتزايد الضغوط الدولية على حكومة (ميجاواتي سوكارنو بوتري) لعسكرة المعركة الأمنية.

محققون أستراليون يفحصون موقع الانفجار

تقرير/جيان اليعقوبي: جاءت عملية (بالي) على طبق من ذهب وفي الوقت المناسب تماماً كي تعود المؤسسة العسكرية من الشباك بعد أن أخرجها الشعب الإندونيسي من الباب عام 98، وتبدو نافذة الإرهاب واسعة وتستطيع المؤسسة العسكرية الولوج منها بكل يسر وسلاسة، فالغرب أصبح الآن في مزاج يسمح بقبول ليس فقط قوانين الطوارئ واعتقال المشتبه بهم والتضييق عليهم ومراقبتهم، بل بأكثر من هذا بكثير، وإندونيسيا مازالت تحبو في مدرسة الديمقراطية عندما أسقط الطلاب المدعومون بكل التنظيمات المدنية من جماعات إسلامية ويسارية وليبرالية حكم الجنرال (سوهارتو) الذي دام أكثر من ثلاثة عقود سيطر خلالها على جميع مفاصل الحياة في هذا الأرخبيل المؤلف من أكثر من ألف جزيرة، وبعد سقوط سوهارتو رجل الغرب القوي الذي قمع المد الشيوعي في بلده بنفس الحزم الذي قمع فيه التيارات الإسلامية المتشددة لم يكن سهلاً الانتقال إلى المرحلة الجديدة، حيث شهدت البلاد بوادر تفكك بدأت باستقلال تيمور الشرقية ثم انتقال نيران النزعات الانفصالية إلى مناطق أخرى حتى كاد لهيبها أن يعصف بوحدة البلاد وتماسكها، وتناوب على الحكم رجال ونساء لم يرقَ أحدهم إلى مستوى تطلعات الشعب الإندونيسي، فمن عبد الواحد المريض إلى ميجاواتي الملقبة "بالخرساء" ظل العسكر يتطلعون بلهفة إلى الظرف المناسب الذي يمكنهم من الوثوب إلى السلطة مرة أخرى، وهذه المرة بموافقة إقليمية ودولية تحت لافتة مكافحة الإرهاب، وهكذا تمت الموافقة على إنشاء جهاز استخبارات جديد يتمتع بسلطات أقوى من جهاز الاستخبارات القائم ويتولى -حسب ما قالت الحكومة- استئصال شأفة الإرهابيين من البلاد.

وبما أن الجماعات الإسلامية المتشددة أصبحت هدفاً سهلاً لكل من يريد أن يبطش بيد من حديد فقد بادرت الحكومة إلى التضييق على أبو بكر باعشير (الزعيم الروحي للجماعة الإسلامية في إندونيسيا) الذي وإن كان ينكر صلته بالقاعدة وبتفجير بالي فإنه لا يُخفي ضيقه بالوجود الغربي في بلاده بأي صيغة جاء سياحةً أو استثماراً أو تدريباً، ولاحظ المراقبون أن تفجير بالي وقع في الذكرى الثانية لعملية التفجير الانتحارية للمدمرة الأميركية كول، ولتفجير كول صلة وثيقة بإندونيسيا، فالمصادر الغربية تقول: إن الإعداد للهجوم تم جزئياً بواسطة رضوان عصام الدين (أحد القادة الأساسيين للجماعة الإسلامية، والملقب ببن لادن الآسيوي)، وهكذا تضرب المؤسسة العسكرية عشرة عصافير بحجر واحد، فهي تقدم نفسها كجهة مكافحة للإرهاب، ومنقذة لإندونيسيا من خطر التفكك، وستعود للعب نفس الدور الذي لعبته في خمسينات وستينات القرن الماضي، أي الوكيل الرسمي للولايات المتحدة لمكافحة الشيوعية والتي استبدلت الآن بالإسلاموية.

الموقف الإسرائيلي من مشروع ضخ مياه الوزاني في لبنان

توفيق طه: الماء عصب الحياة، وفي سبيل الحصول عليه تخوض الأمم الحروب، ومن أغرب الأمور أن لبنان البلد الصغير بعدد سكانه والمثقلة بأعباء تركه الحرب الأهلية وحرب التحرير ضد إسرائيل مُطالبٌ إسرائيلياً بعدم استخدام نهر ينبع من أراضيه في أغراض الري فقط لأن إسرائيل تريد استخدام الموارد المائية كافة في المنطقة لري المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية، وقد هدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بشن حرب على لبنان إن هو ضخ مياه النهر، لكن الضغط الأميركي أجبره على اللجوء إلى القنوات الدبلوماسية عبر الأمم المتحدة وهو ما لا يمكن أن يطمئن اللبنانيين حيث إنهم لا يضمنون أن تشن إسرائيل عدواناً إن انتهت الأزمة العراقية وانتفت أسباب ضبط النفس.

عدد من المسؤولين ورجال الدين اللبنانيين يحتفلون بضخ مياه نهر الوزاني

تقرير/ سمير خضر: رغم ما يقوله العلم عن عدم قابلية الماء للاشتعال فإنه قد يكون الشرارة التي تشعل جحيم الحرب في الشرق الأوسط، فالجميع يتفق اليوم على أن حروب المستقبل في المنطقة لن تكون سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية بقدر ما ستكون حروباً من أجل السيطرة على هذه السلعة الحيوية النادرة، ومن يمتلك القوة العسكرية يزيد من قدراته على السيطرة على منابع المياه، وهذا ما تؤمن به إسرائيل وقادتها، ولهذا لم يكن من المستغرب أن تقوم قائمة الحكومة الإسرائيلية إثر قرار لبنان الشروع في ضخ جزء من مياه نهر الوزاني لتلبية احتياجات القرى اللبنانية الجنوبية، فمنذ احتلال إسرائيل لهذه المنطقة عام 82 عمدت إلى استغلال مياه جنوب لبنان استغلالاً جائراً لصالح المستهلك الإسرائيلي ضاربة بعرض الحائط بكل المواثيق والأعراف الدولية التي تنص على تقاسم المياه بين الدول، وعندما اضطر الجيش الإسرائيلي إلى الانسحاب من الجنوب تحت وطأة ضربات المقاومة اللبنانية استمرت إسرائيل في الاستفادة من هذه المياه، بسبب غياب مشاريع الضخ على الجانب اللبناني، ولكن ما أن فكرت الحكومة اللبنانية في استغلال جزء من حصتها الشرعية في مياهها، حتى ثارت ثائرة إسرائيل وبدأت تُلوِّح بالحرب أو على الأقل بضرب منشآت ضخ المياه التي أقامتها الدولة اللبنانية على نهر الوزاني.

ورغم التهديدات الجدية ورغم جهود الوساطة التي بذلتها عدة دول لتهدئة الوضع رفض لبنان التخلي عن مشروعه، ونظم مراسم للاحتفال بافتتاح المشروع والبدء بضخ المياه، الضجة التي أثارتها إسرائيل لم تخلُ مع ذلك من رد فعل عنيف من قبل حزب الله، إذ انبرى حسن نصر الله ليضع النقاط على الحروف مهدداً إسرائيل برد فوري وفي غضون دقائق إن هي فكرت في التعرض لمنشآت نهر الوزاني ويبدو أن إسرائيل أخذت هذا التهديد على محمل الجد، على الأقل في الوقت الراهن، فواشنطن لا تريد اشتعال أزمة جديدة في الشرق الأوسط في الوقت الذي تحاول فيه حشد التأييد الدولي والإقليمي لضرب العراق، فعمدت إلى الطلب من لبنان بتأجيل المشروع أو على الأقل الاكتفاء بضخ الحد الأدنى من المياه ريثما يتم التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل ضمن اتفاق إقليمي أوسع لتقاسم المياه في الشرق الأوسط، أما سكوت إسرائيل فلن يكون بدون ثمن، ومن المؤكد أن تل أبيب ستتحين الفرصة لضرب منشآت الضخ كما فعلت عام 65 ربما في خضم انشغال العالم بضربة عسكرية أميركية للعراق.

الصراع في أيرلندا الشمالية وموقف لندن منه

توفيق طه: وأخيراً إلى أيرلندا الشمالية التي يعتبر الصراع الجمهوري الاتحادي فيها أقدم صراع في العالم الآن، وأشد الأمور قسوة على الجمهوريين هو أن لندن تتصرف بطريقة: فيك الخصام وأنت الخصم والحكم.

فبينما تطالب لندن الجيش الجمهوري الأيرلندي بنزع أسلحته، تكتفي بتنديدات مخففة اللهجة للغاية للمنظمات البروتستانتية التي لم تتوقف عن ارتكاب جرائمها ضد المدنيين الكاثوليك، الجمهوريين في بلفاست وأوما ولندن ديري وجميع قرى ومدن أيرلندا الشمالية، بل يعتبر تسليح الجيش البريطاني للمتطرفين البروتستانت من الأسرار التي لم تبالي لندن بإخفائها كثيراً، سياسية الكيل بمكيالين هذه هي ما يعوق عملية السلام لا مجرد تجسس وزيرٍ كاثوليكي جمهوري على وثائق الحكومة الإقليمية.

رسم جداري يرمز لرجال الجيش الجمهوري الإيرلندي الذين توفوا في الأحداث بإيرلندا الشمالية
تقرير/ حسن إبراهيم: "لا يمكن أن يتوقع الكاثوليك إنصافاً من لندن ولو قبَّلوا التراب" كانت تلك الكلمات الغاضبة من مأثورات (إيمين دبليرا) أول رئيس لجمهورية أيرلندا، وأول من قبل بتقسيم الجزيرة الأيرلندية، ورغم أن جُلَّ الحركات الكاثوليكية الجمهورية الراديكالية منها والبراجماتية فضلت التعامل مع لندن عبر المفاوضات، لا عبر فُوَّهات البنادق إلا أن ما يقف بينها وبين الحل الوسط تراكمات تاريخ دموي وصراع على الهوية مع الطائفة البروتستانتية الاتحادية في مجملها، فلو اكتُشف أن وزيراً جمهورياً في الحكومة الإقليمية يتجسس عليها أيعتبر هذا نهاية للحكومة برمتها، وإلا فلماذا لم تنفض الحكومة بعد أن كشفت أن قوة متطوعي (آرثر) التي تعتبرها لندن تنظيماً إرهابياً أسوة بالجيش الجمهوري الأيرلندي كانت تتسلح من الجيش البريطاني على مدى الخمس وعشرين سنة الماضية، ولماذا لم تنفض الحكومة عندما اكتشف أن بعض معاوني (ديفيد ترمبل) متورطون في الأعمال الإرهابية التي لم تتوقف المنظمات الإرهابية البروتستانتية عن القيام بها، حمل (جيري آدمز) زعيم حزب (الشين فين) الجناح السياسي في الجيش الجمهوري الأيرلندي هذه الأسئلة إلى رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير) ليحثه على عدم حل الحكومة الإقليمية، لكن صرخات الكراهية التي كان يطلقها رجال من أمثال القس الدكتور (إيم بريزلي) العدو الأول للكاثوليك الجمهوريين معتدلين كانوا أم راديكاليين، والغضب الذي أبداه ديفيد ترمبل (رئيس الحكومة الإقليمية) كانا كافيين لإقناع بلير بأنه على لندن أخذ زمام الأمور في يديها مرة أخرى.

قرار لندن لاشك سيشكل ضربة للأجنحة المعتدلة في الحركة الجمهورية، خاصة الحزب الديمقراطي الاجتماعي الذي كان ولا يزال السبَّاق إلى أي تسوية تقي الأيرلنديين شر الاقتتال، والاقتتال يبدو خياراً محتملاً، لأن الذين في أيديهم مفاتيح الحل يصرون إلا أن يريقوا ماء وجه الجيش الجمهوري وجناحه السياسي الشين فين.

ويعتقد المراقبون أن المنظمات الراديكالية الجمهورية ستطل برأسها مرة أخرى بعد أن لفظها الجيش الجمهوري وجماهير أيرلندا، فمنظمات من قبيل الجيش الجمهوري المستمر، والجيش الجمهوري الحقيقي، والكتائب الجمهورية، والألوية الجمهورية، لا شك ستجد رواجاً في أوساط الشباب الجمهوري الغاضب.

أما الجانب البروتستانتي فترحيبه بقرار لندن يأتي من أنه يحقق له ولو لفترة مؤقتة الحلم الذي يتوق إليه معظم الزعماء الاتحاديين وهو الإبقاء على علاقة ما بلندن ولو فقدوا مناصبهم السياسية، لكن بقاء الحال من المحال، ولابد من استئناف العملية السلمية، لكن هذا لن يتحقق إلا بنزع أسلحة جميع الأطراف لا الجمهورية وحدها.

توفيق طه: بهذا نصل إلى ختام جولتنا في (الملف الأسبوعي) ونذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع الجزيرة نت في الشبكة المعلوماتية الإنترنت، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام إن شاء الله، لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، تحية لكم من فريق البرنامج، وهذا توفيق طه يستودعكم الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة