أبعاد جولة الرئيس الروسي في أفريقيا   
الأحد 1430/7/6 هـ - الموافق 28/6/2009 م (آخر تحديث) الساعة 1:49 (مكة المكرمة)، 22:49 (غرينتش)

- أهداف الجولة ودوافع العودة الروسية إلى أفريقيا
- الإمكانات والسبل الروسية لمواجهة تحديات العودة

محمد كريشان
خالد الشكراوي
فيتالي نعومكن
محمد كريشان: السلام عليكم. نتوقف في هذه الحلقة عند محاولات موسكو استعادة دورها السابق في القارة الأفريقية في ضوء جولة الرئيس الروسي ديمتري ميدفيدف الحالية والتي شملت أربعا من دول القارة. في حلقتنا هذه محوران، ما هي المكاسب التي يحاول الدب الروسي تحقيقها عبر محاولات تثبيت أقدامه في القارة السمراء؟ وما هي فرص نجاح موسكو في منافسة القوى الأخرى التي تحاول السيطرة على موارد أفريقيا؟... من القاهرة حيث وقع عقودا واتفاقيات تعاون كبيرة من بينها اتفاق في مجال الطاقة النووية بدأ الرئيس الروسي ديمتري ميدفيدف جولته الأفريقية الحالية والتي حملته بعد ذلك إلى نيجيريا حيث وعد بتوجيه مليارات الدولارات للاستثمار في قطاع النفط النيجيري، ومن هناك توجه ميدفيدف إلى ناميبيا خامس منتج لليورانيوم في العالم والبلد الذي يتوقع أن يكون أكبر مصدر لهذه السلعة الحيوية في غضون ست سنوات من الآن، ومن ناميبيا توجه ميدفيدف إلى أنغولا أكبر مصدري النفط للصين المنافس القوي على النفوذ في أفريقيا. هي جولة عمادها الطاقة إذاً، موضوع التنافس المحموم بين القوى الكبرى في العالم الذي تحاول موسكو الحصول على موطئ قدم لها ومعها في أرض أفريقيا البكر.

[تقرير مسجل]

إيمان رمضان: ميدفيدف في أفريقيا بحقيبة صفقات ثمينة، يبدو أن روسيا تستدرك ما فاتها في سنوات الغياب عن القارة، في القاهرة يكمل ميدفيدف ما بدأه بوتين قبل أربعة أعوام لتستعيد موسكو مكانها على طاولة الشراكة العسكرية والاقتصادية، صفقة غواصات وصواريخ فضائية روسية ومشاركة في مشروع مصري للطاقة النووية السلمية ومؤتمر دولي كبير حول الشرق الأوسط في موسكو لا يقل أهمية عن مؤتمر أنابوليس، مشهد يذكر إلى حد بعيد بآخر طالما جمع بين جمال عبد الناصر ونظيره نيكيتا خروتشوف أيام كان الاتحاد السوفياتي السابق الشريك الأكبر لمصر في كافة المجالات. انتهت الزيارة في مصر لتفتح الطريق استكمالا لجولة أفريقية هامة شملت ناميبيا ونيجيريا وأنغولا فأفريقيا قارة متناقضات مرضا وفقرا ومجاعة وقرنا أفريقيا مضطربا مقابل ثروات النفط والغاز والماس والذهب والأرض والماء والأسواق الاستهلاكية. ميدفيدف هنا لا يزور أنغولا فحسب بل يزور البلد الذي يسيطر الاستثمار الصيني على ربع حجم صناعة النفط فيها وهي أكبر مصدري النفط للصين، بيد أن أنغولا ليست استثناء في محيطها الأفريقي بالنسبة للحضور الصيني فثقل الصين في القارة الأفريقية يزن أكثر من مليون عامل ومستثمر في مجالات تبدأ بالتجارة وبناء المشروعات العملاقة ولا تنتهي عند حقول النفط والغاز. الغاز وهو أهم ما ركز عليه الحضور الروسي هذه المرة، فسيبحث ميدفيدف في نيجيريا مشروع مد أنبوب غاز عبر الصحراء لنقل الغاز النيجيري إلى أوروبا برعاية الشركة الروسية العملاقة غازبروم وهو مجرد جزء في خطة استثمار روسية في أفريقيا تقدر بمليارات الدولارات. جولة في أفريقيا ظاهرها اقتصادي ولكن لا يمكن بحال أن تنفصل عن حرب باردة تتخذ شكلا مختلفا عن سابقتها، فالتنافس على الكعكة الأفريقية الدسمة لا يقف عند الصين وفرنسا وروسيا بل يشمل الولايات المتحدة التي بات اعتمادها على النفط الأفريقي في ازدياد، لذا كان من الضروري على إدارة بوش السابقة أن تبدأ من حيث انتهت إدارة كلينتون بإعادة ترتيب القرن الأفريقي بما يصب في مصلحة أميركا فكانت الحرب على الإرهاب المدخل الأنسب لإنشاء قيادة عسكرية أميركية في أفريقيا ثم تبلورت قضية القرصنة على سواحل القرن الأفريقي لتشكل تبريرا منطقيا لانتشار قواعد عسكرية أميركية هناك. شمال أفريقيا الذي تعتبره فرنسا أولية سياسية واقتصادية وثقافية هامة لم يكن بعيدا عن الذراع الروسية التي أنجزت في الجزائر مثلا صفقة سلاح تقدر بمليار دولار إضافة إلى مشاريع نفطية بعد أن تعقدت العلاقات الروسية مع ليبيا وموريتانيا لتصبح الجزائر والمغرب منطقة جذب جيوسياسي واقتصادي هامة لموسكو، واليوم تدرس روسيا ضمن ما تدرس خطة عسكرية أمنية لانتشار روسي على سواحل القرن الأفريقي لمجابهة أعمال القرصنة. وربما تظل الساحة الأفريقية مكتظة باللاعبين طالما اكتظ باطن أرضها بالثروات ويتلقفها في المقابل الفقر والفساد وسوء إدارة الموارد.


[نهاية التقرير المسجل]

أهداف الجولة ودوافع العودة الروسية إلى أفريقيا

محمد كريشان: ومعنا في هذه الحلقة من موسكو الدكتور فيتالي نعومكن مدير معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية، ومن الرباط الدكتور خالد الشكراوي خبير الدراسات الأفريقية بجامعة محمد الخامس المغربية، شكرا لحضوركما. نبدأ من موسكو الدكتور فيتالي نعومكن هل موسكو تبحث بالأساس عن مكاسب اقتصادية فقط من خلال هذه الجولة؟... سنحاول الاتصال مرة أخرى بالسيد نعومكن. نسأل الدكتور خالد الشكراوي نفس السؤال عما إذا كانت موسكو تبحث بالأساس عن فوائد اقتصادية بالدرجة الأولى؟

خالد الشكراوي: طبيعي أن موسكو تبحث عن فوائد اقتصادية ولكن في نفس الوقت هي تحاول استعادة رصيدها التاريخي الذي فقدته منذ سنة 1991 بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وحيث أن لها رصيدا تاريخيا مهما بإمكانها استعادته حتى تستفيد من الإمكانيات الاقتصادية على ضوء الأزمة الدولية حاليا، وبالتالي أصبحت أفريقيا عبارة عن كعكة تتسابق عليها الدول الغربية وأيضا الصين وروسيا حاليا خاصة على مستوى البنيات البترولية والمعادن النفيسة وغيرها وبالتالي سنلاحظ أن الرئيس ميدفيدف سوف يرافقه وقد رافقه فعلا العديد من رؤساء الشركات الكبرى، غازبروم، غراس سول، تشافسبيك سبور إلى غير ذلك وهي كلها مهتمة بمجالات اقتصادية إستراتيجية على رأسها البترول والغاز واليورانيوم والماس، وبالتالي سوف يحاولون السيطرة على هذه الأسواق ومجابهة الدول الأخرى التي فرضت نفسها بشكل كبير على هذا المجال وعلى رأسها الصين. فعلى سبيل المثال فقط لا الحصر، الصين لها مستوى من المعاملات مع نيجيريا العملاق الأفريقي يصل إلى 11 مليار دولار في حين أن روسيا برصيدها العلائقي المهم مع هذا المجال لا تتجاوز ثلاثمائة مليون دولار. وأظن أنه لتجاوز الأزمة الدولية لا بد من البحث في إمكانيات الاستثمار في المجال الأفريقي وضمان مصادر طاقية أساسية وأيضا ضمان سوق لتوريد المصنوعات والمنتجات الروسية في هذا المجال، علما بأن المجال الأفريقي حاليا يشكل ولو بضعف نسبة نمو قد تجانب 2,8% ولو أن هذه النسبة ضعيفة ولكن مقابل النسب الجد سلبية في العالم الغربي وفي آسيا يشكل المجال الأفريقي محط أنظار واهتمام كبير من لدن  القوى الاقتصادية الدولية.

محمد كريشان: سنحاول التوقف أكثر عند موضوع التنافس بين روسيا والصين وبقية الدول في الجزء الثاني من هذه الحلقة. فيما يتعلق بضيفنا السيد نعومكن الآن عاد معنا من موسكو، هل فقط العنوان العريض لهذه الجولة موضوع الطاقة بالدرجة الأولى والمكاسب الاقتصادية هي التي طغت، هل هذا فقط هو ما تبحث عنه موسكو من خلال العودة القوية إلى أفريقيا؟

فيتالي نعومكن: نعم، طبعا أظن أن القضايا الاقتصادية والمكاسب الاقتصادية والمصالح الاقتصادية لروسيا كدولة وروسيا كقطاع خاص يعني بالنسبة للشركات الروسية التي لها اهتمام بالقارة الأفريقية هو قبل الشيء الهدف الأساسي لهذه الزيارة فالمهم أن الشركات الروسية بالرغم من الأزمة الاقتصادية العالمية لها إمكانيات كبيرة للاستثمار، طبعا المنافسة مع الصين صعبة جدا لأن الصين كدولة ضخمة يعني لها إمكانيات كبيرة للاستثمار في أفريقيا ولها اهتمام أكبر بمصادر الطاقة لأنها تحتاج إلى مصادر الطاقة، روسيا لا تحتاج لأن لها نفطا لها بترول ولكن روسيا تريد أن تكون موجودة هناك وتريد مثلا إذا أخذنا كمثل ناميبيا، ناميبيا لها مناجم يورانيوم ضخمة ولكن استولى عليها طبعا الأشخاص من ناميبيا أنفسهم استولوا عليها ولكن روسيا تريد أن.. الشركات الروسية تريد أن تشتري بعض المناجم وتريد أن تستلم هذه المادة لأن اليورانيوم في ناميبيا أرخص بكثير من مثلا اليورانيوم في روسيا، روسيا تحتاج إلى هذه المادة ولكن هناك أيضا بعض المصالح الإستراتيجة مثلا بيع الأسلحة لبعض الدول الأفريقية وأيضا مصالح سياسية وخاصة في مصر حيث بدأت روسيا مثلا تهتم بدفع يعني خطتها بالنسبة لعقد مؤتمر السلام في موسكو، مع أن فكرة هذا المؤتمر تصطدم بمصاعب كثيرة وخاصة من قبل إسرائيل التي لا تريد حتى الآن أن تشترك بمثل هذا المؤتمر.

محمد كريشان: ولكن حتى قبل أن تحصل روسيا على مكاسب اقتصادية سواء بالنسبة لليورانيوم في ناميبيا أو بالنسبة للنفط والغاز في نيجيريا أو غيرها، روسيا مثلا بالنسبة لنيجيريا قالت بأنها مستعدة لاستثمار مليارات الدولارات في قطاع النفط والغاز، إذاً روسيا حتى قبل أن تحصل على أي شيء هي مدعوة في المرحلة الأولى أن تدفع بأقساط كبيرة كبداية للاستثمار، هذا صحيح؟

فيتالي نعومكن: هذا صحيح وكما قلت بعض الشركات الروسية مثلا شركة غازبروم التي تسيطر عليها الدولة يعني هي شركة مختلطة بين الدولة والقطاع الخاص ولها إمكانيات ضخمة للاستثمار وأظن أن هناك طبعا كل الإمكانيات مفتوحة أمام غازبروم أن تتعاون مع نيجيريا وأظن أن نيجيريا يمكن من أنجح الدول التي زارها ميدفيدف بالنسبة لإمكانيات الاستثمار الغازي في هذه الدولة الغنية بالموارد الطبيعية، بينما إذا أخذنا مصر فهناك طبعا أفضلية أخرى هي طبعا بناء المحطات النووية لتوليد الكهرباء لأنه هناك من المعروف أن هناك 13 دولة عربية عبرت عن استعدادها لاستعمال الطاقة النووية لتوليد الكهرباء، وطبعا التنافس في هذا الفرع في هذا المجال بالذات هو حاد جدا والمنافسة بين روسيا والشركات الغربية منافسة حادة جدا وروسيا إذا نجحت مثلا في المشاركة في بناء مثل هذه المحطة مثل هذا المصنع في مصر قد يمكن أن تنجح في الدول  العربية الأخرى.

محمد كريشان: نعم. نائب رئيس الوزراء الروسي المكلف بالشؤون الأفريقية في يناير من هذا العام، وهنا أسأل الدكتور خالد الشكراوي، قال بأن روسيا قررت العودة إلى القارة، ألا تعتقد أن قصر بوابة العودة على الشؤون الاقتصادية فقط يحمل بعض الرهان الذي فيه بعض المجازفات؟

خالد الشكراوي: يعني الرهان الاقتصادي مهم جدا وحيثما يوجد الرهان الاقتصادي يوجد الرهان السياسي، روسيا لا تريد حاليا أن تشعل حربا باردة جديدة مع الغربيين أو مع الصين لكنها في نفس الوقت تحاول إيجاد مكان لها في القارة الأفريقية بعد أن فقدته منذ سنة 1991 وبالتالي فهي سوف تراهن على البنيات الاقتصادية خاصة وأن مردودية هذا الرهان مهمة جدا بالنسبة للاقتصاد الروسي ثم بعد ذلك بإمكانها أن تفرض نفسها كشريك إستراتيجي بالنسبة للمجال الأفريقي ومقابل كل من دول أخرى سواء كانت آسيوية على رأسها الصين أو الدول الغربية على رأسها فرنسا والولايات المتحدة الأميركية ولكن أظن أن هذه المسألة مهمة للغاية فالسوق الأفريقية سوق خصبة، على سبيل المثال يعني نيجيريا دولة عملاقة بالنسبة للمجال.. بالنسبة لروسيا ودخول غازبروم للسيطرة أو محاولة المشاركة في أنبوب الغاز عبر الصحراء الذي سوف يربط ما بين نيجيريا وأوروبا مهم للغاية وهو يدخل في النطاق الإستراتيجي فروسيا غير محتاجة لهذا الغاز وهي أهم مصدر للغاز نحو أوروبا، وأوروبا في هذا الإطار تسعى إلى فك نوع من العزلة أو الاحتكار الروسي للغاز وبالتالي فإن روسيا سوف تحاول الالتفاف على هذا المشروع وبالتالي التحكم فيه من جانب آخر وبالتالي سوف تظل إن نجحت في أخذ هذا الرهان سوف تظل روسيا مرتبطة ومتحكمة في تمرير الغاز، سواء الغاز الروسي انطلاقا من الشمال الأوروبي أو الغاز الأوروبي انطلاقا من مجال الصحراء، فالمسألة الاقتصادية مرتبطة أساسا بالمسألة السياسية إلا أن هذه المسألة السياسية لن تظهر في البداية ولكن سوف تصبح مرحلة إستراتيجية وجيوإستراتيجية مهمة سوف يعني تلحقها خطوات أخرى فيما بعد عندما تؤكد روسيا عقودا اقتصادية مهمة لها مردودية ولها ارتباطات جيوإستراتيجية بعد ذلك.

محمد كريشان: نعم. مثلما ذكرنا قبل قليل روسيا تأتي إلى القارة السمراء وهناك دول أخرى كبرى تنافسها على الرهان على هذه المنطقة من العالم، سنحاول بعد الفاصل أن نتطرق إلى مدى حظوظ روسيا في قدرتها على منافسة هذه الدول التي قد تكون سبقتها إلى القارة السمراء. لنا عودة بعد فاصل قصير فابقوا معنا.


[فاصل إعلاني]

الإمكانات والسبل الروسية لمواجهة تحديات العودة

محمد كريشان: أهلا بكم من جديد في حلقتنا التي تناقش محاولات عودة روسيا إلى أفريقيا في ضوء جولة ميدفيدف الحالية. سيد نعومكن في موسكو، الرئيس ميدفيدف اعترف بأن موسكو تصل إلى أفريقيا متأخرة، مع ذلك، هل ما زالت لها قدرة على منافسة من سبقها إلى ذلك؟

فيتالي نعومكن: كما ذكرت من الصعب أن تتنافس روسيا مع الصين الآن لأن الصين هي الدولة التي يعني استثمرت كثيرا وساعدت الدول الأفريقية في تطورها الاقتصادي ولذلك على روسيا أن تعمل بسرعة الآن، ولكن هناك إمكانيات غير موجودة لدى الصين أو لدى الولايات المتحدة الأميركية لأنه مثلا روسيا دولة منتجة للبترول ولذلك تعاونها مثلا مع أنغولا ليس فقط مثلا، أو ليس في مجال شراء مثلا النفط الأنغولي ولكن التعاون مع أنغولا مثلا في سوق المنتجين أو في مجموعة المتنجين أو التعاون مثلا بين روسيا وأوبك ومع المنتجين الآخرين هناك طبعا الآن تنسيق لا بد من التنسيق بين المنتجين للبترول والغاز على الأسواق العالمية حول الأسعار، ولذلك ميدفيدف كان يدعو إلى التعاون بين روسيا وأنغولا في سوق البترول بالنسبة إلى تحديد الأسعار وسياسة الأسعار وسياسة التسويق، ولذلك التعاون بين المنتجين هو محور من المحاور الهامة للتعاون بين روسيا وأنغولا مثلا في هذا المجال، أو بالنسبة.. إذا أخذنا مثلا الماس أيضا روسيا أيضا دولة منتجة ودولة تعمل في السوق ولها موارد موجودة، هي ليست فقط دولة مستهلكة، وميدفيدف أشار بشكل عام إلى أن السوق الآن في الحقيقة يعني تتوقف كليا على مصلحة المستهلكين ومصلحة المنتجين هي التي تريد أن.. أو يريد ميدفيدف أن يهتم بها وأن يتعاون مع الدول المنتجة لنفس المصادر التي موجودة لدى روسيا، نفس الثروات الطبيعية الموجودة لدى روسيا في مجال هذا التنسيق ومجال التسويق ولذلك مجال التعاون يختلف عن مجال التعاون مثلا بين هذه الدول الأفريقية والصين، لذلك روسيا ليست فقط دولة مستثمرة ولكن دولة منتجة مع هذه الدول الأفريقية التي زارها السيد ميدفيدف.

محمد كريشان: ولكن روسيا، وهنا أسأل الدكتور خالد الشكراوي، روسيا كما كتب بعض المحللين عموما لا تقدم مساعدات للدول الأفريقية هي فقط تكتفي بإلغاء ديون سابقة أو قروض قديمة من عهد الاتحاد السوفياتي، هل هذا كفيل لوحده بكسب صداقات جديدة في القارة السمراء؟

خالد الشكراوي: أولا يجب الرجوع إلى مسألة المساعدات الدولية فالمساعدات الدولية الغربية وإن كانت تذاع حولها الكثير من الأقاويل وغيرها هي ضعيفة جدا وفي غالبيتها هي مساعدات تذهب في كثير من الأحيان لمساندة الشركات الغربية للاستثمار في المجال الأفريقي وبالتالي لا تستفيد الدول الأفريقية بشكل كبير من هذه المساعدات. ثانيا جزء كبير من هذه المساعدات يذهب في جيوب الزعماء والرؤساء الأفارقة لانعدام الحكامة الجيدة، وبالتالي أظن بأن روسيا حاليا إذا استعملت واستغلت رصيدها التاريخي مع دول أفريقيا فبإمكانها أن تضيف قيمة إضافية مهمة للمجال الأفريقي على المستوى الاقتصادي وأيضا على المستوى السياسي على أساس أن الحضور الصيني في هذا المجال أصبح في كثير من الأحيان يطرح العديد من المشاكل لأن القيمة المضافة التي أضافتها الصين ضعيفة جدا على مستوى مثلا معلوم استعمال العمالة الصينية حيث أن الشركات الصينية تستقدم أيضا من الصين اليد العاملة وبالتالي فإن المجتمع الأفريقي لا يستفيد كثيرا من الحضور الاقتصادي الصيني وهناك مزاحمة كثيرة نظرا لسوء بعض البضائع وكثير من المشاكل التي طرحتها بعض المستوردات الصينية في السوق الأفريقية. أظن بأن روسيا وإن كانت غير حاضرة بشكل قوي كما يشاع وكما يذاع على المستوى الاقتصادي لكنها حاضرة على المستوى التاريخي حاضرة على المستوى السياسي حاضرة على مستوى العلاقات التي بنتها منذ الاتحاد السوفياتي السابق وأيضا يجب ألا ننسى بأن روسيا تعتبر إلى يومنا هذا المورد الأساسي للأسلحة لمختلف وغالبية الدول الأفريقية وهذا نطاق إستراتيجي مهم قد يساهم بشكل كبير في تدعيم العلائق الاقتصادية والبينية ما بين الدول الأفريقية وروسيا، يضاف إلى ذلك مسألة أساسية تحدث عليها الزميل من موسكو وهي أن روسيا منتجة لهذه المكونات الاقتصادية التي تسعى إلى التحكم فيها. الحضور الاقتصادي والاهتمام السياسي بالقارة الأفريقية من لدن روسيا حاليا هو اهتمام جيوإستراتيجي، أولا التحكم في هاته المصادر الموردة بالأساس إلى السوق الأوروبية والسوق الصينية، ثانيا محاولة ضمان استقرار السوق الدولية وأثمنة هذه السوق سواء على مستوى الألماس حيث أن روسيا عن طريق شركتها الكبرى ألاروسا تعتبر أكبر مورد وأكبر منتج للألماس في العالم عن طريق غازبروم..

محمد كريشان (مقاطعا): لكن الآن ربما التحدي الأساسي الآن بالنسبة لموسكو، وهنا أعود في نهاية الحلقة للدكتور فيتالي نعومكن، التحدي الأساسي الآن هو كيف يمكن رأسملة هذه العودة -إن صح التعبير- رأسملتها على الصعيد السياسي؟ كيف يمكن لموسكو أن تتصرف على هذا الصعيد؟

فيتالي نعومكن: أظن أن رأسملة هذه العودة تتكون في الحقيقة في وجود روسيا بعد غياب، بعد هذا الغياب الطويل، يعني الوجود السياسي الوجود الجيوإستراتيجي التعامل مع مثلا رصيد كبير بقي في الدول الأفريقية من هؤلاء الذين تخرجوا من مثلا الجامعات والمعاهد الروسية وهؤلاء الذين مثلا أصبحوا وزراء ورؤساء دول، مثلا الرئيس الأنغولي دوس سانتوس هو خريج جامعة في موسكو وهناك ناس كثيرون لهم روابط كثيرة وعودة موسكو هي دافع للتعاون مع هؤلاء واستعمال مثل هذا الرصيد الثقافي والسياسي وأيضا الرصيد العسكري لأن هذه الدول هي الدول التي كانت تشتري من روسيا الأسلحة خلال سنوات طويلة لنضالها التحرري مثلا في ناميبيا أو في أنغولا ولذلك عودة روسيا في الحقيقة معناها كبير جدا، معناها العودة إلى -على الأقل نسبيا- إلى هذه العلاقات الوطيدة التي كانت تربط هذه الدول بروسيا أو بالاتحاد السوفياتي سابقا والآن برروسيا الجديدة التي تحررت من القيود الأيديولوجية ولكن أصبحت براغماتية وأصبحت تهتم بالمصالح المشتركة بينها وبين هذه الدول الأفريقية.

محمد كريشان: شكرا جزيلا لك دكتور فيتالي نعومكن مدير معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية كنت معنا من موسكو، شكرا أيضا لضيفنا من الرباط الدكتور خالد الشكراوي خبير الدراسات الأفريقية بجامعة محمد الخامس المغربية. وبهذا مشاهدينا نكون قد وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر، كالعادة نذكركم بإمكانية إرسال بعض المقترحات على هذا العنوان الإلكتروني
indepth@aljazeera.net

غدا بإذن الله قراءة جديدة في ما وراء خبر جديد، أستودعكم الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة