رؤية الغرب للإسلام   
الأحد 1429/5/7 هـ - الموافق 11/5/2008 م (آخر تحديث) الساعة 14:24 (مكة المكرمة)، 11:24 (غرينتش)

- الرسوم المسيئة ودور وسائل الإعلام
- "ساذج في الأرض المقدسة"

- القضية الفلسطينية.. جذور وآفاق

- التجربة الثورية والسياسة الواقعية

- ساركوزي والعلاقات الفرنسية العربية


 
 أحمد منصور
 ريجيس دوبريه
أحمد منصور
: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم على الهواء مباشرة هذا الأسبوع من الدوحة وأرحب بكم في حلقة جديدة من برنامج بلا حدود. اليوم أحاول أن أغوص بكم في أفكار وآراء أحد أبرز الفلاسفة الأوروبيين، الفيلسوف والمفكر الفرنسي البارز ريجيس دوبريه، أحد أكثر الفلاسفة الغربيين إثارة للجدل. ولد ريجيس دوبريه في باريس في الثاني من سبتمبر عام 1940، حصل عام 1965 على شهادة الفلسفة من الكلية الوطنية العليا في باريس، ثم التحق بالحزب الشيوعي الفرنسي، تعرف بعد ذلك على الثوري الأممي تشي غيفارا فترك التدريس والتحق بغيفارا وأطلق معه فكرة البؤرة الثورية، وحمل السلاح فيلسوفا ومقاتلا وثائرا، فقتل في غابات بوليفيا مرافقا لتشي غيفارا ثم اعتقل بعد مقتل غيفارا وقضى في السجن في بوليفيا أربع سنوات بين عامي 1967 و1971، حيث أفرج عنه وانتقل بعد الإفراج عنه إلى تشيلي ثم كوبا ثم عاد إلى فرنسا عام 1972 حيث أصبح أستاذا للفسلفة في الكلية الدولية للفلسفة في باريس. كتب عدة روايات وكتب قبل أن يصبح في العام 1981 مستشارا سياسيا لشؤون العالم الثالث للرئيس الفرنسي فرانسوا ميتيران، وسط احتجاجات كبرى على تولي هذا اليساري الثوري المقاتل الأممي السابق هذا المنصب الكبير، لكن ميتيران تمسك به. ولم يمنع المنصب دوبريه من أن يوجه انتقاداته اللاذعة لميتيران وسياسته في الشرق الأوسط، فاختلف مع ميتيران وترك منصبه بعد أربع سنوات وعاد في العام 1985 ليمارس التدريس والكتابة من جديد، وكان من أبرز ما كتبه في تلك المرحلة كتاب "نراك غدا يا ديغول"، ناقش في العام 1993 أطروحة في جامعة باريس حول حياة وموت الصورة "تاريخ البصر في الغرب"، وفي العام 1996 أنشأ "دفاتر الدراسات المنهجية" وهي مجلة كانت تصدر مرتين كل عام وتوقفت عن الصدور في العام 2004، وفي العام 1998 عين مديرا للبرامج في المدرسة الدولية للدراسات الفلسفية، وبين عامي 1998 و2002 ترأس المجلس العلمي في المدرسة الوطنية العليا للمعلومات والمكتبات بينما أعطى دروسا في الفلسفة في جامعة جان مولان في ليون عام 1999، وفي العام 2005 أنشأ مجلة "ميديوم" التواصل من أجل الابتكار، ويترأس منذ العام 2002 المعهد الأوروبي للعلوم الدينية. صدر له حتى الآن أكثر من 25 كتابا أثارت معظمها جدلا واسعا حين صدور كل منها، وقبل أيام أصدر كتابه الأخير تحت عنوان "ساذج في الأرض المقدسة" حيث كتبه بعد معايشة لعدة أشهر قضاها مع الفلسطينيين والإسرائيليين واللبنانيين، رغم أن الكتاب صدر في السابع من فبراير الجاري إلا أن عشرات المقالات النقدية كتبت عنه خلال الأيام القليلة الماضية في الصحف الفرنسية والأوروبية وحتى العربية. نحاول اليوم أن نغوص في أعماق ريجيس دوبريه بلا حدود، ولمشاهدينا الراغبين في المشاركة يمكنهم الاتصال بنا على أرقام هواتف البرنامج التي ستظهر تباعا على الشاشة، أو يكتبوا إلينا عبر موقعنا على شبكة الإنترنت

www.aljazeera.net مرحبا بك أيها الساذج في الأرض المقدسة.

ريجيس دوبريه: مساء الخير.

الرسوم المسيئة ودور وسائل الإعلام

أحمد منصور: شكرا لك على حضورك إلينا ومشاركتك معنا، وأود أن أبدأ معك سؤالا حول الزوبعة التي أثارها اليوم وزير الداخلية الألماني حول الرسوم المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم وطلبه بنشر هذه الرسوم، لا أريد رأيك ولكن أريد أن أفهم منك ويفهم المشاهدون العرب النفسية الغربية كيف تنظر إلى الإسلام وإلى المسلمين وإلى نبي الإسلام لا سيما على المستوى الرسمي وعلى مستوى وسائل الإعلام؟

"
المجتمعات الأوروبية مجتمعات علمانية ولا تفهم معنى المقدس وبعضها لا يعرف ماذا يعني النبي محمد للمسلمين وهم يجهلون ذلك كليا، وأيضا كانت هناك رسوم كاريكاتيرية ليسوع المسيح
"
ريجيس دوبريه
: هذه عبارة عن إثارة لم تكن ضرورية في ألمانيا، والقضية هي قضية جهل قبل كل شيء، أولا حرية الرأي هو شيء موجود ومعتمد في بلادنا وفي أوروبا ولكن يجب أن نتوقف عندما نبدأ بالتعدي على حقوق الآخرين، ولكن هناك بعض الأوروبيين الذين لا يعرفون ماذا يعني النبي محمد للمسلمين وهم يجهلون ذلك كليا. وعلي أن أقول أيضا بأن الرسوم الكاريكاتورية أيضا كانت ليسوع المسيح، وهذه المجتمعات الأوروبية مجتمعات علمانية ولا تفهم معنى المقدس، ولكن علي أيضا أن أعترف أن هذا ليس رأي كافة الفرنسيين.

أحمد منصور: هل فقط الجهل الذي يقف وراء هذا؟

ريجيس دوبريه: أعتقد بأن القضية قضية تعالي أيضا، وأيضا نوعا من الغباء أكثر من أي شيء آخر ولكن ليس هناك مؤامرة.

أحمد منصور: ألا تعتقد أيضا أن ضعف المسلمين في المقابل وضعف الحكومات العربية والحكام العرب في الرد على هذه الإساءات مرة بعد أخرى، يلعب دورا في دفع الغرب الذي لا يعرف إلا لغة القوة إلى أن يزيد في تطاوله يوما بعد يوم؟

ريجيس دوبريه: تسألني إذا كان العالم الإسلامي يساهم في تعالي العالم الأوروبي والغربي، لا أعتقد ذلك ولكن لدينا بعض الصور القاسية التي تأتي من العالم الإسلامي، هناك 14 قرنا من عمر العالم الإسلامي وهناك مجموعات مثل القاعدة ليست موجودة سوى منذ عدة سنوات ولكن الإسلام ليس مرتبطا بالعنف برأينا.

أحمد منصور: لكن يلاحظ خلال السنوات الماضية أن الإعلام الغربي أصبح الإسلام يرادفه الإرهاب والمسلم يرادفه الإرهابي كمصطلحات عادية يتعامل بها، ما طبيعة الدور الذي يلعبه الإعلام الغربي في هذا التشويه للمسلمين وصورتهم؟

ريجيس دوبريه: وسائل الإعلام تبحث دائما عن التوافق، ولذلك فهي تحاول تبسيط الأمور من خلال الجيد والسيء وهناك الكثير من الصور النمطية في الإعلام ولكن علينا أن نفرق بين وسائل الإعلام الكبيرة التي لا تهتم كثيرا بالقضايا الدولية، وهناك وسائل الإعلام المكتوبة التي فيها الكثير من التحليل والتدقيق في الأمور، ومن الصحيح أن نقول بأن وسائل الإعلام لا تلعب دورا إيحابيا فيما يتعلق بالعلاقة بين العالم العربي والإسلامي وأوروبا.

أحمد منصور: هل تعتقد أن وسائل الإعلام الغربية تلعب دورا أساسيا ومباشرا في تأجيج هذا الصراع؟

ريجيس دوبريه: هناك وسائل الإعلام، ولكن أيضا التربية والتعليم والمدارس. ففي المدارس في فرنسا ودول أخرى نعطي دروسا في تاريخ الحضارات وتاريخ الأديان وأعتقد حاليا بأن تعقيد العالم الخارجي وخاصة العالم العربي والإسلامي أصبح كبيرا للغاية، فلذلك نحن لا يجب أن نجعل من الإعلام كبش الفداء، فالإعلام هو يحاول أن يكسب المال بالطبع ولذلك أحيانا يحاولون تبسيط الأمور إلى أقصى حد. ولكن مرة أخرى أقول بأن وعي المشاهدين للتلفزيونات أعلى بكثير من وعي قراء الصحف.

أحمد منصور: المشكلة أن هذه الأشياء لا تقف عند حد، وإنما ما تنشره الصحافة يصبح مادة تلفزيونية بعد ذلك. أنت تتحدث عن تعقيدات، هل يمكن أن تبسط لي هذه التعقيدات في تلك العلاقة المعقدة بين الغرب والإسلام؟

ريجيس دوبريه: علينا أن نأخذ ذلك في السياق التاريخي، فإذا عدت عدة قرون إلى الوراء إلى القرون الوسطى فأوروبا كانت في مدرسة العالم الإسلامي، ومن خلال العالم الإسلامي تعلمنا الفلسفة الإغريقية والطب وتعلمنا الأرقام العربية والحساب وتعلمنا صناعة الورق وكثير من العناصر الأخرى وكثر من التقنيات أيضا، ثم جاء عصر النهضة الأوروبية وبعد ذلك كان هناك تغيير كبير بين التطور الغربي ونوع من التخلف في العالم العربي والإسلامي، ولكن جاء بعد ذلك فترة الحقبة الاستعمارية والذي لم يمنع الكثير من المستشرقين وخاصة الفرنسيين من القيام بأعمال جيدة مثل ماسينيون ومكسيم كوندوسيون وآخرين غيرهم، واللغة العربية يتم تعليمها في المدارس عندنا وهناك عدد من الطلبة الذين يدرسونها ولكن هناك أيضا إذا أردت نوع من المخاوف التي ما زالت باقية مخاوف فيما يتعلق بالعلاقة بين الرجل والمرأة فيما يتعلق أيضا في العلاقة مع الله، فأنتم احتفظتم بعلاقتكم مع الله لكننا نحن في أوروبا أصبحنا حضارة مبنية على حقوق الإنسان بحد ذاته ووضعنا جانبا قضية الإله.

"ساذج في الأرض المقدسة"

أحمد منصور: الصورة التي رسمتها تخلو قليلا من التعقيد تقوم على علاقة منفعة، حينما كان المسلمون يقدمون أو يعلمون الغرب ثم حضارة الغرب بعد ذلك ثم العلاقة التي قامت حتى في الفترة الاستعمارية، ربما آتي إليها بشيء من التفصيل بعد ذلك. لكن كتابك هذا الجديد الذي أمامك الآن "ساذج في الأرض المقدسة" كلفت من الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك بالذهاب إلى الأراضي المقدسة لتكوين رؤية عن الشرق الأوسط، عن الإثني والديني في المنطقة، ما هي دوافع الحكومة الفرنسية أو الرئيس شيراك او دوافعك أنت كمفكر وفيلسوف فرنسي للمجيء إلى المنطقة والحياة فيها ودراسة الإثنية والعرقية والدينية الموجودة فيها؟

"
ذهبت إلى فلسطين ولبنان وسوريا وغزة ومصر ودرست ما تبقى من كلام السيد المسيح وعشت العلاقة بين المسلمين واليهود والمسيحيين فخرجت بكتاب "ساذج في الأرض المقدسة"
"
ريجيس دوبريه
: أولا علي أن أقول بأن شيراك هو رئيس الدولة الوحيد في الغرب الذي يحب الشرق والشرق الأوسط والشرق الأقصى، فهو الرجل السياسي النادر الذي لم يحاول أن يفرض حضارته على حضارات الآخرين، كان يقول بأن هناك حضارة أخرى غير حضارتنا، ولذلك كان يهتم كثيرا بالعالم العربي وأنا شخصيا كان لدي اهتمام كبير بالمسيحيين العرب لأن الكثر من الناس في فرنسا عندما نقول العرب يعتقدون بأن العرب هم مسلمون ولا يعرفون بأن هناك عرب مسيحيون وخاصة في فلسطين، ولذلك ذهبت إلى الأرض المقدسة إلى فلسطين ودرست ما تبقى من كلام السيد المسيح وعشت العلاقة بين المسلمين واليهود والمسيحيين هناك، وهذا دفعني إلى أن أرى على الأرض طبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ولكن أيضا ذهبت إلى لبنان وإلى سوريا وإلى غزة وإلى مصر بالطبع ولذلك اتبعت خطوات السيد المسيح الذي كنا نقرأها في الإنجيل، ليس فقط من أجل أن أعود إلى الماضي أو أن أعلق على النصوص المقدسة ولكن كيف نعيش ديانتنا اليوم.

أحمد منصور: أنا أريدك باختصار شديد، أنا أعرف أن الكتاب كبير وجلست معك جلسة مطولة تحدثنا في كثير من  الأشياء، لكن هل يمكن أن تقدم لي خلاصة تجربتك كفيلسوف ومفكر غربي وأيضا كمناضل أممي سابق، ما الذي رأيته من التعقيدات في تلك العلاقة المعقدة في تلك المنطقة العرقية والدينية؟

ريجيس دوبريه: إذا أردت التناقض، هو أن الديانات السماوية الثلاث عليها أن تكون أديان شقيقة وأن تكون بينها علاقة أخوية فهي نفس الأسرة عائلة أسرة إبراهيم من أبي إبراهيم، أما القضايا السياسية وقضايا النزاع الجغرافي واستملاك الأراضي وخاصة في فلسطين، جعلت كل هذه الأمور النزاع السياسي هو الذي أصبح الآن صراعا دينيا وهذا شيء خطير للغاية لأنه ممكن أن نكون مختلفين سياسيا ولكن أن ندخل الأمور المقدسة فيها تصبح الأمور خطيرة، ونحن لا نقبل التنازل لأن كل ما له علاقة بالأمور المقدسة تصبح قضايا لا يمكن التنازل عنها، ولذلك فإن الفشل السياسي في تلك المنطقة أو عدم وجود الحل للقضية الفلسطينية الإسرائيلية يؤدي إلى عودة إلى الأصول الدينية سواء عند الفلسطينيين أو عند الإسرائيليين.

أحمد منصور: هذه المنطقة المقدسة والأرض المقدسة التي جئت وعشت فيها وبين أهلها، أما كان ينبغي أن تكون أرض سعادة و أرض استقرار وأرض يأتي إليها الناس للبحث عن السعادة والأمان؟ أليس الغرب هو الذي زرع إسرائيل في قلب هذه المنطقة والديار المقدسة لتصبح الصراعات القائمة فيها على هذا النحو؟ لماذا ينحاز الغرب إلى 7 ملايين يهودي على حساب مليار مسلم؟ ولماذا زرع دولة يهودية في قلب مليار مسلم وفي قلب 55 دولة مسلمة؟

ريجيس دوبريه: أولا أنت تتحدث عن الغرب بشكل عام، ولكن هناك غربان، هناك الولايات المتحدة وأوروبا من جهة أخرى..

أحمد منصور(مقاطعا): أوروبا زرعت إسرائيل والولايات المتحدة رعتها ودعمتها.

ريجيس دوبريه: كان هناك أولا الفرصة أي المحرقة النازية التي قام خلالها الألمان بقتل 5 إلى 6 ملاييين يهودي بين عام 1940 و1944من القرن الماضي، وهذا أدى إلى نوع من الندم الكبير في العالم الأوروبي وفي ذلك الوقت بمبادرة من بريطانيا والتي كانت بعد وعد بلفور بالطبع عام 1919 و 1920 أدت إلى إنشاء وطن قومي لليهود، وذلك قد دفع بأوروبا إلى محاولة تبرير أخطاءها على حساب العرب أي أنها طلبت من العرب أن يدفعوا الثمن للأخطاء التي ارتكبتها.

أحمد منصور: ماذا يعني ذلك؟ وسؤالي هنا هو أنك تتحدث عن تكفير خطأ وعن الهولوكوست، وعد بلفور كان عام 1916 والهولوكوست كان في أثناء الحرب العالمية الثانية أو في نهايتها في منتصف الأربعينيات؟

ريجيس دوبريه: كلا، ولكن القضية فيما يتعلق بوعد بلفور هو وطن قومي لليهود الذين كانو أقلية في فلسطين، ولكن إنشاء دولة يعود إلى عام 1948 وتقسيم فلسطين عام 1948 واليوم لدينا الآن هذا الواقع الذي أمامنا هو وجود دولة إسرائيل، وهناك الكثير من الدول العربية أيضا تعترف بذلك مثل الأدرن ومصر، ولا يمكن اليوم هناك إسرائيليون ولدوا على هذه الأرض وهذا هو وطنهم ولكن علينا إذاً أن نعيش مع هذا الأمر.

القضية الفلسطينية.. جذور وآفاق

أحمد منصور: أنا أتكلم معك كفيلسوف ومفكر ولست سياسي، أتكلم معك في المثل في الأخلاقيات في المبادئ في القيم في هذه الأشياء، أوروبا أخطأت في حق اليهود في الحرب العالمية الثانية هذا خطأ أوروبي، وأخطأت خطأ آخر حينما كافأت اليهود على حساب العرب فمنحتهم أرضا لا يمكلها الغرب لليهود هي أرض فلسطين هذا خطأ آخر، إذاً تعقيدات المشكلة سواء بالنسبة لقيام إسرائيل أو بالنسبة إلى الهولوكوست هو خطأ غربي أوروبي بالدرجة الأولى.

ريجيس دوبريه: نعم هذا صحيح ففي وعد بلفور هناك شعب بريطاني وعد شعبا آخر اليهودي بإعطائهم أرض شعب ثالث هو الشعب الفلسطيني، هذا شيء بالطبع غريب للغاية ولكن إذا أردت.. عليك أن تفهم شيئا مهماً هو أن أوروبا هي أول أو أكبر مساهم للفلسطينيين ولكن الولايات المتحدة هي أكبر ممول لإسرائيل، ولكن أوروبا والولايات المتحدة ليسوا في نفس السلة وعليكم أن تقولوا بأن عرفات استقبل عدة مرات في فرنسا وتمت معالجته في فرنسا، ولكن علينا أن نفرق بين الموقف الأوروبي الذي منذ البداية وحتى اليوم يناضل من أجل إقامة دولة فلسطينية، و بين الموقف الأميركي الذي هو مختلف تماما. لماذا مختلف؟ لأن علينا أن نتخيل بأن الصغير يقوده الكبير وأن إسرائيل تقودها الولايات المتحدة وهذا غير صحيح، ممكن أن يكون هذا صحيحا ولكن في الواقع ليس تماما. وأستطيع أن أقول هنا بأن الولايات المتحدة، الأميركيون يذهبون إلى القدس كما يذهب المسلمون إلى مكة أي أن الأرض اليهودية بالنسبة لهم هي عبارة عن أرض مقدسة، لأن الولايات المتحدة هم البروتستانت والبروتستانت الذي يقرؤون العهد القديم ولكن الكاثوليك يقرؤون العهد الجديد فقط، وبالنسبة للأميركيين يقرؤون العهد القديم أي أن الأرض هي أرض لليهود وأستطيع أن أقول هنا بأن الولايات المتحدة يشعرون بأنهم عقائديا مرتبطين بإسرائيل مع الشعب اليهودي، والولايات المتحدة تم تأسيسها كما تعرف من قبل معارضين دينيين كانوا يقرؤون العهد القديم في أوروبا وكانوا يعتبرون أنفسهم شعبا مختارا وأنهم يذهبون إلى الأرض الموعودة لذلك هم يحسون بنوع من القرابة بين الولايات المتحدة الأميركية وبين إسرائيل، ولذلك هناك هذا النوع من العلاقة الآن الموجودة والتي يمكن أن تضيف عليها أيضا الجالية اليهودية الكبيرة في الولايات المتحدة ثاني جالية يهودية في العالم، إسرائيل هي الأولى حوالي 7 ملايين يهودي وهناك 6 ملايين في الولايات المتحدة، وهذا يخلق علاقة معينة بين الولايات المتحدة وإسرائيل أكثر عمقا من العلاقة السياسية والاقتصادية والعسكرية، بالطبع هذه العلاقات موجودة هناك علاقات وروابط في الروح بين الأميركيين والإسرائيليين وهذا من الصعب تخليه وفهمه. ولكن عندما ندرس تاريخ الأديان نستطيع أن ندرك ذلك أما مشكلة أوروبا فهي مشكلة الذنب فنحن نشعر بأننا مذنبين لأننا..

أحمد منصور(مقاطعا): مذنبين تجاه من؟ فقط اليهود؟ أم الفلسطينيين الذي منحتم اليهود أرضهم؟

ريجيس دوبريه: لقد شعرنا بأننا مذنبين عام 1945 عندما عثرنا على معسكرات القتل النازية وقلنا علينا أن نفعل شيئا.

أحمد منصور: أنا أشكرك على توضيح هذه العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة لأن كثير من الناس الأمور عندهم فيها نوع من التعقيد وعدم الوضوح لكنك بسطتها بشكل رائع جدا. لكن لو رجعت أنا إلى الأوروبيين، وأنت تحاول أن تبرئ ساحة الأوروبيين، شعرتم كأوروبيين، وأنا أتحدث معك كمفكر كفيلسوف ولست كسياسي، أنتم كأوروبيين شعرتم بالذنب تجاه اليهود، ولكن أتشعرون بالذنب تجاه الفلسطينيين الذين يواصل اليهود إبادتهم منذ العام 1948 وحتى اليوم بشكل منتظم؟ خلال السنوات الأخيرة فقط قتل في غزة، وأنت ذهبت إلى غزة، ألف طفل فلسطيني خلاف الآلاف الأخرى من المدنيين. أين هذا الذنب؟ ألا تشعرون بالذنب؟ لماذا تشعرون بالذنب فقط تجاه اليهود؟ ولا زلتم إلى اليوم تكفرون عن ذنوب المحرقة ولم تكفروا عن ذنب أو دماء آلاف مؤلفة من الفلسطينيين؟

ريجيس دوبريه: أنا أشعر بنفسي أيضا مذنبا تجاه الفلسطينيين، أنا لا أشعر بنفسي مذنبا تجاه الشعب اليهودي لسبب بسيط للغاية وهو أنني أنا ولدت عام 1940 ووالدي كانا في المقاومة الفرنسية وليس لي علاقة بالنازية الألمانية، أنا أتحدث عن العقلية الأوروبية التي كانت موجودة بعد الحرب وليس عقليتي أنا، أنا أعطيك فقط تفسيرا هنا، أما اليوم بالطبع أنا أناضل من أجل استقلال فلسطين ومن أجل إنشاء دولة فلسطينية وأحاول من خلال هذا الكتاب الذي ألفته أن أشرح ما يجري في غزة اليوم، ولست الوحيد في ذلك. وعلي أن أقول لك هنا بأن كل رؤساء الكنائس المسيحية في القدس المسيحيين دعوا الرأي العام العالمي وراء السيد بوش بشكل خاص إلى رفع الحصار عن غزة، أي السماح للوصول بالمواد التموينية والصحية، فهناك تضامن كبير جدا مع الشعب الفلسطيني خاصة في أوروبا وفرنسا.

أحمد منصور: لكن الفلسطينيين يموتون ببطء كل يوم تحت الحصار. أين أخلاق أوروبا؟ أين قيمها؟ أين ما تتحدث عنه من حقوق إنسان؟ وأنت قلت إن أوروبا ربما كفرت بالله بينما المسلمون متمسكون بالله، وآمنوا بالإنسان، أليس الفلسطيني إنسان؟ اسمح لي أسمع الإجابة بعد فاصل قصير. نعود إليكم بعد فاصل قصير لمتابعة هذا الحوار مع المفكر الفرنسي البارز ريجيس دوبريه فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور: أهلا بكم من جديد، بلا حدود هذه الحلقة التي نستضيف فيها أبرز مفكر وفيلسوف في فرنسا ريجيس دوبريه. تفضل بالإجابة.

ريجيس دوبريه: نعم، الفلسطينيون يعانون وعلينا أن نعترف بأن كل إدانات الأمم المتحدة منذ عام 1967 ورغم كل النداءات والمؤتمرات الدولية من أجل تجميد المستوطنات لم يكن لها أي تأثير على استمرار الهيمنة الإسرائيلية على الضفة الغربية والقدس الشرقية، وإسرائيل تمارس سياسات الأمر الواقع وهناك فرق بين ما يقال على المستوى الدولي وما يتم على الأرض، وهذا رأيته بأم عيني. ومنذ اتفاقات أوسلو كان هناك عدد من الإسرائيليين عدد الإسرائيليين الذين استوطنوا في الضفة الغربية يعادل ما تم الاستيطان به منذ الـ 1967، وممكن أن نقول بأن إسرائيل قد انتصرت في الحرب الإقليمية في الحرب الجغرافية حوالي باستثناء خمس فلسطين التاريخية ولكن إسرائيل لم تكسب الحرب الديمغرافية السكانية. ونستطيع أيضا أن نتساءل إذا كانت ولادة دولة فلسطينية مستقلة ممكنة اليوم عندما نرى طبيعة الاستيطان الذي يقضم الأرض والذي يمتد من البحر المتوسط إلى نهر الأردن، نعم أنا أحيانا أتساءل هل من الواقع أن نناضل من أجل دولة فلسطينية نظرا إلى وضع المستوطنات الحالية؟ وأستطيع أن أقول لك شيئا أنا هنا، في إسرائيل فإسرائيل ليست دولة موحدة هناك نقاشات وهناك تعدد في الآراء وهناك أشخاص يناضلون من أجل السلام ويناضلون أيضا من أجل أن يعودوا إلى حدود 67، وأستطيع أيضا أن أقول لك شيئا آخر لقد قابلت السيد ياسر عبد ربه والذي قال لي شيئا أعتقد أنه صحيح اليوم، إن نظام الأبارتيد الرسمي لم يعد ممكنا.

أحمد منصور: أنت ذهبت إلى قانا، زرت ضحايا مجزرة قانا، وأدنت المجازر الإسرائيلية التي حدثت ولك مواقف يحترمها كثير من الفلسطينيين ومن غيرهم بشكل عام أنك لا تقف مع العدوان بشكل دائم. كيف تنظر الآن باختصار شديد إلى مستقبل الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟ هل له نهاية؟

ريجيس دوبريه: أعتقد بأن علينا أولا أن نفعل كل شيء من أجل إعادة توحيد الشعب الفلسطيني وعدم المساهمة في تقسيمه، ولذلك يبدو لي بأن عملية عزل غزة وعزل حماس من أجل أن نتحدث فقط مع السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية ليس برأيي هو موقف سليم، فعلينا أن نتحدث مع الجميع. ولكن أريد أيضا أن أقول بأن الكثير من الأمر يعتمد على الدول العربية، فالدول العربية إذا أرادوا أن يضغطوا على الولايات المتحدة فيمكن أن يدفعوا بإسرائيل إلى العودة عن قراراتها فيما يتعلق بالقدس الشرقية وفيما يتعلق بالمستوطنات فكثير من الإسرائيليين يريدون السلام ويجب أن يكون هناك ضغط كبير جدا من الخارج لا يمكن أن يأتي إلا من الولايات المتحدة من أجل دفع الحكومة الإسرائيلية على اتخاذ الخطوات اللازمة والكل يعتمد بذلك على موقف الدول العربية بهذا.

التجربة الثورية والسياسة الواقعية

أحمد منصور: يعني لا بد من إرادة عربية، بدون إرادة عربية ستبقى الأمور على ما هي عليه. أنت أريد بشكل مختصر أيضا أن تحدثنا وتحدث المشاهدين عن تجربتك. حينما كنت في 23 من عمرك تركت مقعد الأستاذية في مدينة نانسي الفرنسية، رافقت تشي غيفارا، حملت السلاح، قاتلت في غابات بوليفيا، أسرت، سجنت، قتل غيفارا. ما الذي خلفته تلك التجربة في نفسك الآن كمقاتل أممي وفي نفس الوقت أصبحت من أبرز الفلاسفة في أوروبا وفي فرنسا؟

ريجيس دوبريه: أنا لا أنكر شيئا مما قمت به عندما كنت ثوريا، لم أغير أفكاري ومعتقداتي ولكن تغيرت الظروف عندما انتقلت من أميركا اللاتينية إلى أوروبا. فالنضال من أجل العدالة وضد الظلم لا يمكن أن يكون سلميا إلا إذا كان هناك قوة معها، وفي أوروبا الوضع مختلف تماما لا نضعك في السجن إذا قمت بالتظاهر ولذلك عدت إلى أوروبا وتوقفت عن كوني ثوريا، ولكن لم أتغير من الداخل وفي ضميري ربما أصبحت أقل أممية مما كنت في السابق وربما حساسا أكثر إلى الأشياء الدائمة من الأشياء المؤقتة وأكثر حساسية للثقافات وللأديان وللفنون أكثر من الأمور السياسية الآنية..

أحمد منصور (مقاطعا): هل لا زلت تقف إلى جوار الضعفاء، تحاول أن تحقق العدالة قدر ما تستطيع؟

ريجيس دوبريه: لم أسمع.

أحمد منصور: هل لا زلت تقف إلى جوار الضعفاء تحاول أن تحقق العدالة على قدر ما تستطيع؟

ريجيس دوبريه: لا أسمع شيئا.

أحمد منصور: لا تسمع. I will try by English if you can understand me. هل تحاول دائما أن تدعم الأشخاص الضعفاء وقضايا مثل قضايا فلسطين ولبنان إلى آخره؟

ريجيس دوبريه: نعم، لقد ذهبت إلى الأراضي، ما نسميه نحن المسيحيون الأراضي المقدسة الأماكن التي ذهب إليها السيد المسيح، وذهبت إلى هناك برغبة من أجل أن أساعد المظلومين والفقراء وأيضا من أجل يكون هناك سلام، أن أساهم في السلام ولذلك أنا لم أعد أؤيد العنف.

أحمد منصور: هل حلت المشكلة الآن؟ تسمع؟

ريجيس دوبريه: No, you have to speak English.

أحمد منصور: لدينا مشاكلنا نحن في بلادنا، الدول الغربية تدعم الدول الدكتاتورية وأنتم تتحدثون عن الديمقراطية وتتحدثون عن الشرق الأوسط الجديد والنظام العالمي الجديد ولكن حكوماتكم لا تزال تدعم الأنظمة الدكتاتورية في الشرق الأوسط، ما الذي تفكر به بهذا الصدد؟

ريجيس دوبريه: أنا أعتقد بأن الغرب يتصرف وفقا لمصالحه أكثر من قيمه والغرب يريد مصالحه على المدى القصير أكثر من احترام القيم، وهذه هي السياسة الواقعية ولا أعتقد بأن هذه السياسة سياسة جيدة ولكن هذا ما يحدث بشكل طبيعي في الدول، الدول الكبيرة، ليس شيئا مشرفا ولكن هذا ما نسميه نحن بموازين القوى.

أحمد منصور: الكثير من الناس هنا في الشرق الأوسط يحاولون التغيير من أجل الديمقراطية ومن أجل تغيير آخر للحكومة وأن تصبح دولا ديمقراطية مثل دولكم. كيف يمكن أن نغير ذلك ونصبح مثلكم هنا في الشرق الأوسط وحكوماتكم أيضا تساند هذه الأنظمة الدكتاتورية؟

ريجيس دوبريه: أعتقد بأنه لا يوجد حداثة واحدة أو نموذج تطور واحد، أعتقد بأن فرض نوع من الحداثة أو ديمقراطية من خلال القوة كما تفعل الولايات المتحدة في العراق ذلك لا يؤدي فقط إلى الإساءة للديمقراطية وإنما يعني ذلك الذهاب إلى الكارثة، وهذه الكارثة التي حدثت في العراق والتي تحدث عنها الفرنسيون قبل خاصة فيما يتعلق بالغزو الأميركي للعراق. ولذلك على دولكم أن تجد طريقها من خلال احترام هويتها، من خلال احترام حضارتها وثقافتها وعليكم أن تقبلوا الحوار مع العالم كله ولكن لا يجب أن نطلب منكم أن تتخلوا عن قيمكم.

أحمد منصور: حلت المشكلة الآن؟

ريجيس دوبريه: No.

أحمد منصور: لا تسمع بالفرنسية؟

ريجيس دوبريه: نعم أنا أسمعك.

أحمد منصور: لو طلبت منك أن ترسم لي في لوحات فلسفية بريشة بسيطة تلك الشخصيات التي التحمت بها، كنت قريبا منها مع تناقضاتها، ترسم لي لوحات صغيرة بعبارات صغيرة لها. فيديل كاسترو.

ريجيس دوبريه: رجل سلطة ورجل إعلام جيد، واقعي أكثر مما يبدو عليه.

أحمد منصور: تشي غيفارا.

ريجيس دوبريه: رجل إيمان بين الفارس الشجاع وبين رجل الدين أو ما يسمى دون كيشوت بالإسباني الذي يحاول أن يكون له هدف نبيل.

أحمد منصور: لا زلت تقدره؟

ريجيس دوبريه: بالطبع. تشي غيفارا أكثر من فيديل كاسترو بالطبع، ولكن فيديل هو رجل وطني أيضا.

أحمد منصور: فرانسوا ميتيران.

ريجيس دوبريه: فرانسوا ميتيران كان رجل ثقافة وحكيم أوروبي، لم يكن يهتم كثيرا في العالم الخارجي أو يبالغ بذلك ولكن كان لديه هدف هو أوروبا الموحدة وهو رجل مخلص تماما.

أحمد منصور: جاك شيراك الذي أوفدك إلى فلسطين.

ريجيس دوبريه: لقد قلت لك بأني أحب كثيرا جاك شيراك هذا وأحب فيه اهتمامه بالآخرين وخاصة بالثقافات الأخرى. جاك شيراك هو رجل يعرف بأن الكوكب هو عبارة عن شيء متعدد الثقافات وليس لديه أي عقدة تفوق على الآخرين.

أحمد منصور: نيكولا ساركوزي.

ريجيس دوبريه: نحن لا نعلق على الرئيس، الرؤساء الحاليين، هو برأيي متوجه أكثر نحو الولايات المتحدة.

ساركوزي والعلاقات الفرنسية العربية

أحمد منصور: يبدو كذلك في تصريحاته. ساركوزي رئيس الجمهورية المقدسة التي لا يذهب فيها إلى الكنيسة إلا واحد من بين كل عشرة فرنسيين، يبدو وكأنه قائد لحملة صليبية جديدة في تصريحاته عن المسلمين، عن تركيا، عن الجزائر، عن الحجاب. ما هي قراءاتك لتصريحات رئيس الجمهورية المقدسة نيكولا ساركوزي عن المسلمين؟

ريجيس دوبريه: أنا لا أعرف كل التصريحات التي قام بها السيد ساركوزي ولكن أعتقد بأنه لا يعرف جيدا العالم الإسلامي ولأنه لم تتح له الفرصة بالاتصال كثيرا مع هذا العالم، ولكن هنا لم أتحدث أنا كثيرا في هذا الموضوع، وأنا أثق بقدرته على الالتزام بالواقع وأثق أيضا باستمرارية السياسة العربية لفرنسا حتى لا تتعقد الأمور.

أحمد منصور: ما سر تناغمه مع جورج بوش؟

ريجيس دوبريه: ربما أصدمك، ولكن ربما هو الإيمان بالله، ربما أيضا الاتفاق بين قطبين، شخصين في فترة ما يتوجهان نحو الأمور الدينية لأنه إذا كان السيد ساركوزي لا يمارس الأمور والشعائر الدينية ولكنه يؤمن بالدين المسيحي.

أحمد منصور: هل معنى ذلك أن العالم الإسلامي في ظل هذا التوافق بين ساركوزي وبوش، سيجد مزيدا من العداء؟

ريجيس دوبريه: مرة أخرى أستطيع أن أقول بأن فرنسا أدانت السياسة الأميركية وأعتقد بأننا لا يمكن أن نعود عن هذه الإدانة.

أحمد منصور: المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما صاحب نظرية حرب الحضارات، في تصريحات له نشرت في مجلة المجلة في إبريل الماضي 2007 قال إن إشراك المسلمين في العالم الإسلامي في السلطة مهم وإن خالف ذلك التوجهات الأميركية. كيف تنظر إلى أزمة العلاقة المعقدة بين الإسلاميين والسلطة أو الحكومات القائمة في الدول الإسلامية؟

"
الثقافة العربية ترتكز على الإسلام وبالطبع هناك عرب مسيحيون ولكنهم أقلية، ومن المهم جدا أن نحافظ على حقوق هذه الأقلية
"
ريجيس دوبريه
: نعم العلاقة بين الإسلاميين والحكومات العربية علينا هنا أن نفكر بالأمر كل دولة على حده. ما هو واضح وأكيد هو أن الثقافة العربية هي ركيزة أساسية وترتكز على الإسلام وبالطبع هناك عرب مسيحيون ولكنهم أقلية، ومن المهم جدا أن نحافظ على حقوق هذه الأقلية ولكن من الأكيد أيضا أنه إذا كان العالم العربي قد قاوم الاستعمار وعلى الاغتراب أمام القوى الغربية فإن ذلك كان بشكل رئيسي بسبب ثقافته الدينية..

أحمد منصور (مقاطعا): اسمح لي هناك بعض المشاهدين، آخذ بعض الأسئلة القليلة، حسن أبو نخلة من الأردن آسف للتأخر عليك، سؤالك يا حسن؟

حسن أبو نخلة/ الأردن: السلام عليكم.

أحمد منصور: عليكم السلام سؤالك.

حسن أبو نخلة: مساك الله بالخير يا أستاذ أحمد.

أحمد منصور: الله يمسيك بالنور يا سيدي.

حسن أبو نخلة: الله يطول عمرك أنك تطول روحك علي شوية. قول للأخ الضيف تبعك الكريم، من بنى مصانع السلاح النووية لإسرائيل؟ من يمد إسرائيل بالأسلحة؟ هل تمدها العرب أو أميركا أو الدول الأوروبية ومنها فرنسا؟ وكيف شعور الأمة العربية بدها تكون كويسة مع الدول الأوروبية والدول الغربية طالما بييجوا بيطلعوني من أرضي ومن بيتي وبيسكنوا فيه، بيسكنوا واحد إسرائيلي؟! وبيقول لك العرب إرهابيون والعرب.. كيف أسكت؟! هل هو ضيفك يسمح لواحد ييجي يأخذ بيته ويسكن فيه وبيضل مكتوف الأيادي؟! لماذا يقول عن الأمة العربية أنهم إرهابيون؟ هل إحنا ذهبنا إلى أوروبا حاربناهم في أوروبا أم هم حاربونا في بلادنا، هل ذهبنا إليهم نحاربهم أم هم أتوا إلى بلادنا. هل معهم...

أحمد منصور (مقاطعا): شكرا لك سؤالك واضح، شكرا يا حسن أسئلتك كثيرة. ما إجابتك بروفسور دوبريه؟

ريجيس دوبريه: أنا أستطيع بالطبع أن أتفهم الأسباب التي يحارب من أجلها الفلسطينيون، والفلسطينيون في الأردن يفكرون أيضا بإخوتهم في فلسطين، ولكن هناك عدة طرق للقتال وللنضال وآمل بأنهم لن يذهبوا إلى الحالات المتطرفة والتي لن تأتي بنتيجة.

أحمد منصور: أريد أسألك عن مستقبل الصراع، كيف تنظر الآن لمستقبل الصراع بين الإسلام والغرب في ظل هذه الصورة المعقدة؟

ريجيس دوبريه: لا أعتقد بأن هناك نزاع بين الغرب والعالم الإسلامي، لدينا علاقات، لدينا...

أحمد منصور (مقاطعا): رغم الإعلان عن حربة صليبية، احتلال أميركا للعراق، الدعم الأوروبي الموجود للقوات الأميركية والمشارك معه في العراق وفي دول العالم الإسلامي في أفغانستان والدعم المطلق لإسرائيل الذي حدثك.. رغم كل هذا لا تجد عداء؟ لا تجد؟ سب الرسول صلى الله عليه وسلم؟!

ريجيس دوبريه: يا صديقي لا أتحدث أنا إلا نيابة مع الفرنسيين والفرنسيون ليسوا في نزاع مع العالم العربي، هناك عرب في فرنسا ولدينا علاقات صداقة وأقول لك بأننا ساعدنا الفرنسيين وهناك أطباء فرنسيين في المستشفيات الفرنسية...

أحمد منصور (مقاطعا): لا، أنا أسألك كمفكر؟

"
لا أشعر بأي عداء نحو العالم العربي وأتعاطف مع مآسيهم وأعتبر نفسي متضامنا معهم وقد نزلت إلى الشارع للتظاهر ضد الغزو الأميركي للعراق
"
ريجيس دوبريه
(متابعا): وأنا أجيبك على هذه الأسئلة، أنا لا أشعر بأي عداء نحو العالم العربي وكتبت هذا الكتاب من أجل أن نفهم أكثر عما يسمى بالمشاكل العربية والتي قد تحدث عنها سمير قصير الصحفي اللبناني الذي اغتيل في لبنان. هذا كتاب وضعته من أجل أن يلقي الضوء، أنا أتعاطف مع المآسي العربية وأعتبر نفسي متضامنا مع الفلسطينيين ومع العرب وقد نزلت إلى الشارع للتظاهر ضد الغزو الأميركي للعراق ولا أشعر بأني أنا جزء منه وأنا أرفض من أن يقرر إنسان معين بأن.. الإنسان بالنسبة لي هو الشخص الإنسان وليس الذي يتميز بسياسته أو بدينه، وعليه أن يكون هو نفسه. إذا حكومتي ولسبب ما أرادت أن تقوم بعمل عدائي أو بغزو لأرض عربية أو إسلامية فأنا سأكون ضد هذه الحكومة كمثقف ومفكر وكمواطن، ولكني أعتقد بأنه ليس لدي شيء أؤثر به.

أحمد منصور: ريجيس دوبريه أشهر مفكر وفيلسوف في فرنسا، أشكرك شكرا جزيلا على هذا الحوار وعلى ما تفضلت به. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم آملين أن نكون قد قدمنا لكم رؤية فكرية فلسفية من أعماق هذا الفيلسوف والمفكر الأممي الثوري السابق. في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج وأشكر المترجمين سمير خضر ومحمد الأمين. ألقاكم في الأسبوع القادم على خير إن شاء الله، هذا أحمد منصور يحييكم بلا حدود والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة