جان بيار كوفيل.. مغربي القلب والروح   
الثلاثاء 1426/9/2 هـ - الموافق 4/10/2005 م (آخر تحديث) الساعة 10:16 (مكة المكرمة)، 7:16 (غرينتش)

- الحياة بالمغرب والكتابة بها
- تجربة التبني وأثرها

الحياة بالمغرب والكتابة بها


جان بيار كوفيل- المغرب: المرء يقع ضحية كتابات الآخرين عندما أكتب نصا وأرسله للطباعة الذين يطبعونه يرتكبون أخطاءً مبنية على ما يرونه في كتابات الآخرين وليس في ما كتبته، أنا جئت للاستقرار في العاصمة الرباط، كنت سعيدا جدا في حي المحيط، أقمت في شقة صديق لي يدعى إغناسيو راموني، كان مدرسا للغة الإسبانية في الثانوية الملكية والآن يعمل مديرا لصحيفة لوموند دبلوماتيك في باريس، إذاً أخذت تلك الشقة في حي المحيط، كنت مرتاحا في تلك الشقة المؤلفة من ثلاث غرف، حديقة على اليسار وأخرى على اليمين رائع، بقي الأمر كذلك إلى اليوم الذي غادر فيه أحد جيراني شقته المجاورة لي وحل محله شخص مرعب يعمل تاجرا للأثاث المستعمل. وضع التاجر قناً للدجاج في حديقة منزله ومن يقول دجاج يعني أيضا ديك وفي المدينة الديك لا يفرق بين الشمس ونور المصابيح وهذا ما يجعله يبدأ بالصياح في الثالثة صباحا عندما يرى نور المصباح، بسبب صياح الديك المرعب لم أذق طعم النوم لشهر كامل في بادئ الأمر، اشتكيت للجار من الديك فقال أملك حق تربية الدجاج والبط في منزلي وإن لم يرق لك هذا عليك العودة إلى فرنسا، طرقت باب الجار مرات عديدة في الثالثة صباحا دون جدوى فهو لم يحرك ساكنا، ذهبت للقاء مفوض الشرطة في الحي وقال نحن في بلد مسلم والديك هو المؤذن وهو من يوقظ الناس للصلاة وإن لم يعجبك ذلك فاحزم حقائبك وعد إلى بلدك وذات يوم انتابني الغضب فأخذت أغراضي لكن لم أذهب إلى فرنسا، رميت كل شيء في السيارة وأخليت المكان، بدأت باللوحات والكتب ولجأت إلى صديقي مصطفي مكاوي في مدينة القنيطرة كان ذلك عام 1976، منذ ذلك الوقت وأنا أسكن هذه المدينة، إنها الصدفة التي قادتني إليها، هذا ما حصل، جئت لأستقر هنا بسبب ديك. ولادتي كانت في الدار البيضاء لكننا لم نمكث هناك طويلا، عندما بلغت الخامسة من العمر قرر والديَّ الرحيل إلى مكناس لمدة عام أولا ثم إلى مراكش التي فتحت عليها عيني، هناك عشت طفولتي ومرحلة المراهقة إلى أن حصلت على الثانوية العامة، بعد ذلك قررت أن أحصل على إجازة في اللغة العربية، أجل سأحصل على إجازة في اللغة العربية وتقدمت لاجتياز اختبار الدخول وفي تلك الأيام كان بإمكانك التقدم مرتين أو ثلاث في السنة إذا تقدمت للعلوم الأدبية، الأدب العربي في الدراسات التطبيقية العربية والأدب الفرنسي لم أقبل في العربية ونجحت في اختبار الفرنسية، حسنا في السنة الثانية اخترت الدراسات اللاتينية واللغة العربية رسبت في اختبار العربية ونجحت في الدراسات اللاتينية قلت حينها وداعا للغة العربية وتخليت عن رغبتي في متابعة دراسات عليا في العربية، كنت أفعل ذلك في المغرب وواصلت دراستي للآداب الكلاسيكية الفرنسية أي اللاتينية والإغريقية، منديل في الجمع مناديل، إنها كلمة لم نعد نسمعها في أيامنا هذه، حنجرة في الجمع حناجر، لا حول ولا قوة إلا بالله أيكفي هذا؟ وعندما حصلت على الليسانس في الأدب الكلاسيكي قيل لي في كلية الآداب في بوردو إن عليّ إجراء اختبار شفهي في لغة حية أجنبية ففكرت باللغات الأجنبية التي أعرفها شفهيا ولم أكن متحمسا للإسبانية واقترحت إجراء اختبار في العربية لغة أجنبية حية وكان جواب كلية بوردو ليس لديك إلا لغات ميتة اللاتينية والإغريقية والعربية هي لغات ميتة، أثار القرار استغرابي وقلت لا يعقل أن تكون العربية لغة ميتة فعرضت لهم أعدادا من الصحف الناطقة بالعربية صحيفة الاستقلال والمنار والرأي العام لحزب الشورى عرضتها كلها، آنذاك كان كتاب البروفيسور بيريز بكلية اللغة العربية في الجزائر العربية المعاصرة للصحافة كان هذا موضوعه وكان يُدرَّس في الكلية قلت لهم إن اللغة العربية الصحفية لا يمكن أن تكون لغة ميتة ونجحت في إقناعهم بإجراء اختبار العربية كلغة حية في كلية الآداب في بوردو للحصول على شهادة الليسانس، حصلت على عشر نقاط وهو المعدل المطلوب بفضل طيبة الأستاذ الذي أجرى لي الامتحان عندما كنت صغيرا لم أكن أعجب بالجنود ولا بالرياضيين لم أكن أعجب إلا بالأشخاص الذين يكتبون، بالنسبة لي التقرب من كاتب ما هو قمة السعادة، حدث لي أن تقربت من كُتّاب كثيرين، تقربت من الكاتب جان أوريو ثم بعد ذلك خالطت كثيرين لكن بالنسبة لي كي تحقق النجاح يجب أن تكون كاتبا، كنت أريد أن أصبح كاتبا ولم أحقق مرادي إلا بعد التقاعد، قبل ذلك كان عليَّ القيام بأشياء كثيرة، تمكنت من ممارسة الكتابة طبعا لكن لم أستطع أن أجعل منها مهنة ما بدأت بكتابته حينما كنت صغيرا وسني عشرة أعوام فقط هو الشعر، كنا محظوظين في عام 1947 أو 1949 كانت تصدر في المغرب صحيفة يومية مغربية فرنسية اسمها لافيجي ماروكين وكانت تخصص صفحة كل يوم أربعاء بعنوان لا فيجي دي جون كان يدير هذه الصفحة أحد المثقفين الكبار كان اسمه الحقيقي شارل بانس كان متخصصا في تاريخ المغرب ومفتشا رئيسيا للتربية الوطنية.. التعليم كان صحافيا أيضا كان متخصصا في تاريخ المغرب، دخل هذا الرجل حياتي تحت اسم مستعار كان يلقب نفسه دو مي صول كان مكلفا بصفحة الشعراء.. ركن الشعراء كل يوم أربعاء، بدأت أكتب للصحيفة في سن الثالثة عشر وبعثت إليها قصيدتي الأولى والمفاجأة الخارقة كانت نشر القصيدة باسمي المستعار، كنت قد اخترت كاسم لييرو لكن المكلَّف بالصفحة لم يفهم كتابتي وظن أنه لييفر.. أرنب، لم أكترث للأمر وظللت لييفر طيلة عشرة أعوام إلى أن بلغت الثامنة عشر، حينها توقفت لأنه بالنسبة للصحيفة بعد الثامنة عشر لم تعد من الشباب، كنت أبعث قصيدة كل أسبوع وكانت تنشر، أكثر الكتاب الذين يؤثرون فيّ كاتب إنجليزي أميركي هو جيمس أدلي تشييز المعروف بالكتابة السوداء، كنت أريد الكتابة نسبيا مثله نريد دائما أن نقلد أحدهم في الكتابة حينما كتبت خوخ في الطاجين وضعت نفسي مكان شخصيتين كان يجب أن أحمل قارئي وأزج به في مغامرة مثلما يفعل تشييز ولم أوفق لأن تشييز لا يمكن تقليده ومن الصعب الكتابة على طريقته، كنت أريد في الوقت نفسه أن أناضل كمناضل للإمبريالية بأن أقوم بفعل مزدوج في الكتابة السوداء بتقليد أستاذي والتعبير عن موقف سياسي لنسمّه كذلك لصالح بلدي ومسقط رأسي المغرب، كتبت إذاً روايتي الأولى ثم الثانية وسررت كثيرا لأنها نُشرت وحصلت على جائزة أطلس في 1994 عن روايتي الثانية التي هي في الأصل أول ما كتبت خوخ في الطاجين كتبته في الحقيقة قبل ذلك بكثير واستغرقت كتابتها خمسة أعوام تم نشرها بعد سنسميه مهدي، عدت للشعر وتخليت نسبيا عن المسرح ثم انسحبت قليلا كي أدفع الآخرين إلى الأمام، كانت هذه فكرتي منذ البداية هكذا تصرفت دائما، بالنسبة لي النجاح الشخصي هو الذي يحققه تلاميذي حينما قدمت في 1957 قسم الثالثة إعدادي ووجدت أن ستة من تلامذتي احتلوا الصفوف الأولى على مستوى منطقة شمال المغرب، اعتبرت أن ذلك النجاح هو لي، من الكتاب المغاربة من اختارتهم دور النشر الفرنسية أكاد أقول صنعتهم قليلا إنهم الكُتاب الذين احتفظت بهم على حساب كُتاب آخرين يوجدون هنا ولا يجدون ناشرا أولا والناشر لا يكفي بل يجب إيجاد موزع لإيصال الكتاب للقراء، يجب أن يصل مثلا إلى مكان مثل هذا الذي نوجد فيه الآن، هذه المكتبة تابعة للمعهد الفرنسي لكن كل كتابنا ليسوا هنا وهذا صراع سأواصله معهم، لدينا جمعية تسمى لابيك تعنى بتأهيل وتشجيع الكتاب في المغرب طبعا رغم أننا لا نقول ذلك وهذه الجمعية تضم أساسا روائيين فرانكغرافيين، أنا أحب كثيرا هذه العبارة، هم أيضا فرانكفونيون لكن ما يهمنا أنهم يكتبون بالفرنسية ويناضلون بعضهم وجدوا دور نشر في المغرب وآخرون ليس بعد ونحن نحاول إيصالهم إلى ناشر، لدينا بعض الناشرين الذين يأخذوننا على محمل الجد مثل دار النشر مرسم في الرباط ودار لوفينك وطارق.


[فاصل إعلاني]

تجربة التبني وأثرها

جان بيار كوفيل: وأنا في الثانية والسبعين من العمر أتصرف مثل كبير الطباخين في فندق ريتس مثلا في باريس أمامه العديد من الطواجن على النار، رواية هنا رواية هناك قصيدة ودراسة هناك أمامي أربعون عاما من العمل إن لم أقل خمسين لا أعرف إذاً إلى أي مدى يمكن أن يمضي في ما أنوي فعله ولا أعرف جيدا بماذا يجب أن أبدأ، قضيت كل حياتي في المغرب وفي لحظة يصعب فيها على الشخص أن يظل وحيدا أرسل لي أحدهم طفلا لم يتجاوز سنُّه الثلاثة أيام هذا الطفل هو آدم قمت بتربيته في البداية لم أعرف ماذا أسميه فهو ليس ابني لأنني لم أتبناه، استعرنا إذاً كلمة من اللغة الفرنسية إنني عرّابه وهو ابني بالتبني رغم أن هذه الصفة ليست مقنعة جدا لكنها تناسبنا نحن الاثنين.

أحد أصدقاء جان بيار: ماذا يمكن أن نقول عن السيد جان بيار كوفيل الفرنسي الجنسية المغربي القلب والروح؟ السيد جان بيار كوفيل بالنسبة لنا هو فرد من الأسرة نعده فردا من الأسرة فهو بمثابة أخ وأب وصديق فأتذكر وهذا الشيء مهم جدا أن رزقني الله بمولود صغير في سنة 1971 وازداد هذا المولود مريضا.. مرضا وراثيا وعانيت معه كثيرا وكان من ورائها.. حتى وصل استئصال الكلية بعد 18 سنة أو 20 سنة من العلاج ولم أجد.. وهذه شهادة لم أجد أحدا يقف بجانبي إلا السيد جان بيار كوفيل فقد آزرني ماديا ومعنويا حتى عولج هذا الطفل الذي اسمه آدم عولج وتابع دراسته والآن هو يعيش في باريس ويعمل بباريس لأنه حصل على دكتوراه في القانون الدولي والفضل يرجع إلى السيد جان بيار كوفيل.

جان بيار كوفيل: آدم هو ولد مغربي ربيته بكل طبيعة قلبي وبكل حيويتي ثم لنقل الحياة وهبتني شخصا آخر هو أحمد وأحمد أصبح ابني، تبنيته لكن الأمر لم يكن سهلا وتطلّب سنوات عديدة، هذا التبني جرى أمام محكمة فرنسية هذا هو الإجراء الذي باشرنا به لحد الآن وبهذا التبني أصبح أحمد ابني ويحمل الآن اسمي، إنه لا يحمل جنسيتي على الأقل ليس الآن يجب أن نستمر وان نحوّل التبني العادي إلى تبنٍ كامل، هذا ما أراهن على فعله بموافقته، هذا الابن الذي تبنيته منحني أجمل هدية، هذا الطفل الذي يحبني وأحبه وهذه الطفلة والثالثة أيضا وأنا في قمة السعادة لأنهم مغاربة، أنا فرسي وهذا ليس بالأمر المهم لنقل إنه خلال مرحلة قصيرة من حياتي حينما كان بلدي ينهج سياسة شرسة في شمال إفريقيا سأسميها الإمبريالية لم أكن فخورا بجنسيتي، الآن تصالحت مع الجميع وأنا فخور جدا بأن أكون فرنسيا أن يكون لي في هذا البلد الذي أعيش فيه الذي هو لي وهو مسقط رأسي أن يكون بجانبي أطفال مغاربة مثلي.

آدم- ابن جون بيار كوفيل بالتبني: تعرفت إلى جون بيار كوفيل وأنا في سن الخامسة عشرة، كنت يومها ممتطيا جوادا وبينما كنت أعبر الطريق.. الطريق ما بين الرباط والقنيطرة كان كوفيل قادما بسيارته أوقف السيارة وبدأنا نتحدث، طلب مني أن أزوره وكذلك فعلت حكيت له عن ظروف حياتي الصعبة ولتشجيعي عرفني على شخص يعمل صانعا للأُطر واقترح أن أتعلم حرفة وضع الإطارات للوحات، قضيت فترة التدريب بين الورشة ومنزله أصبحت تقريبا مقيما عنده بلدتي فقد كنت أزورها بين الحين والآخر، مع مرور الأيام توطدت علاقتنا واقترح أن يتبناني وسافرنا إلى فرنسا لإتمام الإجراءات الخاصة بالتبني.

زوجة آدم: عندما دخل كوفيل حياة زوجي أعطاه الحنان والعطف، أنقذه من ظروفه الصعبة، كان له الأب والأم حتى بالنسبة إليّ فأنا أيضا فقدت أبي وأنا في السادسة وعوضني هو عن حنان الأب الذي افتقدته، قدّم لنا العون أنا وأولادي فهو يُدرِّسهم، أنا أيضا يعلمني الفرنسية، السيد كوفيل ساعدنا من الناحية المادية والمعنوية، عندما أواجه أية مشكلة أجده بجانبي حتى في تربية الأولاد لا يبخل علينا بتوجيهاته يعتبره أولادي الأب والمربي.

ابن آدم: كل يوم يأتي جدي لاصطحابي من المدرسة، نقوم معا بأشياء كثيرة؛ نكتب الشعر، يروي لي قصة قبل النوم، مثلّت في كثير من المسرحيات في المدرسة، قدمنا عرضين في ملتقى الصداقات الشعرية في المغرب في القنيطرة والرباط وقريبا سأؤدي دورا في فيلم اسمه انتقام وجدي جان بيار كوفيل هو الذي كتب السيناريو.

جان بيار كوفيل: ما لا أحبه هو الهدم الذي يطال المغرب اليوم في المدن الصغيرة مثل القنيطرة تُهدم مساكن قديمة وبيوت صغيرة جميلة بحدائق ونوافذ.. نوافذ حقيقية يتم تهديم تلك البيوت كي تحل محلها عمارات من دون روح، من دون نظرة، في الماضي حينما كنت صغيرا كنت أرى بيوتا بشبابيك كنا نفتح هذه الشبابيك، صديقي أحمد بوناني لديه ديوان شعر اسمه المنزل ذو الشبابيك، بالنسبة لي هذا العنوان سيصبح رمزا. انظر الآن في المدن لم نعد نرى الشبابيك، ليس هناك إلا تلك النوافذ المغلقة التي لا تفتح انطلاقا من جهة القلب نحو السماء نفتحها كما لو كنا نجر قطعة من الخشب ونغلقها في الاتجاه المعاكس هذا مرعب ولا نشرع أبدا النافذة نفتح نصفها فقط هذه هي العمارات التي نبنيها مكان تلك المساكن الصغيرة التي كانت حية وأنيقة ومصنوعة من مواد جيدة، الآن نبني عمارات أسمنت من دون روح هذا ما آسف له حينما أرى مغرب الأربعينيات الذي كان أصيلا والمغرب الجديد وأرى كل هؤلاء الأشخاص الذين يسكنون هذه العمارات بمصاعد أو من دونها، خمسة أو ستة أو عشرة طوابق هذا يخيفني ويؤلمني تماما مثل حفلات أعياد الميلاد حين تجد زجاجات الصودا على الطاولات عوضا عن الأشياء العريقة التي نسينها.


جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة