موجة العداء لأميركا   
السبت 1428/1/16 هـ - الموافق 3/2/2007 م (آخر تحديث) الساعة 14:38 (مكة المكرمة)، 11:38 (غرينتش)

- مدى تزايد العداء لأميركا
- مضاعفات إهدار حقوق الإنسان في العالم العربي

- دور الثقافة في تحسين صورة المسلمين بأميركا

- رحيل المفكر العراقي الأميركي مجيد خدُّوري

محمد العلمي: مشاهدينا مرحباً بكم في حلقة اليوم من برنامج من واشنطن، تعهد الرئيس بوش في بداية حملته الانتخابية الرئاسية عام 2000 بأن يكون موحداً وليس مفرقاً للأمة، لكن مظاهرات عطلة نهاية الأسبوع هنا في واشنطن ومدن أميركية أخرى أكدت أن الرئيس نجح في إحداث فُرقة وانقسام بين شعبه غير مسبوقة منذ انتهاء حرب فيتنام، الرئيس الأميركي نجح أيضاً في توحيد الأغلبية من شعوب العالم ضد الولايات المتحدة، كما استخلصت أحدث استطلاعات الرأي العام الدولية، في هذا البرنامج سنحاول أن نعرف ما إذا كان هذا المد المعادي للولايات المتحدة حدثاً عرضياً أم أنه مرشح للاستمرار، كما سنحاول في الجزء الثاني معرفة ما إذا كانت الثقافة بمعناها الواسع قادرة على إصلاح ما أفسدته السياسة في علاقات العرب بأميركا، يسعدني أن أستضيف اليوم السيد ألبيرتو فرناندز مدير العلاقات العامة في الخارجية الأميركية والزميل سلامة نعمات المدير السابق لمكتب صحيفة الحياة هنا في واشنطن وينضم إلينا من الرباط الزميل حسن نجمي الإعلامي والباحث السياسي، لكن أولاً نتحدث إلى السيدة داليا مجاهد مديرة الدراسات الإسلامية في معهد غالوب للاستطلاعات للحديث عن أحدث استطلاع للرأي العام أكد أن صورة أميركا في العالم تنتقل من سيء إلى أسوأ، سيدة داليا لو بدأنا أولاً بأهم الخلاصات التي توصل إليها استطلاع الرأي العام؟

مدى تزايد العداء لأميركا

داليا مجاهد - مديرة الدراسات الإسلامية في معهد غالوب للاستطلاعات: نعم، أهم حاجة إن الرأي المسلم في أميركا عمال يتدهور في 2001 كان بدأ كان سيئا ولكن الآن أسوأ بالذات في تركيا ولبنان بلدين أميركا كانت طبعاً تعتمد عليهم يكونوا صوتا لأميركا في العالم الإسلامي.

محمد العلمي: نعم، بالنسبة للانطباع السيء عن الولايات المتحدة يُلاحظ أنه مرتفع في الدول الحليفة تقليدياً للولايات المتحدة، أشرتِ إلى السعودية إلى تركيا، السعودية 79% نظرة سلبية للولايات المتحدة ولكن أيضاً لاحظنا ارتفاعاً في لبنان بعد المواقف الأميركية التي بدت للعرب والكثير من السكان في العالم أنها كانت مؤيدة لإسرائيل.

داليا مجاهد: نعم، بالذات بعد الحرب بتاعة الصيف، الوضع في لبنان أسوأ بكثير ولسه لازم نروح ونشوف الوضع هيبقى إيه في البلاد العربية بعد الحرب.

محمد العلمي: أستاذة دالياً أيضاً توصل معهدكم كما توصل نفس استطلاع الرأي العام لهيئة الإذاعة البريطانية الذي طرح نفس الأسئلة تقريباً إلى أن العداء لأميركا ليس مقتصراً على (كلمة غير مفهومة) الإسلام، إن صح التعبير، لو شرحتِ لنا شيئاً داليا؟

داليا مجاهد: بالضبط، فلو سألنا العالم كله إيه رأيهم في القيادة الأميركية ولقينا إنه حتى في أوروبا الوضع مش أحسن بكثير من البلاد الإسلامية وبلاد كبريطانيا أو فرنسا برضه رأيهم في القيادة الأميركية سيء.

محمد العلمي: نعم، حتى من الدول التي ساندت أميركا في الحرب ضد العراق بريطانيا مثلاً؟

داليا مجاهد: نعم، بالضبط الشعب البريطاني برضه مش راضي على الموضوع.

محمد العلمي: أستاذة داليا أخيراً وليس آخراً للسيد ألبيرتو هنا ربما كثير من زملائه في الخارجية وفي الحكومة الأميركية عموماً وربما يوافقه في الرأي الزميل سلامة نعمات بأن الجزيرة ربما مسؤولة إلى حد ما عن تعميق العداء للولايات المتحدة في العالم العربي لكن معهدكم وجد غير ذلك، كيف تفسرين؟

داليا مجاهد: بالضبط، إحنا ما لاقيناش أي فرق ما بين الناس اللي عندهم رأي جيد في أميركا أو رأي سيء، المجموعين هما الاثنين بيتفرجوا على الجزيرة بنفس النسبة، فما فيش أي إثبات أو ما فيش أي دليل إن الجزيرة هي المشكلة.

محمد العلمي: أستاذة دالياً مجاهد مديرة الدراسات الإسلامية في معهد غالوب لاستطلاعات الرأي العام شكراً جزيلاً، إذاً لو بدأت ألبيرتو مما انتهت إليه سيدة مجاهد هل الاستطلاع برأ ساحة الجزيرة أخيراً وإننا في نهاية المطاف غير مسؤولين عن موجة العداء لأميركا؟

ألبيرتو فرناندز – مدير العلاقات العامة في الخارجية الأميركية: بصراحة أنت تعرف محمد فيه أعتقد تعبير أميركي اللي بيقول إن فيه ثلاثة أنواع من الكذب؛ الأكاذيب الملونة والإحصائيات هذه يعني الواحد ممكن يستعمل الإحصاءات ليكون هدفاً، مثلاً أنت تعرف الأكثرية من الشعب الأميركي يفتكروا عندهم صورة سلبية عن الجزيرة، هل هذا هو لوم الجزيرة أم هذا هو لوم الشعب الأميركي..

محمد العلمي: ولكن هذا الرأي العام الشعبي ناتج عن تصريحاتك وتصريحات وزير الدفاع السابق..

ألبيرتو فرناندز [متابعاً]: أنا لا أكيل للشعب الأميركي ولكن هذا مشوق، مثلاً لما إحنا نحكي عن الإحصائيات هذا ممكن هو تقرير البيو اللي هو من أهم هذه المنظمات اللي قررت إن صورة المسلمون في العالم سلبية، إن مثلاً 60% من الهنود في الهند يفتكروا إن المسلمين متغطرسين أو 70% من الألمان يفتكروا إن المسلمين متطرفين 60% أو 70% من النيجيريين يفتكروا أن المسلمون عنيفين فالسؤال هو هذا يمثل شو؟ هذا يمثل عدم رضا؟ يمثل حقيقة؟ فهذا يعني لما نحن ندرس هذه الأرقام نحن لازم نحترم آراء الآخرين، نحن لازم نحترم إن فيه عدم رضا لسياسة الخارجية الأميركية في العالم، لا للولايات المتحدة ولكن فيه شيء ثاني اللي هي ما هي حقيقة الولايات المتحدة مثل ما هي حقيقة المسلمين؟ أنا أعتقد حقيقة الولايات المتحدة إيجابية جداً وحسب استطلاعات الرأي الصورة عن الأميركان إيجابية، فيه مشاكل طبعاً مع السياسة الخارجية الأميركية خصوصاً في موضوع العراق، المشوق مثلاً في هذا الاستطلاع للرأي من الأصدقاء كانت في نفس استطلاعات الرأي السنة الماضية نحن اكتشفنا أن الدولة في العالم إن الشعب كانوا يعني متفائلين في المستقبل، السنة الماضية كانت العراق نفس الشيء وطبعاً اليوم عندنا مشاكل في العراق..

محمد العلمي: إذاً سأعود للتفاصيل ولكن في الجزء الثاني سنحاول أن نعرف لماذا هذه الصورة عن المسلمين؟ هل ربما لسيطرة الخطاب السلبي على الإعلام الأميركي المسوَّق دولياً أم هناك أسباب أخرى ولكن بالنسبة للولايات المتحدة هل هو مسألة خطاب تسويق خطاب أم نتيجة سياسة أميركية محددة في المنطقة؟

"
أميركا لا تتصرف لإرضاء الرأي العام العالمي وإنما لكسب أغلبية الرأي العام الأميركي، وهناك شعور عام بالتعاطف مع الطرف الأضعف وهذا يسهم في تشكيل رأي عام ضد أميركا خاصة بعد حربها على العراق
"
سلامة نعمات

سلامة نعمات - المدير السابق لمكتب جريدة الحياة في واشنطن: لا شك أن هناك قضايا موضوعية تسببت في تشكيل هذا الرأي العام، هناك مجموعة عناصر وليس عنصرا واحدا، ربما من أهم العناصر أن الولايات المتحدة شنت حرباً للإطاحة بالنظام العراقي وكان يفترض أن يقوم نظام ديمقراطي حضاري وأن يبدو العراق أفضل بكثير مما كان قبل إطاحة النظام، هذا لم يحدث، ما حدث الآن إننا نشهد ما يعادل حوالي مائة قتيل يومياً، صحيح الأميركان ليسوا هم الذين يقومون بقتل العراقيين.. العراقيين يقتلون عراقيين، السُنّة والشيعة وما شابه ولكن هناك.. هذه الصورة ليست كاملة بمعنى آخر، أولاً أميركا لا تتصرف لإرضاء الرأي العام العالمي، ربما الإدارة الأميركية أي إدارة تسعى لكسب أغلبية الرأي العام الأميركي، ما حدث كما ذكرت عام 2000 جاء الرئيس الأميركي وبعد 2001 قال إنه يريد أن يوحد الأميركيين وهو وحدهم إلى حد ما ولكن بعد ذلك في الدورة الرئاسية الانتخابية الثانية لا ننسى أنه رغم أنه قسَّم الأميركيين لكنه تمكن أيضاً من الفوز في الانتخابات لدورة رئاسية ثانية، بمعنى آخر صورة أميركا في الرأي العام العالمي لا تعني الإدارة بقدر ما تعنيها صورتها داخل الرأي العام الأميركي وبالتالي الصورة ليست دقيقة، بمعنى آخر إذا كان الكل ضد أميركا والأميركيون ضد أميركا كيف ينجح الرئيس الأميركي لدورة انتخابية ثانية؟ هذا سؤال مهم، هناك قضايا أخرى أي دولة تشن حربا.. أي دولة عظمى تشن حربا على دول أصغر منها، هناك شعور عام بالتعاطف مع الطرف الأضعف وهذا يساهم في تشكيل رأي عام ضد أميركا ولكن القول إن هذه الإدارة والحرب على العراق فقط هي المسؤولة أن هذه الصور ليس صحيحاً، كانت صورة أميركا تعاني في أيام عهد الإدارة الأميركية السابقة في عهد إدارة كلينتون التي قامت أيضاً بشن حرب في عام 1998 على العراق، عملية ثعلب الصحراء، لذلك الصورة ليست ثابتة والصورة من داخل أميركا تبدو مغايرة لما نراه في العالم العربي.

محمد العلمي: نعم، لو انتقلت إلى الرباط، الزميل حسن نجمي، هل تسمعني؟

حسن نجمي - إعلامي وباحث سياسي: أسمعك جيداً.

محمد العلمي: يبدو أن الرباط والزميل حسن نجمي غير جاهز حتى الآن، إذاً ألبيرتو ما دام لا يبدو أن هناك اقتناع في الخارجية الأميركية أن هناك مشكلة صورة وأن هناك فقط استطلاعات رأي عام متحركة كما قال الزميل سلامة، إذاً ليس هناك قلق في الخارجية، ليس في العالم الإسلامي فقط ولكن في جميع أنحاء العالم تقريباً.

ألبيرتو فرناندز: طبعاً فيه قلق وهذا منطقي ولكن في نفس الوقت الواحد لازم يحط الموضوع في الصورة الحقيقية، هذه الأرقام ستنزل أو سترتفع حسب الأمور، مثلاً فيه أكثر شعبية عن الولايات المتحدة في بعض الأماكن، على سبيل المثال الصورة الأميركية السلبية في أوروبا والسلبية في العالم العربي، أقل سلبية مثلاً في أميركا اللاتينية، أقل سلبية في إفريقيا، أقل سلبية في آسيا، فيعني إن فيه تفاصيل تختلف من مكان لمكان، أعتقد المهم هو شيء نحن لازم نقدم حقيقة أميركا، هذا الرأي يعني كل شيء هذا الرأي يعني السياسة والشعب أحياناً فيه نوع من الاستقطاب فيه استقطاب في العالم اليوم بسبب العراق وبسبب المواضيع الأخرى ولكن أنا قلت نحن لازم نكتشف ما هي حقيقة الموضوع، أنا أعتقد مثل العرب إن الشعب الأميركي شعب طيب مثل العرب شعب طيب، فهذا هي أعتقد قلب الموضوع.

محمد العلمي: لا ولكن العرب ليسوا إمبراطورية وأميركا إمبراطورية..

ألبيرتو فرناندز: العرب كانوا إمبراطورية وما زالوا في المستقبل..

محمد العلمي: نعم، أستاذ سلامة نعمات مسألة إمبراطورية ربما هي المشكلة، أن هذه الإمبراطورية على عكس البريطانيين والفرنسيين والأسبان من قبلهم كانوا يتصرفون كإمبراطورية إمبريالية ولكن لم يكن يسعون لكي يحبهم الناس، الآن أعلن في الخارجية ألبيرتو وآخرين يعملون على تحسين صورة أميركا وتحبيبها، هل هناك مفارقة؟

سلامة نعمات: أعتقد نعم، هناك مفارقة، طبعاً هناك أيضاً مؤسسات أميركية تعمل بمعزل.. ولا تستطيع أن تتحكم بمؤسسات أخرى، بمعنى آخر قد يكون هناك في وزارة الخارجية مَن يرغب بسياسة أكثر قبولاً وإجماعاً في المنطقة ولكن العناصر التي تقرر.. التي تدفع صاحب القرار الأميركي ليس طرفاً واحدا، هناك مجلس أمن قومي، هناك حسابات مصالح استراتيجية في العالم هناك حسابات رأي عام داخلي، كلها تلعب دوراً في تشكيل القرار الأميركي وبالتالي الصورة الأميركية..

محمد العلمي: ولكن أليس مستحيلاً سلامة أن تقصف شعباً وتطلب منه أن يحبك في نفس الوقت؟

سلامة نعمات: يعني هذا على افتراض أن الأميركيين ذهبوا إلى العراق من أجل قصف شعوبه..

محمد العلمي: وسنعود إلى هذا بالتفصيل..

سلامة نعمات: لا أعتقد أن الأميركيين ذهبوا إلى الحرب لقتل الأبرياء، ذهبوا إلى الحرب لإطاحة نظام وإقامة نظام..

محمد العلمي: ولكن قُتل أبرياء في نهاية المطاف..

سلامة نعمات: ارتُكبت أخطاء وقُتل طبعاً مدنيين في العملية، في المقابل إذا نظرنا إلى الرأي العام في المنطقة العربية أعتقد الأساس الذي بُني عليه.. الذي تشكلت فيه صورة أميركا السلبية لها علاقة أساساً بالتحالف الأميركي الاستراتيجي مع إسرائيل.. إسرائيل هي الدولة المعتدية على جيرانها العرب، هذه الصورة تشكلت أساساً بغض النظر عما تفعل أميركا في وقت لاحق، هناك صورة أميركا المنحازة مع دولة إسرائيلية معتدية على دول وما زالت تحتل أراضي دول عربية والمعاناة الفلسطينية، هذه شكلت الرأي العام العربي، الآن جاءت قصة العراق وبدأت هناك مقاربة ومقارنة بين الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والاحتلال الأميركي للعراق وهنا عانت الصورة الأميركية بشكل أساسي.

محمد العلمي: ودعني أحاول مرة أخرى التوجه إلى الرباط الزميل حسن النجمي، هل تسمعني؟

حسن نجمي: أسمعك أستاذ محمد.

محمد العلمي: نعم، شكراً حسن، كيف تبدو لكم الصورة هناك، المغرب كان من بين الدول الحليفة للولايات المتحدة التي أثير اسمها حيث ترتفع نِسب النظرة السلبية للولايات المتحدة، هل يُعتقد هناك أنها ربما مرحلة عابرة سينتهي الأمر منها بانتهاء حكم الرئيس بوش أم أنها مرشحة للاستمرار؟

حسن نجمي: أظن أن الأمر يتعلق أساساً بالمنهجية السياسة الخارجية الأميركية ولا يتعلق بالأشخاص، يتعلق الأمر بطبيعة نظام طبيعة التصرفات تجاه القضايا العربية العادلة، ما موقف الولايات المتحدة الأميركية من حقوق الشعب الفلسطيني؟ من قضية العراق؟ كما أشار الزميلان سابقاً وبالتالي فالأمر رهن أساساً وأولاً بالإدارة الأميركية بمواقفها بمدى تغيير رؤيتها وتغيير مراقبتها لقضايانا العربية والقضايا الإسلامية وقضايا الشعوب المستضعفة بشكل عام وبالتالي فالأمر ليس موطَّناً، الكراهية ليست غريزة لدى الشعب المغربي أو لدى الشعوب العربية، الكراهية لأميركا هي كراهية لسياسات لاختيارات خاطئة لتصور لرؤية للعالم، الكراهية لدينا لدى شعوبنا العربية والإسلامية هي رد فعل على هذا الانحراف، على هذه الغطرسة، على هذا التوجه الخاطئ وغير العادل وغير المنصف لقضايانا العربية العادلة وفي مقدمتها قضية الشعب الفلسطيني بطبيعة الحال وما جرى في العراق والتصرف باسم الولايات المتحدة الأميركية والتصرف في أفق المخطط الأميركي في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام لا يمكنه إلا أن يغذي مشاعر الخيبة ومشاعر الأسف ومشاعر العداء وبالتالي لا يمكن أن أعتبر الأمر عابراً أو أنه سيظل متواصلاً طالما الأمر متعلق بهذه الاختيارات السيئة والمنحازة انحيازاً غير موضوعي وغير عقلاني ضد الأمة العربية والإسلامية.

محمد العلمي: نعم، إذاً حسن هل يمكن عملياً الفصل بين السياسة وخطاب العلاقات العامة، أي هل يمكن لأميركا أن تصبح يوماً ما محبوبة في العالم العربي دون أن تغير سياساتها الخارجية؟

حسن نجمي: لا أظن ذلك، أظن أولاً أن صورة الولايات المتحدة الأميركية لا يمكنها أن تعتمد فقط على الآلة الإعلامية أو على آلة العلاقات العامة.. العلاقات العامة هي أو الإعلام نفسه هي مجرد أدوات لإسعاف الفعل المادي على الأرض في الواقع، العلاقات العامة لا يمكن أن تعوِّض القرار السياسي الخاطئ، لا يمكن أن تبرر الانحراف، العلاقات العامة والخطاب الإعلامي كيفما كانت طبيعة الوسائل سواء كانت سمعية بصرية أو إعلاماً مكتوباً لا يمكن لهذه الوسائل أن تعوض الانحرافات الملموسة على الأرض والتي تمس أرواح الناس، تمس استقرار البلدان، تمس السيادات، تمس الوحدة الترابية لعدد من الشعوب ولعدد من الأمم وبالتالي ففي ظني لا يمكن مطلقاً لأي آلة إعلامية أو علاقات عامة أن تغير هذه الصورة وتجوِّدها وتُحسِّنها طالما أن هناك إدارة أميركية لا تأخذ بعين الاعتبار أنها ليست وحدها على خريطة الأرض ولا يمكنها أن تتصرف كإمبراطورية رومانية قديمة قادمة من ليل الأزمنة، الإدارة الأميركية ينبغي أن تدرك أن هناك على خارطة العالم على هذه الأرض.. هناك شعوب وهناك مصالح ومصالح مضادة وهناك تطلعات لكي نعيش في هذا القطب في كوكب الأرض بسلام بإرادة مشتركة في أفق مستقبل مشترك نصنعه جميعاً، نتحاور، ننصت لبعضنا البعض، أما أن ينصت بوش لصوته الخاص وأن يتصرف وفق إرادته الخاصة ووفق إرادة وتحليل ومقاربة فريقه الذي تشكل من ثلاثة أو أربعة أشخاص، أظن أن الأمر لن يتحقق على الإطلاق لا الآن ولا في المستقبل.


مضاعفات إهدار حقوق الإنسان في العالم العربي

محمد العلمي: نعم، شكراً حسن، ألبيرتو قبل أن أسألك لأن النقاش ليس أكاديمياً فحسب، على مستوى حقوق الإنسان والديمقراطية التي أشار إليها الزميل سلامة أنها التي جاءت بعد انعدام أسلحة الدمار الشامل في العراق، سياسة الرئيس بوش خلقت معضلة أيضاً لدعاة حقوق الإنسان في العالم العربي وفي مواجهة الدكتاتوريات التي تمسك بزمام الأمور في العالم العربي، سألت المدير التنفيذي لمنظمة هيومان رايتس ووتش عن المضاعفات العملية لإهدار حقوق الإنسان في العالم العربي بعد ما اقترفته هذه الحكومة من انتهاكات سواء في غوانتانامو أو غيرها.

[شريط مسجل]

كينث روث - المدير التنفيذي لمنظمة هيومان رايتس ووتش: مع الأسف الطريقة التي اختارتها حكومة بوش لمكافحة الإرهاب كالتعذيب والاعتقال دون محاكمة والاختفاءات كانت كارثة لمصداقية السياسة الخارجية الأميركية في مجال حقوق الإنسان، العديد من الناس ما زالوا ينظرون للولايات المتحدة كمنارة للديمقراطية وحقوق الإنسان، إنها بلد كذلك داخلياً ولكن اختيار حكومة بوش التخلي عن القواعد الأساسية لحقوق الإنسان لم يعد لها مصداقية حينما تذهب مثلاً للرئيس مبارك وتطلب منه التوقف عن تعذيب الإسلاميين واعتقالهم دون محاكمة، من السهل على مبارك بل قالها لي رئيس الوزراء المصري، لماذا يتعين أن أفعل هذا؟ بوش يفعلها، لماذا أغيره لأن هذا بالضبط ما يفعله بوش؟ من هذه الناحية لم تعد العملية مشجعة وفعالة في مجال حقوق الإنسان ولن تصبح كذلك إلى أن تغير أسلوب مكافحتها للإرهاب.

محمد العلمي: ألبيرتو هل فقدت واشنطن سلطتها الأخلاقية في مجال حقوق الإنسان أيضاً؟

ألبيرتو فرناندز: أنا أعتقد لا بصراحة لأن لما نحن نحكي عن هذه الأشياء لما نحن نحكي عن أبو غريب أو غوانتانامو نحن نحكي على أساس تفاصيل على أساس معلومات من مَن؟ من الأميركان، من المجتمع الأميركي، من الديمقراطية الأميركية، من الحريات الأميركية، يعني جريمة أبو غريب فيه لهذه الجريمة وفيه ناس في السجن في الولايات المتحدة لعشر سنوات، في العالم العربي لو كان عندهم نفس الشيء هذا الرجل سيكون في الرئاسة..

محمد العلمي: هل صحيح ألبيرتو، لكن أبو غريب قام بها جنود في منتصف الليل، ما نحكي عنه في غوانتانامو الذي يتم بمباركة مؤسساتية، الذين يُختطفون بطرف ثاني ويُرحَّلون لدول عربية ليُعذَّبوا..

ألبيرتو فرناندز: طيب، فيه نفس الشفافية ونفس الانتقاد الشديد الأميركي ونفس الجدال الأميركي عن هذا الموضوع، أنت تعرف في أميركا نحن نعتقد أننا نحن في حرب مفروضة علينا، أنت تعرف الحرب العالمية الثانية الولايات المتحدة أرسلت ربع مليون مواطن أميركي من أصل ياباني للمعسكرات في صحراء الغرب الأميركي، هذا كان تحت أمر الرئيس روزفلت، اليوم نحن نعتبر أن هذا كان خطأً وعيبا وجريمة والكونغرس الأميركي اعتذر لذلك ودفع التعويضات لذلك ولكن في الحرب أحيانا فيه أشياء فيه خطوات أحيانا إيجابية أم سلبية، فأنا أعرف شيئا أنه ما كان فيه غوانتانامو قبل 11 أيلول، إذا بدك اللوم لغوانتانامو هذا هو زميلك نجم الجزيرة أسامة بن لادن..

محمد العلمي: سنعود إلى نجم الجزيرة، سلامة أنت كنت من العرب القلائل الذين دعموا هذه الحرب والواشطن بوست كتبت بقلم أنطوني شديد الأسبوع الماضي حول الشعور بالإحباط الذى ينتابك وبعض القلة القليلة من العرب الذين دعموا هذه الحرب، هل تشعر أن الثمن الذي دفعته أميركا من صورتها من موقفها الأخلاقي كان يستحق ما حققته من إنجازات، إن كانت هناك إنجازات؟

سلامة نعمات: يعني أنا بالدرجة الأولى أولا غير مَعني بصورة أميركا بمعنى ماذا يحدث لصورة أميركا في العالم، أنا معني أكثر بصورة العرب في نظر أنفسهم أولا وفي نظر العالم أيضا، بمعنى آخر أنا قلِق من طبعا كيفية توجهات الرأي العام العربي في هذه المسألة تحديدا ولكن عودة لما قلته فيما يخص الحرب، نعم أنا دعمت حربا لإطاحة نظام عراقي مسؤول عن قتل مليون ونصف المليون شخص سواء في القبور الجماعية ثلاثمائة ألف وسواء في حربه العبثية مع إيران والتي أودت بحياة حوالي مليون شخص واجتياحه وعزوه دولة عربية شقيقة..

محمد العلمي: وهل تعتقد أن العراقيين أفضل حالا اليوم؟

ألبيرتو فرناندز: هذا ليس صحيحا، ليسوا أفضل حالا ولكن هل كنا نتوقع أن أميركا ستطيح ذلك النظام ثم تترك فراغا لأنها لم ترسل ما يكفي من القوات فتدخل تنظيمات القاعدة لإثارة النعرات المذهبية وتدخل دول مثل إيران وسوريا للعبث بالأمن والاستقرار داخل العراق وتخريب الوضع الأمني بهذا الشكل وتفشل أميركا في معالجة هذه التحديات، لم نكن نعرف طبعا ولكن نعم أيَّدنا إطاحة نظام دموي من أكثر الأنظمة استبدادا في تاريخ البشرية وعلينا هنا أن.. مَن كان يتوقع أن هذا ما سيجري وسينجح المخربون الإقليميون والدوليون في تخريب المشروع العراقي والديمقراطية العراقية؟

محمد العلمي: إذاً ما زلت تعتقد أن الفكرة كانت نبيلة، فقط تطبيقها كان سيئا؟

"
جزء كبير من الرأي العام العربي يتحدث عن الصورة الأميركية البشعة، وفي نفس الوقت يؤيد أنظمة قمعية ويرى أن هناك أشخاصا مثل صدام حسين أبطال وشهداء
"
سلامة نعمات
سلامة: أنا لم أقل.. لست مَعنيا بالنوايا، لا أعرف النوايا الأميركية، أعرف أنه بغض النظر عن النوايا الأميركية كان جيدا التخلص من نظام دموي استبدادي هز استقرار المنطقة، تسبب في حروب، اجتاح دولتين في المنطقة وقَبَر شعبه واستخدم الأسلحة الكيماوية ضد شعبه في كردستان ومحا آلاف القرى وهجَّر الناس وحوالي خمسة مليون من اللاجئين العراقيين قبل التدخل الأميركي في العراق ولكن أنا أيضا قلِق ليس هناك مَن يستطيع أن يدافع سياسات أميركية واضح أنها أودت بنا إلى هذا الحال ولكن في المقابل الرأي العام العربي فيه جزء كبير منه يؤيد مثلا الإرهاب، بكل بساطة الرأي العام العربي الذي يتحدث عن الصورة الأميركية البشعة يؤيد أنظمة قمعية ويرى فيه أن أشخاص مثل صدام حسين هم أبطال وشهداء في سبيل الأمة، لذلك أنا قلِق من أن آخذ بجدية استطلاعات للرأي العام فيما يخص الصورة الأميركية وفي نفس تلك الدول وفى نفس الشعوب لا نرى استطلاعا لنعرف ما رأي تلك الشعوب في حكامها في ممارساتهم وسياساتهم.

محمد العلمي: وهذا ليس خطأ الشعوب العربية فقط في العالم حسب رأيك ولكن خطأ الرئيس بوش في خطاب الاتحاد وكما كتبت الواشنطن بوست يوم الأربعاء أن العديد من الدول التي يعتبرها الرئيس بوش معتدلة مثل مصر والسعودية أنظمتها مستبدة واعتبرتها منظمة (Freedom House) من أسوأ الدول التي تنعدم فيها الحرية، لو انتقلت إلى حسن في الرباط يقول سلامة إن نحن لا نعرف ما موقف الشعوب من زعاماتها الديكتاتورية، ألبيرتو يقول هناك أكثر من غوانتانامو في العالم العربي لكن لا نعرف تفاصيله، إذاً الصورة ليست أفضل حالا في تلك الناحية أيضا؟

حسن نجمي: نحن هنا لسنا على مستوى المفاضلة بين الأميركيين وبين الشعوب العربية، الرأي العام العربي إرادته واختياراته وموقفه من حكامه واضح وضوح الشمس في التظاهرات، في مواقف المعارضات ذات المصداقية في الوطن العربي، في التضحيات الجسيمة التي يقدمها خيرة المناضلين، في السجون التي يدخلها عدد من هؤلاء المناضلين الذين يصرحون بالحق وبوجهات نظرهم علانية، لكن الأمر في تقديري ينبغي أن ينصب على هذه الصورة المهزوزة للولايات المتحدة الأميركية في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي وهي نابعة.. منبثقة من هذه الاختيارات.. من طبيعة هذه الاختيارات القائمة على نوع من الغطرسة، على نوع من صمّ الأذان وعدم الإنصات لصيرورة التاريخ لحركية الواقع للديناميات التي يلمسها الجميع والآن لا يمكن لعربي ساند الحرب في مرحلة من المراحل أن يتصرف كما لو أنه كان على حق، علينا أيضا أن نمتلك الشجاعة الأدبية والأخلاقية لكي نقدم نوعا من النقد الذاتي إذا كانت مقاربتنا في مرحلة من المراحل لم تكن سليمة، على المستوى الفكري الأميركي الآن نلاحظ أن فرانسيس فوكوياما على سبيل المثال في حواره الأسبوع الماضي مع جريدة لوموند الفرنسية يقدم شبه نقد ذاتي صريح من مواقفه بل حتى من أطروحته ومقاربته ودعمه للمحافظين الجدد وتقاطعه فكريا مع إرادة المحافظين الجدد، كذلك بالنسبة لهنتنغتون الذي حاول أن يقدم مراجعة بنيوية شاملة لأطروحة صِدام الحضارات التي شكلت فراشا نظريا ومنطلقا ومرجعيا للمحافظين الجدد ولإدارة بوش ولذلك فأظن أننا عندما نُقدم على خيار فكري أو إعلامي أو سياسي تقاطع في مرحلة من المراحل مع إدارة بوش أو مع المصالح الأميركية ضد المصلحة العربية، علينا أن نقدم نقدا ذاتيا، لا يمكن أن نبرر الحرب على العراق انطلاقا من أن رؤيتنا للنظام العراقي السابق ولصدام حسين ولسياساته التي قد يختلف معها البعض ويدينها البعض أن نبرر تدخلا خارجيا، الفكر الديمقراطي كيفما كانت تربته ومرجعيته وطبيعته وزمانه ومكانه لا يمكن أن يؤمن بإصلاح من الخارج وبتدخل عن طريق الدبابات والصواريخ، بل ينبغي أن تنبثق إرادة التغيير في العراق أو في غير العراق من تربة هذا المجتمع، أن ندعم الإرادات الحرة الإصلاحية والتغييرية والثورية، أن ندعم أفق الإصلاح وأفق التغيير داخليا، لا يمكن أن ندعم إرادة إمبراطورية إمبريالية قادمة من قارات أخرى لكي تخلق نظاما ديمقراطيا متهما وفي النهاية ها هي النتيجة لا ديمقراطية ولا تغيير ولا إصلاح ولا أفق بديل إيجابي لفائدة الشعب العراقي ولفائدة الأمة العربية جمعاء.

محمد العلمي: شكرا حسن، سنعود الجوانب الفكرية والثقافية في الجزء الثاني، قبل أن أودع ضيفيّ هنا أريد فقط أن أذكِّر ألبيرتو أنك تظهر في الجزيرة أكثر من بن لادن وأن إحدى الإحصائيات قد قالت إن خمسمائة مرة نبث خُطب الرئيس بوش أكثر من بثِّنا أجزاءً مقتضبة من شرائط بن لادن، فقط للتصحيح التاريخي، شكرا سيد ألبيرتو فرناندز من الخارجية الأميركية، الزميل سلامة نعمات المدير السابق لمكتب الحياة هنا في واشنطن، فاصل قصير ونعود إليكم.


[فاصل إعلاني]

دور الثقافة في تحسين صورة المسلمين بأميركا

محمد العلمي: مرحبا بكم مرة أخرى، سيادة الثقافة الشعبية الأميركية على العالم المعاصر أنتجت العديد من الصور النمطية غير المنصفة تجاه العرب بسبب الجهل أو الحقد أو هما معا، في هذا الجزء من البرنامج سنحاول التعرف على دور الثقافة بمعناها الواسع في إعادة رسم صورة الإنسان العربي في المُخيلة الجماعية للأميركيين عن طريق جهود فردية لبعض العرب الأميركيين من لوس أنغلوس إلى هيوستن.

[تقرير مسجل]

محمد العلمي: هذه الموسيقى العربية الجميلة تصدح في قلب لوس أنغلوس من أوركسترا متعددة الأعراق والأديان كمحاولة على ما يبدو للترفع على تشنج السياسيين والتوحد حول لغة كونية أكثر جمالا وأعمق وقعا.

نبيل عزام - رئيس الاوركسترا - لوس أنغلوس: الحقيقة يا أستاذ محمد أنت جئتنا في المكان نفسه اللي كان يوم ثلاثة في 11 سبتمبر.. سبتمبر 11 سنة 2000 كنا في نفس المكان هذا وكان عندنا تمرين بنفس الليلة، فتحت الأبواب على مصراعيها وتمرَّنا هنا وعزفنا الموسيقى العربية لأنه نعرف نحن (كلمة غير مفهومة) الرقص ونعرف أنه نحن دعاة فن وموسيقى وحضارة..

محمد العلمي: غير بعيد عن مكان الاوركسترا العربية، بدأ ينتشر عشق المعمار العربي الإسلامي بطريقة لا تثير فحسب إعجاب الأميركيين بشكل من أشكال الإبداع الحضاري كانوا يجهلونه ولكنه يسهم أيضا في تغيير بعضٍ من الصور النمطية عن العرب التي غذَّتها أجيال من الثقافة الشعبية غير المنصفة.

نزار كاتبي - صاحب بيت: الحقيقة بيتنا هو هدية لأصدقائنا الأميركان لكي يتذوقوا معنى عندما يزورونا جمال الفن الإسلامي والحضارة الإسلامية التي عمَّت العالم لقرون ويعلموا بأن إسلامنا هو دين رُقي هو دين حضارة هو دين علم وهو دين فن ودين تسامح وليس دين عنف وكذلك بيتنا هو عبارة عن هدية لأصدقائنا العرب لكي يشعروا ولو للحظات حين زيارة بيتنا بماضيهم العريق الذي يفتخر فيه والعصر الذهبي الذي وصلت إليه حضارتنا الإسلامية والتي عمَّت جميع أنحاء العالم.

ستيفن فيليبس - مهندس معماري: الناس تعشق الجميل والأمور ذات الألوان والحياة والمعمار الأندلسي فيه الكثير من الحياة ويشعر المرء في فضاءاته بالكثير من الراحة.

محمد العلمي: الشعور بالراحة وإثارة الأسئلة الحضارية كانت أيضا من الأسباب الوجودية لبيت هنا في مدينة هيوستن نجح حتى قبل الانتهاء من وضع اللمسات الأخيرة على لوحته الرائعة في إثارة فضول الجيران ووسائل الإعلام.

احسان الشانطي - صاحب بيت: في الحقيقة برزت الفكرة من رغبتي الأصيلة من أن ينشأ أولا أطفالي في وسط معماري مغربي أصيل ولكن أيضا بعد تطور الفكرة برزت الرغبة كذلك بأن أقرِّب المعمار الإسلامي المغربي إلى الشارع الأميركي حيث إن هذا البُعد الحضاري فعلا لا يوجد في الثقافة الشعبية الأميركية.

مشارك - صاحب بيت: بالفعل، فتاريخ العائلة يرجع إلى سبعة أجيال تمارس هذا النمط من الزخرفة المغربية فهدفنا الأساسي هو استمرارية هذه الحضارة وهذه الثقافة عن طريق الزخرفة المغربية للتعريف بها وإيصالها إلى المستهلك الأميركي حتى يتقرب ولو جزئيا من تاريخ وثقافة الإسلام العريقة.

محمد العلمي: وهنا في مدينة أنهايم في ولاية كاليفورنيا أصبح هذا المسجد ليس المعلمة الرئيسية للمدينة فحسب، بل أكثر مبانيها علوا على الرغم من أن حجر الأساس لبنائه صادف لسوء حظ الجالية يوم الحادي عشر من سبتمبر، لكن جنوبا وفي الوقت نفسه واجهت الجالية المسلمة في بلدة كاتي هنا في ولاية تكساس موجة من الكراهية بعد قرارها بناء مسجد للعبادة ومدرسة للتعليم.

مواطن أميركية: لا أريد أن أرى بناء مسجد هنا.

محمد العلمي: أحد الجيران قرر تنظيم سباق للخنازير قرب مكان المسجد إمعانا في الإساءة لجيرانه المسلمين.

غريغ بيكر - منظم سباق خنازير: لقد اشتروا أرضا كانت مزرعة للخنازير، إذاً كانوا يتقززون من الخنازير، لماذا اشتروا ضَيعة خنازير؟

كمال أبو الفتوح - رئيس جمعية كاتي الإسلامية في تكساس: لأنه أولا همَّا كانوا فاهمين أن إحنا بنكره الخنازير وقلنا لهم أن الخنازير من خلق الله وخلق الله بيسبِّحوا بحمد الله دائما وما عندناش أي تعارض لوجودهم جنبنا، اللي متعارضين له هؤلاء الناس اللي هم كلهم كراهية وبيستخدموا الخنازير عشان يوصلوا لينا ويسببوا إزعاج لينا وإحنا مش مزعجين أبدا.

محمد العلمي: لكن الطريقة أمام انتصار جمال المعمار أو عالمية الموسيقى على لغة الحقد والعنف والرصاص مازالت طويلة وصعبة وينضم إلينا من هيوستن السيد كمال أبو الفتوح رئيس جمعية كاتي الإسلامية وأستاذ الهندسة في تكساس والذي رأيناه في هذا التقرير، أستاذ كمال هل تعتقد أن الخطاب السياسي المتوتر الذي ربما كان يحاول التودد للجماعات اليمينية المتطرفة ربما مسؤول إلى حد ما عن جو الكراهية في بلدة كاتي؟

كمال أبو الفتوح: نعم، الحقيقة الجو من 11 سبتمبر حتى الآن غيَّر وجهة نظر المواطن الأميركي عن الإسلام والمسلمين وهذا مؤسف للغاية لأن إحنا كجالية مسلمة في أميركا نُعتبر نموذجا وحلما لأي جالية في أي مجتمع، فالحمد لله رب العالمين إحنا بدأنا هنا من الصفر والنهارده لنا ثمانين مسجدا في مدينة هيوستن ومعظم أعضاء الجالية دخلهم فيه.. أعلى 5% من دخل المواطن الأميركي وإحنا أقل نسبة في الجريمة، أقل نسبة في وأد الأطفال، أقل نسبة في المخدرات.. تعاطي المخدرات، في شرب الخمور، في معظم الأمور اللي هي أمراض الحضارة وأمراض المجتمع المتحضر، فإحنا الحمد لله رب العالمين نعتبر نموذجا حيا لما يمكن أن يكون مجتمعا مسلما في أميركا ولذلك نحن نستغرب جدا لظهور هذا الشعور بالعداوة والكراهية والرعب من كوننا مسلمين جيرانهم.

محمد العلمي: دكتور كمال كيف تفسر هذا التناقض بين مسجد في كاليفورنيا تحتضنه البلدية وتصر على أن يكون أكثر المباني عُلوا في مدينة أنهايم، هل تعتقد أن أميركي السواحل ربما أكثر انفتاحا على الآخر من الداخل ومن الجنوب خصوصا؟

كمال أبو الفتوح: نعم، لحد ما وجهة نظرك صحيحة ومرة أخرى المدينة كاتي نفسها هي تقريبا على الحدود الغربية لمدينة هيوستن وكانت دائما مدينة نائمة معظمها من السكان الأصليين الأميركيين وكانوا دائما بيحاولوا يحافظوا على وجود تجانس في مجموعة السكان اللي فيها ومع ذلك فوجؤوا أن أصبح هناك جالية إسلامية بينهم وعايشين بقى لهم سنين، لكن لم يعارضوا هذه وجودنا إلا عندما حاولنا نبدأ نبني مسجدا إسلاميا في المنطقة.

محمد العلمي: لو عدت إلى الزميل حسن في الرباط، هل تعتقد أن.. حسن أن ميل النخبة الأميركية للتبسيط وإلى الصور النمطية عن الإسلام والمسلمين يطال أيضا النُخب العربية في تبسيط صورة أميركا في العالم العربي، كما نشاهد الآن هناك مسجد مَعلم مدينة ولكن هناك أيضا.. يعني المسألة ليست.. إما أبيض أو أسود يعني؟

حسن نجمي: أظن أستاذ محمد أن العكس تماما هو اللي حاصل، النخب العربية والنخب الفكرية والثقافية والإعلامية والسياسية في العالم العربي والعالم الإسلامي تتفهم جيدا وتفهم جيدا وتواكب جيدا الوضع الأميركي، تعرف أن أميركا لا يمكن أن نختزلها في إدارة بوش المنحرفة أو في البنتاغون أو في السياسات الخارجية، الولايات المتحدة الأميركية هي قارة من واحد وخمسين ولاية، هي عمق زمني، عمق تاريخي، عمق حضاري، عمق ثقافي عظيم، لا يمكن أن نقوم بتبسيطه كيفما كانت إرادتنا ومرجعيتنا الفكرية والسياسية، الولايات المتحدة هي قوة فكرية أساسية، قوة فلسفية جديدة، الولايات المتحدة هي هؤلاء الشعراء العظام الكبار الذين علمونا كيف نكتب الشعر الجميل من والتمان في أوراق العشب إلى فروست إلى آخر الشعراء الأساسيين في مجموعة في سان فرانسيسكو، جينس بيرغ وكيرواك وغريغوري كورسو وغيرهم من كبار الشعراء على سبيل المثال، الولايات المتحدة هي هذا المتخيل العظيم الدرامي السينمائي التليفزيوني، الكتابات الروائية أرنست همنغواي، الولايات المتحدة هي هذه الصناعات الثقافية الموسيقية وأشكرك على هذه المبادرة التي التقطت فيها لحظة موسيقية جميلة وأظن أن علينا أن ننتبه إلى هذه اللغات وهذه التعبيرات العميقة التي يمكنها أن تحقق أنواع من التفهم والنفاذ إلى عمق الوجدان الأميركي وعمق الوجدان الإنساني في الولايات المتحدة الأميركية.


رحيل المفكر العراقي الأميركي مجيد خدُّوري

محمد العلمي: شكرا جزيلا حسن نجمي وعفوا على المقاطعة، الزميل حسن نجمي الإعلامي والشاعر والباحث السياسي، كما أشكر السيد كمال أبو الفتوح رئيس جمعية كاتي الإسلامية الذي انضم إلينا من مدينة هيوستن وعلى ذِكر الثقافة والفكر رحل عنا هذا الأسبوع المفكر العراقي الأميركي الكبير مجيد خدُّوري الذي كان من الرعيل الأول من الأساتذة الكبار الذين عملوا على تفسير الإسهامات الإسلامية خاصة في مجال القانون للقراء والأكاديميين الأميركيين، لإلقاء نظرة موجزة على إسهامات المفكر الراحل سألت الدكتور إدموند غريب الذي جمعته بالأستاذ خدوري صلة القرابة العائلية والفكرية إذ سبق لهما أن اشتركا في تأليف كتاب عن حرب الخليج الأولى في مطلع التسعينات.

[شريط مسجل]

إدموند غريب - أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأميركية: الدكتور مجيد خدوري هو أصلا من مدينة الموصل في العراق، تخرج في الجامعة الأميركية، تخرج أيضا بعد ذلك من جامعة شيكاغو ودرَّس في الجامعات والكليات العراقية وبعد ذلك جاء للولايات المتحدة ودرَّس في عدد من أبرز الجامعات الأميركية بينها جامعة جونس هوبكنز التي أسس فيها أول مركز للدراسات العليا المتقدمة في دراسات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة، كان أحد رواد دراسات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة ودرَّس في جامعات أخرى مثل هارفارد إلى كولومبيا إلى شيكاغو وترأس مركز دراسات الشرق الأوسط من مجيئه إلى جونس هوبكنز في أواخر الأربعينات وبداية الخمسينات إلى تقاعده سنة 1980.

محمد العلمي: دكتور إدموند لو تُعرِّف المشاهدين على الإسهامات الفكرية للدكتور الراحل؟

إدموند غريب: الدكتور خدُّوري فعلا كان شخصية مميزة جدا، حيث إنه ساهم في صياغة دراسات الشرق الأوسط ويعتبر من أبرز المؤرخين وعلماء السياسة العرب والقانون الدولي في العالم وخاصة في الدراسات الإسلامية، حيث إنه كان أول مَن درَّس القانون الإسلامي في الولايات المتحدة، حقق وترجم رسالة الشافعي.. الإمام الشافعي إلى الإنجليزية وأيضا سِيَر الشيباني أبو القانون الدولي في الإسلام وهو أيضا ساهم كان من عضو في الوفد العراقي إلى تأسيس الأمم المتحدة حيث ساهم في لجان الوصاية وحل النزاعات وفي الترتيبات الإقليمية وكان أول أيضا مَن كتب عن حقوق الإنسان في الإسلام، بالنسبة لكتاباته كان أول كتاب أصدره عن الانتداب البريطاني في العراق سنة 1933 وبعد ذلك كتاب عن المسألة السورية وكتاب عن أيضا نظام الحكم في العراق وله عشرات.. أكثر من خمسة وثلاثين كتابا باللغتين العربية والإنجليزية، من أهم مساهماته كانت طبعا دراساته عن العراق حيث إنه يعتمد.. يعتبر إلى حد كبير عميد دراسات عن العراق في العالم إلى حد ما وهو له أكثر من ثمانية كتب تتعلق بالعراق والتاريخ وسياسات العراق وهو أيضا له كتابات عن.. وهذه أيضا مميزة لأنه الآن لا توجد كتابات كثيرة من هذا النوع، عن الشخصيات الفكرية والسياسية في العالم العربي وكان يعرف شخصيا عددا كبيرا من أبرز الشخصيات السياسية والفكرية في العالم العربي، كما أنه خرَّج.. تخرَّج على يديه عدد كبيرة من الرؤساء والوزراء والدبلوماسيين والأكاديميين المعروفين في العالم العربي وفي الولايات المتحدة وفي مناطق أخرى..

محمد العلمي: رحم الله الأستاذ مجيد خدُّوري، في نهاية هذه الحلقة أشكركم كما أشكر ضيوفي من المغرب الزميل حسن نجمي ومن هيوستن السيد كمال أبو الفتوح وكان معنا هنا في واشنطن الزميل سلامة نعمات والسيد ألبيرتو فرناندز من الخارجية الأميركية، كما أشكر جميع الزملاء الذين أسهموا في إنجاز هذه الحلقة في الدوحة وهنا في واشنطن وإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة