تداعيات حرب العراق على مستقبل الشرق الأوسط   
الاثنين 1425/11/29 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)
مقدم الحلقة: مالك التريكي
ضيفا الحلقة: - د. روز ماري هوليس: المعهد الملكي للشؤون الدولية- لندن
- د. رايتشيل برونسون: مجلس العلاقات الخارجية- نيويوك
تاريخ الحلقة: 12/09/2002

- خصوصية العلاقات البريطانية الأميركية ومساعي بلير لتسويق الحرب ضد العراق
- عقيدة الحرب الاستباقية والموقف الأميركي من العراق

مالك التريكي: بعد إعادة تنشيط دور رئيس الوزراء البريطاني دبلوماسياً عالمياً للسياسة الأميركية إزاء النظام العراقي، تساؤلات عن مضاعفات عقيدة الحرب الاستباقية على المستقبل السياسي للشرق الأوسط.

أهلاً بكم، من القواعد التي لا استثناء لها منذ نصف قرن أن كل حملة عسكرية أميركية إنما هي برهان جديد على متانة ما يسمى بالعلاقة الخاصة بين بريطانيا وأميركا، فعلى أساس التحالف بين المعرفة التاريخية والخبرة الدبلوماسية من جهة، وبين البأس العسكري والزعامة السياسية من جهة أخرى قامت هذه العلاقة البريطانية الأميركية المميزة، وذلك منذ أن نظَّر لها (ماك ميلن) أوائل الأربعينيات بقوله المعروف "لا تنس يا عزيزي أننا إغريق في هذه الإمبراطورية الأميركية، فهؤلاء الأميركان إنما يمثلون الإمبراطورية الرومانية الجديدة، أما نحن البريطانيين فإننا إغريق العصر الهلليبي، وأقصى ما يمكننا الطموح إليه هو تمدين الأميركيين وفي بعض الحالات التأثير فيهم" وبمثل ما ظهر التأثير البريطاني في الصيغة التي أخرج بها القرار الأميركي بقصف العراق في عملية ثعلب الصحراء أواخر عام 98 فإن التأثير البريطاني أصبح واضحاً الآن بعد أن اقتنعت إدارة الرئيس (بوش) بأن لها مصلحة في محاولة إخراج قرار قلب النظام العراقي إخراجاً قانونياً، يستخدم الأمم المتحدة استخداماً ذرائعياً، أي كغطاء دولي لاجتياح عسكري أميركي، ولهذا ترك الرئيس بوش (لتوني بلير) مهمة القول لمن أراد أن يسمع بأن اللجوء إلى القوة لن يتم رأساً، بل إنه سيتم استنفاذ الوسائل الدبلوماسية قبلاً، ذلك أنه يبدو من خطاب الرئيس بوش أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن قرار ضرب.. أن قرار ضرب العراق لم يعد يتعلق بما إن كان هناك أدلة على امتلاكه لأسلحة الدمار، بل إنه يصبح يتعلق منذ ثلاثة أشهر على الأقل بتطبيق عقيدة بوش العسكرية الجديدة، أي عقيدة الحرب الاستباقية، وتقول هذه العقيدة بأن واشنطن ستحدد من هنا فصاعداً أي مصدرٍ محتمل للخطر على الأمن القومي الأميركي، مهما كان هذا الخطر موغلاً في المستقبل، وستعالجه بضربات استباقية وحتى وقائية.

هذه العقيدة الحربية العدوانية المقصد التي تجعل أميركا البادئة دوماً بالهجوم، والتي يؤمن الرئيس بوش بأنها ستخلده في التاريخ بمثل ما خلدت عقيدة الاحتواء الرئيس (ترومان) هي التي يضطلع توني بلير الآن بتسويقها، ولكن بلغة أبعد ما تكون عن جموح القوة الروماني، وأقرب ما تكون إلى منطق المحاججة اليوناني.

عبد السلام أبو مالك يستعرض خصوصية العلاقات البريطانية الأميركية، ومساعي رئيس الوزراء البريطاني في تسويق الحرب الأميركية ضد العراق.

خصوصية العلاقات البريطانية الأميركية
ومساعي بلير لتسويق الحرب ضد العراق

عبد السلام أبو مالك: "كما وقفتم إلى جانبنا في الماضي نقف إلى جانبكم الآن، خسائركم هي خسائرنا، وصراعكم هو صراعنا.

بهذه الكلمات وضع رئيس الوزراء البريطاني توني بلير أسس علاقته الخاصة مع الولايات المتحدة بعد أقل من أسبوعين على هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، ومنذ ذلك الحين بدا كما لو كان يقود الدبلوماسية الأميركية في الحرب ضد ما يسمى الإرهاب، فقد قطع آلاف الأميال في جولة شملت دولاً أوروبية وآسيوية وعربية، سعى فيها إلى حشد تأييد العالم للحملة العسكرية الأميركية في أفغانستان، وهو اليوم يقوم بالدور ذاته، وبحماس منقطع النظير في الحملة ضد العراق، رغم المعارضة المتزايدة داخل حزبه وفي أوساط الرأي العام البريطاني، إلى حد وصفه في إحدى الصحف البريطانية بأنه الكلب الصغير المدلل للرئيس الأميركي جورج بوش، ورغم أن العلاقة بين بوش وبلير تفتقر إلى الصلة الفكرية التي كانت تربط (رونالد ريجان) (بمارجريت تاتشر) في الثمانينيات، والانسجام السياسي الذي جمع بلير وكلينتون في التسعينيات، فإن الزعيمين تمكنا مع ذلك من إقامة علاقة صداقة قوية.

لكن ما الذي يجعل بلير مندفعاً وراء الموقف الأميركي؟ في الوقت الذي تعلو فيه أصوات زعماء أوروبيين آخرين ضد أي ضربة محتملة للعراق، يبدو أن موقف حكومة العمال البريطانية الداعم للمواقف الأميركية أكثر من أي حكومة أخرى يتماشى مع ما يجمع البريطانيين والأميركيين من قواسم مشتركة، كاللغة والتراث والقيم فالولايات المتحدة رغم حاجز المحيط الأطلسي أقرب إلى المواطن البريطاني من أوروبا، والبريطانيون منذ الخمسينيات من القرن الماضي أصبحوا يتطلعون إلى الولايات المتحدة للحصول على كل ما هو جديد في شتى المجالات، وهم يشعرون بوجود علاقة خاصة بين بلادهم والولايات المتحدة، وهو ما دفع الرئيس الفرنسي الراحل (شارل ديجول) للقول بأن "ولاء بريطانيا الأول هو دائماً للولايات المتحدة"، هذه العلاقة الخاصة هي التي جعلت بريطانيا تفتح أراضيها لاستقبال أكبر عدد من القواعد الجوية ومحطات التنصت الموضوعة في خدمة القوات الأميركية في أوروبا، كما جعلتها تشارك في جميع الحروب الكبرى التي خاضتها الولايات المتحدة في القرن العشرين باستثناء حرب فيتنام.

ولذلك لم يكن غريباً أن يعيد الرئيس الأميركي جورج بوش في خطاب له أمام الكونجرس نفس ما قاله (دين إيتشيسين) وزير الخارجية الأميركية في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي من أنه ليس لدى الولايات المتحدة حليف حقيقي سوى بريطانيا، ومن هذا المنطلق يعتقد بلير أن دعمه المطلق للتوجهات الأميركية سيعود بالفائدة على بلاده من خلال إضطلاع لندن بالدور الثاني بعد واشنطن في حملة مكافحة الإرهاب، والحملة ضد العراق، وقد اقترح على بوش ضرورة تشكيل تحالف دولي يحمي الولايات المتحدة من العزلة الدولية التي قد تغرق فيها لو اندفعت للانتقام بصورة فردية، ولئن كانت أميركا تملك أكبر قوة عسكرية فإن بريطانيا تملك دراية واسعة بشؤون الشرق الأوسط، وما كان لجورج بوش الأب أن يتخذ قراراته بشأن حرب الخليج الثانية إلا بمشورة ومساندة مارجريت تاتشر (رئيسة الوزراء البريطانية) حين ذاك، واليوم يحذو بلير حذو تاتشر، بل يذهب أبعد من ذلك عندما لم يترد في القول بأنه مستعد لدفع ضريبة الدم ثمناً للحفاظ على علاقات بلاده الخاصة مع الولايات المتحدة.

مالك التريكي: أن يبلغ الأمر بتوني بلير حد الحديث البلاغي عن استعداد بريطانيا لدفع ضريبة الدم التي يقتضيها التحالف التاريخي مع أميركا، فذلك يشير إلى مدى جدية المعارضة التي تتعرض لها السياسة الأميركية إزاء العراق، ليس لدى الرأي العام البريطاني فحسب، بل ولدى قسم من الطبقة السياسية، وخاصة في صلب الحزب العمالي الذي يتزعمه توني بلير.

معنا من لندن لبحث الموقف البريطاني من العراق الدكتورة روزماري هوليس (رئيسة برنامج الشرق الأوسط في المعهد الملكي للشؤون الدولية تشاتوم هاوس).

دكتورة هوليس، رئيس الوزراء توني بلير قال أخيراً في الخطاب أمام اتحاد نقابات العمال ما معناه تابعوني في الأسابيع القادمة وسوق تقتنعون، ويجتمع مع رئيس حزب المحافظين (إين دانك سميث) ومع رئيس الحزب الديمقراطي الليبرالي (تشارلز كيندي) ودعا البرلمان للانعقاد يوم الثالث والعشرين من الشهر، هل تعتقدين أنه سينجح في مسعاه، أي استمالة الرأي العام البريطاني؟

د. روزماري هوليس: إن لم يتحرك الحركة الصحيحة لفعل ذلك المجموعة البرلمانية العمالية، بالإضافة للديمقراطيين والمحافظين كانوا يريدون أن يُسمعوا صوتهم واهتمامهم، كانوا غير مغرمين بالأسلوب الرئاسي، كما برئاسة جمهورية لرئيس الوزراء، ورئيس الوزراء كان يجب أن لا يأخذ هذا القرار وحده.

مالك التريكي: لو حدث أن صوتت أغلبية في مجلس العموم ضد مشاركة بريطانيا في أي عملية عسكرية ضد العراق، هل سيكون من اللزام على توني بلير دستورياً أن يمتنع عن المشاركة؟

د. روزماري هوليس: هذا يبدو.. يبدو كأن رئيس الوزراء سيحاول تجنب التصويت مع أو ضد الحرب في البرلمان. عندما يجتمعون للنقاش الخاص حول المسألة هذا الشهر على الأرجح لن يكون هناك مقترح حول الدور البريطاني في.. في حرب محتملة، سينتظرون قرار مجلس الأمن حول ما يمكن فعله.

مالك التريكي: الانطباع السائد الآن خاصة من الخطاب الذي ألقاه بوش في اتحاد نقابات العمال وفي المؤتمر الصحفي في (سادج فيلد) هو أنه ملتزم التزاماً قوياً بتأييد الرئيس بوش مهما كان القرار الذي سيتخذه الرئيس بوش، هل هذا الانطباع صحيح؟

د. روزماري هوليس: الانطباع له وجهان، الأول أن رئيس الوزراء البريطاني يرى العلاقة مع الولايات المتحدة ذات أولوية كبرى، نعم هناك ميل وجنوح للتأثير عليهم أولاً.. لصداقتهم أولاً، ثم التأثير عليهم ثانياً.

الثاني أن هذا رئيس الوزراء توني بلير أيضاً ملتزم بقناعاته الشخصية، بدوافع الشخصية لفعل شيء حول الوضع العراقي.

مالك التريكي: تزامن استئناف توني بلير حملته لمحاولة إقناع الرأي العام البريطاني بوجوب ضرب العراق ضربة استباقية مع نشر تقرير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية من لندن، الذي لم يأتِ بجديد، ولكنه قال إن العراق ربما يكون قادراً على إنتاج قنبلة نووية إذا توفر له.. توفرت له بعض المواد، هذا ترك انطباعاً في.. في.. لدى الرأي العام العربي بأن بريطانيا إنما تقوم بتهيئة الأجواء دبلوماسياً وإعلامياً للضربة، أن بريطانيا تقوم بدور نوعاً ما تقليدي في هذا الإطار.

د. روزماري هوليس: حقيقة أعضاء البرلمان بما فيها بعض قيادات حزب لرئيس الوزراء نفسه قالوا أنهم لم يقتنعوا بهذا التقرير الذي تشير إليه، والشواهد التي ذكروها والأدلة، ليس هناك جديد في هذا التقرير، هناك تكهُن حول إشراف العراق على امتلاك هذا، هذا التقرير لم يؤثر في.. اليوم في لندن.

مالك التريكي: هنالك اعتقاد شبه عالمي -تعرفين دكتورة هوليس- أن الحكومات البريطانية المتعاقبة على اختلاف انتماءاتها السياسية تؤيد.. تؤيد القرارات الأميركية خاصة وقت الأزمات العسكرية، ألا تقتضي المصداقية البريطانية حسب رأيك الآن كسر القاعدة ولو مرة واحدة هذه المرة؟

د. روزماري هوليس: سؤال مثير، حقيقة هذا جزء من النقاش الذي يدور في.. في الرأي العام البريطاني، يريدون أن يعرفوا هل نلحقهم.. نلحق الأميركان على أي.. بأي ثمن؟ ولماذا؟ والجواب كالعادة التي تعطيه الحكومة نحن لا نأمل بالتأثير على الأميركان إلا إذا أيدتهم تأييداً قوياً في.. في المقام الأول، لكن خلال السنة القادمة منذ الحادي عشر من سبتمبر، منذ إعلان أميركا للحرب على الإرهاب هناك الكثير من الأسئلة التي تُسأل: هل تؤثر بريطانيا فعلاً على القرار الأميركي؟ هل هناك نتائج؟ أم أن هذا فقط يعني يجعلنا نبدو وكأننا مجرد تبع لأميركا؟ هذا.. هذا مهم للرأي العام البريطاني.

مالك التريكي: من التطورات المثيرة للانتباه في موقف توني بلير أنه اعترف هذه المرة بأن ضرب العراق ربما يضر بفرص استئناف عملية السلام في الشرق الأوسط، ولكنه لم يجدد التأكيد مثلما كان يفعل قبل أشهر على ضرورة إيلاء الأولوية لعملية السلام في الشرق الأوسط قبل القيام بأي تحرك ضد العراق.

د. روزماري هوليس: أعتقد أن هناك تطور كبير في.. في هذا الاتجاه، في بداية هذا السنة كان هذا خط الحكومة الرسمي، بمعنى من.. من.. من الاستحالة أن.. أن نفكر بعمل ضد العراق فيما يتحارب الفلسطينيون والإسرائيليون، وكان هناك حديث أن هذا سيثير ويُشعل المنطقة كلها، سؤال حول الحرب مع العراق إذا.. إذا لم نعالج القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني، ومحاولة فعل شيء للتأثير على الاحتلال الإسرائيلي والتخفيف من حدته، أو البحث عن حل الدولتين الذي يريده الجميع تحويله إلى حقيقة، ولكن هذا –للأسف- تحول إلى الهوامش، كلمة.. كلمة بوش أعادت هذا كله إلى الوراء.

مالك التريكي: فُسر كلام الرئيس بوش أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة حول استعداد أميركا للتعاون مع مجلس الأمن في تنفيذ ما سماه بالقرارات الضرورية على أنه رفض للمقترح الفرنسي باستصدار قرارين اثنين، واحد عن تحديد مهلة لعودة المفتشين، والثاني عن التخويل بضرب العراق إذا لم يستجب لشروط القرار الأول، ما هو الموقف البريطاني حسب رأيك؟ هل يميل إلى الطرح الفرنسي أم.. أم الأميركي؟

د. روز ماري هوليس: أعتقد أن الحكومة البريطانية مسرورة جداً أن الولايات المتحدة قررت أن تذهب بطريق الأمم المتحدة إذا أمكن ذلك، وسترون خطاب الرئيس بوش اليوم بأنه محاولة مكتوبة بذكاء، لتوظيف.. والحصول على دعم الأمم المتحدة لتصعيب الأمور على العراق. أعتقد أن البريطانيين سيكونون مفتوحون على النقاش مع أميركا على وجهة النظر الأميركية، بمعنى أنه إذا قررت أن الأمم المتحدة إذا وضعت تواريخ مطاطة هذا قد لن يكون في مصلحة حرب أميركا على العراق.

مالك التريكي: من الأفكار التي طرحت فور بدء محاكمة الرئيس اليوغسلافي (سلوبودان ميلوسوفيتش) في.. في لاهاي هو توجيه تهمة ارتكاب جرائم الحرب إلى الرئيس العراقي بدلاً الدخول في مغامرة عسكرية في العراق، وهنالك منظمة في بريطانيا اسمها (إندايت) تسعى لهذا الغرب.. لهذا الغرض، ألا يتوافق هذا مع العقلية القانونية للبريطانيين؟

د. روز ماري هوليس: حقيقة أنا واعٍ بالنقاش.. أن النقاش لم.. لم يعطَ أي اهتمام حول ما هو الهدف الحقيقي للحرب لو كانت هناك حرب، وعليه كيف ستكون الاستراتيجية بهذا الحال؟ وهذا النقاش سيكون له تأثيرات كثيرة حول الحكمة من الحرب، حول قانونية الحرب، أخلاقية الحرب، ولكن هناك الكثير من النقاش.

مالك التريكي: دكتورة روزماري هوليس (رئيسة قسم دراسات الشرق الأوسط بالمعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتوم هاوس بلندن) لك جزيل الشكر.

بمثل ما أنقذ الرئيس (ترومان) تركيا واليونان عام 47، وأوقف الشيوعية بفضل تطبيق عقيدة الاحتواء يعتقد الرئيس بوش أنه أنقذ أفغانستان، وسوف ينقذ العراق ويزيل خطر الإرهاب وأسلحة الدمار بفضل تطبيق عقيدته الجديدة، أي عقيدة الحرب الإستباقية.

بعد الفاصل: نظرة في مضاعفات الحرب الاستباقية على المستقبل السياسي في الشرق الأوسط.

[فاصل إعلاني]

عقيدة الحرب الاستباقية والموقف الأميركي من العراق

مالك التريكي: عندما فرض الرئيس بوش الأب سياسة الاحتواء المزدوج ضد العراق وإيران لم يكن لهذه السياسة أي علاقة بمدى امتثال النظام العراقي لقرارات الأمم المتحدة، بل كان الظن آنذاك أن العقوبات الاقتصادية مقترنة ببتر السيادة العراقية عبر منطقتي حظر الطيران سوف تنتهي بقلب نظام الحكم، وهذه غاية كانت إدارة بوش الأب تتمنى وقوعها، ولكنها كانت تخشى الضلوع فيها لأسباب ليس أقلها الخوف من قيام نظام في بغداد شبيه بنظام طهران.

وبالمثل فإنه يبدو من الخطاب الذي ألقاه بوش الابن أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن قرار ضرب العراق قد اتخذ فعلاً، وأنه لا علاقة لهذا القرار بتوفر أي أدلة على علاقة بغداد بهجمات الحادي عشر من سبتمبر، أو على امتلاكها لأسلحة الدمار، فهل القرار الأميركي بضرب العراق هو نتيجة منطقية لعقيدة بوش الجديدة، عقيدة الحرب الاستباقية؟ معنا لبحث الموقف الأميركي من العراق الدكتورة (رايتشيل برونسون) (مديرة دراسات الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية بنيويورك).

دكتورة برونسون، هل توافقين على التأويل الذي رأي في خطاب الرئيس بوش أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة نوعاً من الإيحاء بأنه ليس هناك أي مجال الآن للتراجع في قرار ضرب العراق؟ أن قرار ضرب العراق اتخذ فعلاً، هل توافقين على ذلك؟

د. رايتشيل برونسون: أعتقد أن الرئيس ملتزم بالتحرك ضد العراق أكثر مما سمعته من قبل كان غامضاً، وكانت الأخبار لا توحي بهذا الغموض. هذا ليس عن أدلة جديدة، الإدارة الأميركية تستجيب لاستفزازات وتطورات خطيرة قم بها العراق خلال التسعينات، وهو استجابة حول إحباطهم بسياسة (كلينتون) لو كانوا في الحكم في التسعينات، أنا على يقين أنهم كانوا سيضربون العراق بقوة أكثر من كلينتون، فالقراءة هذه صحيحة. ليس هناك أدلة جديدة، هي أدلة ليست جديدة، لكنها أدلة ظهرت خلال التسعينات، كان يجب أن نتعامل معها بشكل.. فيما يتعلق بالحادي عشر من سبتمبر في.. في اعتقادي الإدارة أخطأت خطأً كبيراً بالربط بعض الأحيان بضرب.. بالربط بين العراق والحادي عشر من سبتمبر، هاتان قضيتان مختلفتان تماماً، إدارة بوش قبل الحادي عشر من سبتمبر كانت مهتمة جداً بما.. بما يقع، فمازال الاهتمام واحداً قبل وبعد، الربط.. الربط خلق كثير من الحيرة والارتباك في أوساط أصدقائنا.

نقاشكم مع روزماري بريطانيا مثال.. بريطانيا مع.. تقف مع بريطانيا بعنف وبقوة، ولكن عندما تتحدث عن عملية إرهابية بدءوا يقولون أرونا الأدلة، فعندما تتحدث عن شيطنة الرئيس العراقي ليس هناك.. الناس كلها تتفق مع هذا، ولكن عندما تقول في.. في مقدمة المهمة كان يجب الإشارة إليها.

مالك التريكي: بعض الأوساط تقول إن قرار ضرب العراق قد اتخذ فعلاً (إبسوفاكتو) منذ يونيو الماضي، أي منذ أن أعلن الرئيس بوش عقيدته العسكرية الجديدة، أي عقيدة الحرب الاستباقية، أليس هذا منطقياً؟د. رايتشيل برونسون: لا أدري إذا كان القرار اتخذ أو لا، لكن الكلام اليوم أن هناك الكثيرون في الإدارة مقتنعون من أن الضربة مهمة وضرورية. ما لم أسمعه في الخطاب هو غياب نقاش الاستباقية، هذا مؤشر جديد إذا مشيت من خلال الأمم المتحدة (united nations) كما فعل الرئيس، وتحدثت عن كل الخروقات العراقية وخروقات صدام حسين، فلست بحاجة إلى الحديث عن ضربات الاستباقية، ولهذا أنا أدعو إلى استراتيجية تركز على الأمم المتحدة، لأننا لسنا بحاجة إلى الحديث عن الضربات الاستباقية، التبريرات موجودة، ولنرى ما تقول الأمم المتحدة، ما لم.. لم نسمع عن (.....)، وهذا جيد، نريد أن نتحدث بهذا الأسلوب.

مالك التريكي: لكن هنالك نوعاً من الالتباس حول اللجوء إلى الأمم المتحدة والشرعية الدولية، الشعور السائد هو أن اللجوء إليها هو لجوء ذرائعي، مجرد استخدامها كأداة، أي لتوفير عطاء دولي، إذا لم يستجب مجلس الأمن فأميركا مستعدة لأن تقوم بالهجوم وحدها.

د. رايتشيل برونسون: نعم، أعتقد نعم، من حقك أن تشير، أنت محق في الإشارة لهذا. السياسة الخارجية لهذه.. لو لم يكونوا كثيري الكلام حول ما يريدون فعله، لو جاءوا بمثل هذا الخطاب إلى الأمم المتحدة أن تتصرف، لكن كانت السياسة.. الاستراتيجية الدبلوماسية غير.. غير متقنة، إذا قلنا هذا أنا وأنت يجب أن نقرر أن..

الأدلة التي قدمها الرئيس حول الأحداث السيئة التي تعتبر سيئة، وتعذيب الأطفال أمام أطفالهم في العراق، وقتل.. وحرق بعض.. بالغازات حرق بعض العراقيين، هذا لا يجعله فقط يخرق القوانين الدولية، ولكن يهدد المنطقة كلها والعالم.

أنا أعتقد أن هذا يمثل ما.. ما يكفي، هذا سيئ للولايات المتحدة وللعالم، ولشركاء أميركا مثل الأردن والسعودية، يضع الجميع في.. في وضع صعب. هذا الرجل مشكلة كبيرة لنا وللمنطقة ولشركائنا الأوروبيين، رغم أنهم قد لا يرونها هكذا في بعض الأحيان، وهذا ما يجب أن نضعه في الحسبان.

مالك التريكي: دكتورة برونسون مما.. مما أشار إليه الرئيس بوش أنه يأمل في قيام نظام ديمقراطي في العراق، قال قيام عراق ديمقراطي مثلما حدث في أفغانستان أخيراً، ومثلما يأمل أن يحدث في فلسطين، هذا يثير مخاوف من أن العراق أو اجتياح العراق ليس إلا بداية لعملية طويلة هي إعادة تشكيل الخارطة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط، هل هذا وارد؟

د. رايتشيل برونسون: سمعت شيء غير هذا الخطاب، سمعت هذا كثيراً من قادة المنطقة المهتمون، هل نؤيد الولايات المتحدة أو لا؟ ومن حقهم أن.. أن ينشغلوا بهذا، أن يسمعوا مثل ما يخرج من واشنطن، لكن في الخطاب كان يحاول خلق قضية جيدة أن العراق منفرداً ومتميزاً، عنف النظام، الأسلحة.. أسلحة الدمار الشامل، ما سمعوه من رجال المخابرات عن القيادة العراقية، ما قاله الرئيس مهم، كان يجب أن.. أن يكون أوضح. صدام.. نظام صدام مشكلة خاصة، ومختلفة عن كل المشاكل الأخرى، هكذا أرى الخطاب. هناك كثيرون في واشنطن يريدون تغيير، أنا أعتقد أن هذا غير.. غير مسؤول، ودبلوماسية سيئة، لكن عندما سمعت خطاب الرئيس أنا أعتقد أنه كان ذكياً أنه ركز على أن العراق مختلف جداً.

مالك التريكي: ولكن الأوساط الفكرية وحتى بعض.. بعض الباحثين في.. في مجلسكم ويكتبون في مجلة (foreign affairs) التابعة لكم دعوا إلى.. دعوا إلى قلب نظام العراق منذ.. منذ مدة، المسألة الآن أن هنالك اعتقاداً لدى بعض الأوساط في بريطانيا وفي أميركا أن الرئيس العراقي يمكن أن توجه له تهمة ارتكاب جرائم الحرب، وبعضهم يقولون أنه إذا تم ذلك مثلما حصل مع الرئيس (ميلوسوفيتش) ربما يعفي المنطقة من حرب ستكون لها.. ستكون فيها خسائر بشرية و.. ومادية كبيرة خاصة بالنسبة للعراقيين

د. رايتشيل برونسون: الطريقة التي تعاملنا فيها مع ميلوسوفيتش لم تتجاهل استخدام القوة، تتذكر أن هنا كان حرب ضد ميلوسوفيتش، وبعد خسارته سُجن في أوروبا، لم يكن أننا قررنا نوجه له التهمة ثم نذهب له بشرطي، إنها لا تحدث هكذا، مع.. مع ميلوسوفيتش كانت القصة.. كان يريد أن.. أن يحارب بعنف للاحتفاظ بالقوة وبالسلطة، ولهذا اللجوء إلى القوة على الأرض بسببها استطعنا أن.. أن.. أن نغير النظام في يوغسلافيا، ثم نعتقله من أجل أن توجه له التهمة.

مالك التريكي: الدكتورة رايتشيل برونسون (رئيسة دراسات قسم الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية بنيويورك) لك جزيل الشكر.

وبهذا -سيداتي سادتي- تبلغ -حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها- دمتم في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة