أسباب وتداعيات تأجيل الإحصاء السكاني في السودان   
الخميس 1429/4/12 هـ - الموافق 17/4/2008 م (آخر تحديث) الساعة 13:07 (مكة المكرمة)، 10:07 (غرينتش)

- أسباب وأهداف انسحاب حكومة الجنوب من الإحصاء

- مستقبل العلاقة بين شريكي الحكم في السودان


محمد كريشان
ربيع عبد العاطي عبيد
مختار الأصم
محمد كريشان
: السلام عليكم. نتوقف في هذه الحلقة عند انسحاب حكومة جنوب السودان من التعداد السكاني العام في البلاد والذي كان مقررا منتصف هذا الشهر وسط خلافات حول جملة من القضايا المتصلة بالإحصاء الذي يعد حجر زاوية في اتفاقية نيفاشا للسلام. وفي حلقتنا محوران، ما الأسباب الحقيقية لانسحاب حكومة الجنوب من هذا التعداد السكاني في مثل هذا التوقيت؟ وما تداعيات هذا الخلاف بين شريكي الحكم على مستقبل اتفاقية السلام بينهما؟... جاء قرار حكومة جنوب السودان تأجيل الإحصاء السكاني إلى شهر نوفمبر المقبل جاء مفاجئا للحكومة السودانية التي قررت عقد جلسة استثنائية لمناقشة الأمر وسط مطالبة حكومة الجنوب بالعدول عن قرارها، ويأتي هذا التأجيل في إطار عملية الشد والجذب بين الحكومة والحركة الشعبية من أجل إثبات البنية الإثنية والدينية لشعب السودان التي يراها الطرفان ضرورية لإنهاء الكثير من الصراعات حول تقاسم السلطة والثروة.

[تقرير مسجل]

المعلق: قد لا يكفي توقيع اتفاقية سلام حتى تنتهي الصراعات، هذا ما يقوله واقع الحال في جنوب السودان حيث تستمر الخلافات بين الموقعين على اتفاقية نيفاشا في سبتمبر/ أيلول سنة 2003، حكومة الخرطوم من ناحية والحركة الشعبية من جهة أخرى طرفان قررا أن يضعا حدا لحرب أهلية دامت عشرين سنة قتل فيها مليونا سوداني وشرد أربعة ملايين آخرين، أرقام دفع ثمنها الفادح مدنيون يضع برنامج الحكومة لإحصائهم مكاسب السلام الهشة على المحك. وضعت اتفاقية نيفاشا الأطر العامة لفترة انتقالية يتوجها استفتاء يجرى سنة 2011 يسأل الجنوبيين عن رغبتهم إما في الانفصال أو البقاء على الوحدة مع الشمال، غير أن عقدين من القتال والنزوح غير مشهدهم الديمغرافي إلى صورة يفترض بالإحصاء أن يرسم ملامحها بدقة. سبقت تصريحات الساسة فرق الإحصاء إلى أرجاء الجنوب تحذر من تزييف الحقائق الدينية والعرقية القائمة على الأرض هناك، ففي وقت ترى فيه الحكومة الإحصاء ضرورة تقتضيها المشاغل التنموية والسياسية تربط القيادات الجنوبية بين مصداقية الإحصاء وبين الأوضاع غير المستقرة في دارفور الأمر الذي حدا بالحكومة الجنوبية إلى تأجيل الإحصاء في مناطقها إلى موعد لاحق وظروف مختلفة، تباين في وجهات النظر يكشف حسب متابعين وجود أزمة ثقة صامتة حينا وصاخبة أحيانا بين شريكي سلام في زمن تعود زمن الحرب إحصاء القتلى والجرحى فات صناع القرار فيه ربما أن زمن السلم يقتضي إحصاء الأحياء والوقوف عند خريطتهم العرقية والدينية. بقي السؤال، هل تنجح اتفاقية نيفاشا في كسب رهان الإحصاء أم أن تعداد السكان سيتحول عثرة جديدة في مسارها نحو التطبيق؟

[نهاية التقرير المسجل]

محمد كريشان: هذا التقرير وضعنا في صورة الخلافات بين طرفي الحكم في السودان ولكن عن موضوع الاستفتاء تحديدا موضوع إحصاء السكان إليكم هذا التقرير للدكتور يوسف عوض.

[تقرير مسجل]

المعلق: مواجهة جديدة بين الحركة الشعبية في جنوب السودان والحكومة المركزية في الخرطوم، مرتكز المواجهة قرار الحكومة الإقليمية في الجنوب تأجيل الإحصاء السكاني المقرر له منتصف الشهر الجاري إلى نهايته.

مشارك: قرر مجلس وزراء حكومة الجنوب أن أهداف التعداد لا يمكن تحقيقها تحت الظروف الراهنة وأن الحاجة ملحة لتأجيل عملية التعداد بجنوب السودان إلى وقت لاحق.

المعلق: وزير الإعلام في حكومة الجنوب ساق عددا من الأسباب برر بها قرار حكومته ومنها أن استمارة الإحصاء لم تتضمن سؤال العرق والدين وعدم اكتمال عودة اللاجئين والنازحين إلى جنوب السودان وكذلك عدم تحويل المبالغ اللازمة للإحصاء من الحكومة المركزية وعدم التوصل إلى اتفاق بشأن ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب في إشارة إلى منطقة أبيي. الوزير قال إن من أهداف الإحصاء أن يثبت أن السودان بلد أفريقي وليس عربيا كما يدعى في الشمال وأن تأكيد هذه الحقيقة من وجهة نظره له انعكاساته على سلطة الحكومة المركزية وكيفية تقاسم الثروة. حزب المؤتمر الوطني الحاكم دان هذا التأجيل وقرر مجلس الوزراء عقد جلسة استثنائية لدراسة التأجيل الذي وصفه وزير الدولة بوزارة الإعلام بأنه غير دستوري.

كمال عبيد / وزير الدولة في وزارة الإعلام السودانية: دستوريا ليس من حق حكومة الجنوب اتخاذ هذا القرار كذلك الحيثيات التي ذكرت في صياغة القرار لم تكن صحيحة ولا موفقة.

المعلق: الجهاز المركزي للإحصاء فند أسباب التأجيل مؤكدا أن الحكومة أرسلت المخصصات المالية وأن حكومة الجنوب وافقت على الاستمارة الخالية من إشارة العرق والدين، كما أن اتفاقية نيفاشا لا تشترط عودة النازحين لإجراء الاستفتاء. وترى مصادر صحفية أن عدم حسم مسألة الحدود بين الشمال والجنوب في منطقة أبيي الغنية بالنفط ربما كان سببا رئيسيا وراء قرار حكومة الجنوب وقف الاستفتاء خشية أن يثبت وجود أغلبية عربية في المنطقة وذلك هو جوهر الصراع بين الشمال والجنوب. صراع يتعارض مع مبادئ الاتحاد الأفريقي الذي وحد بين سكان القارة عربا وأفارقة بينما ما زالت الصراعات الإثنية من هذا القبيل قائمة بين سكانها.


[نهاية التقرير المسجل]

أسباب وأهداف انسحاب حكومة الجنوب من الإحصاء

محمد كريشان: ومعنا في هذه الحلقة من الخرطوم الدكتور ربيع عبد العاطي عبيد مسؤول الإعلام الخارجي في حزب المؤتمر الوطني الحاكم، ومن العاصمة السودانية الخرطوم أيضا الدكتور مختار الأصم أستاذ العلوم بجامعة الخرطوم، أهلا بضيفينا وننوه إلى أننا حاولنا استضافة مسؤول من حكومة جنوب السودان ولكن دون جدوى. لو بدأنا بالدكتور ربيع عبد العاطي، دكتور عبد العاطي عبيد هذه الخطوة من قبل حكومة جنوب السودان كيف يمكن تفسيرها بشكل دقيق؟

ربيع عبد العاطي عبيد: هذه الخطوة من قبل حكومة الجنوب أنا أعتقد أنها خطوة غير موفقة، أولا هذه الخطوة تعتبر خرق واضح جدا لاتفاقية السلام التي نصت على أن يكون القرار هو قرار رئاسي ذلك القرار الذي صدر عن رئيس الجمهورية ببداية الاستفتاء في كل أنحاء السودان في 14 من الشهر الجاري، بالإضافة إلى أن الاعتراضات كلها تتضمن مغالطات بدأت من ترسيم الحدود واتهام بمسألة النازحين واللاجئين علما بأن كل هذه النقاط لم تكن شرطا لبداية التعداد السكاني لذلك أقول بأنهم حاولوا أن يهتبلوا هذه الفرصة لخلق نزاع آخر بمثل ذلك النزاع الذي تم طي ملفه ولكن فيما أعتقد أن هناك بعض الجهات تود من هذه القضية أن تتصاعد حتى تنسف اتفاقية السلام نسفا كاملا.

محمد كريشان: يعني هي قد لا تكون مدرجة في اتفاقية نيفاشا، وهنا أريد أن أسأل الدكتور مختار الأصم، يعني قد لا تكون مدرجة في اتفاقية نيفاشا هذه المسائل التي طرحتها حكومة الجنوب ولكن ألا يمكن أن يكون توفرها مدعاة لأن يجري الإحصاء بشكل أكثر دقة وأكثر علمية؟

"
المادة 215 من الدستور تنص على أنه لا بد من إجراء تعداد سكاني في نهاية السنة الثانية الانتقالية وهذه انتهت وتجاوز الوقت وأجل التعداد أربع مرات
"
مختار الأصم

مختار الأصم
: هو الحقيقة هنالك مادة في الدستور المادة 215 بتنص صراحة على أنه لا بد من إجراء تعداد سكاني في نهاية السنة الثانية الانتقالية وحقيقة السنة الثانية الانتقالية انتهت وتجاوز الوقت وأجل التعداد أربع مرات ولسوء الحظ أن كل التأجيل تم بالموافقة ما بين الشريكين الاثنين، لكن الفترة الأخيرة هذه هي دي أزمة حقيقية، أزمة حقيقية لأن هذا التأجيل تم فجأة وبدون مقدمات، قبل يومين فقط كان الرئيس سلفا بيتحدث في الجنوب وبيحث أبناء الإقليم الجنوبي على الاجتهاد في التعداد وكان حاكم الإقليم الاستوائي بيحث الجنوبيين كذلك على عد أنفسهم وألا يلجؤوا إلى الخرافات في أن يقولوا إن العدد مضر، الشاهد هنا أنه هذه أتت بصورة فجائية وأربكت النظام لأنه الآن إذا لم يقم التعداد في هذا الوقت وإذا اتبع رأي الحركة الشعبية في أن أجّل التعداد إلى نوفمبر معنى هذا أن الانتخابات نفسها أجلت إلى مدة عام بدل بدت 2009 بدت 2010، إذا كان الاستفتاء جنوب..

محمد كريشان (مقاطعا): ما الذي يعنيه هذا من تداعيات بالنسبة للمستقبل؟

مختار الأصم: يعني تأجيل الانتخابات لمدة عام، يعني استحالة قيام الانتخابات، يعني في المجال الأخطر منه هو أن يظل الشريكان الاثنان يديران البلد بالنسب التي حدداها في نيفاشا بـ 80% من قوة البرلمان و 80% من قوة المقاعد الموجودة في مجلس الوزراء لأن اتفاقية نيفاشا أعطت الشريكين 80% من السلطة وكان المحك الوحيد هو لمعرفة الحجم الحقيقي للمؤتمر الوطني والحجم الحقيقي للحركة الشعبية هو إجراء انتخابات والانتخابات لا تقوم إلا بعد إجراء هذا التعداد السكاني، التعداد السكاني إذا لم يقم ولم تقم انتخابات سندخل في أزمة سياسية حقيقية.

محمد كريشان: إذاً بهذا المعنى وهنا أعود إلى الدكتور ربيع عبد العاطي عبيد، بهذا المعنى هل يمكن أن نعتبر أن هذه الخطوة من قبل حكومة الجنوب إنما جاءت بالتحديد لإجهاض الاستحقاق الانتخابي، وفي هذه الحالة ما الهدف؟

ربيع عبد العاطي عبيد: أنا أعتقد هناك بعض المظاهر في الحركة الشعبية وبعض التصرفات تدل على أن الحركة الشعبية تود أن تسيطر على الجنوب بمفردها وأن هناك فعاليات سياسية كثيرة جدا غير مشاركة في حكومة الجنوب وأعتقد أنهم قد وجدوا من ذلك الخلاف وتلك النقاط التي أنا أعتقد أنها مغالطات من أجل أن يحكم الجنوب طوال هذه الفترة وبالتأكيد أن الخطورة لا تأتي من أن المؤتمر الوطني والحركة الشعبية سينفردان بحكم السودان لأن الانفراد بحكم السودان بهذه الصورة حتى المؤتمر الوطني سوف لن يكون مرتاحا من هذه الشراكة خلال الفترة القصيرة الباقية، وإذا أجلت الانتخابات حتى العام 2010 فسنداهم بالفترة المحددة وهي العام 2011 للاستفتاء على تقدير المصير وأنا أعتقد فيما لو سارت الأمور بموجب هذه المماطلات والتأجيلات فإن الأوراق ستكون قد اختلطت تماما وأن الأمر في السودان سيسير نحو نهايات غير مقبولة وغير محمودة.

محمد كريشان: نعم، مثلما ذكرنا كان بودنا أن يكون معنا في هذه الحلقة أحد المسؤولين من حكومة الجنوب على الأقل حتى يفسر هذه الخطوة. البعض اعتبر هذه الخطوة وهنا أعود إلى الدكتور مختار الأصم، البعض فسر هذه الخطوة على أساس أنها رهانها الحقيقي هي مدينة أبيي الغنية بالنفط إذا ما جرى التعداد بشكله العادي فسيتضح بأن هذه المدينة هي ليست ذات أغلبية أفريقية جنوبية كما تقول حكومة الجنوب وبالتالي من الأفضل ألا تتورط حكومة الجنوب في وضع كهذا وأن تبقي الوضع الحالي، هل هذا دقيق؟

مختار الأصم: هذا جزء من المشكلة ولكن المشكلة في مجملها أكبر من ذلك. الحركة الشعبية بتعتقد كانت بأنه لا بد من إدراج مسألتي العرق والدين في الاستمارة، كانوا يريدون من هذا أن يثبتوا أو على الأقل يبرهنوا أن جنوب السودان ليست أغلبيته مسلمة كما يقول البعض، ويريدون أن يقولوا إنه حتى في الشمال ليس الإسلام بغلبة، يعني يريدون أن يمتحنوا نسبة المسلمين الموجودين في السودان حقيقة، ويريدون أن يمتحنوا معها كذلك نسبة العنصر العربي الموجود في البلاد، لذلك هم كانوا مصرين على أدراج المسألة بتاعة العرق والدين لكي...

محمد كريشان (مقاطعا): وهي لم تكن واردة في اتفاقية نيفاشا.

مختار الأصم (متابعا): لم تكن واردة حتى في الاتحاد الأفريقي، الاتحاد الأفريقي أعلن كذا مرة أنه لا يجدر ولا يجوز بأفريقيا أن تنظر لمسألة العرق والدين لأنها أدت في رواندا إلى حرب أهلية دموية وإلى تطهير عرقي خطير، يعني هذا مسائل الاتحاد الأفريقي وصى بأنه ألا يعتمد عليها. والغريب في الأمر أنه توصل المؤتمر الوطني مع الحركة الشعبية إلى شيء في منتصف الطريق وهو أن يدرج في التعداد سؤال عن المنطقة  التي أتى منها الشخص المنطقة الجغرافية يراد بهذا أن يكون بديل للمسألة الإثنية والعرقية، ولكن الشاهد هنا أن الحركة واضعة في دينها من قبل بأنه لا بد من إدراج الدين والعرق لأنه أتى من الرئيس سلفا من نائب الرئيس الأول سلفا إلى رئاسة الجمهورية يطلب منهم عقد لقاء في 20 أبريل من أجل مناقشة موضوع الأسئلة التي توضع في الاستمارة في حين أن التعداد كان مفترض يكون يوم 15 أبريل يعني بعد غد. الحركة وضعت بعض النقاط الأساسية بتعتقد أن دارفور فيها أزمة وفيها عدم سلام ولا يمكن أن يتم التعداد ما لم يهدأ إقليم دارفور ويعتقدون بأنه ما لم يأت النازحون اللي موجودون في الشمال يعني في رأيهم أنه هنالك في اثنين مليون جنوبي نازح في الشمال فإذا ما تم إعادة هؤلاء الناس على الشمال معنى هذا سيزيد من الغلبة بتاعة الأعداد الموجودة في الشمال مما يعطي الشمال نسبة في السلطة أكبر مما يستحق، ويعتقدون أنه لو أعطوا فرصة أكثر للنازحين ليعودوا لأبيي ويعودوا إلى مناطقهم في الجنوب سيعطي الجنوب فرصة أكثر في أن يظهر عدده الحقيقي. هو الحقيقة أن التعداد يعني لأنه لو فترة ما تم السودان سيبرهن أشياء كثيرة جدا غائبة عن الناس كم حجم السكان في الخرطوم يعني الآن متوقعين الخرطوم يكون عدد سكانه ربع السودان وقد تظهر ولايات كبيرة جدا لا تساوي حيا من أحياء الخرطوم والدعاوي السابقة اللي عندنا أن دارفور الشمالية والجنوب وهؤلاء خمس السكان ربع السكان كلها ستوضح، فالتعداد ضروري جدا لأنه بيعطي كل إنسان وكل إقليم حجمه الحقيقي..

محمد كريشان (مقاطعا): هو ربما لهذا السبب يعني أجّل يعني الرهانات الكثيرة التي يضمها هذا الإحصاء والذي من ناحية أخرى يعكس مدى ربما هشاشة العلاقة علاقة الحذر وعدم الثقة للأسف بين شريكي الحكم وهذا ما سنتناوله بعد هذا الفاصل، مستقبل العلاقة بين شريكي الحكم في السودان بعد هذا التأجيل للإحصاء. نرجو أن تبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

مستقبل العلاقة بين شريكي الحكم في السودان

محمد كريشان: أهلا بكم من جديد وحلقتنا هذه تناقش أسباب وتداعيات تأجيل إحصاء سكاني في جنوب السودان. دكتور ربيع عبد العاطي عبيد هذا التأجيل للإحصاء مع التوتر السائد حاليا في منطقة أبيي كيف يمكن أن ينعكسا على العلاقة بين شريكي الحكم في السودان الآن؟

"
التوتر لم يتوقف منذ أن تشكلت حكومة الوحدة الوطنية، وهناك نقاط كثيرة كانت مثار خلاف بين شريكي الحكم وآخر تلك الأزمات التي نجم عنها تشكيل لجنة سداسية لحسم الخلاف في قضية أبيي
"
   ربيع عبد العاطي عبيد
ربيع عبد العاطي عبيد
: أنا أعتقد بأن التوتر أصلا لم يقف ولم يتوقف منذ أن تشكلت حكومة الوحدة الوطنية، هناك نقاط كثيرة جدا كانت مثار خلاف وموضع خلاف بين شريكي الحكم وأخيرا تلك الأزمة التي نجم عنها تشكيل لجنة سداسية لحسم الخلاف ورفعت قضية أبيي لمؤسسة الرئاسة الأمر الذي لم تنتظره الحركة الشعبية حيث نصبت حاكما على أبيي، بالإضافة إلى النقاط التي الآن تتمسك بها، مسألة العرق والدين، ونحن نعلم تماما أن العرق لا يمكن قياسه بدرجة معينة وكذلك نحن قد اتفقنا جميعا وتراضينا على أن المواطنة هي المعيار الأساسي بالنسبة لكافة المواطنين السودانيين ولا تمايز نسبة للعرق أو الدين فالحركة الشعبية الآن تعود للتمايز وتظهر بأنها عنصرية حتى النخاع باشتراطها ضرورة إدراج هذه الجملة أو هذه الكلمة في استمارة التعداد السكاني، ونحن كنا قد تراضينا كذلك على أن الدين ليس سببا للتمايز أو التفرقة بين المواطنين السودانيين ونحن نؤمن بأن الرسل جميعا قد أنزلوا من الله سبحانه وتعالى ولا مجال لأن نفرق بين دين ودين، وهذه المشكلة التي الآن..

محمد كريشان (مقاطعا): يعني عفوا دكتور، هذا التمايز الذي تشير إليه هل يمكن اعتباره مقدمة تمهيدية لمحاولة التقسيم في نهاية الفترة الانتقالية أكثر منه محاولة لإقامة دولة واحدة وموحدة؟

ربيع عبد العاطي عبيد: بالتأكيد أنهم يثيرون هذه القضية والقضية مثارة في دوائر الحركة الشعبية التمايز الديني والتمايز العرقي ولا تخلو حتى صحف الحركة الشعبية ولا المجلات التي تصدر من ورائها الحركة الشعبية والمعلومات التي تتدفق في شبكة الإنترنت وهي من ورائها كذلك الحركة الشعبية دائما يصرون على أن هناك تمايز عرقي وتمايز ديني وبالتأكيد أنهم يقصدون من كل ذلك أن تكون نهاية المطاف مكاسب تحقق للحركة الشعبية بأن تستمر في حكم الجنوب في هذه الفترة أو حتى فترة استفتاء لتقرير المصير وقد يصوبون كذلك أهدافهم فيما وراء ذلك حتى إذا حدث انفصال أن تتحكم الحركة الشعبية بمعزل عن كافة الفعاليات الجنوبية السياسية، وبالتأكيد أن هذه أهداف لا أرى أن هناك وسيلة لتحقيقها من قبل الحركة الشعبية وفقا لمعطيات الحاضر سواء كان ذلك في الشمال أم في الجنوب.

محمد كريشان: على ذكر هذه المكاسب، أسأل الدكتور مختار الأصم، على ذكر هذه المكاسب لماذا لا نعتبر أن هذا الإشكال الحالي المتعلق بالاستفتاء هو محاولة للضغط على الحكومة لمحاولة الحصول على مزيد من المكاسب في معادلة الحكم الداخلي أكثر منها محاولة ربما للتمايز بالمعنى الذي أشار إليه الدكتور عبيد؟

مختار الأصم: هذا جائز لكن الأهم منه أن مسألة الدين مسألة أساسية في اتفاقية نيفاشا، وأنا أعتقد بأن المسألة برمتها بدأت من البداية عندما قال الراحل جون قرنق إن الشيطان في التفاصيل لأن الاتفاقية في جوهرها هي عبارة عن لقاء ما بين نظام علماني وهو نظام الحركة الشعبية وبين نظام المؤتمر الوطني وهو نظام يعتمد على الشريعة الإسلامية وقسم البلد إلى قسمين اثنين قسم شمالي تطبق عليه الشريعة الإسلامية وقسم جنوبي يدار بنظام علماني وهو ما سمته الحكومة الأميركية النظامان في دولة واحدة. هذا هو لب المشكلة من الأساس وهنالك عدم ثقة مستفحل بين الشريكين الحركة الشعبية لا تأمن المؤتمر الوطني والمؤتمر الوطني لا يأمن الحركة الشعبية، الأزمة في أبيي هي جزء من عدم الثقة هذه وزاد الطين بلة الآن أنه أصبحت الحركة الشعبية تختار التوقيت المزعج للضغط على الشريك. يحتمل جدا يكون هذا الأمر هو كله ضغط على الشريك اللي هو المؤتمر الوطني من أجل إطلاق يد الحركة أكثر في الجنوب وبالذات أنه في حديث أن الجنوب لا يعطي المسلمين يعني حقوقهم بالكامل أو بحقوقهم حتى الأساسية وكذلك هنالك اتهام بأن الحركة بقوتها العسكرية أصبحت تهيمن عسكريا على الجنوب وليس جماهيريا، وبهذا المنطلق إذا توقف التعداد وتوقفت الانتخابات الأمور ستخضع للحركة الشعبية وتدير الجنوب بنفسها بهدوء والمؤتمر الوطني سيواجه قوى الشمال لأن المؤتمر الوطني وافق على التداول السلمي للسلطة ووافق على الانتخابات والمؤتمر الوطني في رأيه أنه هو لديه جماهير ستحمله إلى السلطة وطبعا الأحزاب الشمالية الأخرى بتعتقد بأنهم أصحاب السلطة الحقيقية. وبالمناسبة أنك أنت لو نظرت إلى هذه المسألة ستجد أن 80% الآن من السلطة موجودة بين المؤتمر الوطني والحركة وباقي القوى التي كانت تحكم السودان لا تتمتع إلا بـ 20% فقط فما كان في محل غير أنه يعطي هذه الجماهير الباقية والأحزاب الباقية فرصة في أن تنظر في أمرها وأن تتشاور في أمرها وأن تحاول أن تحكم السودان ببرامجها.

محمد كريشان: سؤال أخير دكتور مختار الأصم وسيكون أيضا هو نفسه للدكتور عبيد، هل تعتقد بأن هذه الأزمة قابلة للحل عوض أن تكون بداية طلاق نهائي بين شريكي الحكم؟

مختار الأصم: الحل الوحيد الآن اللي موجود للأزمة هو أن يؤجل التعداد لأن هذا التعداد هو نظام التعداد في اليوم الواحد أي أنه يتم إحصاء سكان السودان كلهم في نفس الليلة فإذا رفضت الحركة الشعبية وهي مسؤولة عن مفوضية الإحصاء اللي موجودة في الجنوب لن يتمكن أحد من إحصاء الجنوب فإذا أصرت على رأيها، وبين أنه الآن الوقت ضيق إلى بعد غد لكي تغير رأيها، فبين أنه لن يتم الاستفتاء في يوم الثلاثاء وإلا سيكون استفتاء أعرج لأنه استفتاء بدون الجنوب واستفتاء ليلة واحدة ما بيعطي معلومات. ولكن هنالك أمل في أن تتمكن مؤسسة الرئاسة من إقناع الحركة بأن يكون التأجيل أسبوع أسبوعين هذا مقدور عليه ولكن تأجيل أكثر من ذلك أعتقد بأنه سيدخل السودان في محنة حقيقية وعدم استقرار حقيقي أسوأ من اللي كنا نعانيه في السابق من تداول الحكومات السريع. هنالك خطورة على النظام هنالك خطورة على الاستقرار السياسي في السودان..

محمد كريشان (مقاطعا): لنر رأي الدكتور عبيد في الدقيقة الأخيرة من البرنامج حول نفس السؤال.

ربيع عبد العاطي عبيد: أخي الكريم المسألة لا تحتاج إلى اجتهادات من أجل الوصول إلى حلول، أنا أعتقد أن الحلول الممكنة والحلول الموضوعية هي الرجوع إلى اتفاقية السلام، الرجوع إلى اتفاقية السلام بشأن التعداد السكاني والإجراءات التي ينبغي أن تتبع قبل إجراء الانتخابات في العام 2009، الرجوع كذلك لاتفاقية السلام فيما يتصل باتفاقية أبيي التي أشارت إليها اتفاقية السلام بأن تكون المرجعية هي مرجعية الرئاسة، أنا أعتقد الحركة الشعبية ملزمة بهذه الاتفاقية والمؤتمر الوطني ملزم بهذه الاتفاقية وفي حالة الرجوع إلى الاتفاقية فكفى الله المؤمنين القتال وهذا هو الحل الوحيد الذي يجنب السودان الأزمات المتلاحقة.

محمد كريشان: شكرا جزيلا لك دكتور ربيع عبد العاطي عبيد مسؤول الإعلام الخارجي في حزب المؤتمر الوطني الحاكم، وشكرا أيضا لضيفنا الثاني من العاصمة السودانية والذي كان معنا في هذه الحلقة الدكتور مختار الأصم وهو أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم، وننوه مرة أخرى إلى أننا حاولنا مرارا وتكرارا أن نستضيف شخصية مسؤولة أو قريبة من حكومة جنوب السودان ولكننا لم نفلح في ذلك. بهذا نصل إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر، غدا بإذن الله قراءة جديدة في ما وراء خبر جديد، في أمان الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة