الأندلس العربية لماريا روزا مينوكال   
الخميس 1429/12/7 هـ - الموافق 4/12/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:43 (مكة المكرمة)، 12:43 (غرينتش)

- كتاب تاريخي بأسلوب سردي حكائي
- جوانب التعايش والتسامح في الأندلس العربية

كتاب تاريخي بأسلوب سردي حكائي

عادل موساوي
عادل موساوي
:ِ عنوان الكتاب هو "الأندلس العربية، إسلام الحضارة وثقافة التسامح" والكتاب من تأليف الباحثة ماريا روزا مينوكال وهي بالمناسبة من أصل كوبي وتدرّس في جامعة يال بالولايات المتحدة الأميركية وهي مدرّسة للغة الإسبانية والبرتغالية، والمعروف عن هذه الباحثة أنها تتبنى مشروعا طموحا ويتعلق الأمر بإعادة قراءة التاريخ الثقافي والاجتماعي والسياسي للأندلس العربية. ونشير أيضا إلى أن هذا الكتاب ترجم في المغرب وصدر عن دار نشر مغربية معروفة ومرموقة هي دار توبقال للنشر. الكتاب يحاول أن يسلط الضوء على فترة تاريخية مهمة جدا في تاريخ الأندلس والتي تبدأ عمليا من منتصف القرن الثامن الميلادي إلى غاية بداية القرن الثالث عشر الميلادي، يعني عمليا منذ فرار الأمير الأموي عبد الرحمن الداخل والذي سيعرف فيما بعد في الكتابات العربية بصقر قريش وعبوره إلى الأندلس وتمكنه من تأسيس دولة قوية مستقلة عن الخلافة العباسية في بغداد بعد أن بطش بنو العباس بأمراء بني أمية وقضوا على دولتهم في المشرق العربي، مرورا طبعا بفترة الرخاء والاستقرار التي عرفتها الأندلس وانتهاء بسقوطها عمليا في يد الإسبان. يعني برغم عدم التزام الباحثة يعني بهذا التحقيب إلا أنها استطاعت أن تقدم لنا توليفة منهجية حاولت أن تنسج من خلالها نوعا من التأريخ السياسي ونوعا من التأريخ الثقافي والاجتماعي للأندلس وتقدم لنا مجموعة من الأحداث المهمة وبعض التحاليل الثاقبة في حقيقة الأمر بأسلوب سردي حكائي مما أضفى ميزة خاصة على هذا الكتاب.

"كان عبد الرحمن شأنه شأن المنفيين المهاجرين من كل جيل ومن كل ثقافة متلهفا على كل ما يمكن أن يذكره بوطنه، ثماره المفضلة أو صور من شبابه، كان هذا الرجل المتشوق إلى أذواق وصور وأصوات وطنه الذي لن يراه ثانية خليفة في الواقع كانت له الموارد والإمكانات الضرورية لجلب نباتات من الطرف الآخر من أفريقيا الشمالية وتشييد بنايات تعيد إليه ذكرى سوريا. لم يكن الحاكم القوي فحسب كان أيضا الأب المؤسس لأمويي الأندلس وإن كانت ذكرياته وجهوده من أجل تسلية اشتياقه وحنينه إلى بلاده أثقل في تبعاتها على وطنه المحبوب من حنين أي منفى آخر، ولقد شيد هذه الإمبراطورية الجديدة من هذه الأحجار المزنجرة بالتقاليد وبالشرعية".

جوانب التعايش والتسامح في الأندلس العربية

الكتاب يتحدث عن مشروع مسجد قرطبة وكاتدرائيتها ويحاول تفسير ذلك بكون الأمويين كانوا مؤمنين بفكرة وحدة الدولة، ووحدة الدولة لا تتأتى إلا بالحفاظ على تعددها الديني والإثني
عادل موساوي
: مثلا نجد أن جزءا من الكتاب يتحدث عن مشروع مسجد قرطبة وكاتدرائيتها وهذا مهم جدا، والباحثة تحاول أن تفسر هذا الأمر بكون الأمويين كانوا مؤمنين بفكرة وحدة الدولة ووحدة الدولة لا تتأتى إلا بالحفاظ على تعددها الديني والإثني، وتحاول الباحثة روزا تفسير هذا الأمر إلى مدى نجاح الأمويين في نقل تراثهم العربي والإسلامي الذي كان ممزوجا بروح التعايش مع بقايا الحضارة المسيحية الهيلينية الشرقية في المشرق العربي ونقلوه إلى الأندلس. المثال الثاني الذي يمكن أن نسوقه في هذا المجال هو مثال التعايش اللغوي المحلي، طبعا إلى جانب اللغة العربية بقيت اللغات القديمة متداولة يعني لغة اليهود ولا لغة المسيحيين ولا المسلمين ويمكن هنا أن نتحدث عن لغات أيضا أبناء المسيحيات لأنه كانت هناك زيجات طبعا بين المسلمين وبين المسيحيات وكانت هناك لغة تسمى بالمزارب وهذه اللغة هي تحوير أو تحريف لكلمة مستعرب واستطاعت هذه اللغة المحلية أن تعيش في كنف الإسلام في الأندلس وأن تحاذي اللغة العربية وفي نفس الوقت كانت تحاورها. أيضا الكتاب يقدم لنا مجموعة من النماذج والأمثلة حول التعايش بين اليهود وبين النصارى وانصهار طبعا هؤلاء ضمن بوتقة الثقافة العربية الإسلامية ثم تشير أيضا الباحثة إلى مدى حرية هؤلاء في ممارسة شعائرهم الدينية بكل حرية وبدون أدنى تضييق، إلى جانب هذا الأمر تسوق لنا أمثلة أيضا حول أسلوب الترقي الاجتماعي لهؤلاء -أقصد هنا اليهود والنصارى- وهذا راجع بالأساس إلى قانون أهل الذمة وأهل الكتاب الذي كان يطبق آنذاك في الأندلس، الأمر الذي يفسر على أن هؤلاء استطاعوا أن يتدرجوا ضمن السلم الاجتماعي الشيء الذي لم يكن قبل ذلك عندما كان القوط يحكمون إسبانيا أو الأندلس. بالإضافة إلى هذه الأمثلة يمكن مثلا أن نسوق بعض الأمثلة المهمة والدالة حول هذا التعايش بحيث استطاع بعض اليهود وبعض المسيحيين أن يتقلدوا مناصب سامية في جهاز الدولة وهنا يمكن أن نطرح مثلا مجموعة من الأمثال ومثال الأسقف راسموندو الذي يعرف في الكتابات العربية بربيع بن زيد وهذا طبعا كان مبعوثا لخليفة الأندلس عبد الرحمن الثالث الملقب بالناصر لدين الله، كان مبعوثا إلى ملك نافار وهو الملك أوتون الأول، يمكن أن نضيف إذاً نموذجا ثانيا وهو لاسم يهودي يتعلق الأمر بحسداي بن شبروت ، يعني هذا الشخص كان مبعوثا رسميا أيضا للخليفة إلى ملك القسطنطينية إلى ملك بيزنطة لأن الخليفة الأموي في الأندلس سوف يستشعر خطر العباسيين وبدأ يفكر في نسج تحالفات سياسية يمكن بها أن يناكف بني العباس واتجه صوب بيزنطة يعني ألد أعداء بني العباس في تلك الفترة وأرسل لهم سفارة برئاسة حسداي بن شبروت. وتنتقل بعد ذلك الأستاذة روزا لتعطي لنا مثالا مهما جدا في فترة تاريخية عصيبة مر بها تاريخ الأندلس وهي فترة عصر ملوك الطوائف وتتحدث عن نموذج إسماعيل النغري أو المعروف في الكتابات العربية أيضا بالوزير ابن نغزالة وهو وزير غرناطي كان سياسيا بارعا وكان مثقفا من الطراز الرفيع وكان رجلا مبجلا في طائفته اليهودية وكان أيضا محترما من طرف الطائفة المسلمة لأنه سيلعب أدوارا طلائعية وسياسية مهمة في صد أخطار الإسبان وفي اتخاذ مجموعة من القرارات السياسية التي كانت لصالح الإمارة في ذلك الوقت. إلى جانب هذا الأمر سنجد على أن الكتاب يقدم أيضا درسا مهما، درسا مهما حول دور الترجمة، الترجمة حيث لعبت هذه الترجمة دورا في تمرير مجموعة من المعارف ومجموعة من العلوم التي انتقلت من قرطبة إلى أوروبا وسنجد على أن مجموعة من النفائس العربية التي كانت في قرطبة ستنتقل إلى أوروبا عن طريق الترجمة بمعية هؤلاء المستعربين الذين تحدثنا عنهم والذين كان معظمهم من اليهود ومن النصارى وهكذا تحول الموروث العربي وتبنته في ذلك الوقت ما يعرف باللغات العالمية، وتقول أو تخلص الباحثة روزا كذلك إلى أن انتقال التراث العربي واليوناني من قرطبة التي كانت منارة للعلم والمعرفة في ذلك الوقت وانتقال هذا الموروث إلى أوروبا سيكون طبعا له أثر كبير جدا على نهضتها وكذلك على إقلاعها الفكري والحضاري وبالتالي دخول أوروبا إلى عالم الحداثة. وفي ختام أو في خاتمة الكتاب نلاحظ على أن الباحثة روزا يعني تبدي نوعا من التأسف ونوعا من الامتعاض من غياب هذه التجربة أو من غياب هذه الثقافة وهي روح التسامح وتدعو إلى التمثل بالتجربة الإنسانية الرائدة والفريدة من نوعها في التاريخ على الأقل من أجل لملمة وبناء وإعادة بناء جسور التواصل بين الإسلام والغرب حاليا. طبعا في الختام وفي تقديري الشخصي فالكتاب أولا موجه إلى الباحثين وموجه أيضا إلى جمهور القراء على حد سواء ويعد كتابا مهما ومرجعا لا غنى عنه لأنه يقدم لنا مجموعة من التفاصيل ومجموعة من الحقائق الموضوعية، هذه الحقائق الموضوعية الدقيقة عن تاريخ الأندلس العربية على الأقل ليفهم القارئ خلفيات هذه المرحلة وهذه الأحداث والتطورات التي كانت طبعا بدون أدنى شك زاخرة وحبلى بالمفاخر والأمجاد والعبر.

[معلومات مكتوبة]

"الأندلس العربية، إسلام الحضارة وثقافة التسامح"
تأليف: ماريا روزا مينوكال، الناشر: دار توبقال- المغرب

فهرس الكتاب:

بضع كلمات عن مكان استثنائي
قصور الذاكرة
المسجد والنخلة
اللغات الأم
وزير كبير ومدينة كبيرة
بساتين الذاكرة
منفى ظافر
الحب وأغانيه
كنيسة على قمة التل
أندلس في لندن
الرحلة في البحار
رئيس الدير والقرآن
هبات
في المنفى في باريس

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة