خطاب بوش، فوز شارون، منتدى دافوس، الأزمة العاجية   
الجمعة 1425/4/15 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 2:33 (مكة المكرمة)، 23:33 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

جميل عازر

تاريخ الحلقة:

01/02/2003

- خطاب حالة الاتحاد للرئيس الأميركي
- فوز شارون في الانتخابات وحيرته في تشكيل الحكومة الجديدة

- منتدى دافوس بين الأزمة الاقتصادية والحرب الأميركية ضد العراق

- عودة آية الله منتظري إلى الساحة السياسية الإيرانية

- أزمة ساحل العاج واضمحلال النفوذ الفرنسي في إفريقيا

جميل عازر: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى هذه الجولة الجديدة في (الملف الأسبوعي)، وفيه:

حالة الاتحاد خطاب بوش في الكونجرس بعد عامين منذ توليه الرئاسة، العراق شبح هيمن على جو الخطاب.

والإسرائيليون يعيدون (شارون) وزمرته إلى الحكم، فخاب أمل من كانوا يتوقعون تغييراً إلى الأفضل.

وآية الله منتظري يعود إلى الحلبة السياسية في إيران، فما الذي يُتوقع منه بعد فك عقاله؟

خطاب حالة الاتحاد للرئيس الأميركي

وسط إجراءات أمنية مشددة وطوق من الحراسة ضربته الشرطة حول تلة الكابيتول مقر الكونجرس الأميركي أعلن الرئيس (جورج بوش) في خطابه السنوي الثاني عن حالة الاتحاد أنها قوية، ورغم حضور الوضع الاقتصادي المتردي في الخطاب وهيمنة شبح الحرب ضد العراق على الجو في داخل الكونجرس، لابد من التساؤل إن كان الرئيس قد تمكن من تهدئة روع الأميركيين القلقين على أحوالهم المعيشية ووظائفهم وخدماتهم الصحية، ويحدوهم خوف من خوض حرب ضد العراقيين من دون حصولهم على دعم دولي مادي ومعنوي، ولعل ما قاله (توم داشل) زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، بأن الرئيس استعمل العبارات الخطابية المناسبة، ولكنه مازال ينتهج السياسات الخاطئة، تعبيرٌ عن المأزق الذي تجد الولايات المتحدة نفسها فيه.

الرئيس الأميركي جورج بوش
تقرير/حسن إبراهيم: التصفيق الحاد الذي قاطع خطاب حالة الاتحاد في الكونجرس ربما يعتبر مؤشراً على حماس للحرب المحتملة ضد العراق، لكن التحدي الذي يواجه الرئيس بوش هو أن يتمكن من إقناع عامة الشعب بمبررات الحرب وتكوين تحالف دولي يدعمه في ذلك، ولا شك في أن بوش الابن قد اشتد عوده سياسياً بعد الحادي عشر من سبتمبر، فبعد أن كانت السياسة الخارجية أقوى نقاط ضعفه أضحت هي محط اهتمامه الأول منذ أن أخذ على عاتقه محاربة الإرهاب العالمي، لكن أكاليل الغار على هامات المنتصرين لا تضمن دائماً الفوز بثقة الشعب، وبوش الابن يعلم ذلك من تجربة أبيه الذي خسر انتخابات عام 92 رغم انتصاره في حرب الخليج الأولى، وذلك لتقصيره في معالجة قضايا داخلية، وحالة الاتحاد في الواقع تتجاذبها مشكلتان رئيستان، وهما معالجة الأزمة مع العراق، ومعالجة الأزمة الاقتصادية، فالأولى تظهر كلما مرَّ الوقت أن الولايات المتحدة لا تستطيع بسهولة إملاء إرادتها على المجتمع الدولي، وحتى على بعض من أوثق حلفائها، وقد تسبب موقف بوش من العراق في انقسام واضح بين دول الاتحاد الأوروبي، فالرافضون لمبدأ الحرب وسيلة لنزع أسلحة العراق المحظورة بزعامة فرنسا وألمانيا يرون في ذلك الموقف نيلاً من مكانة الأمم المتحدة، إضافة إلى أنهم غير مقتنعين بمبررات شن الحرب، أما المؤيدون لبوش، وعلى رأسهم بريطانيا وإيطاليا، وإلى حدٍ ما إسبانيا، فيقولون إن الرئيس العراقي سيعمل في نهاية الأمر ما ينبغي عمله فقط عن طريق تهديده بقوة عسكرية حتى ولو باستصدار قرار من مجلس الأمن يخوِّلهم ذلك، كما لا يمكن اعتبار الجبهة الداخلية الأميركية موحَّدة خلف بوش ولا البريطانية مؤيدة لـ(توني بلير)، فاحتمال عودة جنودٍ في أكفانٍ طائرة رغم التفوق الهائل في العتاد والسلاح على العراق أخرج المحتجين إلى الشوارع.

أما الوضع الاقتصادي فيبدو أنه عصي على الدواء رغم الإجراءات والحوافز المالية التي أعلنها الرئيس بوش بمئات مليارات الدولارات، فالقلق الذي يسود أوساط المستثمرين وسحب الكثير من رؤوس الأموال من الاقتصاد الأميركي -بوجه خاص- تسبب في الانخفاض الحاد في بورصة نيويورك ومعها البورصات العالمية، وللحروب تجارها وأصحاب الصناعات العسكرية لا يؤيدون الحرب أي حرب فحسب، بل ويثيرون الحروب لتصريف منتجاتهم التي لا يمكن استهلاكها إلا في الصراعات المسلحة على اختلافها، كما لا يمكن الفصل بين حرب على العراق وثروته النفطية رغم التظاهر بأن النفط ليس عاملاً استراتيجياً في حسابات الرئيس الأميركي ونائبه ووزير دفاعه، والهاجس الأمني الذي استحوذ على الشارع الأميركي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول تضاعف استشراءً من القلق على الأوضاع الاقتصادية، ورغم أن غالبية الأميركيين وكثيرين غيرهم لم يقتنعوا بعد بأن حرباً على العراق بكل تداعياتها ستوفر لهم الأمن والأمان، فإن الحشود العسكرية تتواصل، وتفادي وقوع حرب يحتاج إلى معجزة كما قال الملك عبد الله العاهل الأردني.

جميل عازر: وما من شك في أن تحطُّم مكوك الفضاء الأميركي كولومبيا بعد دقائق قليلة من دخوله المجال الجوي للأرض تسبب في صدمة مذهلة في الأوساط العلمية والشعبية والرسمية في الولايات المتحدة وإسرائيل والهند، وربما كثير من دول العالم، وكان من المقرر أن يحط المكوك على مدرج وكالة الفضاء الأميركية ناسا في هيوستن بولاية تكساس، ومع مقتل جميع رواد الفضاء على كولومبيا، وكان خمسة منهم أميركيين، بالإضافة إلى هندية وإسرائيلي، فإن ما من شك في أن هذه الحادثة ستعيق برنامج الرحلات المكوكية إلى حين اكتشاف أسباب الكارثة التي تنطوي على أبعاد إنسانية تسلِّط الضوء على أن حتى أعظم التكنولوجيات قد لا تنجو من قدر، فهل في هذا عبرة؟

فوز شارون في الانتخابات وحيرته في تشكيل الحكومة الجديدة

ليس في النتائج النهائية لانتخابات الكنيست الإسرائيلي ما هو محير، فهي تدل على أن أحزاب اليمين بمختلف أطيافها الدينية والصهيونية وعلى رأسها الليكود تتمتع بأغلبية تؤهلها لتشكيل حكومة بقيادة زعيم أكبرها (آرئيل شارون)، ولكن المحيِّر أن يصر شارون مع ذلك على أنه يعتزم العمل على تشكيل ما يسميها حكومة وحدة وطنية تضم حزبي العمل الممتنع حتى الآن عن الانضمام إلى مثل هذه الحكومة، وحزب شينوي العلماني، وسيجد شارون نفسه في هذه الحال ممزقاً بين انتمائه الصهيوني ومطالب العمل بتفكيك المستوطنات، ومطالب شينوي بفك الارتباط بين الليكود والمتدينين المتطرفين، بينما يعلم أن حكومة يمينية صرفة ستقلل من فرص مناوراته في التعامل مع المجتمع الدولي وحتى مع أميركا حليفته الكبرى.

رئيس الوزراء الإسرائيلي
تقرير/ سمير خضر: كم هو جميلٌ طعم النصر الذي تذوقه أنصار الليكود، فقد جاء حزبهم في المقدمة بعد حملة انتخاباتٍ لم تثر حماس الجمهور إلا قليلاً. نصرٌ اعتقد كثيرٌ من أنصار الليكود أنه سيتيح لزعيمهم وقائدهم (آرئيل شارون) تشكيل حكومةٍ مستقرة يمنية متشددة، لكن غمرة الفرح جعلتهم ينسون ما لم يغب عن بال شارون نفسه، فقد كشف رئيس الحكومة الإسرائيلية المنصرفة والمقبلة أن هدفه هو تشكيل ائتلافٍ واسعٍ يضم كل مكونات الطيف السياسي الإسرائيلي، أي بمعنىً آخر دعوة الأحزاب غير اليمينية، وبالذات حزب العمل وحزب شينوي إلى الدخول في حكومة وحدةٍ وطنية، وهذا ما لا يفهمه ولا يستوعبه كثيرٌ من أنصار شارون، فالمقاعد التي حصل عليها الليكود إضافة إلى تلك التي حصدتها الأحزاب المتدينة والمتطرفة الحليف الطبيعي لليمين الإسرائيلي تجعل بالإمكان تشكيل ائتلافٍ حكومي دون الحاجة إلى إشراك الأحزاب التي نبذتها الغالبية من الناخبين، ولماذا إذن يفكر رجل سياسةٍ خرج منتصراً في المعركة الانتخابية بالتنازل عن جزءٍ من نصره لضم الخاسر إليه؟ والجواب هو أن سياسة شارون منذ مجيئه إلى الحكم قبل عامين لم تتغير، سياسةً مبنية على أسس راسخة من العقيدة الصهيونية الاستيطانية، لا للتنازل عما يسمى بأرض إسرائيل الكبرى، لا لتفكيك المستوطنات، لا لدولةٍ فلسطينية مستقلةٍ وذات سيادة، ولا.. ولا.. ولا، لكن شارون الذي خبرته السنون يعرف تماماً أن مثل هذه اللاءات لن تصمد طويلاً أمام الضغوط الخارجية، ولذا فهو بحاجةٍ إلى شبه إجماع وطني عليها، ومن أفضل ممن يدَّعون أنهم حمائم السياسة الإسرائيلية لتقديم الغطاء اللازم لمثل هذه السياسة. وجود حزب العمل في الحكومة الائتلافية السابقة مكَّن شارون من النجاح في تنفيذ سياساته ضد الفلسطينيين دون الدخول في دوامة الإدانة الدولية، ففي حين كانت دباباته تقمع أكثر من 3 ملايين فلسطيني في الضفة والقطاع بقيادة وزير دفاعٍ يساري هو (بنيامين بن أليعازر) كانت الآلة الدبلوماسية الإسرائيلية بقيادة (شيمون بيريز) تسعى جاهدةً إلى إيجاد المبررات اللازمة لتدجين المجتمع الدولي، مثل هذه السياسة تلائم تماماً شارون الذي يرغب في استمرارها، فرغم الانتصار الكبير الذي حققه في الانتخابات فإن شارون على يقين بأن حكومةً يمينيةً محضة ستكون عرضة للانتقادات وللضغوط الخارجية، ناهيك عن المساومات التي ستفرضها عليه الأحزاب المتطرفة الصغيرة، وخاصة الدينية منها، لذا فهو لا يزال بحاجةٍ إلى غطاء اليسار، أو حتى الوسط بقيادة القادم الجديد على الجلبة السياسية ممثلاً بحزب شينوي وزعيمه (تومي لابيد). شارون لم يهتز كثيراً حتى الآن بما يرده (عمرام متسناع) زعيم العمل الرافض تماماً لفكرة الانضمام لحكومة وحدةٍ وطنية، لكنه يأمل في تغيير قريبٍ في هذا الموقف ربما على وقع صدى القنابل والصواريخ الأميركية التي قد تتساقط قريباً على بغداد.

منتدى دافوس بين الأزمة الاقتصادية والحرب الأميركية ضد العراق

جميل عازر: وهاجس الحرب ضد العراق كان حاضراً أيضاً في منتدي دافوس الاقتصادي الذي انعقد وسط حالةٍ من الكساد في الاقتصاد عالمياً، فالقلق الناجم عن القراءات في تداعيات شن الحرب زاد من كآبة الرؤى بالنسبة للأهداف التي ينبغي أن يركز عليها دافوس، وغيوم المخاوف الأمنية المرافقة للحرب على الإرهاب والمآخذ على عولمة الاقتصاد أصبحت من الكثافة، بحيث صارت حاجزاً يحول دون البحث في سياساتٍ مجدية للحد من الفقر في العالم في ظل العولمة التي أوجد مناهضوها بديلاً عن دافوس في مؤتمرٍ عقدوه للمرة الثالثة في البرازيل باسم الندوة الاجتماعية العالمية.

جانب من إجتماعات منتدى دافوس
تقرير/ أسامة راضي: ستة أيامٍ وألفان من كبار رجال المال والاقتصاد والسياسة في دافوس، والحديث في معظمه يدور حول الحرب على العراق وتداعياتها، ويبدو أن المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي خرج معظمهم من تلك النقاشات بخفيِّ حنين، فالإجماع بينهم كان على الغموض الذي يحيط بالحالة العراقية الأميركية، وهو غموضٌ يقض مضاجع رجل المال، فلا يوجد هناك سيناريو واضحٌ أو راجح لمستقبل تلك الحالة ليبني عليه هؤلاء خططهم لمرحلةٍ تلي طور تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي والركود، بل وحتى الانكماش في حجم التجارة العالمية، وقد حاول وزير الخارجية الأميركي إقناع جمهور المشاركين بمبررات موقف واشنطن، وقال إن واشنطن ستقوم بعملٍ عسكريٍ انفرادياً إذا اقتضت الضرورة، بينما حرص أعوانه على التأكيد بأن حرباً على العراق لن تؤثر على النمو الاقتصادي الذي تنتظره بلادهم نتيجةً لخطة أطلقها جورج بوش رغم توقع المحللين غير ذلك.

منتدى دافوس في دورته الثالثة والثلاثين انعقد تحت شعار بناء الثقة في الكيانات الاقتصادية بعد أن تلطخت سمعة شركاتٍ أميركيةٍ كبرى بفضائح فساد وأخرى محاسبية، وما تعانيه اقتصاداتٌ كبرى من ركود وتباطؤ في معدلات النمو، وما إلى ذلك من الأمور التي تعتبر قضايا من قبيل أوهام المترفين بالنسبة لمواطنٍ من دول الجنوب يعيش على دولارٍ واحد يومياً، بينما تحصل بقرةٌ في أوروبا على أكثر من دولارين.

ولم يكن موضوع الطاقة غائباً عن ساحات النقاش في دافوس نظراً للقلق من تداعيات حربٍ على العراق، خاصةً وأن هناك من يرون أن النفط العراقي هدفٌ أميركي، وإن تخوَّفت بعض الأوساط من ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية حرص وزراءٌ عرب وهم في دافوس على طمأنة العالم الصناعي بأنهم سيحولون دون ذلك، وفي ظل التناقض بين الدعوة للانفتاح وبين إجراءات الحماية التجارية لم يكن في نتائج دافوس ما يبعث على التفاؤل بأن هناك تغييراً في أساليب تحقيق مصالح الأغنياء على حساب الفقراء.

بناء الثقة إذن لم يستهدف تضييق الهوة بين الجنوب والشمال رغم الادعاء بعكس ذلك، وفي نداء الرئيس البرازيلي الجديد (لويز لولا دي سيلفا) من أجل نظامٍ عالمي جديد ما يعبر بوضوح عن المآخذ التي يبديها الجنوب الفقير إزاء مواقف الشمال الغني، فقد قال: إن كل جهود الدول النامية لمكافحة الفقر وعدم المساواة ستفشل لا محالة إذا بقيت مستثناه من أسواق الدول الصناعية، وهذا هو ما يراه مناهضو العولمة الذين عقدوا ندوتهم الاجتماعية العالمية في (بورتو أليجري) البرازيلية تزامناً مع مؤتمر دافوس الذي وصفوه بأنه مناسبة لالتقاء الأغنياء، ويقولون إن عولمة الاقتصاد في ظل إجراءات الحماية التي تمارسها الدول الغنية لن تعني إلا مزيداً من الغبن للدول الفقيرة.

جميل عازر: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيه أيضاً بعد فاصل:

ساحل العاجل محكٌ لنفوذ فرنسا في القارة الإفريقية رغم النجاح الظاهري في التقريب بين (جباجبو) والمتمردين.

[فاصل إعلاني]

عودة آية الله منتظري إلى الساحة السياسية الإيرانية

جميل عازر: وإلى إيران حيث رُفعت الإقامة الجبرية عن (آية الله حسين علي منتظري) الذي كانت.. كان ذات يوم الخليفة المرشح لآية الله.. روح الله (خوميني) قائد الثورة الإسلامية، وأول ما صرح به منتظري عند رفع الإقامة الجبرية عنه أنه سيظل يتحدث عن ويتعامل مع القضايا المهمة الآن -تماماً كما كان يفعل وهو تحت نظام احتجازه- لأن الإفراج عنه غير مرتبط بشروط، وهو إذ يقول بأن ولاية الفقيه ليست مطلقة السلطات فإنه يصطدم بذلك مباشرة مع التيار التقليدي الذي يصر على عكس ذلك، وإذ يُعتبر منتظري مُحرضاً، بل ومصدر إيحاء للتيار الإصلاحي، فإن إطلاق سراحه سيكون توطئة لمواجهات جديدة بين المحافظين والراديكاليين.

آية الله حسين منظري
تقرير/حسن إبراهيم: ربما يُسوِّغ البعض قرار رفع الإقامة الجبرية عن آية الله حسين منتظري بحاجة إيران إلى الوحدة الوطنية في فترة عصيبة تمر بها المنطقة، لكن إطلاق سراح منتظري يثير من التساؤلات بقدر ما أثاره اعتقاله، فهل الشيخ المسنُّ الذي يناهز الثمانين عمراً، ويعاني من اعتلال في الصحة يشكل خطراً على جمهورية إيران الإسلامية؟ ربما تعود الإجابة على ذلك إلى الأسس التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية في أعقاب الثورة وفي الأوضاع التي تطورت إليها الأمور الآن، ولا يمكن تجاهل أن المؤسسة الدينية في إيران كانت تعاني منذ فترة طويلة من انقسام حاد في المرجعية بل وفي أساسيات المذهب الجعفري الذي تقوم عليه الدولة، فالثورة على نظام الشاه كانت جهداً جماهيراً قاده آية الله الخوميني، والدولة التي نشأت على أنقاض الشاهنشاهية حدد ملامحها فكر الخوميني الذي رسَّخ مبدأ ولاية الفقيه، وأضحى الالتزام بخط الإمام الخوميني المحك الذي يثبت فيه الشخص إخلاصه لثورة الدولة، لكن آية الله منتظري الذي كان مرشحاً لخلافة الخوميني تحدى بآرائه المتحررة، خاصة ما يتعلق بحدود سلطات نائب الإمام الغائب أو ولاية الفقيه، فأثار غضب الإمام الخوميني الذي عزله قبيل وفاته عام 89، ولم يكن خليفة الخوميني (آية الله علي خامنئي) في رأي منتظري بالذي يستطيع ملء الفراغ الذي تركه الخوميني، فحجة الإسلام خامنئي لم يكن من أصحاب الحوزات العلمية، فهو أقل مرتبة من آية الله، حتى عندما كان رئيساً للجمهورية الإسلامية، فرأى فيه منتظري مثالاً لوجوب الحد من سلطات ولاية الفقيه، ووجوب اختيار نائب للإمام الغائب عبر استفتاء جماهيري، كما كانت تنص على ذلك المادة (110) من الدستور الإيراني قبل تعديلها، ووقوف آية الله حسين منتظري إلى جانب التيار الإصلاحي في وجه التيار المحافظ أثار غضب السلطات الإيرانية، التي نفذ صبرها ووضعته قيد الإقامة الجبرية منذ عام 97، ولم يوقف هذا منتظري عن إرسال آرائه إلى وسائل الإعلام في خارج إيران واعترض منتظري على ما أسماه تكبيل يدي رئيس الجمهورية المنتخب من الشعب، بنزع معظم السلطات من يديه، فرئيس الجمهورية الإصلاحي حجة الإسلام (محمد خاتمي) لا سلطة له على الجيش أو القضاء أو الحرس الثوري وهو ما يعطل كل المحاولات للإصلاح عبر الوسائل الديمقراطية في إيران.

وكان من أخطر آراء منتظري إفتاءه بوجوب منع رجال الدين من التدخل في شؤون ليس لهم بها دراية مثل الفنون، والسياسة الخارجية، وتوجيه الاقتصاد لكن لا يتوقع الإصلاحيون في إيران أن يشكل الإفراج عن آية الله حسين منتظري تغييراً كثيراً في العلاقات المتوترة مع المحافظين، بل قد يزيد الرجل بآرائه الجريئة من سخونة الصراع.

جميل عازر: وينضم إلينا من لندن، الكاتب السعودي المتخصص في الشؤون الإيرانية توفيق السيف.

أستاذ توفيق، بداية: ما هي في تقديرك أهمية وجود آية الله منتظري الآن على المسرح السياسي الإيراني، خاصة وأنه كان معزولاً عن هذا المسرح طوال سنوات وجوده تحت نظام الإقامة الجبرية؟

د. توفيق السيف: أعتقد أن المساهمة الأساسية التي يمكن لمنتظري أن يقدمها في هذا الوقت، هو رفع.. هي رفع الروح المعنوية لمجموعة من العلماء الميَّالين للخط الإصلاحي لعلكم تعرفون بأن الخط الإصلاحي يفتقر إلى عدد كبير وكافي من العلماء من المراتب العليا، يعني من مرتبة آية الله وما إلى ذلك، ولكن هنالك عدد من المراجع مثل (آية الله صانعي)، و(آية الله طاهري)، (آية الله موسوي أردفيلي) لديهم ميول إصلاحية، لكنهم لم يكونوا -يعني- يملكون الشجاعة والجرأة لكي يخوضوا صراعاً ضد اليمين المحافظ بخلاف منتظري الذي كان منذ البداية خصماً للتيار اليميني، ولذلك فإن إطلاق سراحه، سيؤخذ على أنه علامة ضعف في جانب اليمين وعلامة قوة في جانب الإصلاحيين قد تشجع هؤلاء العلماء وغيرهم في الحوزة العلمية على الوقوف بصراحة أكبر مع التيار الإصلاحي، أعتقد أن هذه هي المساهمة الرئيسية.

جميل عازر: طيب ما الذي يخيف التيار المحافظ من وجود آية الله منتظري طليق الجناح؟

د. توفيق السيف: التيار المحافظ قسمان بالدرجة الأساسية:

القسم البراجماتي الذي يُسمى بالقسم الدولتي، والذي يعني ينتسب إليه مرشد الثورة و(آية الله رافسنجاني) هذا القسم يريد أن تكون الدولة مركزية، ذات سيطرة ذات تكامل في داخلها، بحيث لا يمكن أن يكون الإنسان مع النظام وهو معارض للحكومة في الوقت نفسه.

التيار الثاني: هو تيار اليمين التقليدي الذي يعارض في الأساس فكرة الديمقراطية، يعارض فكرة الدولة الحديثة، ويتزعم هذا التيار على المستوى الحوزوي (آية الله مصباح يزدي).

كلا التيارين يرون في منتظري خصماً من هذه الناحية ناحية أنه كان على الدوام ومنذ بداية الثورة ممثلاً لتيار الطبقات الضعيفة أو ما يُسمى باليسار الديني في إيران بالمقارنة مع الإمام (الخوميني) و(آية الله طالقاني) اللذين كانا يمثلان تياراً نخبوياً إلى حد ما، آية الله منتظري خلال.. يعني منذ بداية الثورة وخلال كونه مرشحاً لمنصب القيادة لعب دور المعارض أكثر مما لعب دور القائد في النظام.. يعني كان باستمرار صوت الطبقات الضعيفة والمحرومة، ودافع عن مجاهدي خلق ونهضة آذادي، وكل الذين تضرروا من الثورة كان هو المدافع عنهم.

جميل عازر: طيب أستاذ توفيق، على الصعيد العقائدي بالنسبة لولاية الفقيه أين يقف منتظري الآن مقابل مثلاً آية الله خامئني؟

د. توفيق السيف: خامنئي ليست لديه نظرية خاصة في ولاية الفقيه وإنما يتبع منهج ولاية الفقيه الذي.. نظرية ولاية الفقيه التي اقترحها الإمام الخوميني، لكن مع بعض التركيز على ما يسمى بالولاية المطلقة، ومعناها أن القائد يعني الولي الفقيه لديه سلطات وصلاحيات أعلى من القانون بحيث يمكن له أن يتجاوز الدستور، آية الله منتظري يقبل بنظرية ولاية الفقيه ولكنه يعتقد أن السلطة السياسية التي يملكها الفقيه مستمدة من الشعب وليست من الله، كما أنه يعتقد أن ولاية الفقيه في الساحة السياسية تقوم داخل الدستور وليست خارجه، ولذلك فإنه لا يمكن للفقيه من الناحية الشرعية ولا من الناحية القانونية أن يتجاوز القانون، وقد..

جميل عازر: طيب.. تفضل. نعم.

د. توفيق السيف: نعم، وقد عبر عن هذه.. عن هذه الآراء بشكل محدد في.. في بداية السنة الماضية في رسالة مفصلة -كتيب في الحقيقة- حول هذا الموضوع، بخصوص يعني نظارة.. النظارة الاستصلاحية ما يسمى في إيران بـ "نظارة استصوابي"، التي يمارسها الفقهاء على البرلمان، وفيما يتعلق بتدخل آية الله خامنئي في شؤون الحكومة، والشؤون المتعلقة بالسلطة التنفيذية، كما هو عبر..

جميل عازر [مقاطعاً]: طيب أستاذ توفيق.. أستاذ توفيق..

د. توفيق السيف: عنها في الأسبوع الماضي.

جميل عازر: عفواً للمقاطعة لأن الوقت أدركنا، باختصار، ما مدى .. التأييد في أوساط آيات الله لموقف منتظري هذا من ولاية الفقيه والسلطة المطلقة؟

د. توفيق السيف: في أوساط آيات الله ليس له تأييد قوي، ولكنه في الأوساط الشعبية ولاسيما الطلابية أكبر عدد من المقلِّدين بين الوسط الديني الثوري المسيس هو يعني يرجع إلى آية الله منتظري، ولذلك فقوته على المستوى الشعبي وليس المستوى الحوزوي.

جميل عازر: أستاذ توفيق السيف في لندن شكراً جزيلاً لك.

أزمة ساحل العاج واضمحلال النفوذ الفرنسي في إفريقيا

أثار الاتفاق الذي تم التوصل إليه في باريس بين الرئيس الساحل عاجي (لوران جباجبو) وفصائل المتمردين عليه آمالاً في إخراج تلك الدولة الإفريقية الفرنكفونية من أزمتها، ولكن مؤيدي جباجبو الذي أقر الاتفاق يرون فيه إملاءً من فرنسا، لا يستطيعون قبوله خاصة وأنه يُعطي المعارضة مناصب وزارية مهمة، وهكذا لم يتمكن (سيدو ديارا) المرشح لتشكيل الحكومة الجديدة من العودة إلى أبيدجان كما كان متوقع، ولهذا الوضع دلالاته على ما آلت إليه كلمة فرنسا في شؤون مستعمراتها السابقة، حيث لم تعد الفيصل ولا المرجع الأعلى.

أحد جنود القوات الفرنسية في ساحل العاج
تقرير/ سمير خضر: لعقود طويلة خلت كان هذا المعسكر يشكل نموذجاً للمد العسكري والسياسي والثقافي الفرنسي في القارة السوداء، هنا في جيبوتي كان الفرنسيون ينطلقون إلى كل أنحاء القارة إلى تشاد وزائير السابقة ورواندا وبوروندي لإعادة الأمور إلى نصابها أو لقلبها رأسها على عقب.

لكن ما كان انقضى وبات ذكرى يتغنى بها أحفاد إمبراطورية أفل نجمها وخبا نورها، المعسكر نفسه يؤوي اليوم قوات المارينز الأميركية ومنها ينطلق جنود العم سام لتأديب من يسمونهم بالإرهابيين في اليمن أو الصومال أو غيرها من الدول المجاورة.

إنه العهد الجديد، عهد النظام العالمي الجديد، نظام القطب الواحد الذي بدأ يحل محل مخلفات القرن العشرين، فقد كان النفوذ الفرنسي في القارة الإفريقية يضمحل مع مرور السنين، وأدركت باريس عدم قدرتها على الاستمرار في الدور الذي رسمته لنفسها في هذه القارة، واتضحت معالم هذا الانحسار الفرنكفوني للعيان منذ سقوط نظام (موبوتو سيسي سيكو) في زائير التي خرجت من القبضة الفرنسية لتتحول إلى الهيمنة الأميركية تحت اسم جديد هو الكونغو الديمقراطية.

أما المعسكرات البلجيكية السابقة في قلب إفريقيا مثل رواندا وبوروندي والتي استمالتها باريس منذ الستينات من القرن الماضي بفضل المساعدات المالية والعسكرية والإرث الثقافي واللغوي، فقد دفعت الثمن غالياً من اللامبالاة وعدم الاكتراث الذي لاقته من عالم الفرنكفونية عندما تناحرت قبائل الهوتو والتوتسي وخلَّف الجانبان وراءهما مئات الآلاف من القتلى وملايين المشردين.

حتى أكثر من المستعمرات تعلقاً بالإرث الفرنكفوني بدأت اليوم تتملص من هذه القبضة وتنبذ عن نفسها هوية ثقافية اعتقدت لفترة طويلة إنها مصدر وحدتها وتماسك نسيجها الاجتماعي.

وها هي ساحل العاجل التي غالى أبناؤها في فرنكفونيتهم حتى غيروا اسم بلادهم ليصبح كوت دي فوار أي ساحل العاج بالفرنسية، اكتشفوا اليوم أن فرنسا أمهم الحنون لا تتحلى إلا بالكلام المعسول، فعندما دبت المشاكل في البلاد لم تعمل فرنسا على محاولة حلها، بل اكتفت بإرسال قوات لإجلاء رعاياها والرعايا الأجانب الآخرين، وتركت المشاكل تتفاقم حتى وصلت إلى نقطة اللاعودة.

وما المؤتمر الذي رعاه (جاك شيراك) في باريس بين حكومة جباجبو وبمعارضة المسلحة إلا محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فالتظاهرات التي خرجت في شوارع أبيدجان كانت مؤشراً على بداية نهاية النفوذ الفرنسي هناك، إذ لم يكتفِ العاجيون بحرق رموز الوجود الفرنسي في بلادهم، بل كانوا يستصرخون الأميركيين للقدوم لنجدتهم وتخليصهم مما يعتبرونه بقايا الاستعمار الفرنسي، وبالطبع لم تحرِّكْ واشنطن ساكنا، ولماذا تفعل ذلك إذا كانت الأمور ستؤول لها عاجلاً أم آجلاً إن لم يكن بفضل دولارتها فبفضل أسلحتها وقوتها العسكرية التي لا تقهر.

جميل عازر: وبهذا نختتم جولتنا في (الملف الأسبوعي)، نذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية أو الكتابة إلى عنوان البرنامج الإلكتروني، وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام لنفتح ملفاً جديداً لأهم أحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر، فتحية لكم من فريق البرنامج، وهذا جميل عازر يستودعكم الله، فإلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة