أخلاق الثورة   
الأربعاء 1432/12/14 هـ - الموافق 9/11/2011 م (آخر تحديث) الساعة 10:49 (مكة المكرمة)، 7:49 (غرينتش)

- العدل وتطبيقاته في خضم الثورة
- المنظومة الأخلاقية للثورة

- التخوين ومعالجته دينيا

- مخاوف من وصول الإسلاميين إلى الحكم


عثمان عثمان
عبد الله بن بية

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, أضحى مبارك وكل عام وأنتم بخير، أهلاً ومرحباً بكم على الهواء مباشرةً في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة, يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ }[المائدة:8] هل تتجاوز الحالة الثورية المنظومة الأخلاقية؟ وهل الفعل الثوري منفلت من أي إطارٍ قيمي وكيف نتجنب أخلاق الانتقام والاستئصال والتخوين وغيرها؟ أخلاق الثورة موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الشيخ عبد الله بن بية نائب رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين والذي ينضم إلينا عبر الأقمار الصناعية من السعودية من مدينة جدة مرحباً بكم فضيلة الشيخ وكل عام وأنتم بخير.

عبد الله بن بية: كل عام وأنتم بخير حياك الله أستاذ عثمان.

العدل وتطبيقاته في خضم الثورة

عثمان عثمان: العدل قيمةٌ أخلاقيةُ إسلاميةٌ عليا، ما مجال تطبيقات العدل فضيلة الشيخ؟

عبد الله بن بية: الحمد لله رب العالمين، اللهم صلِ وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً، اسمح لي أخي عثمان أن أبدأ أولاً بتهنئة المسلمين بالسنة الجديدة وبالحج الأكبر في هذه السنة وأن أهنأ بصفةٍ خاصةٍ الحجاج الميامين على صعيد مِنى ثم أن أبدأ بمقدمة موجهةٍ إلى من يوجه إليهم هذا البرنامج وهم الثوار فأقول: أيها الثوار الأبرار، أيها المجاهدون المكافحون الذين كافحوا الظلم والاستبداد والفساد، أيها الصابرون المصابرون المرابطون ماذا تنتظرون مني أن أقول لكم الليلة ونحن نتحدث عن قيم وأخلاق الثورة؟ هل تريدون أن أقول لكم كما قال المتنبي وهو يتحدث عن أعدائه ويريد أن يروي منهم الرمح وأن لا يرحمهم مع الراحمين:

كما قال الشاعر:

ومن عرف الأيام معرفتي بها
وبالناس روى رمحه غير راحم

فليس بمرحوم إذا ظــفروا به
ولا في الردى الجاري عليهم بآثم

أو أقول لكم كما قال الشاعر الجاهلي:

فتساقوا كأساً أمرت عليهم بينهم
يقتل العزيزُ الذليلَ

أم أقول لكم ما قاله الله ورسوله؟ إني أفضل أن أقول لكم ما قاله الله ورسوله، إن ذلك هو مرجع ما سأقوله عن أخلاق الثورات وعن الثوار، الله سبحانه وتعالى يقول: {وَإنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا} [التغابن: 14] يقول: { وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى: 43] ويقول سبحانه وتعالى: { وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة:237]. ويقول النبي «صلى الله عليه وسلم» : ((إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحدٌ على أحد و لا يفخر أحدٌ على أحد))، هل تريدون أن أضرب لكم المثل بالجاهلية حيث كان عمرو بن هندٍ يجعل أيامه يومين في يوم يقتل من يرد عليه وفي يوم يكرمه أم نقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأصحابه؟ إن المثال الأخير هو الذي أريد أن أتحدث عنه. سأتحدث لكم عن عفو النبي صلى الله عليه وسلم عند المقدرة..

عثمان عثمان: سنتحدث فضيلة الشيخ عن هذا الأمر في إطار الحلقة إن شاء الله عز وجل، فضيلة الشيخ سنتحدث في هذه التفاصيل..

عبد الله بن بية: سنتحدث لكم عن ما قاله صحابة عن سلوك أصحابه بعد أن أجيب عن سؤال الأخ عثمان.

عثمان عثمان: مرحباً بكم فضيلة الشيخ، تطبيقات العدل في الحياة سواء في الحياة العامة في الحياة الخاصة وفي موضوع الثورة بشكل خاص.

عبد الله بن بية: العدل هو ما قامت به السماوات والأرض، والعدل هو الحق الذي أراده الله سبحانه وتعالى أن يكون قائماً بين الناس، العدل يتعلق بالنفس: لا تظلموا أنفسكم والعدل يتعلق بالأولاد والعائلةِ: ((إني لا أشهد على جور )) كما قال عليه الصلاة والسلام والعدل يتعلق بالحكم والقضاء: {إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [سورة النساء : الآية 58] والعدل يتعلق بالأمم والعلاقات معها: { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ }[المائدة:8] ومجالات العدل هي مجالات الحياة، العدل في الحكم وفي النظام وفي العلاقات مع المحكومين، العدل في المجال الاقتصادي وفي المعاملات وفي إتاحة الفرص للناس، العدل في المجالات الاجتماعية، في العلاقة بين الزوجين، العدل في العلاقات الدولية، كل هذه المجالات فيها عدل..

عثمان عثمان: إذن المجالات واسعة لإقامة العدل وتطبيقه ولكن فضيلة الشيخ {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ }[المائدة:8] ما علاقة العدل بالتقوى؟

عبد الله بن بية: علاقة العدل بالتقوى هي علاقة المسبب بالسبب.

عثمان عثمان: كيف ذلك؟

عبد الله بن بية: من كان متقياً فإنه سيعدل، ومن لم يكن متقياً فإنه في الغالب لا يعدل وإذا عدل فإنه غالباً لا يُصيب ولأجل ذلك الله سبحانه وتعالى نبه على التقوى بأن من يتعامل مع الله سبحانه وتعالى فإنه سيكون عادلاً أما إذا لم يتعامل مع الباري جل وعلا ولم يكن متقياً ولا خائفاً من عقابه ولا منتظراً لثوابه، فإن عدله قد لا يكون دائماً على المستوى المطلوب ولهذا قرن العدل بالتقوى لأن العدل جزء من التقوى ونتيجة له ومسبب عنه.

عثمان عثمان: الحالة الثورية فضيلة الشيخ الآن هي الغالبة في الشارع وفي الإعلام وفي المنتديات وفي كل مكان لكن في حمأة الثورة في خضم الثورة قد تغيب قيمة العدل وتطبيق العدل سواء في القول أو في الممارسة هنا كيف يمكن أن نستحضر العدل؟

عبد الله بن بية: الحالة الثورية هي حالةٌ واقعية، هي حالة من الغليان، هي حالة من الشعور بالألم من أجل الاستبداد والفساد، هي حالة من الثورة على هذه الأوضاع، هذه الحالة في الغالب هي حالة انفلات لكنها تنضبط بحسب صورتها وغايتها والفاعلين فيها ما يسمى عند المناطقة بالفلل الأربع، صورة الثورات إذا كانت الثورة قائمة من أناس لهم أهداف طيبة يقومون بأعمال جليلة يقومون بثوراتٍ سلمية لا يرتكبون الاعتداءات في ثورتهم ولا ينتقمون من الناس هذه الصورة تجعل الثورة أقرب إلى التقوى أقرب إلى الخير، غاية الثورة أيضاً إذا كانت الغاية الإصلاح وإبعاد شبح الاستبداد والفساد فإن هذه الغاية تجعلها وسيلةً مستحبةً، وسيلةً صالحةً، وسيلةً ناجعةً ليست مكفالية أي أن الهدف لا يبرر كل وسيلة، وسيلة الصالح هي صالحة أما الفاعل فهو قادة الثورة، إذا كان قادة الثورة على قدر من الانضباط وعلى قدر من التقوى وعلى قدر من الاحتراز من ارتكاب المنكرات أو من ارتكاب الجرائم فبالحري والجدير أن يقتدي بهم الثوار فالمسألة إذن تتعلق بصورة هذه الثورة، هذه الثورة ما هو تشكيلها؟ هذه الثورة ما هي غايتها؟ هذه الثورة من هم الفاعلون؟ من هم القادة الذين يقودون هذه الثورة، كل هذا إذا تعرفنا عليه نجد الآثار باديةً في الأعمال التي تنشأ عن هذه الثورة، ولهذا فإن الأمر يتعلق بكل هذه المقتضيات إذا كانت الثورة أخلاقية ليست منشفية ليست ثورة تبحث عن المصالح الشخصية الأنانية الضيقة ليست ثورةً عشائرية ولا قبليةً، إذا تخلصنا من كل هذه العيوب فإن الثورة تكون صالحةً وبالتالي فإنها لن تسيء إلى أحد ولن ترتكب لا خطأ ولا خطيئة أما..


المنظومة الأخلاقية للثورة

عثمان عثمان: هل ترون أن تجاوز الثورة من الحالة السلمية إلى الحالة العسكرية أو الأمنية هي خروجٌ عن القيم الأخلاقية؟

عبد الله بن بية: الثورة يجب أن تكون سلمية لكن الحقيقة أن بعض هذه الثورات أحبرت إجبارا وعلينا أن نجعل الأمور في نصابها أن بعض هذه الثورات أُجبرت إجباراً على تجاوز هذه الحالة السلمية كما في الوضع في ليبيا مثلاً عندما كان الناس معرضين إلى الإبادة الجماعية أو هكذا يبدو أو هكذا سمعنا، إذا كان الأمر كذلك فقد يكون للثوار بعض العذر في تجاوز هذه الحالة، لكن الأصل أن هذه الثورات التي نشأت في تونس وفي مصر وثم امتدت إلى أقطارٍ أخرى أنها ثوراتٌ سلمية هكذا يعني تصورنا وهكذا ذكر لنا قادة هذه الثورات، لكن الثورة الليبية يبدو أن أوضاعاً خاصةً وظروفاً اضطرارية وضروراتٍ حاقة جعلتها تتجاوز هذه الحالة إلى حالة من الحرب والاحتقان ليست مرضية وبالتالي نشأت عن هذه الحالة عواقب وعقابيل ربما لم تكن مرفوضة من كل الثوار ويجب إصلاحها وبسرعة شديدة حتى تعود للشعب آليته ويعود للأمة انسجامها.

عثمان عثمان: انطلاقاً من الضرورات الليبية التي تتحدثون عنها فضيلة الشيخ لو تكررت هذه الضرورات الليبية في مكانٍ آخر هل ترون أن من المناسب السلوك سلوك نفس الطريق؟

عبد الله بن بية: إذا تكررت هذه الضرورات في مكانٍ آخر أرجو أن لا تتكرر أولاٌ وأريد أن أقول ذلك باسمي الشخصي أنا لست من دعاة الثورات أنا من دعاة الإصلاح أنا أرى أن الحكام والمحكومين عليهم أن يصلحوا شأنهم وأن لا يُضطروا إلى الثورات لأن الثورات بطبيعتها هي جرافةٌ تجرف ما أمامها وبالتالي تحتاج إلى مهندسين للبناء وليس فقط لترميم البناء وبالتالي الذي نبحث عنه اليوم بعد هذه الثورات هي كيف نهندس كيف نبني بناءً يقوم على القيم والأخلاق الفاضلة الإنسانية والإسلامية أيضاً ولهذا نقول إني لا أود ولا أرجو أن يُضطر آخرون إلى مثل هذا الأمر وأن يصل الناس جميعا إلى كلمةٍ سواء تصلح ما فسد وتستقطب ما أسأته يد الاستبداد أو يد الجور إلى غير ذلك إلى أن توجد توافقاتٌ، هذه التوافقات من شأنها أن تجند وقد رأينا توافقات في مناطق أخرى حيث وجدت التوافقات أدت والحمد الله إلى عودة المياه إلى مجاريها واستقرت الأمور واستتب الأمن وهذا غاية المطلوب.

عثمان عثمان: في الحالة السورية فضيلة الشيخ هناك من يرى في ظل القتل وسفك الدماء وانتهاك الحرمات وهدم المساجد أن المسألة تجاوزت البعد السياسي إلى البعد الأخلاقي وبالتالي يرون أن من واجب الجميع الأخذ على يد الظالم وحقن الدماء وكف مثل هذه الإجراءات، كيف ترون الأمر؟

عبد الله بن بية: أنا في الحقيقة أريد أن أقول لك يا أخي عثمان بأني إذا لم أعش وضعاً، لا يمكن أن أحكم عليه بالتفصيل، أرى أن دماءً سُفكت هناك حسب ما أسمع وأن حرماتٍ انتُهكت وبالتالي على كل من يستطيع أن يوقف هذا النزيف أن يقوم بعملٍ في ذلك إما بيده أو لسانه أو قلبه وذلك أدنى الإيمان، لكن مع ذلك أعترف بأن أهل سوريا هم أدرى بأوضاعهم منا نحن، نحن فقط نسمع عن طريق الإعلام عن طريق المشاهدات عن طريق أيضاً الحديث مع بعض الإخوة السوريين عن أوضاعٍ شائنة، أوضاعٍ معيبةٍ، أوضاعٍ لا تليق بالإنسانية، أوضاعٍ همجية، أرى هناك صراع من أجلِ البقاء أو ما سميته مرةً بتنازع البقاء الذي يؤدي إلى الفناء وبالتالي هو وضعٌ عقيمٌ وحربٌ لا فائدة منها تكاد أن تصل إلى نوعٍ من الإبادة ونوعٍ من الاستهتار بدماء الناس فأضم صوتي إلى غيري من الأصوات لأناشد أولئك الذين يحكمون ذلك البلد لتوقيف هذه الحرب وببذل كل جهدٍ ممكن لإعادة الأمن إلى البلاد عن طريق التواصل مع أهل هذه البلاد إلى الرضا والتراضي..

عثمان عثمان: الثورة إذن انتقلت من بلدٍ إلى آخر فضيلة الشيخ وكانت هناك كما ذكرتم بعض التجاوزات ولكن الحالة الثورية تبقى حالة جذرية متأصلة، هل يمكن لهذه الحالة الثورية أن تتجاوز بشكلٍ أو بآخر المنظومة الأخلاقية؟

عبد الله بن بية: الحالة الثورية قد تتجاوز فعلاً وواقعياً المنظومة الأخلاقية لكن لا ينبغي لها ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بداية فتح مكة وكان على استعدادٍ للحرب نزع الراية من سعد من عبادة من أجل انه قال: (اليوم يوم ملحمة، اليوم يومٌ أذل الله فيه قريشاً)، فلم يسمح لهذه الحالة بأن يتجاوز قائدٌ من القواد أن يتجاوز حتى في اللفظ واللغة أن يتجاوز الآداب المطلوبة وبالتالي حول النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام إلى كلام يضاده ويقدم صورةٌ أخرى قال: (اليوم يوم مرحمة، اليوم يومٌ أعز الله فيه قريشاً). فقط نريد الثورات فيها رابح وخاسر نريد أن يكون الجميع رابحين، نريد للثورات التي انتصرت أن تُشعر الآخرين بأنهم رابحين أيضاً. يوم عزٍ للجميع اليوم هو يوم عز لبني وليد كما هو يوم عزٍ لطرابلس، يعني نشعر الجميع بأنهم رابحون وبأنه لا يوجد خاسر هكذا قال النبي حوله من يوم ملحمة إلى يوم مرحمة من يوم ذلٍ إلى يوم عز..

عثمان عثمان: هنا السؤال فضيلة الشيخ.

عبد الله بن بية: نعم.

عثمان عثمان: هنا السؤال ما الذي لنا يمكن تفهمه واغتفاره للثوار وما الذي لا يمكن قبوله في أي حال من الأحوال، أسمع الإجابة إن شاء الله بعد أن نذهب إلى فاصل قصير فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: أهلاً وسهلاً بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه نائب رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين والتي نتحدث فيها عن أخلاق الثورة. فضيلة الشيخ ذكرتم قبل الفاصل أن هناك تجاوزات لبعض الأخلاق والقيم الأخلاقية حصلت في الثورات هنا السؤال ما الذي يمكن تفهمه وتجاوزه من ارتكابات الثوار وما الذي لا يمكن قبوله بحال من الأحوال؟

عبد الله بن بية: بسم الله الرحمن الرحيم الذي يمكن تجاوزه هو الأخطاء الفردية، أن يرتكب فردٌ خطأً غير مقصود فهذا من ضرورة الحرب لأن الحرب هي عبارة عن فوضى وفي الحروب توجد أخطاء، وهذه الأخطاء غالباً لا تكون متعمدة لكن مع ذلك على القادة أن يكونوا حذرين وأن يكونوا يقظين لإصلاح هذه الأخطاء ولإعادة المخطئ إلى جادة الطريق ولمحاسبته المحاسبة الضرورية فالمطلوب في الثورات أن تكون عادلةً أن تكون شفافةً، الصعوبات لا تُعفي الثوار من الأخطاء التي يرتكبونها، الثوار مطلوب منهم أن يتحلوا بأخلاق القرآن {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [آل عمران : 134] أن يتحلوا بالعدل إذا لم يتحلوا بالإحسان أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ } [الشورى : 41، 42]، ولمن انتصر بعد ظلمه هذا هو العدل انتصر بعد ظلمه لكن { وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى: 43] هذا مجال الإحسان، على الثوار أن يكونوا بين العدل والإحسان أن يقدموا الناس إلى المحاكمات الشرعية التي بإمكانها أن تفض في النزاعات، أن تثبت الخطأ على المخطئ، وأن تبرئ البريء الله سبحانه وتعالى يقول: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الزمر: 7] وفي القاعدة الشرعية أن المتهم بريءٌ حتى تثبت إدانته ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } [الحجرات:12] فالثورات عليها أن تراعي كل هذه الآداب إذا كانت فعلاً جاءت بصالح العبادِ ومصلحة البلاد أما إذا كانت ثورةً تريد أن تعوض استبداداً باستبداد أو شخصاً بشخص أو حكما بحكم أو جمهورية بجمهورية أو جماهيرية أخرى هذه في الحقيقة ليست ثورة تستحق هذا الاسم، أنا أنصح إخواننا في ليبيا وفي كل مكان..

عثمان عثمان: ميدانياً وعملياً فضيلة الشيخ في الثورة..

عبد الله بن بية: دعني أقول لك: أن إخواننا في كل مكان هم على المستوى المطلوب نحن نعرفهم وقد سمعنا منهم حكمةً وعقلاً وحنكةً وهم أدرى بأوضاعهم في ليبيا وفي تونس وفي مصر ونحن نثق فيهم كل الثقة لكن هذا لا يمنع أن نسدي إليهم نصحاً وأن نقدم إليهم بعض تجاربنا الشخصية..

عثمان عثمان: هناك تساؤلات لا بد من الإجابة عليها فضيلة الشيخ.

عبد الله بن بية: تفضل.

عثمان عثمان: يعني بعيداً عن رأيكم في الثوار في أي بلدٍ كان،. في الثورة الليبية صدرت أفعال وممارسات اعتبرها البعض نوع من المثلى من الشماتة المحرمة، البعض الآخر في الضفة الأخرى اعتبرها ويشفي صدور قومٍ مؤمنين ما الموقف الشرعي هنا؟ كيف نزن الأمور؟

عبد الله بن بية: الحقيقة أن ما ذُكر من ذلك يجب أو ينبغي أن يكون حالاتٍ فردية وأن المثلى لا تجوز وأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها ونهى عن إحراق الناس وفي يوم فتح مكة النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) وبالتالي لم ينكل بأحد بل ولم يطلب منهم أن يسلموا أن يدخلوا في الدين وأبو سفيان الذي كان يقود الحرب ضده كرمه وجعل بيته حرماً وهبار بن الأسود الذي قتل ابنته زينب عليها السلام بواسطة عمله عندما نخس البعير وقد عفا النبي صلى الله عليه وسلم عنه وآنسه إذ قال إن يسبوك يسبهم، كل هذا يدل على العفو وعلى القلب الكبير فعلينا أن نقتدي بهذه الأفعال علينا أن نتجنب كل فعلٍ يشيع ثورةً ويعني أنا هنا أتمثل بقول الشاعر:

بذلت نصيحة مني ليحيى فقال غششتني والنصح مر

فقلت له تجنب كل شيءٍ يعاب عليك إن الحرَ حرُ

إذن أنا أقول لمن يفعل ذلك تجنب كل شيءيعاب عليك إن الحرَ حرُ، أنا أعرف مدى الألم ومدى ما يشعرون به لكن عمر بن الخطاب كان يعطي الحقوق لرجلٍ قتل أخاه زيد في حرب الردة وهذا الرجل كان مرتداً وقتل زيد أخ عمر في القصة المشهورة،هذه القلوب الكبيرة..

عثمان عثمان: هذا الألم، هذا الألم فضيلة الشيخ..

عبد الله بن بية: قلوب الثوار يجب أن تتجاوز الانتقام، أود أن أقول هنا أن علينا أن ننظر إلى المستقبل أن نرفع رؤوسنا إلى المستقبل أن لا نظل في الماضي، إذا ولت الثورات في الانتقام من فلان وعلان وزيد وخالد فإنها لن تخطو خطوة إلى الأمام، على الثورات أن تمر إلى المستقبل كيف تبني المستقبل؟ بناء المستقبل يحتاج إلى قيمٍ، يحتاج إلى التواضع، يحتاج إلى الحوار، يحتاج إلى إشراك الجميع، هناك قيم لا بد أن تنتهجها الثورة حتى تكون ثورة المستقبل وليست ثورة للماضي، ليست انتقاماً ولا ردة فعل على الماضي، هنا أيضاً اسمح لي أن أطلب من الأخوة الثوار أن يشركوا معهم عوامل المجتمع المدنية لرأب الصدع وللئم الشرائح حتى تلتئم الجراح أن تقوم لجان من المجتمع المدني لتحضين إخوانها لتنسيهم الآلام وأن نعتبر القتلى من الأطراف كلها هم قتلى من شعب واحد يدين بالإسلام مهما كان خطأ بعضهم أو خطيئته فهم جميعاً من هذه الأمة فالنكبة في هؤلاء نكبة الأمة والنصر هو نصر الأمة حتى لا يكون هناك رابح وهناك خاسر لأن الدهر له دوراته وله جولاته وكراته دعونا نتقدم إلى الأمام وأن نقول للجميع أنتم رابحون والبلد يسعكم جميعا.

عثمان عثمان: لكن فضيلة الشيخ يعني ما ذكرته جيد ولكن البعض يتحدث عن الألم والمرارة التي أذاقتها بعض الأنظمة لشعوبها، يتحدثون عن كما ذكرنا عن سفك الدماء عن الاغتصاب عن هدم المساجد عن كل تلك الإجراءات ما جرى وما يجري وبأن ذلك كما يرون يدفع إلى الانتقام والتشفي،هل يمكن تفهم ذلك في ميزان الشرع؟

عبد الله بن بيه: يمكن تفهم ذلك في ميزان الطبع وليس بميزان الشرع بميزان الطبع هذا معقول أن الانسان يشعر بالظلم لكن بميزان الشرع يجب على المسلم أن يزن أفعاله وأقواله بميزان الشرع، من يستحق شيئاً فعلى المحاكم الشرعية أن تنزل به العقوبة لكن لا يجوز لشخص أن ينتقم بنفسه، الإسلام هو دين انضباطي علينا أن نكون منضبطين في حركاتنا وسكناتنا علينا أن تكون قلوبنا كبيرة، أن نتحمل، ولهذا الله سبحانه وتعالى عندما أمر {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} [سورة النساء : 135] أي لا تقسطوا فقط بل قوموا على القسط بمعنى قوموا بالعدل بتطبيق العدل على الناس رغم العداوة القائمة أو الشنآن وهو البغض والكراهية { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ }[المائدة:8] فنتذكر دائماً هذه الأخلاق، نتذكر دائماً قولأن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما تعدون فيكم الصرعة، قالوا: هو الذي لا تصرعه الرجال. فقال:  لا ليس كذلك ولكن الصرعة الذي يملك نفسه عند الغضب، من يملك نفسه عند الغضب هذه خصلة كبيرة يجب علينا دائماً أن نتذكر ذلك وأن نتذكر أخلاق الأولين فالثورات هي ثوراتٌ من المسلمين وبالتالي ليست منشفية كما قلت وليست ثورات من أجل عرَضَ الدنيا من أجل تعويض قائدٍ بقائدٍ ورئيسٍ برئيس يجب أن تكون كذلك نريد أن تكون مثاليةً طبعاً هناك الأخطاء التي ستقع وبالتالي تقدر بقدرها الخطأ من الكبار خطئ كبير ومن الصغار قد يكون دون ذلك ونرجو أن يكون الجميع كبار ونحسبهم كذلك والله حسيب.

التخوين ومعالجته دينيا

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ الحالة الثورية التي تتحدث عنها ربما أفرزت أيضاً انقساماً ما بين معارضة وموالاة أو معارضات داخل المعارضة دفع بعضها ليتهم الآخرين بالتخوين، تم استسهال هذا الأمر، كيف يعالج الدين هذه المسألة؟ كيف نخرج من حالة التخوين المتبادلة بين كل الأطراف؟

عبد الله بن بية: أنا أعتقد أن التنكيل بالماضي ليس مطلوباً، النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التنكيل في الماضي قال:  لا تُؤْذُوا الأَحْيَاءَ بِسَبِّ الأَمْوَاتِ، عندما تكلم بعضهم عن أبي جهل أو والد عكرمة رضي الله عنه- فقال: لا تُؤْذُوا الأَحْيَاءَ بِسَبِّ الأَمْوَاتِ. وذكرت قصة هبار ابن الأسود وكان ارتكب تلك الجريمة في حق زينب عليها السلام فمنطق التخوين أنا أعتقد أن الإقصاء هو نوع من تنازع البقاء وأن ذلك يؤدي إلى الفناء علينا أن نتعاون جميعا على البقاء، علينا أن نتعاون على البناء، منطق التخوين والتكفير أحياناً هذا المنطق أعتقد أنه يجب أن يترقى، أن الثورات عليها أن تأتي بوجهٍ جديد، بعقل جديد، بروحٍ جديدة، بروحٍ جديدة كتلك الروح التي سادت عندما اذهبوا فأنت الطلقاء، بروحٍ جديدة حتى في العصر الحديث يعني مثال المملكة المغربية التي محت بعض الجروح أو المظالم التي كانت قائمة بجنوب إفريقيا التي فعلت ذلك، أعتقد أن منطق الإقصاء ومنطق التخوين ومنطق الإبعاد، هذا المنطق لا يصلح للمستقبل،. قضيتنا هي قضيتنا عن المستقبل علينا أن نبنيها للمستقبل وهذا لا يأتي إلا بالحوار إلا بالشورى وأريد هنا أن أقول: أن الشورى توطن الديمقراطية وأن الديمقراطية تقنن الشورى، فعلينا أن نستعمل الاثنتين معاً: الشورى والديمقراطية لأن الشورى تديم الرضا والديمقراطية أصبحت هي سبيل الاحتكام يُحتكم إليها ولو كانت ديمقراطية العدد 50، 51 ضد 49 وهي ديمقراطية لا تحل المشكلات إلا بمقاربةٍ أخرى هي مقاربة الشورى ومقاربة الإجماع والاتفاق على جملة من المشتركات هي بمنزلة القيم الكبرى أو بمنزلة ما سميناه بالنظام العام للمجتمع الإسلامي وهو المحافظة على الأديان والمحافظة على الأنفس والمحافظة على العقول والمحافظة على المال وعلى العرض، هذه..

عثمان عثمان: الضرورات.

عبد الله بن بية: هذه الضرورات هي بمنزلة القيم الكبرى إنزالها بعد ذلك في أحكامٍ جزئيةٍ هذا يخضع لخطاب الوضع: للشروط والأسباب والموانع على البرلمانات فيما بعد أن تبحثه، لكن..

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ نتحدث عن حالة الانقسام عن حالة التخوين المتبادلة بين أطراف في السلطة أو في المعارضة قد تكون مقبولة في الحالة الشعبية ربما أو مفهومة في الحالة الشعبية أو السياسية لكن نراها قد تجاوزت من الحالة الشعبية أو السياسية لتصل إلى العلماء، الآن نسمع ونرى تقاذفاً ربما في هذا الموضوع بين بعض العلماء هناك ما يسمون بعلماء السلطة وهناك ما يسمون بعلماء الثورة، كيف تقرؤون الأمر هنا؟

عبد الله بن بية: أنا شخصياً أرى أنه لا داعي لتنابذ بالألقاب بين علماء، العلماء لهم اجتهادات بعضهم أداهم اجتهاده إلى شيءٍ من المآلات التي قدرها أو التي ربما يعتقدها أو ينتظرها وبعضهم أيضاً رأى أن المصلحة العامة التي قد تشتمل عليها الثورات وما اشتملت عليه من مستقبلٍ أيضاً قد يكون زاهر ومزهراً، لكن الاختلاف هو اختلاف في الاجتهاد، العلماء لم يكونوا حكاماً حتى يزيل بعضهم بعضاً كلهم كان في موقعه ملهم كان يفتي بحسب ما يرى وبحسب ما يطمئن إليه ولهذا فإني أدعو من هنا إلى اجتماع فيما بعد لتحقيق المناط في هذه القضايا، لتحقيق المناط في قضايا الحكم في هذا الزمان، في تعريف البغي من جديد إعادة تعريف البغي من هي الباغية وتعريف الخروج والعقد الجديد للتراضي، الإشكال في هذه الجمهوريات التي قامت على عقد ثم بعد ذلك لم توفي بهذا العقد فأدى ذلك إلى ما نراه من الاضطراب ومن الاحتراب ومن عمل أضر بالوطن وبالمواطنين، فنفوسٌ كثيرة انتُهِبت وحرمات انتُهكت وبالتالي علينا على العلماء أن يخرجوا من هذا الصراع بحسن الظن بالتلاقي على الخير، بالتلاقي على الخير لأنه لا يجوز في حق العلماء أن يكونوا كالعامة ينصاعون لكل رأيٍ، والخطأ قائم والصواب محتمل يعني هناك الخطأ والصواب وبالتالي يمكن أن نقول للآخر أخطأت بدلاً من أن نقول له كفرت أو فسقت ونحو ذلك كما قالت أم المؤمنين عائشة: ما كذب أبو عبد الرحمن ولكن لعله أخطأ أو نسي، حسن الأدب في الاختلاف بين العلماء وأنا أرى أن ذلك من الضرورة بمكان وأن العلماء عليهم يستعينوا بذلك والله سبحانه وتعالى يقول: {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} [الحجرات: 12] الأحرى أن يمتثل العلماء لهذا الأمر الإلهي بالنهي عن..

عثمان عثمان: بالعودة إلى قضية الثورة فضيلة الشيخ.

عبد الله بن بية: نعم.

مخاوف من وصول الإسلاميين للحكم

عثمان عثمان: هذه الثورة أفرزت حالة جديدة، سقطت أنظمة، سقط حكام ورؤساء في بعض الدول حصلت انتخابات مثلاً كما في تونس، مصر الآن على أبواب انتخابات تشريعية و برلمانية، هذه الانتخابات في تونس أفرزت صعوداً للإسلاميين، البعض يرى هذا الصعود نوعاً من الاستخلاف في الأرض، هل توافقون على مثل هذه الرؤية؟

عبد الله بن بية: الاستخلاف أنواع كل إنسان هو مستخلف في الأرض، الله سبحانه وتعالى يقول: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد : 7] ويقول: {إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] ولكن هناك الاستخلاف الخاص وهو استخلافٌ يتعلق بالرعاية برعاية الناس ومنه قوله تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ }[ص:38] فكل من كلفه الله أمراً أو أسند إليه أمراً من أمر الرعية فهو مستخلفٌ فيه (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته) ، أنا في الحقيقة في شعبٍ مسلم لا أود أن أفرق أو أقسم الناس إلى فسطاطين: إلى فسطاط إسلام وفسطاط غير إسلام يعني هذا خطيرٌ جداً..

عثمان عثمان: لكن في الممارسة السياسية هذا الأمر موجود.

عبد الله بن بية: هم في الحقيقة هذا موروث من الوضع القديم من وضع الدكتاتورية من وضع الاستبداد، ولكن جميعهم مسلمون لماذا نخرجهم عن الإسلام؟ لماذا نقول هذا إسلامي وهذا غير إسلامي؟ نقول ربما كما سمى النهضة حزب النهضة ولم يسمي نفسه حزباً إسلامياً وبالتالي كلهم مسلمون هم ينتمون إلى الإسلام وإسلاميون نسبةً إلى الإسلام الجميع ينتمي إلى الإسلام وبالتالي أقول كما قال عمر: أفيضوا مجالسكم بينكم، فلنزل هذه الحواجز فلنسمح لجميع المسلمين أن يعيشوا إسلامهم أن نبحث عن المشتركات التي أشرت إليها قبل قليل التي هي النظام العام الإسلامي المحافظة على الأديان والمحافظة على الأبدان المحافظة على العقول المحافظة، ثم بعد ذلك لنبحث عن الواقع فيما يتعلق بتثبيت الأحكام التي تحوط هذه الكليات، هناك فقه علينا أن نبدأ رحلةً مع هذا الفقه الذي نحاول الآن سواءً في الإتحاد العالمي أو في المراكز التي نشتغل عليه لمساعدة إخواننا جميعاً ولتبصيرهم.

عثمان عثمان: كل حزب فضيلة الشيخ خاض انتخابات على أساس برنامج انتخابي يطرح رؤية للممارسة السياسية وللحكم، ما نتحدث به عن حركة النهضة في تونس كانت تتبنى رؤية إسلامية غيرها كان يتبنى رؤية ليبرالية وغير ذلك، لو أردنا الآن أن نعرج إلى نتائج هذه الانتخابات البعض يتخوف لأن الإسلاميين إذا وصلوا إلى الحكم سيمارسون إقصاءً، سيمارسون نوعاً من الديكتاتورية وقمع للحريات كما كان عهدٌ سابق لكل بلد، كيف يستطيع الإسلاميون أن يطمئنوا الناس أن يعبروا عن رؤيتهم الإسلامية في ممارسة أخلاقية للحياة الإسلامية السياسية؟

عبد الله بن بية: أنا أرى أن هذه كما يقولون فزاعة أو أنشودة قديمة لم تعد رائجةً ففي كل بلدٍ فيه حكماء وفيه عقلاء يسعون إلى الصالح العام وطبعاً النظام العام في كل بلدٍ مسلم هو نظام عام يستند إلى الإسلام، قد يوجد بعض الأشخاص الذين قد لا يرضون ولكنهم في الحقيقة هم مسلمون لماذا نستبعدهم؟ أنا في الحقيقة أود أن أؤكد على هذه الحقيقة وأن الجميع هم مسلمون، بلدٌ فيه مسلمون 80% أو 90% أو 100% كيف نقصي بعدهم ونقول أنت لست إسلامياً، عليه أن لا يُقصي نفسه إلا إذا أقصى نفسه وأبعد نفسه. كيف يتكلم شخص ويقول: أنا هو الإسلام؟ يعني إن لم تنتخبني فأنت خرجت من الإسلام، هذا أيضاً ليس مقبولاً، بل أنا أدعو إلى القيم الإسلامية أنا أدعو إلى الأحكام الإسلامية أنا أدعو إلى الإسلام في حياتنا وأدعو إلى التنمية الاقتصادية، أدعو إلى الاستقلال أدعو إلى العلاقات الدولية الجيدة مع كل دول العالم، أدعو إلى منظومة الإنسانية التي ثبتت نجاعتها، هناك مشتركات كثيرة أعتقد إذا جاوزنا فترة الانتخابات سنجد في النهاية أنه لا يوجد إشكال هذا ما نتمناه، في تونس بالذات أظن أنهم لا ينوون ديكتاتوريةً أبداً وأنهم يريدون فقط أن يكونوا جزءا من هذا المجتمع وأن يقودوا المجتمع إذا أتيحت لهم القيادة لشاطئ الأمان ولبر الأمان هكذا يعني أحسن والله سبحانه وتعالى أعلم بالسرائر، وأعتقد أن جميع الأخوة الآخرين عليهم أن يقوموا بدراسات ميدانية للواقع المحلي والواقع الإنساني وبالمبادئ الشرعية لتطبيق هذا على هداك كما يقول ابن القيم، هناك فقهٌ إلى حدٍ ما غالب هو فقه الواقع بالنسبة للمجموعة التي سميتها بالإسلامية وحتى بغيرهم وكذلك بالفقه الشرعي وبما تتيحه الشريعة من مرونة وسعة تسع الجميع فإنها جاءت رحمةً ولم تأت نِقمةً وبالتالي اليوم يوم مرحمة اليوم يوم أعز الله به قريشاً دعونا نتفاءل ونقول أن اليوم يوم مرحمة لا خاسرة كلكم رابحون.

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ هناك ثورات انتصرت وآتت ثمارها وأكلها، كيف تقومون الممارسة الأخلاقية لهذه الثورات أو بالأحرى كيف يمكن لثورات أخرى الآن موجودة أو لاحقة أن تستفيد من أخطاءٍ وقعت في ثوراتٍ انتهت ومضت؟

عبد الله بن بية: الثورات تحكمها الظروف الزمانية والمكانية والسكانية والإنسانية التي تعيش فيها وبالتالي لا يمكن لنا أن نقول: إن الثورة الفلانية ستكون طبقاً للثورة الفلانية، هذا يرجع إلى طبع السكان إلى فهم النخبة إلى عمق فهم الحكم الذي يقع التصدي له لمحاولة الإصلاح والصلاح والبعد عن الفساد وعن الاستبداد يعني الأمر يختلف من مكان إلى مكان لا يمكن أن نحكم بحكمٍ واحدٍ في كل الأمكنة وفي كل الأزمنة ولكن بصفةٍ عامة نرى أن العقل والحكمة يجب أن يسودا وبالتالي يجب علينا أن ندرس الواقع وأنا سمعت أن بعض الأحزاب قامت بدراسة مستفيضة للواقع وهذا يسرني كثيراً لأن الدراسات عائدة يعني لا توجد دراسات توجد مجموعةٌ لا تعرف عن الإسلام الكثير فأشاحت بوجهها عنه ونظرت إلى التنوير الغربي خطف أبصارها، وهناك مجموعة لا تعرف من مظاهر الأحكام الجزئية فأهملت الأحكام الكلية وبالتالي ابتعدت عن التأويل الصحيح وعن الفكر وعن العقل الصحيح..

عثمان عثمان: نعم فضيلة الشيخ..

عبد الله بن بية: فنحن بين هذه المجموعات نحتاج إلى فقهٍ واقعي وفقهٍ في الأصول الشرعي وفي كلياته ومبادئه حتى نطبق هذا على هذا، نطبق فقه الواقع على الواجب في الواقع كما سماه ابن القيم رحمه الله سبحانه وتعالى

عثمان عثمان: ويبقى هذا على عاتق العلماء، في ختام هذه الحلقة أشكركم فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه نائب رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين كنتم معنا عبر الأقمار الصناعية من جدة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل دمتم في أمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة