أنور إبراهيم.. مستقبل ماليزيا السياسي   
الخميس 1429/3/28 هـ - الموافق 3/4/2008 م (آخر تحديث) الساعة 17:22 (مكة المكرمة)، 14:22 (غرينتش)

- المعطيات الجديدة في الساحة السياسية
- السيناريوهات المتوقعة لمستقبل ماليزيا السياسي

المعطيات الجديدة في الساحة السياسية

صهيب جاسم
أنور إبراهيم
صهيب جاسم
: أعزاؤنا المشاهدين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم إلى حلقة جديدة من برنامج لقاء اليوم. أفرزت نتائج الانتخابات الماليزية التشريعية منها والمحلية حصيلة لم تكن في حسبان أحد لا من المعارضة ولا من الحكومة، فقد حصدت المعارضة ما يقارب نصف أصوات الناخبين ومنعت التحالف الحاكم من الحصول على الأغلبية الساحقة التي حافظ عليها منذ ما قبل الاستقلال في عام 1957 لتتشكل أكبر كتلة معارضة في تاريخ ماليزيا في البرلمان الماليزي. وقد برز اسم أنور إبراهيم الزعيم السياسي المعروف ونائب رئيس الوزراء الأسبق مرة أخرى ضمن المعطيات الجديدة فيما بعد الانتخابات كزعيم لحزب العدالة الشعبي المعارض الذي أصبح أكبر حزب معارض متقدما على الحزبين المعارضين القديمين وهما الحزب الإسلامي وحزب الحركة الديمقراطية. حول هذه المعطيات الجديدة في الساحة السياسية الماليزية ومستقبل ماليزيا السياسي سيكون حوارنا مع أنور إبراهيم الذي عاد إلى العمل السياسي بعد تسع سنوات من منعه قانونيا. السيد أنور إبراهيم كيف تصف ما حصل في الانتخابات الماليزية الأخيرة؟ البعض وصفه بتسونامي السياسي، حتى إن بعض القيادات في التحالف الوطني الحاكم دعت إلى مراجعة الحسابات والإستراتيجيات بل وإعادة النظر فيما كان يعتبر من المسلمات في الحياة السياسية الماليزية.

أنور إبراهيم: ماليزيا عموما ظلت تطالب بالتغيير من أجل حريات أوسع ومستويات معيشة أفضل كما رفض الماليزيون الفساد الذي صار وبائيا في بلدنا. في اعتقادي الجميع من مسلمين مالاويين وهنود وصينيين انطلقوا معا ضمن حركة متعددة العرقيات للمطالبة بالإصلاح في بلادنا لتكون النتيجة ظاهرة ستغير من طبيعة الساحة السياسية من جذورها.

صهيب جاسم: لكن قد يقال إن حكومة التحالف الوطني الحاكم قد أنجزت الكثير، وكنت شخصيا في السابق ضمن هذه الحكومة، فقد بنت ماليزيا وجعلت منها قصة نجاح مقارنة ببعض الدول العربية والإسلامية، فما الذي حصل ليندفع الناخبون إلى التصويت لصالح التغيير؟

أنور إبراهيم: الناس تعبوا من نظام الحزب الواحد ومن التحكم شبه الدكتاتوري في القضاء والإعلام والاقتصاد. أنا أقبل الحقيقة بحدوث تقدم كبير فبلدنا مستقر سياسيا واقتصاديا وهو بوضع جيد ولكن لو نظرت إلى الأرقام ستكتشف أننا تراجعنا وخسرنا الكثير في السنوات العشر الأخيرة. فمثلا كنا في المرتبة الأولى على مستوى دول رابطة آسيا من حيث نمو الناتج القومي وتدفق الاستثمارات المباشرة وحجم رؤوس الأموال في الأسواق. خسرنا ذلك وتراجعنا أمام ليس فقط الهند والصين بل وحتى سبقتنا سنغافورة وفييتنام ولحد ما إندونيسيا، والناس هنا صار لديهم شعور بأن كل ما قيل في الحملة الدعائية الحكومية بأننا سنظل ناجحين لن يكون مضمونا ما لم يكن هناك رقيب على نظام الحزب الواحد حيث الفساد المالي والإداري والمحسوبية قد وصل إلى أعلى المستويات السياسية إلى جانب ارتفاع نسبة الجريمة والتدني الأخلاقي، أدى ذلك إلى خيبة الأمل بين المسلمين والشعور عند الهندوس بأنهم مهمشون. هذا الوضع لا يعكس ما تفرضه دولة مؤسسات مسلمة يجب أن تكون نظيفة ونزيهة وعادلة للجميع.

صهيب جاسم: هل تعتقد أن أحد أسباب تراجع شعبية الحكومة أنها ركزت على المشاريع العملاقة على حساب الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة لحياة الناس، فالماليزي فخور ببلده لكنه يواجه صعوبات يومية؟

"
المشاريع العملاقة التي قامت بها الحكومة الماليزية في السنوات العشر الماضية منحت لأقرباء كبار المسؤولين في الدولة ولا تنعكس فوائدها على عامة الشعب الذين يعانون ارتفاع الأسعار وأزمة السكن والبطالة
"
أنور إبراهيم
: لقد وجهت الكثير من الانتقادات للمشاريع العملاقة التي قامت بها الحكومة خلال السنوات العشر أو الخمس عشرة الماضية. الناس يتقبلون مثل هذه المشاريع لكنهم عندما يعيدون النظر يجدون أنها منحت لأقرباء كبار المسؤولين ولا تنعكس فوائدها بشكل أفقي لتشمل عامة الناس الذين يعانون من ارتفاع في الأسعار وأزمة الإسكان والبطالة. انظر إلى التردي في المستويات التعليمية فقد كنا روادا في ذلك على مستوى المنطقة، أما اليوم فقد تدنى مستوى مؤسساتنا التعليمية بصورة مريعة. الناخبون يريدون ضمان تعليم أفضل لأبنائهم وأن توفر لهم خدمات صحية أفضل ولا يمكننا في هذا الصدد أن نقارن ماليزيا بأصدقائنا في الدول الفقيرة في أفريقيا، بل علينا أن نقارن ماليزيا بالدول الناجحة اقتصاديا في المنطقة. الإشكالية التي أدركها أن أصدقائي من الدول العربية والإسلامية يقولون إن ماليزيا ناجحة وأنجزت الكثير، بالطبع نحن أفضل من بعض الدول في أفريقيا والشرق الأوسط ولكن عليك أن تقارن ماليزيا بسنغافورة وتايوان وكوريا الجنوبية لأننا انطلقنا معا، لكن سنغافورة سبقتنا بخمسة أضعاف كما سبقتنا كوريا وتايوان بفارق ثلاثة أضعاف. كل ذلك الكلام يدور في أحاديث الناس وسببه الغطرسة في السلطة وتحكم حزب واحد في كل شيء. قرارات المحاكم تحدد من قبل القيادة، مستوى أداء جهاز الشرطة في تراجع مهني، موظفوا الحكومة يستغلون سياسيا فهناك تدهور عام في الأوضاع والفساد صار وباء متفشيا وهو ما يؤدي إلى عدم تعيين أفضل الأساتذة ليديروا المؤسسات لكنك تختار متوسطي الخبرة ممن تستطيع التحكم بهم وإملاء أوامرك عليهم وهم من لا يقدرون على فرض نفوذهم واستخدام صلاحياتهم، وقد انعكس ذلك على المستويات التعليمية، بل وحتى الخدمات الصحية في ماليزيا. زوجتي كانت في دائرتي الانتخابية في ولاية بنانغ وسمعت إلى شكاوى الناس، انظروا إلى مستشفياتنا الحكومية إلى ممراتها وعنابرها، هل هذه ماليزيا ذات الدخل النفطي الذي يصل إلى 120 مليار رينغيت ماليزي؟ّ إنها كمستشفيات دول العالم الثالث الأخرى، ومقابل ذلك توقعات الناس مرتفعة ويريدون خدمة أفضل.

صهيب جاسم: لو تحدثنا عن الحكومة المركزية، رئيس الوزراء عبد الله بدوي أكد أنه لن يستقيل على الرغم من تزايد المطالب له بالاستقالة، بدءا بسلفه محاضير محمد، بل وتعهد ببناء المناطق الاقتصادية الخمس الجديدة. هل تعتقد أنه سيستعيد ثقة الناس؟

أنور إبراهيم: أعتقد أنه تأثر سلبيا بشكل كبير من حيث التأييد الشعبي مع إشكالية في السياسة الداخلية للحزب الحاكم. هو يقول إنه ما زال محافظا على تفويض الشعب رغم أنه فاز بأغلبية بسيطة وعليه أن يتعاون مع نائبه محمد نجيب عبد الرزاق، وسنواجه نحن إشكالية مع نجيب بسبب الاتهامات الخطيرة الموجهة ضده، ولسان حال عبد الله بدوي هو أنكم إذا لم تقبلوا بي فنائبي ليس أحسن حالا مني. وباعتقادي هناك مشاكل داخلية في الحزب الحاكم ولكن ما نراه هو أن النظام سيظل كما هو سواء كان بدوي أو نائبه نجيب من حيث الفساد والسياسات والبرامج والسياسة المؤصلة على المحاصصة العرقية. أما بشأن بناء المناطق الاقتصادية الجديدة فإننا ننصحه بأنه لو عزم بالفعل على تنفيذها فسنشنها حربا شعواء عليه في البرلمان لأننا لن نتساهل مع هذا الأمر. ما فائدة هذه الممرات الاقتصادية بقيمة سبعمائة مليار رينغيت مقابل سوء مستوى الإسكان الشعبي والتعليم والبنية التحتية.

صهيب جاسم: لو تحدثنا عن وضع الحكومة ثانية، حزبك العدالة الشعبي والحزب الإسلامي وحزب الحركة الديمقراطية تتحدثون عن حكومة منتظرة تستعد لتشكيلها أحزابكم المعارضة، هل يمكن أن نتصور عمرا قصيرا لحكومة التحالف الحاكم لصالح حكومة تحالف بديل قريبا؟

أنور إبراهيم: هذا ما يتطلع إليه بشكل عام الكثير من الماليزيين. الكثير من أصدقائي السابقين في التحالف الحاكم من حزب آمنو والأحزاب الأخرى في حديث متواصل معنا، فالكثير من الأحزاب ذات الطابع العرقي من الهنود والصينيين يشعرون بأنهم لم يعودوا صالحين بعد أن رفضهم الشارع وليس هناك من بديل إلا برنامج سياسي متعدد العرقيات. على الرغم من الصعوبات التي واجهتنا في بناء تحالفنا وتماسكه لكننا نسير إلى الأمام، الحزب الإسلامي وحزب الحركة الديمقراطية الصيني يطالبان باستمرار بعقد اجتماعات لتحديد مبادئ ومعايير التعاون بيننا.

صهيب جاسم: حول إشكالية التعاون بين أحزابكم المعارضة الثلاثة، حزب يحمل فكرا إسلاميا وحزب الحركة الديمقراطية بفكره اليساري وبينهما يقف حزبكم بأفكار العدالة الاجتماعية، كيف يمكن لأحزاب تختلف أيديولوجيا أن تتحالف وتتشارك في الحكم مقارنة بأحزاب التحالف الحاكم التي عملت معا لخمسين عاما؟

أنور إبراهيم: لا يمكننا عقد مقارنة مع التحالف الحاكم فهو يعتمد السياسة البراغماتية وكل شيء ممكن بالنسبة لهم، فهم متساهلون مع الفساد والسلطوية وغيرها. أما نحن فأحزابنا ذات أفكار معينة وأنا هنا لست بصدد محاولة إنجاز أمر ما بل هذا ما يحدث بالفعل. انظر إلى فترة الدعاية الانتخابية وما بعدها، أحزابنا الثلاثة عملت معا حيث وزعنا الأدوار فمثلا رشحنا في دائرة واحدة مرشحا برلمانيا من العدالة ومرشحين آخرين من الحزب الإسلامي والحركة الديمقراطية في المجالس المحلية. لقد نجحنا في ذلك عمليا ولكن كيف يمكن أن نوفق بين أحزاب تبدو ظاهريا ذات أيديولوجيات متضاربة؟ هو أننا نتفق على مبادئ مشتركة كالتزامنا بالحقوق الدستورية وسعينا لتحقيق العدالة والديمقراطية وضمان الحريات وسيادة القانون واقتلاع الفساد من النظام القضائي ومؤسسات الحكم، ونتطلع لسياسة اقتصادية تجلب الاستثمارات الأجنبية وتعزز الاستثمار ولكنها في نفس الوقت عادلة في توزيع منافعها للجميع وليس لفئة أو قومية معينة. ولا يمكنك أن تعتبر حزب الحركة الديمقراطية متطرفا في يساريته فهو حزب معتدل وليبرالي إلى حد كبير ولديه خبرة في المعارضة، ولا يمكنك اعتبار الحزب الإسلامي متطرفا كما يفهم البعض فهو إسلامي لكنه معتدل الخطاب وقد عمل مع غير الملاويين ولم يسجل عليه أي عمل غير عادل ضد غير المسلمين حتى في الولايات التي يحكمونها. حتى حزبنا العدالة الذي يبدو وسطا بينهما يشهد غلبة الملاويين المسلمين، وأنا لا أتنكر لهويتي فأنا مسلم محافظ وأعتقد أن لذلك علاقة بسعي الإسلام إلى سيادة القيم الإيجابية بما فيها ما يتعلق بالحكم. لذلك لا أعتقد أنه من الصعوبة بمكان أن نجمع بين هذه الأحزاب ضمن تحالف متماسك فعال.

صهيب جاسم: مشاهدينا الكرام فاصل قصير ونعود لمتابعة هذا الحوار مع الزعيم الماليزي السياسي أنور إبراهيم، فأرجو أن تتفضلوا بالبقاء معنا.


[فاصل إعلاني]

السيناريوهات المتوقعة لمستقبل ماليزيا السياسي

صهيب جاسم: أهلا بكم من جديد في حوارنا هذا مع أنور إبراهيم زعيم حزب العدالة الشعبي الماليزي المعارض. بناء على نتائج الانتخابات الأخيرة تحكم الأحزاب المعارضة حاليا خمس ولايات ماليزية ولديكم كمعارضين أقوى حضور برلماني في تاريخ ماليزيا، ما هي السيناريوهات المتوقعة مستقبلا، بقاء التحالف الحاكم في مواجهة معارضة قوية لأربع سنوات مقبلة أم تعجيل بتنحية التحالف الحاكم قريبا عن الحكم على يد الأحزاب المعارضة؟

أنور إبراهيم: سيطرة المعارضة امتدت إلى خمس ولايات إلى جانب نجاحنا في جميع الدوائر النيابية للعاصمة كوالالمبور ما عدا مقعد واحد وهذا له مغزى بما في ذلك سيطرتنا على ولاية سلانغور وهي أغنى وأقوى ولاية في ماليزيا وفي ذلك تعزيز لقوة المعارضة في هذا الوقت وقد انعكس ذلك بشكل تشققات في بنيان التحالف الحاكم الذي واجه صعوبات وخلافات داخلية في تشكيل حكومته المحلية في ولايتين نجح فيهما، ومكمن القوة المؤقت للتحالف الحاكم هو في ولايتي صباح وسراواك، فلو نظرنا إلى نتائج الانتخابات في ولايات شبه جزيرة الملايو الأخرى فالتحالف الحاكم خاسر وهم يعلمون أنه بدون أوراق الاقتراع المرسلة بريديا ولو استخدم تلوين أصابع الناخبين بالحبر فقد كانت المعارضة ستفوز. أعتقد أننا بحاجة إلى بعض الوقت لنتحدث مع أصدقائنا في التحالف الحاكم ممن يشعرون بفائدة العمل معنا والوقت يجري لصالحنا ولا أدري كم نحتاج أسابيع أو شهورا لكنني لا أظن أن التفكير في ذلك التغيير غير عملي، والتيار العام يتطلع إلى ذلك بقوة ولا عودة عنه.

صهيب جاسم: حزبكم العدالة الشعبي يعرض برنامجا سياسيا مختلفا بتعدده عرقيا، بعض الأحزاب حاولت القيام بذلك لكنها فشلت وعادت لتنحصر ضمن عرقية معينة ساعة انضمامها للتحالف الحاكم. هل ترى أن ماليزيا تتحول من العمل السياسي العرقي إلى ذلك المبني على الأيديولوجيات والأفكار؟ ولماذا الآن؟

أنور إبراهيم: بعد خمسين عاما على الاستقلال حان الوقت لذلك ولذا أقول بأننا نشهد لحظات مصيرية في تاريخنا. لقد بدأت المحاولات على يد مؤسسي حزب المنظمة القومية الملاوية الحاكم لبناء عمل متعدد العرقيات وحاول غيرهم لكنهم فشلوا، وهذه هي المرة الأولى التي تنجح فيها الطبيعة التعددية للعمل الحزبي، لكننا سنظل واضحين في خطابنا بقولنا إن الأغلبية السكانية من المسلمين ولذا فسيظل الإسلام الدين الرسمي لاتحاد ماليزيا والملاوية اللغة الرسمية وسنظل نحافظ على حقوق الملاويين لكن بدون اعتماد سياسة اقتصادية تفرق بين الأعراق وتغني القادة ومقربيهم. وإنك تجد مرشحين وناخبين من المسلمين والهندوس والمسيحيين يعملون معا وهذا لا يجعلني أتنكر لديني فأنا واضح في التزامي بإسلامي ولن أتهاون بمداراتهم والتنازل عن واجباتي الدينية لإرضائهم مع إيماني بالعمل السياسي المتعدد عرقيا وهو الأنسب لماليزيا وإلا سنظل رهينة الواقع حيث تجد التدافع بين الملاويين والصينيين الفقراء حول بعض الأشياء الصغيرة، وأغنياء القوميتين ينهبون أمام أم أعين الجميع ويعقدون الصفقات بدون مناقصات ويتبادلون المنافع.

صهيب جاسم: ارتبطت تسمية حزب العدالة بعدة تجارب سياسية جذبت الأنظار من المغرب إلى تركيا ثم إندونيسيا وأخيرا ماليزيا، كلها ترتبط بجذور إسلامية لكنها انطلقت نحو مساحات سياسية أوسع وهنا أنور إبراهيم رئيس حركة الشباب الإسلامي الماليزي سابقا يقدم برنامجا ديمقراطيا لجميع الفئات والأعراق. كيف سترضي المسلمين وغير المسلمين معا ضمن أجندة العدالة الاجتماعية التي تروج لها؟

"
الإسلام ليس بالنظام الذي يقتصر على فئة لكنه شامل ويخاطب الجميع، فهو يتحدث عن العدالة ومساواة الجميع في الحكم وسيادة القانون، لكن الإشكالية تعود إلى الأحكام المسبقة والتصورات الخاطئة عند بعض المسلمين التي تحتاج إلى تصحيح
"
أنور إبراهيم
: ماليزيا بلد متعدد عرقيا ودينيا، وصلاحية أي برنامج هنا ترتبط بقبول هذه الحقيقة. وثانيا الإسلام ليس بالنظام المنحصر على فئة لكنه شامل ويخاطب الجميع، فأنت تتحدث عن العدالة والإحسان للجميع ومساواة الجميع في الحكم وسيادة القانون. الإشكالية هنا تعود إلى الأحكام المسبقة والتصورات الخاطئة عند بعض المسلمين التي تحتاج إلى تصحيح، وفي الحقيقة واجهت الكثير من الإشكالات عبر السنوات الماضية بسبب هذه التصورات وهي تحتاج إلى جهد كبير لمعالجتها. البعض ربما اختار ترك الإسلام كليا لإثبات أنه ليبرالي وأن كل شيء جائز لإرضاء غير المسلمين ولكنني لست كذلك فأنا أؤمن بوجوب الحفاظ على الهوية الإسلامية لأن هذا اعتقادي ولا تنازل عنه، ومكمن قوة الإسلام إيمانه بالحريات وحقوق الإنسان والعدالة والمساواة في التوزيع. ما فائدة ادعاء إسلامية نظام فاسد يضطهد الناس ويمنعهم من التعبير بحرية أو من مجادلتك أو حتى الحوار معك؟ دائما نرى مثل هذه التضاربات بين إظهار أنك إسلامي لكنك غير متسامح ولا تمنح حقوق المرأة ولا توفر تعليما جيدا ولا تحارب الفساد، ونحن نستفيد في صياغة تجربتنا من أخواننا في الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية مع مواءمتها لأوضاعنا المحلية.

صهيب جاسم: إذاً أنت تؤمن بأهمية الوظيفة الدينية للدولة، ماليزيا مثلا دينها الرسمي الإسلام وأغلبية السكان مسلمون، فهل على الدولة أن تلعب دورا في الشؤون الدينية وألا تترك ذلك دون توجيه؟

أنور إبراهيم: هذا صحيح ونحن نواجه جدلية تحديد هوية دولتنا هل هي إسلامية أم علمانية. وفي رأيي علينا ألا نقع في مثل هذا التأطير الاصطلاحي في واقعنا المحلي لاختلاف الناس هنا في تعريف المفهومين فالقول بإسلامية الدول قد يعني شيئا مختلفا بالنسبة للبعض والأفضل أن نتجاوز المسميات إلى المعاني. ما نريده الحريات وسيادة القانون والحكم الرشيد والرقابة وحرية الاعتقاد واحترام معتقدات الأديان الأخرى من الهندوس والمسيحيين والبوذيين، فليس هناك تضارب بين هذه المفاهيم. إذا قلت ذلك فسيقال لي إذاً أنت علماني، ومصطلح العلمانية يتضمن حملا ثقيلا من المعاني فقد تعني فصل الدين عن الدولة وقد تعني معاداة الدين كما يحصل في تركيا مثلا حيث معاداة حتى الرموز الدينية، ولذا أنا لا أقبل بهذه العلمانية. وإذا سألتني هل أنت علماني فسأقول لك كلا لست علمانيا وقد أوضحنا للمسلمين وغير المسلمين هنا أننا لا نكره أحدا على دين ولن نهددهم بالقول إن عليكم أن تقبلوا بالإسلام وإلا ستعاقبون، لن نتبنى مثل هذا التوجه في الحكم.

صهيب جاسم: لكن البعض يقول بأنك بخطابك هذا تخطب ود الصينيين والهنود الذين تفشت بينهم مشاعر عدم رضا تجاه الحكومة وهذا ما جاء ليصب في صالح حزبك، وستجد نفسك ملزما بإرضائهم فمع أن نسبتهم من مجموع السكان تناقصت لكن مطالبهم السياسية في تزايد، فكيف ستواجه ذلك في حكم الولايات أو حتى لو وصلت بحزبك إلى الحكم المركزي؟

أنور إبراهيم: علينا أن نتعامل مع المطالب المشروعة للصينيين والهنود أو حتى للصينيين. إذا تظاهر الهندوس بسبب تدمير حكومة محلية سابقة لمعبد يزيد عمره على مائة عام بصورة غير عادلة أليس من الواجب علي أن أستجيب لهذا المطلب؟ سأتعامل مع مطلبهم هذا لأنني لا أؤمن بأن من أخلاق المسلم أن يدمر معبدا قديما دون سبب مقبول. إذا كانوا يشتكون من أوضاع معيشية متردية في المزارع ومن أنهم مهمشون ألا أتجاوب معهم؟ سأتفاعل معهم، وهل هذا يعني تهاونا في مبادئي الدينية؟ كلا، لأنني أعلم أيضا أن الكثير من المسلمين بحاجة إلى العون والمساعدة كذلك، ولكن إذا طالبوا بنفوذ سياسي قوي للغاية في الحكم فسأقول لهم إن لذلك حدودا يحددها حجم الهندوس الذين يشكلون 10% فقط من السكان، فنحن نضمن حقوقكم ونقدر بعدالة نصيبكم وتمثيلكم فإذا سعيتم لتحقيق طموحات مفرطة تزيد عن ذلك فسنرفض مثل تلك المطالب الزائدة.

صهيب جاسم: إذاً أنت لست قلقا من ضياع حقوق الملاويين المسلمين لو سعيت لإرضاء الصينيين والهنود بإلغاء البرامج الاقتصادية التي اعتبرت من امتيازات الملاويين وخصوصياتهم؟

أنور إبراهيم: بالعكس، فخطتنا التي نريد أن نرسم بها الأجندة الاقتصادية المستقبلية سنعين ونحمي المسلمين الملاويين أكثر من الخطة المعمول بها من قبل الحكومة الحالية، فمثلا إذا كان لديك عشرة مليارات دولار فبدلا من أن توزعها كمشاريع على أقرباء الوزراء فمن من الأفضل أن تحسن بهذه الأموال مستوى التعليم لكل الفئات. وكمحصلة طبيعية سيستفيد 60% من المسلمين بل قد يستفيد أكثر من 75% منهم لأنهم ينتمون إلى الطبقة الفقير، وكذلك لو أردت أن تستفيد من نفس المبلغ في تحسين المستشفيات الحكومية بدلا من توزيع مشاريع لا تفيد الفقراء، أما أغنياء الهنود والصينيين ونخبة الملاويين فيتجهون إلى المستشفيات الخاصة. ولهذا فبرنامجنا هو لصالح المسلمين أكثر من برنامج الحكومة الحالي.

صهيب جاسم: الدكتور أنور إبراهيم زعيم حزب العدالة الشعبي الماليزي المعارض أشكرك شكرا جزيلا على ما تفضلت به، والشكر موصول إليكم مشاهدينا الكرام وإلى هنا نصل إلى نهاية هذا اللقاء، وهذا صهيب جاسم يحييكم من ولاية سلانغور الماليزية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنور إبراهيم: وعليكم السلام.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة