الحصص المائية خلافات بين دول حوض النيل   
الثلاثاء 17/7/1431 هـ - الموافق 29/6/2010 م (آخر تحديث) الساعة 14:58 (مكة المكرمة)، 11:58 (غرينتش)

- موقف مصر والسودان في ظل تعنت دول المنبع
- الخيارات المتاحة أمام دولتي المصب لتسوية الأزمة

خديجة بن قنة
أيمن عبد الوهاب
سيف الدين يوسف محمد
خديجة بن قنة:
بدأ وزراء المياه في دول حوض النيل اجتماعات في العاصمة الإثيوبية وسط خلافات متصاعدة بشأن نظام توزيع حصص مياه النيل بين دول المنبع ودولتي المصب مصر والسودان، وتتزامن مناقشاتهم مع تقرير لمعهد بحثي قال"إن مصر دخلت قائمة الدول العشر الأشد عرضة لمخاطر الأمن المائي" ونتوقف مع هذا الخبر لنناقشه في عنوانين رئيسيين، ما الذي تحمله مصر والسودان لاجتماع أديس أبابا مع تمسك الأطراف المعنية بمواقفها؟ وما هي خيارات دولتي المصب لتسوية أزمة تعتبرانها تهديدا حقيقيا لأمنهما المائي والقومي؟ منذ قرون والمصريون يتوارثون المقولة الشهيرة مصر هبة النيل، حتى غدت لازمة تجري على كل لسان فنهر يروي ثمانين مليونا جدير بأن يكون سر الحياة ونقيض الموت، اليوم يجد ملف مياه النيل على ما يبدو طريقه إلى رأس الأجندة السياسية في القاهرة والخرطوم بعدما أصبحتا وجها لوجه مع أغلب دول المنبع في ضوء اتفاقية عنتيبي التي تعيد توزيع حصص أطول أنهار العالم.

[تقرير مسجل]

حجي جابر: من جديد يعود الملف الشائك لمياه النيل إلى الواجهة هذه المرة من إثيوبيا التي تستضيف اجتماعا وزاريا لدول حوض النيل بحضور ممثلين عن البنك الدولي وجهات مانحة، الاجتماع يأتي تحت عنوان مناقشة تصور مستقبلي للتعاون بين دول الحوض لكن أهميته تكمن في كونه يعقد اتفاقية عنتيبي في أوغندا منتصف الشهر الماضي وهي الاتفاقية الإطارية التي وقعتها خمس دول من أصل سبع تقع على منبع نهر النيل، الاتفاقية وقعتها كل من إثيوبيا وكينيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا مع احتمال أن تلحق بهم كل من جمهورية الكونغو وبوروندي وتنال هذه الدول بموجبها حق إقامة مشاريع وسدود على مياه النهر لكن الاتفاقية قوبلت برفض شديد من قبل مصر والسودان خوفا من تأثر حصتهما من مياه النيل، الرفض المصري يمنح اجتماع أديس أبابا أهمية أكبر، فمصر التي ترى في الاتفاقية تهديدا لأمنها المائي وإخلالا بالقانون الدولي حشدت كل قواها الدبلوماسية مع السودان لمنع تحول الاتفاقية إلى مشاريع على أرض الواقع، خاصة في ظل الدعم الذي تلقاه الاتقافية من قبل البنك الدولي وعدد من المانحين، ما حملته مصر إلى هذا الاجتماع يتلخص في دعوة دول الحوض إلى اجتماع استثنائي في القاهرة يناقش عدد من المقترحات بمثابة بدائل توافقية، أهم هذه المقترحات هي معاودة التفاوض للبحث في كيفية استغلال مياه النيل بالشكل الأمثل، كما تدعو لجعل التصويت على أي تغيير في حصص مياه النيل بالأغلبية المشروطة وليس بالأغلبية المطلقة، جهد مصر والسودان يمكن فهمه في سياق ما تمثله مياه النيل من أهمية لكليهما، فمصر تعتمد على مياه النيل بنسبة 95% فيما تظل نسبة اعتماد السودان دون الـ 80% أمام كل ذلك هل تنجح القاهرة والخرطوم في إقناع دول المنبع بالعدول عن قرارهم الانفرادي أم يكون لتلك الدول بقيادة إثيوبيا التي يعتبرها البعض رأس الحربة في الاتفاقية رأي آخر.

[نهاية التقرير المسجل]

موقف مصر والسودان في ظل تعنت دول المنبع

خديجة بن قنة: ومعنا في هذه اللحقة من القاهرة أيمن عبد الوهاب نائب رئيس تحرير التقرير الإستراتيجي في الأهرام وهو مؤلف كتابين حول قضايا المياه "السياسة المصرية تجاه دول حوض النيل" وكتاب "حوض النيل وفرص وإشكاليات التعاون" ومعنا أيضا من الخرطوم سيف الدين يوسف محمد سعيد الخبير في الموارد المائية ومؤلف كتاب "البعد الخارجي في تأجيج صراع حول مياه النيل" أرحب بضيفينا من القاهرة والخرطوم وأبدأ مباشرة من القاهرة والأستاذ أيمن عبد الوهاب، الاتفاقية طبعا اتقافية عنتيبي مازالت حبرا على ورق ولكنها تثير الكثير من المشاكل بين دول المنبع ودولتي المصب، ماذا تحمل برأيك مصر والسودان إلى اجتماعات أديس أبابا في ظل تمسك الأطراف المعنية بمواقفها؟

أيمن عبد الوهاب: يعني في الحقيقة مصر تحمل رسالة بتستند على فكرة الحوار والحوار فقط، هو المدخل للخروج من المأزق الذي تمثل في توقيع خمس دولة على اتفاقية إطارية وبالتالي تستبعد مصر والسودان، هذا المأزق في الحقيقة يعني مسؤوليته مسؤولية الطرفين سواء دول المصب أو دول المنبع وأيضا الخروج منه ستكون مسؤولية الطرفين وبالتالي هناك حرص من جانب مصر على عدم التشبث برأيها وأيضا عدم رغبة في إظهار نجاح هذه الدول في الخروج خارج التفاوض الجماعي ومن ثم تتمثل دعوة مصر في إعادة التفاوض كنوع من الخروج من المأزق الحالي لا سيما وأن أيضا الاتفاقية الإطارية تشير إلى أن هناك سنة مفتوحة للتوقيع وبالتالي هذه السنة تسمح لإعادة النظر في البنود الخلافية الثلاثة الرئيسية بين الرؤية المصرية والسودانية من جانب ورؤية دول المنابع من الجانب الآخر، أيضا هناك إشكالية يعني تسعى مصر لطرحها وهي أن مبادرة دول الحوض ستنتهي في 20/12 وبالتالي البحث عن صيغة جديدة في إطار موافقة الدول الراعية والمانحة هي مسؤولية الدول العشر الخاصة بحوض نهر النيل ولن تستطيع دول المنبع الخروج بالصيغة المقترحة من جانبها والحصول على دعم دول المنبع أو الحصول على الدول المانحة -عفوا- لتصوراتها ولكن الحجة المصرية تستند على أن الحوار والتفاوض..

خديجة بن قنة (مقاطعة): طيب أستاذ أيمن أنت تعرف أن هناك أطراف مانحة من دول مانحة وأيضا البنك الدولي مشاركة في هذه الاجتماعات، اجتماعات أديس أبابا.

أيمن عبد الوهاب: بالطبع، يعني الدول المانحة هي التي رعت المبادرة منذ بدايتها سنة 1999 وهي أيضا التي تشجع على التعاون وعلى تحقيق الاستقرار بين الدول في حوض النيل ولكن أيضا هي التي أكدت في مؤتمر الاسكندرية أنها تحرص على الاستقررا وعلى أهمية التواصل بصيغة جماعية، وبالتالي هذا الموقف ربما يميل قليلا إلى جانب الرؤية المصرية التي تؤكد على أهمية الحوار والتفاوض ومحاولة الوصول إلى صيغ توافقية تحافظ على ما طرحته المبادرة.

خديجة بن قنة: سيد أيمن دعني أنتقل إلى الدكتور سيف الدين في الخرطوم، دكتور كيف لمصر أن تتحرك الآن في هذين الاتجاهين الذين تحدث عنهما الأستاذ أيمن، اتجاه الدول المانحة والأطراف المانحة ومنها البنك الدولي وأيضا في اتجاه الدول التي لم توقع بعد على هذه الاتفاقية؟

سيف الدين يوسف محمد سعيد: في الحقيقة هو البنك الدولي والدول المانحة تدعوا إلى أن يصل الناس إلى اتفاق، وإلا إذا ما وصلوا إلى اتفاق كثيرا من المشاريع تحت المبادرة سوف تتعطل، وليس من مصلحة في أن هذه المبادرة أو هذه المشاريع التي شرع فيها أن تتعطل، ما أثير أنا حقيقة بأفتكر أنه زي ما ذكر الدكتور في القاهرة لا بد من الحوار، وبالحوار الناس ممكن يصلوا إلى اتفاق وكمية المياه الموجودة في الهضبة واللي ممكن تنزل إلى النيل ممكن أن تحل مشاكل جميع دول الحوض، صحيح إنه في تغيرات جديدة لكن بالتعاون، يعني المبادرة فيها مشاريع لتنمية الأحواض والإدار السليمة للنيل فبالتالي الاثنين دوله، البندين دول لو أتيحت لهم فرصة في المبادرة يمكن يحققوا وارد من المياه يكفي للجميع، يعني الآن اللي ما يتحدث عنه الـ 84 مليار دي يمكن أن ياتي أضعاف أضعافها بالتعاون، فلابد من الحوار والجلوس لمتابعة وتحقيق..

خديجة بن قنة: يعني أين تكمن إذاً المشكلة بالضبط، في شح المياه أم لا بالعكس في حسن إدارة واستغلال هذه المياه؟

سيف الدين يوسف محمد سعيد: هي المشكلة يمكن تكمن في إدارة المياه، المياه متوفرة يعني الموجودة الآن في الهضبات أضعاف أضعاف ما يمكن أن يصل إلى النيل.ويصل..

خديجة بن قنة (مقاطعة): طيب على من تقع مسؤولية سوء إدارة هذه الموارد؟

سيف الدين يوسف محمد سعيد: على الجميع، يعني الآن المبادرة طرحت أنه كيف تعيد دول المنبع ودول الحوض كله في أنها تدير هذا النهر إدارة سليمة يوفر كميات تكفي للجميع لكي يحقق أمنه الغذائي وهذه المشكلة يمكن هناك مشاريع..

خديجة بن قنة (مقاطعة): وهذا ما تنص عليه الاتفاقية دكتور، هذا ما تنص عليه اتفاقية عنتيبي.

سيف الدين يوسف محمد سعيد: أي نعم.

خديجة بن قنة: إذاً لماذا تعارض مصر والسودان؟

سيف الدين يوسف محمد سعيد: المعارضة تأتي من وين؟ التخوف من أن تفقد، الآن كأنه يتحدثون عن كمية المياه، عن نصيب مصر والسودان، هذه هي المشكلة، يعني الآن ما يقسم المراد إعادة تقسيمه هي نسبة مصر والسودان وهذا يصعب على مصر ويصعب على السودان، يعني أي دولة بنت مشاريع تريد أن تحافظ على مكتسباتها المائية لكي تحقق أمنها، فأي نقص يسبب مشكلة أمنية أو فقر هذه الدول مائيا. ويصعب لأي دولة..

خديجة بن قنة (مقاطعة): طيب أستاذ أيمن ما الذي يعزز هذه المواقف المصرية والسودانية من احتمال تقليص ونقص حصتي السودان ومصر من مياه النيل؟

أيمن عبد الوهاب: يعني خليني أقول إن المشكلة في الحقيقة كانت مرتبطة بالأبعاد السياسية التي أحاطت بمسألة التفاوض منذ البداية، لأن مشكلة الملف المائي هو مشكلة سياسية أكثر منها مشكلة فنية أو ترتبط بقضية المياه، كما أشرت حضرتك القضية ليست في ندرة المياه هناك كميات كبيرة جدا في الحوض أيضا مبادرة دول الحوض طرحت العديد من المشروعات التي يمكن أن تزيد حصة المياه للجميع لكن القضية ترتبط بالقوت، ترتبط بمسألة قدرات الدول فيما بينها وبعضها البعض في تنمية الموارد من حيث تستطيع  تنفيذ هذه المشاريع. القضية أيضا ترتبط بجزء نفسي كبير لدى دول المنبع، ترى في أن الاتفاقية القديمة تمس بمفهوم السيادة الوطنية لها، وبالتالي الجزء السياسي والنفسي وما يحمله الميراث التاريخي يظل عقبة رئيسية كلنا شاهدنا أثناء الانتخابات الأثيوبية كيف كان الملف حاضر في الانتخابات بشكل قوي، أيضا التصريحات التي تخرج من العديد من الدول وهنا بالتحديد وبشكل واضح إثيوبينا وأوغندا تتحدث عن مفهوم السيادة بشكل واضح جدا، القضية هنا بالنسبة لمصر والسودان تختلف، القضية ترتبط بفكرة التنمية، ترتبط بفكرة المستقبل، ترتبط بأن مصر والسودان وربما مصر أكثر طبعا ليس لديها خيارات إلا حصتها في مياه النيل، في حين أن هذه الدول تمتلك خيارات أخرى لكن إمكانياتها لا تساعدها على الاستفادة وبالتالي مبادرة دول الحوض هي مدخل لهذا الإطار ومصر تتبنى هذا الإطار التعاوني بمعنى أن التعاون ممكن أن يحقق الفادة للجميع بدون أن يحدث إضرار لمصر بشكل رئيسي لأنه بالمعايير الخاصة بعمليات التنمية أو فيما يتعلق بالأمن الإنساني بشكل عام وما يرتبط به من الأمن المائي والأمن الغذائي مصر هي الأكثر عرضة للخطر لكن من الطبيعي أنها ترتبط بكيف يمكن أن تتبنى..

خديجة بن قنة (مقاطعة): لهذا سنبحث في محورنا الثاني عن ما هي الخيارات المتاحة أمام دولتي المصب مصر والسودان لتسوية أزمة تعتبرانها تهديدا حقيقا لأمنهما المائي والقومي، سنتابع ذلك بعد وقفة قصيرة فلا تذهبوا بعيدا.

[فاصل إعلاني]

الخيارات المتاحة أمام دولتي المصب لتسوية الأزمة

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلا بكم من جديد إلى حلقتنا التي تتناول الخلافات بين دول حوض النيل على توزيع الحصص المائية ونذكر بأن مؤشر خطر الأمن المائي الصادر إذاً عن معهد ميكيل كروفت ومقره لندن أظهر أن مصر أصبحت ضمن الدول العشر الأشد عرضة للخطر في أمنها المائي. السؤال إليك أستاذ أيمن، هل دق ناقوس الخطر بالنسبة لمصر والسودان إذاً؟

أيمن عبد الوهاب: يعني بطبيعة الحال الناقوس دق منذ فترة طويلة، الحقيقة مصر دخلت حد الفقر المائي منذ ما يزيد عن عشر سنوات وبالتالي الخيارات أمام مصر في الحقيقة خيارات تستند في الأساس على المحافظة على حصتها والعمل على زيادة هذه الحصة في المستقبل كلما أمكن هذا، وبالتالي الخيارات المصرية في الحقيقة إذا جاز التعبير في الحديث عن مراحل معينة والحديث عن المرحلة الحالية فإنها ترتبط بفكرة الحوار والمفاوضات ليس لمجرد المحافظة على حصة مصر ولكن الدخول في مشروعات تعاون يمكن أن توفر لها زيادة هذه الحصة وهذا كان أيضا مطروقا من خلال مشروعات المبادرة وبالتالي مع استبعاد خيارات التصعيد لأن خيارات التصعيد في الحقيقة لم تحقق الهدف المصري الخاص بزيادة حصتها..

خديجة بن قنة (مقاطعة): سنتحدث عن ذلك فيما بعد ولكن دعني أنتقل بهذه الفكرة أستاذ أيمن إلى الدكتور سيف الدين. بالنسبة لوجود البعد الخارجي في هذه الأزمة إلى أي حد تعتقد دكتور سيف الدين أن غياب مصر أو تغيب الدول المصري في منطقة حوض النيل ترك المجال فارغا لقوى إقليمية أخرى لتلعب هذا الدور وللقوى الإسرائيلية طبعا، دولة إسرائيل لتغطي هذا الفراغ وتستغله لصالحها؟

سيف الدين يوسف محمد سعيد: هو حقيقة يمكن دي تكون إحدى المشاكل، إن هذه الدول يعني دول الحوض فيها بعض الدول عندها مشاكل فيها مجاعات، مثلا زي إثيوبيا من حين لحين تجيها مجاعات فمحتاجة لمشاريع، يعني أفتكر في فترة سابقة كان الناس ينبغي أن ينظروا إلى دول الحوض في تعامل وفي تكامل، يعني من وقت مبكر لو كان الناس انتبهت إلى دول الحوض في أنه كيف تحقق الأمن المائي لدول الحوض ومشاريعها المشروعة يمكن كنا قفلنا الطريق لمثل هذه التدخلات الآن اللي هي وجدت أرض خصبة لتبث سمومها في أنه لا بد من إعادة توزيع المياه لكي نحقق لكم أمنكم الغذائي، وهذه مقولة غير صحيحة، يعني الآن لو الجهد بذل في أنه كيف ننمي مقدرات هذا الحوض اللي الآن بيجينا 5% بس، من الـ 84% دي 5% من المصادر الموجودة اللي ممكن ترد إلى الحوض.

خديجة بن قنة: تقصد من الذي عليه هذه المسؤولية، مسؤولية تنمية حوض النيل؟

سيف الدين يوسف محمد سعيد: والله ينبغي لجميع دول الحوض الآن اللي هي في داخل المبادرة أن تجلس وتعيد للتفاوض لتنمية هذا الحوض لكي تحقق الأمن المائي للجميع وهذا حق مشروع.

خديجة بن قنة: هذا حق مشروع، طبعا هذا حق مشروع، ولكن أستاذ أيمن يعني هذه الدول دول الحوض أو أغلبها دولا فقيرة لا تمتلك المؤهلات التي تساعدها على تنمية منطقة نهر الحوض، ألم يغب الدور المصري في هذه المنطقة فاسحا المجال أمام إسرائيل؟

أيمن عبد الوهاب: يعني عايز أفرق في الحقيقة بين ملفين، فيما يتعلق بالملف المائي مصر كانت دائما حاضرة، لم تغب عن هذا الملف، ولو تتبعنا تجارب التعاون الإقليمي سواء الخاصة بالأوندوكو أو التوكونايل أو مبادرة دول الحوض سنجد أن مصر هي التي كانت تبادر وتتحرك في هذا الملف، لكن القضية أعقد من مسألة وجود أو غياب مصر، القضية هنا ترتبط بالتغيرات الدولية التي حدثت، فكرة انهيار المعسكر الشرقي والتعاون مع قوة واحدة، يعني حرص مصر على عدم التدخل في عدد من القضايا الشائكة التي تمثل نوعا من التدخل في شؤون الدول في الحقيقة أعطى الفرصة لتدخل دولا أخرى وأظهر مصر ربما كأنها لا تحرص على التحرك بالشكل الكافي ولكن أيضا في نفس الوقت هي مسؤولية مزدوجة لأن هذه الدول كما أشرت كانت تسييس ملف النيل، هذه الدول أيضا لم تكن في مراحل كبيرة تتقبل بوجود دول مصري كبير لكن في النهاية المتغيرات الدولية والإقليمية لعبت دورا حاسما في تفعيل الأطر الصراعية بشكل أكثر من الأطر التعاونية، لكن أيضا المرحلة الأخيرة وإذا جاز التحديد يعني آخر خمس سنوات كانت مؤشرات التعاون بين دول الحوض من خلال مبادرة دول الحوض، ودور الدول المانحة ساهم كثيرا في تعميق لغة الحوار والتفاوض ولكن ظلت الأبعاد السياسية عائق أمام إنجاز هذا التفاوض أو تحقيق نتيجة ملموسة..

خديجة بن قنة (مقاطعة): بالعكس ربما يرى المراقبون أن الخمس سنوات الأخيرة كانت هي السنوات التي تميزت بذروة التصعيد في هذا الملف وانتهت كما نعلم جميعا بهذا الاتفاق الأخير اتفاقية عنتيبي  التي وافقت عليها أو وقعت عليها حتى الآن خمس دول من دول حوض النيل، السؤال إليك دكتور سيف الدين، هل ما زال هناك وقت للتحرك، ألم يصبح الوقت متأخرا كثيرا لعمل مشترك بين مصر والسودان لمواجهة الأخطار المحتملة لأزمة مياه النيل الآن؟

سيف الدين يوسف محمد سعيد: بالعكس أنا أنظر لها على أنه ما زال الأمر يمكن محاصرته ويمكن الجلوس والرجوع إلى طاولة المفاوضات لأنه في فهم مشترك بأن نحقق الأمن المائي لجميع دول الحوض بحيث إنه لا توجد دولة تتضرر أو يمر بها جفاف وتعاني، فبالتالي في روح بتاع التعاون فلو جلسنا ثاني الناس جلست يمكن الوصول إلى حلول وما زال الوقت مبكر أن نصل إلى حلول، إذا أبعدنا أي طرف آخر، يعني نبعد الذين لهم أطماع في المياه، مياه الحوض.

خديجة بن قنة: طيب أنتقل في الأخير إلى القاهرة والأستاذ أيمن عبد الوهاب، طبعا تكون قد اطلعت بالتأكيد على تقرير لمجموعة الأزمات الدولية الذي صدر الشهر الماضي يقول "أزمة حوض النيل قد تتحول إلى نقطة استقطاب عسكري وسياسي" إلى أي مدى يمكن أن يشكل هذا الملف أو هذه الأزمة نقطة مواجهة بين دول المصب ودول المنبع؟

أيمن عبد الوهاب: لا، يعني أنا في الحقيقة أتحفظ على فكرة أن يكون الخيار العسكري أو التصعيد العسكري أو الأمني بشكل عام أحد المخرجات المستقبلية لأنه كما أشرت هي الفكرة الحاكمة هنا هي كيف يمكن تحقيق التعاون لتحقيق فائدة أكبر وبالتالي الدخول في تصعيد سوف يلغي فكرة التعاون المستقبلي، وأيضا الحديث في الحقيقة عن تقديرات ما بين خمسين سنة إلى مائة سنة حتى يمكن أن تؤثر هذه الدول على حصة مصر، هي أيضا في الحقيقة التقديرات تضعها بعض التقارير الدولية ولا تأخذ في الاعتبار إمكانيات إحداث نقلة نوعية في إطار التعاون، لا سيما وأن الصفقة المتكاملة التي يمكن أن تطرحها مصر والسودان وبعض الدول المانحة أيضا سوف تحقق مصالح دول المنبع. لأن الآن هي صفقة الكهرباء مع المياه وعلاقتها بمسألة الأمن الغذائي هي المعادلة التي يتم تبنيها، كيف يمكن تمويل هذه الإستراتيجية؟ كيف يمكن البناء على المشروعات بشكل تراكمي؟ هو ده التحدي الحالي لكن عايز أقول في الحقيقة بالنسبة لمسار التفاوض لو قرأنا مسار التفاوض حنجد أن كل الأفكار التي كانت مدعومة بالدول المانحة..

خديجة بن قنة (مقاطعة): ودكتور إلى أين سيتجه مسار الأزمة أيضا إذا أضفنا عامل انفصال لو حدث انفصال جنوب السودان؟ طبعا لا يكفينا الوقت لمناقشة هذه النقطة ولكن بهذا ننهي مشاهدينا هذه الحلقة من برنامج ما وراء الخبر لكم منا أطيب المنى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة