الساحة الفلسطينية، أميركا والعراق، روسيا والملف الفلسطيني والعراقي   
الجمعة 1425/4/16 هـ - الموافق 4/6/2004 م (آخر تحديث) الساعة 2:30 (مكة المكرمة)، 23:30 (غرينتش)

مقدم الحلقة:

توفيق طه

تاريخ الحلقة:

05/10/2002

- التطورات الأخيرة على الساحة الفلسطينية – الإسرائيلية
- الإصرار الأميركي على ضرب العراق في ظل المعارضة الدولية

- الموقف الروسي تجاه الملف الفلسطيني والملف العراقي

- تداعيات عودة الأطراف السودانية إلى ماشاكوس

- المعارضة الألمانية والفرنسية للسياسة الأميركية

توفيق طه: أهلاً بكم إلى هذه الجولة في (الملف الأسبوعي)، والتي أصحبكم فيها عوضاً عن الزميل جميل عازر، في هذه الجولة.

خروج أبو عمار يحسم الخلاف حول المرجعية، واستمرار محاكمة البرغوثي، بينما يتبادل (شارون) و(بن إليعازر) الاتهامات.

وإصرار الرئيس الأميركي على ضرب العراق رغم المعارضة الدولية وغياب الأدلة المقنعة.

وموسكو تستقبل شارون وأبو مازن، وتصر على إعطاء العراق فرصة لإثبات خلوه من أسلحة الدمار الشامل.

التطورات الأخيرة على الساحة الفلسطينية – الإسرائيلية

لا يرى البعض في محاكمة مروان البرغوثي (أمين سر حركة فتح في الضفة الغربية) سوى فصل من مسرحية إسرائيلية تجري فصولها في الخفاء بين جناحي حكومة الائتلاف اليمينية، فالنزاع بدأ يطفو على السطح بين أقطاب حزب العمل و(أرييل شارون) حول الموقف من الفلسطينيين ومن زعيمهم ياسر عرفات، وهو تقريباً الموقف نفسه الذي وضعوا فيه الرئيس الفلسطيني من خلال الإصرار على عدم التعامل معه قبل قيامه بإصلاح السلطة الفلسطينية إما من خلال التنحي أو تعيين رئيس للوزراء وكلا الأمرين يخفيان وراءهما محاولة واضحة للإطاحة بالقيادات التاريخية للفلسطينيين.

معاناة الفلسطينيين من أجل الانتقال للعلاج تحت
تقرير/ سمير خضر: أحياناً قد يكون الدمار الذي تلحقه آلة الحرب الإسرائيلية بالمنشآت الفلسطينية أقل حدة من الدمار النفسي، فالمباني يمكن إعادة تشييدها، والطرق يمكن إعادة تعبيدها، لكن الخصام والشقاق يصعب في الغالب تجاوزهما إلا على المدى الطويل، الحصار الذي فرضه أرييل شارون على ياسر عرفات جعله يبتعد عن كثير من أعوانه ومساعديه ومن أقرب المقربين له، هذه الوحدة تلقي أحياناً بثقلها على الساحة السياسية الفلسطينية، وتدفع بالبعض إلى افتعال أزمات عن قصد أو دون قصد، فالحديث لم يعد ينصب اليوم على ضرورة زوال الاحتلال، بل عما يُسمى بالإصلاحات في السلطة الفلسطينية، ولكلٍ تعريفه الخاص بهذه الإصلاحات، لكن أكثرها خطورة هو التعريف الأميركي الإسرائيلي الذي يرى بأن طريق الإصلاح الحقيقي يكمن في تخلي الرئيس عرفات عن السلطة أو على الأقل على جزء من صلاحياته على أن توكل هذه الصلاحيات إلى رئيس للوزراء، ويبدو أن مثل هذا المنصب بدأ يثير اهتمامات بعض الساسة الفلسطينيين رغم أن المقصود به شخص واحد فقط، محمود عباس أبو مازن، الرجل الثاني في منظمة التحرير، ورغم إنكار أبو مازن المستمر لكونه مرشحاً لمثل هذا المنصب، فإن عرفات ضاق ذرعاً بمحاولات تحجيمه من قبل واشنطن وتل أبيب معيباً في الوقت نفسه على بعض أعوانه السقوط في هذا الفخ.

وإذا كان صراع الزعامات قد بدأ يطفو على السطح في الساحة الفلسطينية، فإنه لم يتوقف يوماً داخل حكومة الائتلاف الإسرائيلية، إذ رغم مظاهر الوحدة التي تبديها هذه الحكومة، فإن أقطاب حزب العمل بدءوا يتأففون علانية من هيمنة شخصية شارون على سياسات إسرائيل، فوزير الدفاع (بنيامين بن إليعازر) لم يعد يخفي خلافاته مع شارون فيما يتعلق بسير عمليات الجيش الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، أما وزير الخارجية (شيمون بيريز)، والذي يعتبر عراب حكومة الوحدة الوطنية مع الليكود فقد بدأ يراجع حساباته، فقد بنى بيريز سمعته السياسية بكونه شريكاً في صنع السلام مع الفلسطينيين، وهذا السلام بدأ الآن يتبدد لأن شريكه الفلسطيني ياسر عرفات هو العدو اللدود لشريكه في الحكومة أرييل شارون، وأصبح بيريز اليوم مطالباً بالاختيار خاصةً مع اقتراب موعد الانتخابات داخل حزب العمل استعداداً للانتخابات العامة بعد عام، فهذه الانتخابات ستكون الأكثر تأثيراً بما يجري على الساحة الفلسطينية، وما محاكمة مروان البرغوثي إلا فصل من فصول مسرحية سياسية يحاول كل طرف الإفادة منها قدر الإمكان.

الإصرار الأميركي على ضرب العراق في ظل المعارضة الدولية

توفيق طه: يثير الإصرار الأميركي على إسقاط حكم الرئيس العراقي صدام حسين أكثر من تساؤل، ففي سنة الانتخابات النصفية هذه يبدو أن الرئيس الأميركي الذي عجزت قواته في أفغانستان عن اعتقال أسامة بن لادن والملا محمد عمر، يحتاج إلى انتصار ضخم على بلد بحجم العراق، الذي أفلحت الآلة الإعلامية الغربية في شيطنته وتضخيم إمكانياته، لعل ذلك يفلح في تحسين حظوظ الحزب الجمهوي، من جهته ينفي العراق امتلاكه أسلحة دمار شامل، ويعلن عن تعاونه غير المسبوق وغير المشروط مع المفتشين الدوليين، لكن يبدو أن واشنطن تأبى إلا أن تقتطع رطل اللحم العراقي، وتريد إقناع العالم بأنها ستفعل ذلك بإنسانية بالغة ودون إراقة الكثير من الدماء.

التهديدات الأميركية بضرب العراق
تقرير/ حسن إبراهيم: من يصنع القرار في واشنطن، أهو الرئيس (جورج بوش) وطاقمه أم الكونجرس بمجلسي النواب والشيوخ؟ من الواضح أن الرئيس الأميركي اضطر إلى مهادنة ا لحزب الديمقراطي بعد أن كان اتهم قياداته بعدم الاكتراث بأمن البلاد ليمرر قرار الكونجرس الذي فوضه باستخدام القوة ضد العراق، لكن القرار لم يكن تفويضاً مطلقاً، بل أتى مشروطاً بخرق العراق لقرارات الأمم المتحدة خاصةً تلك التي تتعلق بأسلحة الدمار الشامل، وتتباين الآراء والتوقعات حول ما ستتخذه واشنطن من إجراءات، فالغالبية العظمى من المحللين يرجحون ضربة أميركية للعراق، لكنهم يختلفون حول قوة الضربة ومداها وتوقيتها، فمن قائل إن الضربة ستكون مكثفة وقائية وخاطفة، تتخلص من الرئيس العراقي بدون حرب طويلة تثير الرأي العام العالمي بسبب الخسائر البشرية الهائلة المتوقعة، ثم يعقب ذلك تنصيب رئيس من داخل المؤسسة العسكرية ليقود العراق في الفترة الانتقالية التي ستعقب إسقاط حكم الرئيس صدام حسين، ويرد آخرون بأن طبيعة العراق وأسلوب تخندق الجيش العراقي والرفض العراقي بتغيير يأتي من الخارج سيجعلان من العملية الخاطفة عديمة الجدوى خاصة إن لجأت القيادة العراقية إلى أسلوب الاختباء وسط الجماهير، وهو ما يعني حرب استنزاف طويلة ومعارك تدور من شارع إلى شارع وخندق إلى خندق ومنزل إلى منزل، أي بلغة الأرقام مذبحة كارثية الأبعاد، ربما ستجر المنطقة بأكملها إلى دوامة عنف لا نهائية، بعض المراقبين يعتقدون أن الحرب لن تقوم، وأن التصعيد الحالي المقصود منه إشغال الناخب الأميركي عن إخفاق القوات الأميركية في أفغانستان في اعتقال أو قتل أسامة بن لادن أو الملا محمد عمر.

ومن المعلوم أن انتخابات منتصف الفترة على الأبواب، ورغم أحداث سبتمبر وارتفاع شعبية الرئيس الأميركي إلا أن أي اهتزاز في صورة بوش سينعكس سلبياً على أداء الحزب الجمهوري انتخابياً، لكن هل يخوض رئيس أكبر دولة عظمى الحرب من أجل الانتخابات فقط؟ كثيرون لا يستبعدون ذلك، لكن شواهد التاريخ حتى القريبة منه تنبؤنا أن الانتصار في الحروب لا يعني تلقائياً الفوز في صناديق الاقتراع، فبوش الأب عجز عن الفوز بفترة رئاسية ثانية عام 92 رغم خروجه منتصراً في حرب الخليج، لذا فقد لا يضمن بوش الابن فوز حزبه في انتخابات الفترة النصفية، لكن عينه –لاشك- تركز على عام 2004 أملاً في الفوز بفترة رئاسية ثانية، ومن هنا يرجح المحللون أن التصعيد الحالي لابد وأن يقود إلى ضربة ضد العراق مهما كلفت الخسائر، لكن البعض يقول إن إسقاط الرئيس العراقي في حرب خاطفة أو طويلة ليس المشكلة، بل المشكلة هي اليوم الثاني ما بعد إسقاط النظام، فالبعض يخشى أن تتحول الولايات المتحدة إلى جيش احتلال لواحدة من أكثر بلاد الأرض تعقيداً، فهل استعد بوش لذلك الاحتمال؟

الموقف الروسي تجاه الملف الفلسطيني والملف العراقي

توفيق طه: وإلى موسكو يتوالى وصول الضيوف الذي يخطبون ود الكريملين، بعضهم كرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون يريد إقناع روسيا بالتخلي عن دعمها للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، لكن موسكو استمعت له كما استمعت إلى محمود عباس أبو مازن الذي وصل بعد مغادرة شارون للتنسيق مع روسيا حول سبل رد العدوان الإسرائيلي وللتنسيق حول جهود السلام في ظل تعنت شارون.

أما في الملف العراقي فتصر روسيا على أنه لا عمل عسكرياً ضد العراق إلا إن رفض التعاون مع المفتشين الدوليين بل وتريد موسكو إضافة بند إلى أي قرار جديد يرفع العقوبات عن بغداد إن هي استجابت لجميع شروط مجلس الأمن.

تصريح وزير الخارجية الروسي تجاه محاولة الاعتداء على العراق
تقرير/أكرم خزام: مجيء شارون إلى العاصمة الروسية حمل في طياته دوافع عديدة تبدأ بمحاولة إقناع الروس التخلي عن فكرة أن عرفات يعتبر الرمز الفلسطيني الشرعي وتمر بعرض الأدلة على تورط صدام حسين بتقديم الدعم للإرهابيين الفلسطينيين –حسب زعمه- وتنتهي بنصح القيادة الروسية بالتخلي عن إيران وسوريا، لأن ذلك يزعج ليس إسرائيل فحسب، وإنما الولايات المتحدة، على أن دوافع رئيس الحكومة الإسرائيلية ارتطمت بلاءات روسية جوهرها ضرورة الابتعاد عن التهم غير المستندة إلى أدلة دامغة والعمل على تنفيذ خطة الرباعي المتمثلة بتسوية تقوم على خطط مرحلية لثلاثة أعوام تنتهي بإعلان الدولة الفلسطينية، ناهيك عن ضرورة البدء بتحريك المسارين الإسرائيلي – السوري، والإسرائيلي – اللبناني، ولهذه الأغراض فتحت العاصمة الروسية أبوابها لمحمود عباس بعد يوم من رحيل شارون عنها، لمعرفة الحقائق الدقيقة عما يجري داخل البيت الفلسطيني القيادي ووضع ترتيبات تساعد على منع الأعمال التي تستهدف السكان المدنيين في إسرائيل بهدف سد الطريق على تصريحات إسرائيلية بأنه لا يمكن التفاوض مع الداعمين للإرهاب الفلسطيني، حسب تلك التصريحات.

عراقياً، ردت موسكو على شارون وعلى البيت الأبيض الأميركي بضرورة احترام الشرعية الدولية التي تنطلق أولاً وأخيراً من مجلس الأمن الدولي، رافضة بشكل قاطع أي عمل عسكري ضد العراق دون تفويض من مجلس الأمن مع التأكيد على إفساح المجال لعودة سريعة للمفتشين الدوليين إلى بغداد، هذا الرد الرسمي الروسي بشأن العراق يستند إلى التفاف اللوبي النفطي الروسي متحالفاً مع القوى الشعبية المتمثلة بالبرلمان الروسي حول فكرة مفادها أن العراق لا يشكل نقطة مصالح اقتصادية لروسيا فحسب، وإنما بؤرة للمصالح الجيوسياسية الروسية تشمل منطقة الخليج وإيران.

الخطاب السياسي الروسي يركز في الآونة الأخيرة على فكرة أساسية تتمثل بضرورة الاحتكام إلى مجلس الأمن الدولي في كل شاردة وواردة، وهو في ذلك يحارب ضمناً فكرة سياسة القطب الواحد التي تتبعها الولايات المتحدة سواء بحق العراق أو بحق التسوية الشرق أوسطية.

أكرم خزام – الجزيرة – برنامج الملف الأسبوعي – موسكو.

توفيق طه: ومن قناة (الجزيرة) في قطر نواصل وإياكم هذه الجولة في (الملف الأسبوعي) وفيها أيضاً بعد الفاصل:

هل تُحقن دماء السودانيين؟ ومن الذي أقنعهم بالعودة إلى ماشاكوس؟!

[فاصل إعلاني]

تداعيات عودة الأطراف السودانية إلى ماشاكوس

توفيق طه: المصائب لا تأتي فرادى في السودان، فقد توالت هجمات الجيش الشعبي لتحرير السودان جنوباً وهجمات التحالف الوطني الديمقراطي المعارض شرقاً، ويبدو أن الحكومة السودانية توزع الاتهامات على جيرانها، فشرقاً تتهم الحكومة السودانية إريتريا بدعم هجوم التجمع الوطني على مدينة (هماشكوريب) وهو ما تنفيه إريتريا، أما هجمات الجنوب فلم تتهم الحكومة السودانية أوغندا صراحة بدعمها، لكن بعض الصحف السودانية المستقلة قال إن الطائرات الأوغندية نقلت بعض مقاتلي الجيش الشعبي.

إلا أن السودانيين بمختلف مواقعهم وفصائلهم يوجهون وجوههم صوب واشنطن هذه الأيام، فهي صاحبة المبادرة وهي القوة التي ضغطت على الطرفين حتى قررا العودة إلى طاولة المفاوضات رغم سفك الدماء المستمر.

وفد الحكومة السودانية في مفاوضات نيروبي
تقرير/ حسن إبراهيم: يبدو أن الولايات المتحدة قد حرَّكت عصاها السحرية مرة أخرى، فعاد الفرقاء إلى طاولة المفاوضات وأعلنا عن هدنة بينهما حتى موعد استئناف المفاوضات في الرابع عشر من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، بل وعبر بعض المسؤولين في الحكومة السودانية عن ثقتهم الكاملة في نوايا الحركة الشعبية لتحرير السودان الصادقة تجاه الحل السلمي، يأتي كل هذا بعد زيارة مبعوث الرئيس الكيني (دانيال أراموي) للخرطوم التي أتت كطوق نجاة للحكومة التي أثخنتها الجراح بعد سقوط (توريت) في أقصى الجنوب على يد الجيش الشعبي لتحرير السودان، ثم تلا ذلك ما أعلنه التجمع الوطني الديمقراطي عن سقوط مدينة (هماشكوريب) قرب مدينة (كسلا) كبرى مدن شرق السودان.

ويبدو أن حكومة الخرطوم فهمت الرسالة الأميركية جيداً، لا مناص من العودة إلى طاولة المفاوضات وإلا فلن يرتاح الجيش السوداني ولا متطوعوه، فمعظم الدول المحيطة بأماكن التمرد في السودان تعتبر مناطق نفوذ أميركي، ويمكن للولايات المتحدة تأليبها على السودان إن قررت الحكومة السودانية المضي قدماً في حملتها لتحرير توريت بالقوة كما هدد الرئيس البشير إثر احتلال قوات (جارانج) لها أثناء الجولة الثانية من المفاوضات في مدينة ماشاكوس الكينية، وهو ما دفع الحكومة للانسحاب من المفاوضات في الثاني من سبتمبر/ أيلول معلنة القوة خياراً ورمى الرئيس البشير الحركة الشعبية بالخيانة، وكان الجيش الشعبي قد تقدم يوم السابع والعشرين من سبتمبر/ أيلول الجاري بمشروع هدنة يحتوي على وقف لإطلاق النار وبداية المفاوضات وعدم مناقشة نقاط تم الاتفاق عليها بين الجانبين.

وتلكأت الحكومة في الاستجابة لهدنة الجيش الشعبي رغم أنها رحبت بها، وصعد الجيش السوداني من عملياته أملاً في استعادة توريت قبل بدء المفاوضات، بل وأوقفت الحكومة السودانية عملية شريان الحياة أملاً في تجويع المتواجدين في المناطق التي يسيطر عليها الجيش الشعبي لتحرير السودان، إلا أن الحكومة السودانية تتهم منظمات الإغاثة الغربية باستخدام طائرات الإغاثة لنقل الأسلحة للجيش الشعبي لتحرير السودان، فبعد 19 عاماً من الحرب المتواصلة، لم تعد الزراعة ممكنة بسبب القتال والألغام والأمراض وانعدام الأمن وأضحت طائرات برنامج شريان الحياة مصدر العيش الوحيد لملايين ممن تبقوا من سكان جنوب السودان، لكن توريت هدف صعب، والجيش الشعبي يخوض حرب عصابات استنزافية مكنته من النفاذ عبر طوق الحراسة المحكم الذي تضربه الحكومة حول مناطق تصدير النفط، وخط الأنابيب، وهكذا تمكنت قوات الحركة من تنفيذ عمليات قرب حقل (هيدليت) النفطي.

لكل هذا الاستنزاف والدمار لم تستطع واشنطن إلا أن تتدخل بقوة عبر منظمة الإيجاد، وتعيد الطرفين إلى ماشاكوس ويبدو أن مثلث الهوية والنفط وتقرير المصير مازال يشكل أركان المعضلة السودانية، ولن يتحقق سلام ما لم يتم التوصل إلى حل يتراضى عليه الجميع.

توفيق طه: وللتعليق على تداعيات عودة الأطراف السودانية إلى طاولة المفاوضات في مدينة ماشاكوس الكينية، معنا من لندن عبر الأقمار الصناعية المحبوب عبد السلام المحبوب (مسؤول الإعلام في المؤتمر الشعبي الوطني المعارض).

سيد المحبوب، ما هو الموقف الآن على الجبهتين الشرقية والجنوبية؟

المحبوب عبد السلام المحبوب (المؤتمر الشعبي الوطني): واقع الأمر أن الجبهة الشرقية تتضارب فيها الأقوال بين إعلانات من الحركة الشعبية باحتلال ثماني حاميات أو تسع، وإنكار من الحكومة أن هذه الحاميات ما تزال تحت سيطرتها، لكن الحكومة لا تسطر من قناة واحدة، فبينما يؤكد ذلك القيادات في الخرطوم، يؤكد والي كسلا أن المناوشات اقتربت من المدينة على نحو 40 كيلو، وأن الموقف في جنوب السودان خاصة حول توريت تنبئ عنه عشرات الجرحى الذين يفدون إلى مستشفيات الخرطوم والإعلان عن الشهداء إثر الشهداء في مختلف القطاعات القوات المسلحة أو غير ذلك من قطاعات الخدمة الوطنية أو الدفاع الشعبي.

توفيق طه: نعم، لكن ما مدى جدية الاتهامات إلى إريتريا وأوغندا بدعم المعارضين لنقل في تلك الجبهات؟

المحبوب عبد السلام المحبوب: الخروج، فلنعد إلى الخروج الأول من المفاوضات نفسه لم يكن بسبب هذه المعارك، ولا بسبب تدخل دول.. دول الجوار، الخروج الأول من المفاوضات كان بسبب أن الحكومة لم تذهب إلى هذه المفاوضات بمنهج ولا برؤية استراتيجية، ولكن كانت توريت حيلة خلصت الحكومة من.. من المقترح الذي كان يحتوي على صلاحيات لقائد الحركة الشعبية، تعطيه نصف السلطة وتعطيه حق الفيتو على معظم قرارات الرئيس وبالتالي تخل بالمعادلة الداخلية، أما الاتهامات التي تلقى الآن جزافاً على دول الجوار، هذا ما اعتاد عليه نظام الخرطوم.

توفيق طه: نعم، الآن يعني الحديث عن العودة إلى المفاوضات في ماشاكوس يترافق مع تصعيد عسكري في الجنوب والشرق، يعني هل ترى رابطاً بين.. بين الأمرين وما هو الهدف الذي تراه لهذه.. لهذا التصعيد؟

المحبوب عبد السلام المحبوب: كان ينبغي أن يمضي الناس في سيرة ماشاكوس الأولى بعد التوقيع على البروتوكول الذي احتوى على القضايا الأساسية الخطيرة، ولكن عندما جيء إلى تقسيم السلطة وهذا هو مقتل النظام في الخرطوم لم يستطع أن يحتمل وضع يضعه أمام انتخابات بعد عام ونصف بعد 18 شهراً، كما ذكر المقترح الذي تقدم به الوسطاء، فجاءت توريت برداً وسلاماً على أقطاب النظام المتصارعين، الرئيس لم يكن له مشكلة في أن يمضي مع ماشاكوس حتى إن أدت إلى هذا التقسيم للسلطة بينه وبين الحركة الشعبية، لكن نائب الرئيس والجهات المسيطرة على القرار في الخرطوم والتي تأبى أن تُمَس هذه السيطرة أي.. أي على أي مستوى رفضت ذلك، فالتصعيد يصب في خانة هذا المحور من محاور النظام السوداني الذي رأى أن هنالك محور آخر يمثله مستشار الرئيس للسلام الذي حاول أن يمضي كذلك بهذا المشروع.

توفيق طه: نعم، لكن يعني الحكومة وافقت على استئناف المفاوضات في.. في ماشاكوس، إذن يعني أنت تشكك في جدية الحكومة أم إن هناك شروطاً جديدة لاستئناف هذا المفاوضات؟

المحبوب عبد السلام المحبوب: كما قلت أن الخروج لم يكن برؤية ولا بمنهج ولا لسبب استراتيجي، ولكن كان بسبب منازعات السلطة، والدماء التي سفكت في جنوب السودان وفي شرقه هي.. هي تلبية لرغبة شخص أو شخصين أو ثلاثة أو بضع أشخاص في النظام، يريدون أن يسيطروا على كل شيء، الحكومة تعود مرغمة لأن كل التعبئة التي قامت بها، وكان المراقبون ينظرون إلى تصريحات كبار المسؤولين بالضرب في كل الجهات إلى أنها زوبعة في فنجان ريثما ترفع العصاة الأميركية ويعود النظام إلى طاولة المفاوضات وهو صاغر، وهذا هو الذي حدث.

توفيق طه: نعم، يعني الحكومة تعود مرغمة ودون رغبة جدية إذا.. إذا أمكننا أن نقتبس منك، لكن يعني من الذي يرغمها، هل هناك دور لضغط خارجي في ذلك؟

المحبوب عبد السلام المحبوب: الذي يرغم الحكومة هو الضغط الأميركي تحديداً وبقية الوسطاء خاصة من الدول الترويكا التي تشمل المجموعة الأوروبية ولكن الحكومة كان بإمكانها أن تستجيب حتى لرغبة الطرف الآخر الذي يحاورها وهو الحركة الشعبية وتتسع بهذا الموضوع الخطير الذي يهم جميع السودانيين، وأن تشمل هذه المفاوضات كل القوى السياسية، عندئذ يمكن للقوى السياسية، حتى أن تواجه هذا المقترح الذي تأباه الحكومة والذي طرأ فيه أنه يضع فيتو من الجنوبيين على كل قرار يصدر في الشمال، كان يمكن للحكومة أن تصل إلى.. إلى هذا القرار لو قبلت بأن تبسط الساحة لموضوع خطير مثل موضوع السلام، ولا تدعه موضوع للمنازعات الصغيرة بين وزير الخارجية وبين مستشار السلام، وبين نائب الرئيس ومجموعته الأمنية والعسكرية التي تريد أن تسيطر على كل شيء، فلا سبيل إلى السلام إلا بأن تبسط الساحة لكل القوى السياسية السودانية.

توفيق طه: نعم، هل ترى أن المفاوضات هذه المرة ستكون مدعومة من كل القوى السياسية السودانية؟ أنتم في المؤتمر الشعبي الوطني مثلاً ما هو موقفكم من هذه المفاوضات اليوم؟

المحبوب عبد السلام المحبوب: المفاوضات حتى الآن هي تسير في نفس المنهج الذي سارت عليه في المرة الأولى، وهي لذلك عرضة لأي اضطراب ولأي انهيار، نحن في المؤتمر الشعبي أكدنا أننا نحن الذين بدأنا مسار السلام، ومازال الدكتور الترابي في المعتقل، لأنه وقَّع مذكرة سلام مع الحركة الشعبية، تزور الحكومة وتقول أن المذكرة كانت مذكرة لإسقاط النظام، ولكن هذه حيلة أخرى، كما يحتالون الآن على ماشاكوس بموضوع توريت.

توفيق طه: نعم، المحبوب عبد السلام المحبوب (مسؤول الإعلام في المؤتمر الشعبي الوطني المعارض في لندن) شكراً لك.

المعارضة الألمانية والفرنسية للسياسة الأميركية

ربما لم يكن صانعو القرار في واشنطن يتوقعون هذه الوقفة القوية من ألمانيا وفرنسا ضد السياسة الأميركية، التي لا تجد كثيراً من الأصدقاء هذه الأيام، اللهم إلا إذا استثنينا رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير) الذي يحاول جاهداً إقناع أعضاء حزبه، والناخبين البريطانيين بعامة بالخطر الداهم الذي يمثله العراق، ولا يستطيع كثيرون في هذا العالم تفسير تهويل (بلير) للخطر العراقي إلا من قبيل المحاباة الكاملة للسياسة الأميركية، أما ألمانيا وفرنسا فربما تريدان استعادة شيء من استقلالية القرار الأوروبي التي انتزعتها واشنطن منذ الحرب العالمية الثانية، لكن العبرة بالخواتيم، كما يقولون، ولا يُعرف إلى متى ستصمد فرنسا وألمانيا في وجه امتعاض واشنطن من الصوت الأوروبي الجديد.

الرئيس الفرنسي جاك شيراك
تقرير/ جيان اليعقوبي: " الانتقام طبق من الأفضل أن يؤكل بارداً"، حكمة صينية قديمة يطبقها الفرنسيون والألمان هذه الأيام بنجاح باهر بعد أن نجحوا في عرقلة النوايا الأميركية، بمنحهم صكاً على بياض بضرب العراق وتغيير النظام الحاكم، وبغض النظر عن الأسباب الأخلاقية التي تسوقها بون وباريس، والتي لا تصمد طويلاً أمام أي اختبار بسيط، فلم توجد حتى الآن سلطة سياسية تحركها الأخلاق أو مشاعر الشفقة، فلو كان الأمر كذلك لكان العالم قد عاش في جنة من الطمأنينة والسلام منذ عقود طويلة.

حقيقة الأمر أن الأوروبيين فقدوا منذ عقود طويلة سلطة القرار السياسي في الشؤون العالمية، ووصل الأمر في العقد الأخير أنهم فقدوا حتى حق اتخاذ القرارات فيما يخص مشاكل قارتهم، فقد قادت واشنطن الحروب في منطقة البلقان، ولم يُسمع من الأوروبيين حتى همسة احتجاج، وحتى حين نشب الخلاف الإسباني المغربي الشهير قبل شهرين حول جزيرة ليلى لم يحسم الأمر سوى مكالمة هاتفية من (كولن باول) إلى نظيريه الأسباني والمغربي، وبقيت أوروبا تتفرج طيلة أيام النزاع بدون حول ولا قوة، ولهذا تبدو الفرصة سانحة الآن كي يقول هذان البلدان الأوروبيان العريقان إنهما لن يكررا فعل سلفيهما عام 90 حين وقف الرئيس الفرنسي (فرانسو ميتيران) والمستشار الألماني السابق (هيلمت كول) وراء جورج بوش الأب في حرب الخليج الأولى بدون قيد أو شرط، ولكن هل تستطيع ألمانيا بالذات أن تذهب بعيداً في قرارها الخارجي المستقل فيما يبدو أنه أول اختبار حقيقي لها منذ أن دكت قوات الحلفاء مبنى المستشارية في برلين منذ 57 عاماً، فقد سارع (شرودر) بعد انتهاء الانتخابات إلى إبعاد وزيرة العدل من تشكيلة الحكومة الجديدة، وقصد لندن قبل أيام للقاء توني بلير في إشارة فسرها المراقبون بأنها رسالة إلى واشنطن مفادها أن اختلاف الرأي في مسألة العراق يجب أن لا يفسد للود قضية.

أما باريس الديجولية تحت زعامة (شيراك) فهي تحاول استعادة أمجاد الماضي حين كانت سيدة أوروبا المهيبة الجانب، ولكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه، فالواقع يقول إن كل الذي خرجت به فرنسا من الحرب العالمية الثانية هو مقعد في مجلس الأمن تدين لنيله إلى قوات الحلفاء التي حررت عاصمتها الجميلة من الاحتلال النازي، ومنذ ذلك الوقت تحاول باريس جاهدة أن لا تضيع هيبتها تحت أقدام الكاوبوي الغاضب الذي بدأ يكشر عن أنيابه بنفاذ صبر واضح في انتظار ما يعتبره شكليات سخيفة في مجلس الأمن، لن تقدم أو تؤخر خطوة في القرار الذي تم حسمه في واشنطن، وأن الجميع في نهاية المطاف سينضوي تحت المظلة الأميركية عندما يحين الجد وتتحدد ساعة الصفر.

توفيق طه: بهذا مشاهدينا الكرام نختتم جولتنا في (الملف الأسبوعي)، ونذكر حضراتكم بأن بإمكانكم الوصول إلى مضمون هذه الحلقة بالنص والصورة والصوت في موقع (الجزيرة نت) في الشبكة المعلوماتية الإنترنت.

وسنعود في مثل هذا الموعد بعد سبعة أيام –إن شاء الله- لنفتح ملفاً جديداً لأهم الأحداث الأسبوع القادم من قناة (الجزيرة) في قطر.

تحية لكم من فريق البرنامج، وهذا توفيق طه يستودعكم الله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة