أبو يعرب المرزوقي.. إعادة الفلسفة لسيرتها الأولى ج1   
الخميس 17/9/1426 هـ - الموافق 20/10/2005 م (آخر تحديث) الساعة 15:59 (مكة المكرمة)، 12:59 (غرينتش)

- تحري الصرامة النسقية والبحث في مفهوم السببية
- التخصص في الفلسفة، دور المثقف، استعادة الهوى القديم


مالك التريكي: بينما يبدو معظم الفكر العربي المعاصر أسيرا لسؤال وحيد هو سؤال النهضة يُقلبه على شتى الوجوه يغزل الدكتور أبو يعرب المرزوقي غزلا دقيقا على غير سابق مثال، فيعيد الفلسفة سيرتها الأولى باعتبارها الاطلاع المعرفي بأسئلة الوجود الإنساني بإطلاق بحيث أنك كلما ولجت نصوصه الفلسفية خرجت من ضيق الاعتبارات الظرفية إلى سعة المسائل الكلية التي تتحقق بعلاجها أسمى شروط المنزلة الإنسانية. وبينما يقول معظم الفكر العربي المعاصر باستحالة التعويل على الفكر العربي الوسيط في محاولة بناء فلسفة عربية جديدة يقف أبو يعرب المرزوقي بضعا من المواقف الثقافية وذلك بثباته على القول بوجوب البدء من حيث انتهى ابن تيمية وابن خلدون اللذان يصفهما بأنهما أكثر حداثة من جُل المفكرين العرب المعاصرين، إذ أنه حاول في عودته إلى أفلاطون وأرسطو معين الفكر الكوني قديمه وحديثه حاول أن يثبت أن ابن خلدون قد حقق التجاوز النقدي لمفهومي التاريخ والقيمة الأفلاطونيين وأن ابن تيمية قد حقق التجاوز النقدي لمفهومي المنطق والوجود الأرسطيين فكان علمهما فتحا لأفق مبين يُمكّن المسلمين من استئناف دورهم في التاريخ الكوني، ذلك أن هذا المفكر الذي يسعى للحقيقة سعيها والذي بدأ مساره الفكري أوائل الستينيات بأزمة وجدانية ناجمة عن اليأس من ابن رشد ومن هيغل وعما بدا من مصداقة الزعامات السياسية العربية على حكم هيغل بإخراج الإسلام من التاريخ قد انتهى إلى الإيمان الجريء بالوحدة العميقة بين الفكر الديني والفكر الفلسفي والإيمان بوحدة موضوع التجربة الدينية والتجربة الفنية في علاقتهما بالعدل الإلهي. وإذا كان ما يميز المُنجَز الفلسفي للمرزوقي هو بلوغ جدة الطرح النظري عنده منزلة الإبداع الفني فإن ما يميز أسلوبه الكتابي في النصوص الفلسفية وحتى في المقالات الإعلامية هو الحرص على الوضوح المنهجي والصرامة النسقية.


تحري الصرامة النسقية والبحث في مفهوم السببية

أبو يعرب المرزوقي: هو كل كتابة نسقية وإنما نسقها قد يكون مضمر وقد يكون صريح وأنا أفضل أن تكون النسقية صريحة حتى يكون الحوار إما مع القارئ أو مع من يرد على الكتابة حوار مبني على المقدمات المُسلَّمة التي بُني عليها العلاج، حيث أنا لا أتصور أن الكتابة يمكن أن لا تكون نسقية ممكن أن تكون نسقية صريحة أو نسقية مضمر فيها المقدمات. ولهذا السبب حافظت على نفس الأسلوب الذي أكتب به في الكتابات الفلسفية في الكتابات التي تعالج الشأن اليومي العادي الحضارة العربية الإسلامية فضلا على أن البُعد بين العلاج النظري والعلاج المباشر للحدث هو بُعد لا يتناسب مع النظرية الفاعلة، النظرية المؤثرة، النظرية المؤثرة ينبغي أن تكون في نفس الوقت محافظة على بعدها النظري وتضيف إليها ما يسمى بالتعيين للنظرية في الحدث الذي تحلله. وربما هذا ناتج عن تأثري بأرطسو في كتاباته الخُلُقية التي هي كتابات نسقية ولكنها تعالج قضايا عملية وكذلك ربما متأثر باهتمامي الأساسي في البداية بالرياضيات اليونانية والكتابات الإقليدية كلها كتابات نسقية.

مالك التريكي: طبعا ذكرت أرسطو وتأثرك بأرسطو قبل ذلك في منشوراتك على الأقل منشور من كتبك كان كتاب مفهوم السببية عند الغزالي الغريب أن ما هو معروف عند الجمهور العام عن الغزالي أنه ينفي السببية أنت أتيت إليه عن طريق مفهوم السببية.

أبو يعرب المرزوقي: في الحقيقة الغزالي لم يكن بداية هو كان نهاية في أزمة في نفس الوقت فلسفية ووجدانية، يعني أنا شخصيا انتهيت إلى الغزالي بعد اليأس من هيغل يعني كنت مهتم أساسا بالفكر الألماني ومهتم بهيغل ولكن وأيضا لم أطلع على الغزالي قبل ابن رشد، يعني أول كتابة كتبتها في الجامعة في مجلة يتيمة خرج منها عدد واحد كان حول الكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد الغزالي كان المخرج من مأزق نتج عن دراسة ابن رشد وهيغل. وهذا المخرج في الحقيقة كان مخرج من أزمة شبه وجدانية عشتها في بنزرت لما حضر المرحوم جمال عبد الناصر والحبيب بورقيبة وبن بلا، فأنا كنت معجب كثير الإعجاب ببورقيبة وبعبد الناصر وفي نفس الوقت كنت ثائر على اعتبارهما الماضي العربي بالنسبة إلى بورقيبة والنهضة الإسلامية بالنسبة لجمال عبد الناصر وكأنها من الماضي الذي لم يعد ذا فعالية هذا ما كان يجعلني في نفس الوقت عندي إعجاب بهما ونوع من الثورة عليهما إلى أن تكلم بن بلا، الذي حسب رأيي قال كلام قد لا يكون مدركا لمداه في نفس الشباب.. في ذلك الوقت قال ثلاثة كلمات كررها ثلاث مرات نحن عرب.. نحن عرب.. نحن عرب ولما يقول إنسان من المغرب العربي نحن عرب هو يقصد نحن مسلمين لا يقصد نحن عرب بالمعنى الإثني، فهذا زعيم يمثل بلد بالنسبة إليه حرب التحرير هي استعادة هوية. وهناك زعيم بالنسبة إليه حرب التحرير هي استعادة دولة.. بورقيبة وبالنسبة إلى جمال عبد الناصر هي استعادة زعامة مصر حيث أنه الحلقات الثلاث التي ذكرها لم يرد فيها ذكر الإسلام وإنما مصر العروبة وإفريقيا فهناك حيرة في هذا الموضوع إضافة إلي فيما بعد حيرة بين ابن رشد وهيغل هيغل يقول الإسلام انتهى من التاريخ.

مالك التريكي: قبل أن نأتي دكتور المرزوقي إلى العلاقة بين هيغل وابن رشد والغزالي لابد أن نذكر أن بنزرت كانت المدينة الشمالية التونسية التي لم يُرد الاستعمار الفرنسي أن يخرج منها حتى بعد أن خرج من بقية التراب التونسي وأنها حُررت بعد قتال وقد أتى عبد الناصر بمناسبة الاحتفال بالتحرير..

أبو يعرب المرزوقي: بمناسبة التحرير يعني في 15 أكتوبر سنة 1963 هذا حدث..

مالك التريكي [مقاطعاً]: يسمى الجلاء.

أبو يعرب المرزوقي [متابعاً]: عيد الجلاء، هيغل في آخر الفصل الذي خصصه للإسلام في فلسفة التاريخ من الباب الرابع عالم الجرماني يقول الإسلام خرج من التاريخ، يعني كأن الزعماء العرب الذين اعتبروا الإسلام من الماضي يعملون بمقولة هيغل، ثم إن هيغل في فلسفة الدين يعتبر آخر أديان التجلي الربوبي هو المسيحية بحيث يلغي الإسلام من تاريخ الأديان، ثم في كتاب فلسفة الفن يهتم يحاول أن يؤول أعمال غوتا في علاقتها ديوان الشرق في علاقتها بالشعر الإسلامي ونحصر فهم غوتا للشعر الإسلامي في تأثره بحافظ وبالشعر الصوفي في حين أن هاينا عندما كتب عن عمل غوتا الإبداعي الأساسي بين أن غوتا أدرك أهمية ربط الدور الإسلامي بالقيام الأخروية بالحياة الدنيوية بحيث أوّلها تأويل آخر. والمعلوم أن غوتا اهتم أساسا بالشعر الجاهلي.. بحيث صرت يائس من فهم هيغل لتاريخ الإسلام ويائس من رد ابن رشد على الغزالي وأنا لم أقرأ بعد عن الغزالي فصرت أبحث عن من يمكن أن يمثل مخرج من هذه الأزمة فكان عنوان إحياء علوم الدين بالنسبة إلي هو المخرج إحياء علوم الدين، علوم الدين ليست علوم نظرية هي علوم العمل، إذاً في الحقيقة هو إحياء الدين كأن الغزالي يوافق هيغل ويوافق عبد الناصر ويوافق بورقيبة على أن الإسلام صار من الماضي لأن علومه ماتت وينبغي أن نحييه، إذاً أنا ذهبت إلى الغزالي بحثاً عن شروط إحياء الحضارة الإسلامية هذا السبب الأساسي، الآن شروط الأحياء أين وقع المأزق في الحضارة العربية الإسلامية في فلسفة الطبيعة؟ ففكرت في نظرية السببية عن الغزالي هل هناك فلسفة في الطبيعة تمكن من تجاوز المأزق الذي عاشه الفكر الإسلامي في تلقيه لفلسفة الطبيعة الأرسطية؟ هذا هو السؤال التي أردت أن أجيب عنه.

مالك التريكي: الاعتقاد السائد هو أن بورقيبة وعبد الناصر عليهما رحمة الله على طرفي نقيض في التصور السياسي وحتى في التصور الثقافي كيف جمعت بينهما؟

"
بورقيبة كان يريد أن يستعيد دولة وفي نفس الوقت يبني أمة من صفر، وجمال عبد الناصر كان يريد أن يستعيد دورا وكان يعتبر الأمة موجودة
"
أبو يعرب المرزوقي: والله في الحقيقة لأن كلا منهما كان يمثل أمرا أشعر في ذلك الوقت وأنا ما زالت دون العشرين أنه هو ما تتطلبه المرحلة وما تقتضيه شروط استئناف الأمة لدورها، فبورقيبة كان يريد أن يستعيد دولة وفي نفس الوقت أن يبني أمة من صفر وجمال عبد الناصر كان يريد أن يستعيد دور وكان يعتبر الأمة موجودة يعني هي هكذا. ولكن لماذا اعتبرت بن بلا في كلمته كان جامعا بين الأمرين لأن في كلمة نحن عرب.. نحن عرب ثلاث مرات هناك تأكيد على استرجاع هوية واسترجاع الهوية يقتضي ألا يُترك الإسلام لما كان يُتهم به في ذلك الوقت بأنه أداة الرجعية العربية والإمبريالية الأميركية وألا تُترك للعروبة على أنها تمثل نوع من الشعوبية العرقية، هذا لم يكن واضح بالوضوح التام بالنسبة لي في ذلك الوقت ولكن كنت أشعر بأن هؤلاء يمثلون فعلا زعامات حقيقية كل منهم يستجيب لحاجة في نفسه والتناقض بينهما ناتج من الوظيفة لأن استرداد الزعامة بالنسبة إلى عبد الناصر هي التي كانت تقلق بورقيبة في عبد الناصر وبناء أمة قُطرية هي التي كانت تُقلق عبد الناصر في بورقيبة، أما كلا الشخصين فكانا يتفقان على أن الثورة الجزائرية هي ثورة لاسترجاع هوية، هوية حضارية وهوية دينية وهوية ثقافية. وأنا شخصيا نظرا إلى أني من البادية ومن أسرة تنتسب إلى التعليم الديني التقليدي كان بالنسبة إلي بدون صحوة وبدون نهضة لا معنى للاستقلال، فإذا أصبحت الدولة المستقلة هي التي تحقق من عجز الاستعمار عن تحقيقه من إفساد الهوية فلتصبح هي خيمة المسح هذه هي الأزمة تقريبا يعني.


[فاصل إعلاني]

التخصص في الفلسفة، دور المثقف، استعادة الهوى القديم

مالك التريكي: أنت نشأت في منطقة بنزرت وفي مدينة قريبة من بنزرت هي مدينة فرنسية أنشأها الفرنسيون وسموها باسم رئيس الحكومة آنذاك جون فيري الذي بنى نظام التعليم الجمهوري العلماني الذي لا يزال باقيا حتى الآن وأحد أحفاده كان وزيرا للتعليم وهو فيلسوف معروف لوك فيري كان معظم سكانها من الفرنسيين على هذه الخلفية الفرنسية نشأت عروبيتك؟

أبو يعرب المرزوقي: نعم فضلا عن هذا أني كنت أسكن في القرية التي لا يسكنها إلا الفرنسيون وهي.. يعني وهي قرية الكوادر اللي عملوا في دار الصناعة في بنزرت ولكن هذا هو الذي جعلني لما اخترت الدراسات الفلسفية بعد أن قررت أن أغادر الدراسات الرياضية أن أختار إجارة في العربية، أنا لم أسجل في البداية في إجارة في الفلسفة أنا كنت أنوي أن أدرس الآداب العربية وسجلت في الآداب العربية ولم أسجل في الفلسفة إلا بعد أن يأست من الآداب العربية لأني وجدت أن أساتذة العربية في ذلك الوقت كانوا أكثر تمثيل للذهنية الفرنسية الاستعمارية من الفرنسيين أنفسهم يعني كانوا يتكلمون بالفرنسية في الدرس مثلا.

مالك التريكي: لأنهم درسوا النحو العربي وهذا الأستاذ محمد المزاري ينقله درسا بالنحو العربي باللغة الفرنسية.

أبو يعرب المرزوقي: نعم بحيث وجدت أن دراستي للآداب العربية في الجامعة التونسية لن تمكنني مما أبحث عنه فقررت بما أني سأدرس فرنسية قررت أن أدرس فلسفة بالفرنسية وكان كبار أستاذة الفلسفة الفرنسيين يدرسون هناك يعني كان ميشيل فوكو كان جون إيبوليت كان جون فال يعني كبار فلاسفة فرنسا يُدرسوا لنا فأردت أن أدرس مباشرة عندها.

مالك التريكي: بما أنك عاصرت بقايا النظام الجامعي الفرنسي حتى بداية الستينيات ثم بداية نشأة الجامعة الوطنية التونسية فقد تعاملت معهما كليهما ما هي الملامح العامة للنظامين؟

أبو يعرب المرزوقي: في الحقيقة أنا عاصرت ثلاثة أنظمة في نفس الوقت قتل النظام الزيتوني، تونسة النظام الفرنسي ثم النظام الفرنسي ثلاثة أشياء وهذه الأشياء الثلاثة كانت تضاعف من الأزمة الوجدانية التي حدثتك عنها،، يعني قتل النظام الزيتوني بدل من إحيائه.

مالك التريكي: لابد أن نذكر للأخوة المشاهدين فقط نقصد بالنظام الزيتوني نظام التعليم الجامعي اللي كان موجود في جامعة الزيتونة..

أبو يعرب المرزوقي: في جامعة الزيتونة..

مالك التريكي: الذي يقابل جامعة قروين وجامعة الأزهر..

أبو يعرب المرزوقي: وأنا من أسرة زيتونية يعني من أخي زيتوني وأبي زيتوني ومن أسرة زيتونية ولكن قتل هذا النظام ثم استبدال نظام اسمه تونسي ولكنه في الحقيقة تابع مباشرة للجامعة الفرنسية، فكنت أعيش ثلاثة أنظمة في نفس الوقت فهذه النقلة للنظام التونسي التابع للجامعة الفرنسية هو في الحقيقة تطبيق حرفي لتصور بورقيبة للحضارة العربية الإسلامية باعتبارها ماضي، هو أنا لا أزايد عليه لا في العروبة في الإسلام هو عربي ومسلم ربما أكثر مني ولكن له تصور في فلسفة التاريخ يعتبر أن التفكير في إحياء هذه الحضارة من جديد قد يُعطل عملية التحديث السريع التي كان يقوم بها فكان عنده موقف هذا ماضي نعتز به ولكن لا يمكن أن نستعيده وأن نستأنف رسالة تاريخية بالحضارة العربية الإسلامية.

مالك التريكي: إذاً على هذه الخلفية دكتور أبو يعرب قررت التخصص في الفلسفة والخيارات كانت أوسع وكانت متاحة زيادة أو إضافة إلى ما سميته بالأزمة الوجدانية التي تقارب الأزمة الوجودية لابد أنه كان هنالك اعتبارات أخرى دفعت بك إلى التخصص في الفلسفة تحديداً؟

أبو يعرب المرزوقي: لما يئست من الآداب العربية وفي قسم العربية صار عندي أصدقاء يعزون علي كثيراً، أذكر منهم أساسا الأستاذ صالح الجرمادي والأستاذ فرحات الدشراوي، الأستاذ فرحات الدشراوي هو من وجهني إلى الاهتمام بابن خلدون والأستاذ الجرمادي هو من وجهني إلى الاهتمام بالقضايا اللسنية كانوا أصدقاء فعلا.

مالك التريكي: هل يصح القول أن الأستاذ الجرمادي كان أول من أدخل اللسانيات ومناهج الدراسات الإسلامية الجديدة؟

أبو يعرب المرزوقي: الحديثة نعم.

مالك التريكي: الحديثة إلى تونس؟

أبو يعرب المرزوقي: نعم يضاف إلى ذلك هو كان مبدع أيضاً كان كاتب شعر وكان أيضا مبدع في الممارسة للحياة الروحية الحديثة الحرة التي يمارسها الأستاذ بدون أن يتقيد بالتقاليد التي تَحول دون تجعل المرء يفصل بين القيم التي يؤمن بها والممارسة المعيشية التي يعيش عليها.

مالك التريكي: يعني هو كان نموذج المثقف الذي يجمع بين الموقف في الشأن العام وبين الاستقامة؟

أبو يعرب المرزوقي: نعم يعني الموقف هناك صدق في الجمع بين الفعل والقول عند هذا الرجل.

مالك التريكي: وهذا في أساس تصورك لدور المثقف أو دور المفكر؟

أبو يعرب المرزوقي: نعم وهو في الحقيقة هو أول من أدخل نظام في تقديم الكتب بطريق الحوار هو قدم الطبعة الأولى من كتابه حول الغزالي بالفرنسية بحوار حدث معه لكن بالنسبة إلى دور المثقف، دور المثقف الذي يفعل بسلوكه هذا يأتي عندما يصبح المثقف ذا وزن رمزي إذا أصبح للمثقف وزن رمزي يؤثر فهو عندئذ يصبح قادر على التأثير بسلوكه، أما إذا كان ذا وزن رمزي فإن سلوكه لن يغير من الأمر شيئا قد يصبح شذوذا فلا يصبح نموذجا يقتدى به.

مالك التريكي: هذا يذكرني بمحاضرة ألقيتها منذ زمن طويل وكنت قد شهدتها وكتبت عنها، كانت عن علاقة السلطان السياسي بالسلطان الروحي علاقة المثقف بالسلطة وبينت.. بالرجوع إلى ابن خلدون الفصول التي خصصها ابن خلدون في المقدمة وقد بينت أن التمايز التام بين ميداني الفعل ومجالي الفعل بالنسبة للمثقف وبالنسبة للسياسي هو شرط أول وسميته بتفريق السلطات، مثل التفريق الدستوري، تفريق السلطات في مجال الفعل الرمزي وجال الفعل السياسي أنه شرط ضروري لاكتساب المفكر أو المثقف لهذه القيمة الرمزية زيادة على الكفاءة والتميز طبعا فيها.

أبو يعرب المرزوقي: نعم، أريد بهذه المناسبة أن أشير إلى أول مقال كتبته للتعبير عن هذه الأزمة الوجودية كان عنوانه بحثا عن اليابسة وكان في مجلة تصدرها دار الثقافة ابن خلدون بإشراف المسرحي الكبير التونسي سمير العيادي الذي عرفنا ببرشت وعرفنا ببيرم التونسي في الإبداع المسرحي في تونس. ومفهوم البحث عن اليابسة هو أني تصورت الفلسفة التي كنت أبحث عن منجاة فيها تصورتها ستعطيني هذه المنجاة فوجدتها كالرمل المتحرك كلما حاولت أن أتقدم أغوص في الأزمة، لا أجد حل، بعد أن يأست من هيغل ازدادت الأزمة فقررت أن أتخلى عن الفلسفة نهائيا ولذلك لما ذهبت إلى فرنسا لم أدرس الفلسفة أصلا درست أشياء أخرى اقتصاد قانون ألمانية إلى آخره ولم أدرس الفلسفة..

مالك التريكي: كيف استعدت الهوى القديم؟

أبو يعرب المرزوقي: لما عدت أُدرس الفلسفة لما عدت لتدريس الفلسفة في تونس عدت إلى البحث عن المخرج بنفسي المخرج لا أجده عند غيري لا عند هيغل ولا عند ابن رشد ولا عند الغزالي البحث عن مخرج بنفسي فكانت العودة إلى بداية البدايات الفلسفة اليونانية، يعني قررت أن أعود إلى الفلسفة اليونانية بعد أن قدمت مشروع للبحث في (Epistemology) ابن خلدون يعني نظرية المعرفة عند ابن خلدون، قدمت البحث مشروع بحث بالفرنسية ثم لا أدري كيف توقفت عن هذا البحث واستبدلته ببحث عن دور الرياضيات في علم الأرسطي فاهتممت بالفلسفة اليونانية منذ إذاً إلى أن ذهبت إلى ماليزيا.

مالك التريكي: كان لهذا السبب الرجوع إلى مسألة الرياضيات بالتحديد عند أرسطو كان لها سبب أُسميه بثباتك على مبدأ النشاز، ثباتك على مواقف تعارض الموقف السائد لأن مسألة الرياضيات في فلسفة أرسطو كانت ملتبسة أو حتى متهم أن الرياضيات ليس لها مكان؟

أبو يعرب المرزوقي: نعم هي في الحقيقة نفس الشيء الذي حدث مع الغزالي حدث مع أرسطو لأن الغزالي تعلم أن أرنست بلوخ كتب مقالة عن اليسار الأرسطي بالقياس على اليسار الهيغلي فكل المثقفين العرب من اليسار وخاصة الماركسيين صاروا يعتبرون الغزالي يمثل الظلامية ويعتبرون ابن رشد يمثل اليسار الأرسطي قياسا عن اليسار الهيغلي، فكان هذا بالإضافة إلى الغزالي الذي كنت أبحث عنده عن حل أصبح الغزالي الذي صرت أشعر بأنه مهضوم، بأنه مظلوم نفس الشيء بالنسبة إلى أرسطو، يعني أرسطو كان يعتبر من معاديي الرياضيات إذا قارنوه بأفلاطون هو معلوم أن سير توماس هيس كتب كتاب عن (Mathematics in Aristotle) كتاب استخرج فيه كل ما قاله أرسطو عن الرياضيات ولكن لم يستخرج من هذه النصوص الأرسطية لم يستخرج فلسفة أرسطو الرياضية، فكان موضوع الأطروحة في الحلقة الثالثة هو أن استخرج فلسفة الرياضيات عند أرسطو وكيف كان أرسطو أقرب إلى الصياغة الرياضية في العلوم الطبيعية وحتى في العلوم الإنسانية من أفلاطون لأنه كما تعلم في كتاب أخلاق نيكو ماخوف وفي كتاب السياسة أرسطو حاول أن يصوغ القوانين الاجتماعية والقوانين الخُلُقية بعبارات رياضية فكتبت في هذا. وكان من الصدف أن هناك أستاذ في المنطق من تشيكوسلوفاكيا يُدرس في الجامعة التونسية لما قدمت له المشروع حول فلسفة الرياضيات عند أرسطو ودورها في علمه رحب بذلك العمل وكان عمل أيضا بالفرنسية مثل الغزالي هي الكتابة الأولى كلها كانت بالفرنسية أول أطروحة في الفلسفة قدمت بالعربية في الجامعة التونسية هي أطروحتي عن منزلة الكل أول أطروحة في الفلسفة..

مالك التريكي: وكان ذلك عام 1991؟

أبو يعرب المرزوقي: نعم كل الأطاريح في الفلسفة كانت تقدم بالفرنسية ما في أطاريح بالعربية.

مالك التريكي: حتى في المعاهد الثانوية الفلسفة لم تصبح تدرس بالعربية إلا مع بلوغ جيل العمر الذي وصل..

أبو يعرب المرزوقي: أنا درست فلسفة بالمعاهد التونسية بالفرنسية حوالي خمس سنوات لما سُميت أول مرة في منزل بورقيبة يعني في المعهد الذي تخرجت منه كنت أدرس الفلسفة..

مالك التريكي: على فكرة منزل بورقيبة للأخوة للمشاهدين هي هذه المدينة التي كانت تسمى..

أبو يعرب المرزوقي: فيريفي.

مالك التريكي: فيريفي التي بناها الفرنسيون.

أبو يعرب المرزوقي: معناها كنت أدرس الفلسفة الغربية بالفرنسية والفلسفة الإسلامية بالعربية والترجمة للسنة الرابعة لأنه كان هناك قسم واحد في الفلسفة والساعات 18 ساعة وهم يقرؤون فقط تسع ساعات سبع بالفرنسية واثنين بالعربية فكان البقية ترجمة أترجم.. أدرس الترجمة في.. فدرست سنة واحدة وهربت إلى فرنسا لكي أواصل الدراسة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة