العلم والمعرفة في القرآن الكريم   
الأربعاء 23/2/1430 هـ - الموافق 18/2/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:59 (مكة المكرمة)، 12:59 (غرينتش)

- معنى العلم ومصادره وأنواعه في القرآن الكريم
- أولويات التعلم وموقف الإسلام من مختلف العلوم

- العلوم الغيبية وحدود المعرفة والتعلم

- صفات العالم الحقيقي ومعايير العلوم والعقلية العلمية

عثمان عثمان
يوسف القرضاوي
عثمان عثمان:
مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا وسهلا بكم إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة تأتيكم على الهواء مباشرة من الدوحة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {..وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}طه114، ويقول الله سبحانه وتعالى أيضا {..فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}النحل43، أحد المقاصد الكبرى للرسالة الإسلامية تحرير العقل من القيود التي تفرضها الخرافة ويشيعها الجهل، ومفتاح ذلك إعمال العقل وسؤال أهل العلم والنظر في البراهين العقلية والمحسوسية ولهذا يكثر في القرآن الكريم ذكر مادة عقل بتصريفاتها المختلفة وألفاظ التفكر والتدبر واللب والنهى والفؤاد والقلب والبصيرة والنظر إلى غير ذلك، كما يكثر فيه طرح الأسئلة والتساؤلات، فأي علم يشرحه القرآن ويحث عليه؟ وما صفات العقلية العلمية كما يوضحها القرآن الكريم؟ وما معايير العلم الصحيح؟ العلم والمعرفة في القرآن الكريم موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، مرحبا بكم دكتور؟

يوسف القرضاوي: مرحبا بك يا أخ عثمان.

معنى العلم ومصادره وأنواعه في القرآن الكريم

عثمان عثمان: بداية على أي معنى يأتي العلم في القرآن الكريم؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد، فإن العلم في القرآن يشمل كل العلوم سواء كانت علوم الدين أم علوم الدنيا، كل ما يكشف للإنسان حقيقة تعلمه بما لم يكن يعلم أو تزيده علما بما علم فهو من العلوم. بعض العلماء ذكر في مقال له أو كتاب له أن العلم المذكور في القرآن يقصد به علم الدين فقط ولكن هذا في الحقيقة يخالف ما جاء في القرآن، القرآن يقول مثلا في قوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}الأنعام97، هنا يعلمون هنا، يعلمون علم الدين ولا علم النجوم والاهتداء بها في ظلمات البر والبحر؟ الآية الأخرى {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}يونس5، علم عدد السنين والحساب وهذا متعلق بالفلك وبالأشياء دي، حينما يقول الله تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ}الروم22، العالمين هنا هم علماء الشرع والدين ولا العلماء العارفون باختلاف اللغات واختلال الألوان؟ هذا يتعلق بالعلوم الاجتماعية {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}العنكبوت43، وهكذا فتجد العلم في القرآن يشمل علم الدين وحرم المشركون أشياء، الله تعالى قال {..نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}الأنعام143، العلم هنا هو العلم بالوحي بما أنزل الله من حلال وحرام إنما أحيان يكون العلم هو العلم الكوني، العلم الرياضي، العلم الطبيعي، العلم الإنساني، هذا كله داخل في العلم الذي جاء به القرآن وأثنى عليه القرآن وعلى أهله.

عثمان عثمان: إذاً ليس كما يقصره البعض على العلم الديني أو العلم الدنيوي. فضيلة الدكتور يعني هذا العلم عن من نأخذه أو نتلقاه؟

يوسف القرضاوي: نأخذ كل علم من أهله، كل علم له أهله، يعني لا يجوز أن تأخذ علم الدين من علماء الطب ولا أن تأخذ علم الطب من علماء الهندسة يعني الواحد يأخذ العلم من أهل العلم المختص به، وتعلم العلم له طرقه ووسائل تحصيله فهناك القراءة تقرأ في كتب العلم والقراءة أيضا في كتب العلم لا يحسنها كل إنسان لأن كل علم له مفاتيح، فحين تمسك كتابا من أصول الفقه وتقرأ فيه لا تفهم منه شيئا، فلا بد أن تتلقى العلم من أهله وتحصل وسائله لأن كل علم له وسائل حتى تستطيع أن تفهمه فتأخذ من الكتب وبعدين تأخذ بالسؤال والمشافهة وبعدين تستزيد من العلم لأن العلم لا ساحل له ولا شاطئ له ويظل الإنسان عالما ما طلب العلم ولذلك الإمام الشافعي يقول

كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي

أو أراني ازددت علما زادني علما بجهل

كلما أزداد علما أعرف أنني أجهل الكثير، الذين يعرفون قشورا من العلم هم المغرورون الذين يخيل إليهم أنهم علموا كل شيء وهم في الحقيقة من أجهل الناس بحقائق الأمور.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور هناك من قسم أنواع العلوم في القرآن الكريم إلى وحي واستنبط منه يقين ظاهر الحياة الدنيا، كيف يمكن شرح هذه الأنواع؟ وهل هناك أنواع أخرى من العلوم في القرآن الكريم؟

الإمام الشاطبي قسّم العلم إلى ما هو من ملح العلم (مثل النكت البلاغية) وما هو من صلب العلم وما ليس من صلب العلم ولا من ملحه
يوسف القرضاوي:
هناك أنواع كثيرة من العلوم هذا التقسيم يعني تقسيم شخصي هذا يعني ووحي ومستنبط منه ظاهر الحياة الدنيا ويعني علم ظاهر الحياة الدنيا القرآن لم يجعله علما لأنه قال {..وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}الروم6، 7، أنهم لا يعلمون، يعلمون ظاهرها، يعني اعتبر العلم بظاهر الحياة الدنيا ليس بعلم لأن العلم الحقيقي أن تعرف حقيقة الدنيا، ما هي هذه الدنيا؟ ما هي قيمتها؟ أن يعرف أنها مزرعة إلى الآخرة أنك تعمل هنا لتجزى هناك، تزرع هنا لتحصد في دار الخلود فلا بد أن تعرف إنما هذا ليس هو العلم، العلم باعتبار يعني مادة العلم بعض العلماء، قسم الإمام الشاطبي، قسم العلم إلى ما هو من ملح العلم وما هو من صلب العلم وما ليس من صلب العلم ولا من ملحه..

عثمان عثمان (مقاطعا): ما المقصود بملح العلم؟

يوسف القرضاوي: ملح العلم يعني الأشياء يعني اللطائف مثلا زي النكت البلاغية والأشياء الي زي كده بيقول لك دي نكتة، العلماء يقولون لك النكتة دي مثل الوردة تشم ولا تفرك، إذا فركتها خلاص راحت، فدول يسموها ملح العلم..

عثمان عثمان (مقاطعا): ما قيمة هذه التقسيمات فضيلة الدكتور؟

يوسف القرضاوي: التقسيمات هذه لأن بعض الناس يهتم بالملح ويترك صلب العلم، لأن الملح يعني تجذب الناس عوام الناس تعجبهم الملح، يعني كثير من الدعاة اشتهروا بالملح دي فجذبوا الجماهير بينما العلم الحقيقي ليس في هذه الملح، ولا مانع أن العالم يعني يجذب إلى علمه اللي من صلب العلم يجذب بعض الملح حتى يروح عن قارئه أو سامعه انما يبقى 90% من علمه ملح ليس هذا علما نافعا وأحيانا العلم لا يكون من الملح ولا يكون من الصلب فعلم غير نافع بالمرة.

عثمان عثمان: العلم علمان فضيلة الدكتور غيب وشهادة، يعني ما تأثير هذا التقسيم على طريقة التأثير بهما أو التعلم بهذين العلمين؟

يوسف القرضاوي: هذا التقسيم مهم جدا لأن عالم الغيب له وسيلة في تحصيل علمه وعالم الشهادة له وسيلة في معرفته، لا تطلب يعني علم عالم الغيب بوسائل عالم الشهادة ولا وسائل عالم الشهادة بوسائل علم الغيب، علم الغيب طريقه الوحي، لكي تعرف عن الله سبحانه وتعالى وعن أسمائه وصفاته وعن ما يطلبه الله من العباد وما يحبه وما يكرهه وعن الدار الآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب وجنة ونار هذه الأشياء لا يمكن أن تعلم إلا بالوحي إذا أردت أن تعرف هذه لازم تأخذها عن طريق النقل أو عن طريق السمع، إنما علم الشهادة العالم اللي إحنا فيه لكي تعرف هذا العالم وتعرف القوانين التي يسير عليها العالم وتعرف ظواهر الأشياء في هذا العالم وتربط بين الأشياء بعضها وبعض وبين الأسباب والمسببات هذا طريقه عقل الإنسان فهو ينتج من تراكم المعرفة أيضا تستفيد مما كسبه الآخرون من معارف لأن كل واحد يأتي يضيف شيئا، مجموع هذه الإضافات المجموع التراكمي هو اللي بيكون العلم البشري.

أولويات التعلم وموقف الإسلام من مختلف العلوم


عثمان عثمان: ربما بهذا الإطار الأخ محمد يسأل ما موقف الإسلام من العلوم  التطبيقية الكيمياء والفيزياء والهندسة؟ وما هو أجر من يقبل عليها بنية طلب العلم ورفع التخلف عن المسلمين؟ وما مكانتها أمام علوم الشريعة؟

المسلمون هم الذين أنشؤوا المنهج التجريبي والاستقرائي، فهم الذين ناقشوا المنطق الأرسطي والمنطق الصوري وبعضهم حرمه دينيا والبعض الآخر ناقشه عقليا
يوسف القرضاوي:
هذه كلها علوم نافعة ولذلك المسلمون في زمن ازدهار الحضارة الإسلامية نموا هذه العلوم أخذوا مبادئها من الأمم الأخرى، من اليونان أخذوا من الهند أخذوا من فارس أخذوا من اليونان ولكن اليونان كان عندهم العلم النظري أهم من العلم العلمي لأنهم كانوا دائما ما يتعلق بالعقل هو اللي في القمة إنما ما يتعلق باليد والعمل اليدوي يحتقرونه ولذلك لم تنم عندهم التجارب، العلم التجريبي القائم على التجربة والملاحظة والاستقراء، المسلمون هم الذين أنشؤوا المنهج التجريبي والاستقرائي كما اعترف مؤرخو العلم الغربيين أنفسهم أن المنهج التجريبي والاستقرائي الذي ينسب إلى روجر بيكون وإلى فرانسيس بيكون هذا العلم أخذوه من الحضارة العربية الإسلامية فهم الذين ناقشوا المنطق الأرسطي والمنطق الصوري وبعضهم حرمه دينيا وبعضهم ناقشه عقليا، ابن تيمية ألف كتابين في نقض المنطق بطريقة عقلية قبل ستيوارت ميل وقبل هيوم وقبل هؤلاء بقرون، فمن الناحية النظرية قرروا المنطق التجريبي ومن الناحية العلمية طبقوه في العلوم في الطب في التشريح في الفلك في الفيزياء في الكيمياء وكان هناك علماء عند المسلمين هم أشهر علماء العالم في وقتهم، مراجعهم العلمية كانت تعتبر أشهر المراجع، إذا أخذنا الطب مثلا نجد كتاب الحاوي لأبي بكر الرازي وكتاب القانون لابن سينا في الطب وكتاب الكليات لابن رشد وكتاب التصريف لمن عجز عن التأليف لأبي القاسم الزهراوي هذه الكتب كانت هي مراجع عالمية وترجمت إلى لغات أخرى فالمسلمون أتقنوا هذه العلوم الفلكية، مئات علماء الفلك كانوا في الحضارة الإسلامية، علم الرياضيات والبصريات وابن الهيثم والفيزياء وهذه الأشياء، جابر بن حيان في الكيمياء، من الأشياء المهمة هنا أن المسلمين لم يكن عندهم فرق بين علم الدين وعلم الدنيا، يعني في المسيحية، المسيحية الغربية بالذات كان هناك صراع بين العلم والدين، الكنيسة ضد العلوم ومحاكم التفتيش وما عاملت به العلماء من إحراق للجثث ومن محاكمات ومن تعذيب يعني انتفخت به بطون كتب التاريخ، هذا لم يحدث في الإسلام، بالعكس إحنا الدين عندنا علم والعلم عندنا دين، لم يحدث صراع بين العلم والدين ولذلك بعض العلماء عندنا جمعوا بين الأمرين، يعني ابن رشد كان فيلسوفا، يعتبر أعظم من شرح كتب أرسطو وعن طريقه انتقلت إلى العالم الغربي عن طريق شروح ابن رشد وهو أيضا كان طبيبا له كتاب الكليات وبعض الرسائل الأخرى في الطب وكان عالما شرعيا، قاض، هو اسمه القاضي ابن رشد وله كتاب مشهور في الفقه المقارن اسمه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد"، الفخر الرازي صاحب الكتب الدينية الشهيرة "المحصول في علم الأصول"، "المحصل لأفكار المتقدمين والمتأخرين في علم الكلام"، "التفسير الكبير"، "مفاتيح الغيب في التفسير" هكذا وكان أيضا طبيبا، الذين ترجموا له قالوا كانت شهرته في علوم الطب لا تقل عن شهرته في علوم الدين..

عثمان عثمان (مقاطعا): جمع بين علوم الدين وعلوم الدنيا.

يوسف القرضاوي: وعلوم الدنيا، ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية الصغرى ترجم له التاجي السبكي في كتاب طبقات الشافعية الكبرى على أنه أحد فقهاء الشافعية، فلم يكن عندنا هذا الصراع الذي كان في أوروبا بين العلم والدين.

عثمان عثمان: الأخ عبد العظيم من مصر يقول "في الوقت الذي يتقدم فيه العالم والدول المعادية للإسلام بالتقدم في تصنيع السلاح النووي والبيولوجي وإلى آخره من الأسلحة التخريبية والتدميرية، هل يجوز لنا كمسلمين أن نتقدم في هذه العلوم حتى نحقق التوازن الإستراتيجي أم أن ديننا السمح يحرم علينا هذه العلوم؟".

يوسف القرضاوي: الدين يحرم علينا أن نستخدمها، يعني نستخدم السلاح البيولوجي أو الجرثومي أو النووي أو هذه الأشياء لأنه يبيد الحياة والأحياء ولكن يحتم علينا أن نمتلكها حتى نحدث توازن الرعب كما يقول، هذه، ما الذي أوقف أن تكون هناك حرب بين الاتحاد السوفياتي وأميركا وحلفائها في الغرب؟ اللي أوقفها أن الاثنين يملكان أسلحة نووية فهذا هو اللي أحدث ما يسمونه السلم المسلح، السلم المسلح مثل الآن حينما امتلكت الهند السلاح النووي امتلكت بعدها باكستان السلاح النووي فلم يعد هناك احتمال أن تكون بينهما حرب لأنه ما دام الاثنان يملكان، ولذلك من حق المسلمين أن يملكوا السلاح النووي فهذا يدخل في قوله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ..}الأنفال60، فهذه القوة التي يعني نستطيع أن نعدها يجب أن نعدها حتى لا يكون أعداؤنا يملكون هذه الأسلحة ونحن لا نملكها.

عثمان عثمان: يعني للأسف الشديد ربما لدينا تأخر كبير في عالمنا الإسلامي والعربي أمام هذه الاستحقاقات، من هنا الأخ أحمد عزت من مصر يسأل كيف يتحرر العالم الإسلامي من القيود المفروضة على تقدمه في العلوم الدنيوية؟

يوسف القرضاوي: بالإرادة..

عثمان عثمان (مقاطعا): يعني هناك هجرة أدمغة، هناك هجرة عقول إلى الخارج.

يوسف القرضاوي: هو طبعا إرادتنا، إصلاح الحياة السياسية في بلادنا هو مفتاح كل شيء لأنه للأسف أولادنا النوابغ العباقرة يعني يذهبون ليتعلموا في أوروبا وأميركا ثم تكون النتيجة أن يبقوا هناك ولا يعودون إلى بلادهم فبلادنا بتخسر أكبر الأدمغة وأفضل العباقرة يظلون في أوروبا وفي أميركا ويعملون هناك وبلادهم محرومة منهم، وحينما أراد أحد زعماء العرب في فترة من الفترات أن يجمع العلماء من أوروبا وأميركا وقال أريد أن أكون مدينة علمية عربية إسلامية وجاء من أوروبا وأميركا عشرات الشباب المتحمسين، فأول ما نزلوا البلد أخذوا الجوازات منهم وأصبحوا كأنهم في معسكر اعتقال لا يستطيعون أن يتحركوا إلا إذا راحوا للضابط يأخذون منه الإذن ولا يعطيهم الإذن فأول ما جاءتهم الفرصة تركوا البلد ولم يعودوا إليها، هذه الأشياء مرتبطة بعضها ببعض، لكي تنتج إبداعا علميا لا بد أن يكون هناك جو من الحرية والديمقراطية تعطي للناس الحق في أن يبدعوا وأيضا لا تضيق عليهم، لا تتحكم في إرادتهم.

عثمان عثمان: طبعا نحن نتحدث عن علوم دنيوية، علوم أخروية، علوم الدين، ما أول ما ينبغي أن يتعلمه المسلم في هذه الحياة من العلوم؟

يوسف القرضاوي: أول ما يجب أن يتعلمه المسلم في العلوم، في ما هو فرض وما هو نفل، الحديث يقول طلب العلم فريضة على كل مسلم، المفروض كل إنسان مسلم يعني ذكرا أو أنثى في أشياء، يجب أن يتعلم ما يصاحب به عقيدته بحيث تكون عقيدته في الله وفي الدار الآخرة وفي النبوة والقضاء والقدر عقيدة صحيحة بعيدة عن الخرافات بعيدة عن المبالغات يأخذها من القرآن ومن السنة من كتاب الله المسطور ومن كتاب الله المنظور من الكون، في ناس تحدثوا عن أدلة وجود الله مما لم يتحدث به علماء الكلام وعلماء العقائد، نستفيد منهم هؤلاء، فأول ما ينبغي الإنسان أن يتعلم كيف يصحح عقيدته، لذلك القرآن يقول {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}المائدة98، {..وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}البقرة235، العلم بما يتعلق بأسماء الله سبحانه وتعالى وبصفاته والعلم بالآخرة يعني {..وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}البقرة223، ستلاقون الله، العلم بقيمة الحياة الدنيا {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ}الحديد20، هذه الأشياء، وبعدين يتعلم فروع الأحكام، ولذلك كلمة اعلموا جاءت في هذه الأشياء، العلم بالقيم، العلم بالعقائد، يعني تقديم الأصول على الفروع، تقديم الكليات على الجزئيات بعدين نتعلم الأحكام الفرعية. للأسف المسلمون حينما تأخروا وتقدم غيرهم بدؤوا يشغلون أوقاتهم في الأحكام الجزئية والفرعية، يقعد يتعلم في الوضوء والطهارة شهرا كاملا يعني رأيت أنا بعض العلماء وأنا صبي صغير ونحن في قريتنا يقعد طول شهر رمضان يعلم الناس في الاستنجاء والوضوء والكذا والأعرابي كان يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يتعلم هذه الأشياء يتعلم الطهارة ويتعلم الصلاة ويتعلم أحكام الإسلام في يوم يومين ويرجع يعلم قومه لأنه بالتيسير والبساطة، فلا بد أن نتعلم كيف نقدم الأهم على المهم والمهم على غير المهم فنتعلم علم العقائد أولا والقيم ومكارم الأخلاق وبعدين نتعلم علم الأحكام الفرعية العملية الجزئية وأكثر ما نتعلمها بالممارسة، بالعمل.

عثمان عثمان: يعني في حال الإنسان لم يتعلم هذه العلوم الضرورية هل يأثم على ذلك؟

يوسف القرضاوي: طبعا، ما هو طلب العلم فريضة، يعني لازم يقدم طلب الفريضة وبعدين النافلة أنه يتوسع، وأيضا هناك أنا أرى يعني مما يجب أن يتعلمه المسلم في عصرنا أن يتعلم كل مسلم يجب أن يتعلم القراءة والكتابة، أنا أرى أن تعلم القراءة والكتابة في عصرنا فرض على كل مسلم لأن العالم كله أصبح عالما متعلما، أصبح الأمي لا يستطيع أن يعرف شيئا لا يستطيع أن يستخدم السلاح حتى لو جند في الجيش فلذلك الأمة يجب أن تتعلم الأمية وأول من حارب الأمية هو النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم حينما جعل فداء الأسير الكاتب في غزوة بدر أن يعلم عشرة من أولاد المسلمين الكتابة، هو أول من وضع هذا المشروع لمحو الأمية، فعلينا هذا. وبعدين تعلم علوم الدنيا يجب أن نتعلم علوم الدنيا ونتفوق فيها حتى لا نصبح عالة على غيرنا، لازم نتعلم علوم الاقتصاد وكيف ندير اقتصادنا من الناحية الكيفية مش من ناحية المعاملات، نحن الأئمة يجب أن يتعلموا منا كيف ندير.. إنما كيف ننمي الزراعة وكيف ننمي الصناعة وكيف نرقى بهذه الأشياء نتعلم منهم ونأخذ ولا حرج على مسلم أن يتعلم من غيره، الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها. المسلمين استفادوا من الفرس والروم ومن غيرهم أخذوا منهم بعض الأشياء النافعة، فهذا هو المفروض أن الأمة تتعلم هذه الأشياء ولا تصبح في مؤخرة الأمم وكانوا في وقت من الأوقات في مقدمة القافلة الآن أصبحوا في ذيل القافلة وهذا لا يجوز لخير أمة أخرجت للناس.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور في القرآن الكريم إشارات إلى علوم لا يعلمها إلا الله عز وجل هل يعني ذلك أن لا يتعب المرء نفسه للبحث عن هذه العلوم؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة، فاصل قصير مشاهدينا الكرام ثم أعود وإياكم لمتابعة هذه الحلقة.

[فاصل إعلاني]

العلوم الغيبية وحدود المعرفة والتعلم


عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان العلم والمعرفة في القرآن الكريم مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. فضيلة الدكتور هناك إشارات في القرآن الكريم إلى علوم غيبية لا يعلمها إلا الله عز وجل هل يعني ذلك بشكل من الأشكال أن لا يتعب المرء نفسه في البحث على هذه العلوم أو عن هذه العلوم؟

يوسف القرضاوي: نعم، هو القرآن أراد أن يوفر المجهود العقلي والفكري للإنسان ليستخدمه فيما يمكن الحصول عليه إنما تضيع مجهودك في أشياء لا يمكن أن تصل فيها إلى نتيجة هذا عبث، ومن هذه الأشياء محاولة معرفة مثلا كنه الذات الإلهية، إذا كان الإنسان لم يعرف حقيقة نفسه فكيف يعرف خالقه؟ كيف يدرك الفاني الباقي؟ كيف يدرك المحدود اللا محدود؟ الله تعالى قال {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}الأنعام103، فهذا مفروغ منه، معرفة الساعة متى تقوم، الله تعالى قال للرسول {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}الأعراف187، لذلك جبريل لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم، متى الساعة؟ قال له ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. فالأشياء اللي بتطلع كل حين يقول لك الساعة، حتقوم القيامة مش عارف بعد كم سنة، مش عارف، هذا كله..

عثمان عثمان (مقاطعا): عم بأقرأ خبرا اليوم أنه ينتهي العالم عام 2012.

يوسف القرضاوي: هذا كلام، المستقبل، اختراق حجاب المستقبل، تكشف ماذا يمكن أن يحدث لك غدا أو بعد غد، هذا لا يعلمه إلا الله {..وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ..}لقمان34، في أشياء ممكن الواحد يعرفها بمؤشرات إنما هذا يكون ظنا وليس يقينا  {..وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ..}لقمان34، ما حدش يعرف أنت جايز تكون عايش في قطر وتروح في رحلة إلى الصين تموت في الصين الله أعلم الواحد لا يدري ولذلك الشاعر يقول

مشيناها خطى كتبت علينا

ومن كتبت عليه خطى مشاها

ومن كانت منيته بأرض

فليس يموت في أرض سواها

حقيقة الروح، ما هي الروح الحقيقة {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}الإسراء85، المتشابه من القرآن، يعني زي أوائل السور وهذه الأشياء أيضا لا يعلمها إلا الله {..وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ..}آل عمران7، ما قبل التاريخ، القرآن يقول {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ}طه51، فرعون بيسأل سيدنا موسى {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ، قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ۖ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى}طه51، 52، الله هو الذي يعلم حقيقة حتى التفسيرات الكونية، نشأة الكون، نشأة الحياة كلها نظريات، مثلا نظرية الانفجار العظيم والكذا والبتاع، في ناس بيعارضوا هذه النظرية بنظريات أخرى وهكذا كلها، إنما حقيقة اليقين في هذا لا يعلمه إلا الله، في القرآن قال لنا وفروا جهدكم  وما تبحثوش في هذه الأشياء.


عثمان عثمان:
فضيلة الدكتور كما جاء في بداية الحلقة في مقدمة الحلقة {..وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}طه114، هناك آثار كثيرة، واطلب العلم من المهد إلى اللحد، اطلبوا العلم ولو في الصين، هل هناك فاصل زمني أو مكاني أو عمري معين لهذا الإنسان يتوقف فيه عن طلب العلم أم أن هذا مستمر إلى أن يأخذ الله أمانته؟

يوسف القرضاوي: طلب العلم مستمر لأنه كما قلنا العلم لا يشبع منه والنبي عليه الصلاة والسلام يقول منهومان لا يشبعان، طالب علم وطالب مال، صاحب المال لا يشبع، لو كان لابن آدم واديين من ذهب لابتغى لهما ثالثا، وأيضا صاحب العلم طالب العلم لا يشبع من العلم أبدا فهو كلما حصل منه شيئا يطلب الزيادة ولذلك بعضهم قيل له إلى متى تطلب العلم؟ قالوا إلى الممات، الإمام أحمد مع المحبرة إلى المقبرة، يعني الدواة التي بيكتب بها إلى القبر، وسئل أحد السلف هل يحسن بالشيخ أن يتعلم؟ قال إن كان الجهل يعيبه فالتعلم يحسن به، بل بعضهم قال إن التعلم منه أكثر طلبا من غيره أوكد من غيره لأن الخطأ منه أقبح، فلذلك يجب أن يطلب العلم حتى لا يقع في الخطأ.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني يلاحظ أن كلمة لا أعلم ربما تغيب عن أذهان الكثير من العلماء في شتى الاختصاصات وخاصة في المجال الديني، لماذا لا يقال لا أعلم مع العلم من قال لا أعلم فقد أفتى؟

يوسف القرضاوي: العالم الحقيقي لا يستحي من قول لا أدري ولا أعلم، سيدنا علي يقول من أخطأ قول لا أدري فقد أصيبت من قاتله، أصيب في مقتل. الرسول عليه الصلاة والسلام كان يسأل في بعض الأحيان ويقول ليس عندي شيء انتظر جبريل حتى يأتي، لما سئل ما هي خير البقاع وشر البقاع فقال لهم أسأل جبريل فنزل سيدنا جبريل وقال له خير البقاع المساجد وشر البقاع الأسواق لما يحدث فيها من لغو وأيمان كاذبة وغش وخداع وإلى آخره، فالملائكة حينما سئلوا، الأسماء التي علمها الله لآدم وسألهم {..أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ..}البقرة:31، 32، ولذلك الصحابة لم يكونوا أبدا يتورعون من قول لا أدري والأئمة الكبار سيدنا الإمام مالك معروف عنه أنه كان من بابن وهب يعني صاحبه يقول لو أردنا أن نملأ ألواحا من قول مالك لا أدري لفعلنا، سئل أربعين سؤالا أجاب في 36 لا أدري، والبعض يقول له لا تدري أنا جاي من بلاد كثيرة ماذا أقول للناس حينما أرجع إليهم؟ قال قل لهم سألت مالك فقال إني لا أحسن هذه المسألة وهكذا، بعضهم يقول له دي مسألة خفيفة يعني سهلة، قال لهم ليس في العلم شيء خفيف إن الله سبحانه وتعالى يقول {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلاً}المزمل5، كل الأئمة روي عنهم لا أدري، لا أدري، أبو حنيفة مات وفي أربعة مسائل لا يعرف عنها شيئا وطول حياته بيبحث عنها لم يجد فيها علما يشفي صدره، ونظمها الشاعر بقوله

من قال لا أدري بما لم يدره لما لم يدره

فقد اقتدى في الفقه بالنعمان

في الدهر والخمسى كذاك جوابه

ومحل أطفال ووقت ختان.

أربع مسائل قال فيها لا أعلم حتى مات.

صفات العالم الحقيقي ومعايير العلوم والعقلية العلمية


عثمان عثمان: ولكن للأسف اليوم ربما هناك من يتطوع للإجابة عن أسئلة لم يُسألها أساسا.

يوسف القرضاوي: لا، هناك المتعالمون في عصرنا يعني كثيرون، أدعياء العلم الذين يعني يعرفون كل شيء يعني.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور في موضوع العلماء هناك من ينتقد من يسميهم بسدنة الحقيقة أو الأوصياء على الدين أو المتحدثين باسم الله، هل هناك فعلا هذه المصطلحات أم أنه الاختصاص العلمي {..فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}؟

يوسف القرضاوي: الذين يقولون هذا الكلام هم الذين يريدون أن يقحموا أنفسهم فيما ليسوا من أهله، التخصص هو سمة هذا العصر، كل علم له أهله المختصون به، الدارسون له ولا يسمح لغير أهله.. فهؤلاء يريدون أن يدخلوا في العلم ليفتوا في العلم وهم لا يحسنون، ليقولوا هذا حلال وهذا حرام، ليردوا كلام الله وكلام رسوله، ويريدون أن يبرروا هذا لأنفسهم بأن العلم ليس فيه احتكار والإسلام ليس فيه رجال دين، كلنا رجال دين، صحيح كلنا رجال لديننا ولكن في نوع اسمه التخصص {..وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}فاطر14،  {..فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا }الفرقان59، {..فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}، {..وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ..}النساء83، هذا ما تقره الآيات وما يقره العقلاء في كل أنحاء الدنيا، أن هناك تخصصات يجب أن تحترم وفعلا كل تخصص يحترم إلا تخصص الشرع والدين هو الذي يعني يدخله كل من هب ودب، كل واحد يريد أن يجعل نفسه شيخ الإسلام ويقول على الله ما لا يعلم.

عثمان عثمان: حتى لا تختلط الأمور هل هناك علامات معينة أو ميزات خاصة لأهل العلم الذين يمكن لنا أن نسألهم وأن نثق بعلمهم؟

يوسف القرضاوي: نعم، هناك أولا التخصص يعني هناك ناس درسوا في كليات ومعاهد علمية دينية وأخذوا منها شهادة، يعني والعلم أصل العلم الحقيقي لا بد يؤخذ من أهل العلم حتى اللي بيأخذ العلم من الكتب وحدها لا يكفي لأنه أحيانا تبقى العبارات معماه عليه يحتاج إلى من يشرحها له ولذلك قالوا لا تأخذ العلم من صحفي ولا القرآن من مصحفي، يقصدون بالصحفي الذي أخذ العلم من الصحف والكتب وحدها ولم يتلقاه عن شيخ يأخذ بيده ويعلمه المصطلحات والمفاهيم شيئا فشيئا، إذاً لا تأخذ العلم من صحفي ولا القرآن من مصحفي، إذا حبيت تتعلم القرآن ما تأخذش واحدا تعلم القرآن من المصحف لازم تتعلم القرآن من قارئ متقن للقراءة حتى يعلمك وبذلك تعلم غيرك وإنما مجرد لو عرفت من المصحف لا تستطيع ما تعرفش أنه دي تغنها كم حركة ودي أربع حركات ودي حركتين ودي ست حركات ودي فيها إدغام بغنة وفيها إدغام بغير غنة ودي فيها إقلاب ودي فيها إظهار، هذه الأشياء لازم تؤخذ، فالعلم يعني فيه الدراسة ناحية، شهادة الناس أيضا أن فلان ده عالم شهد له العلماء، الإنتاج العلمي أن يكون له كتب محترمة عند الثقاة من أهل العلم يبقى دليل على أنه فيه أكثر من شيء يدل على علم العالم إنما يجي واحد يفرض نفسه على الناس هذا يعني لا قيمة له.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور أوضحتم في كتابكم "العقل والعلم في القرآن" أن القرآن يحث على تكوين العقلية العلمية كيف ذلك؟

هناك عقليات مختلفة: عقلية خرافية تصدق بالخرافة أينما وجدت، وعقلية مقلدة تركت عقلها وأصبحت تفكر برأس غيرها، وعقلية متطرفة لا تسلّم بشيء، وعقلية علمية لها سمات أقدر
يوسف القرضاوي:
هناك عقليات مختلفة، في عقلية خرافية تصدق بالخرافة أينما وحدت، هناك عقلية مقلدة يعني تركت عقلها أصبحت تفكر برأس غيرها وهناك عقلية متطرفة يعني ترفض لا تسلم بشيء، هناك عقلية علمية يعني لها سمات أقدر أقول لك على هذه السمات، أول هذه السمات هي لا تقبل الظن في موضع اليقين، الأشياء إذا كنت تريد أن تكون عقيدة أو تكون حقائق لا تأتي عن طريق التخمين الحس والافتراض، لا، لازم عن طريق اليقين واليقين له أدواته من الحس والقرآن وإلى آخره. ربنا ذم أهل الشرك فقال {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ
ۖ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}النجم28، الرسول يقول إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، فرفض الظن في موضع، رفض اتباع الأهواء والعواطف يعني من يتبع الأهواء والعواطف لا يكون موضوعيا ده إنسان ذاتي يتبع ذاته ويتبع عواطفه وهذا لا يمكن أن يكون حقيقة علمية ولذلك القرآن أيضا ذم المشركين قال {..إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَىٰ}النجم23، {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ..}الجاثية23، فالهوى يعمي ويصم عن الحقيقة، التقليد الأعمى، وده التقليد أيضا للآباء وللأجداد {..إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}الزخرف23، أو التقليد للسادة الكبراء {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا}الأحزاب67، أو التقليد على عوام الناس اللي الرسول سماه إمعة، يقول أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت وإن أساءوا أسأت، فهذا كله من علامات العقلية غير العلمية، العقلية العلمية ترفض التقليد وتتبع البرهان وتفكر تتعبد لله بالتفكير والنظر، القرآن يقول  {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ..}ق6، {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ}الغاشية17، 18، {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ}الطارق5، 6 ينظر في نفسه ينظر في ما حوله {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا..}عبس24- 27، يتتبع مراحل النبات حتى أصبح ينتفع به {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ..}الأعراف185، فهذا النظر وهذا التفكر في الكون وفي النفس {وَفِي أَنْفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}الذاريات21، وفي التاريخ {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَاۖ..}الحج46، كل هذه يعني مجالات للتفكر والنظر، فهذه بعض الملامح الأساسية للعقلية العلمية التي أنا أرى أنه أهم ما جاء به القرآن هو أنشأ هذه العقلية العلمية دي اللي اخترعت العلوم واخترعت آفاق الحضارة الإنسانية وأنا أرى أن البحث وتكوين هذه العقلية أهم من النظر في الإشارات الإعجازية في العلوم الكونية وفي القرآن وفي هذه الأشياء، أرى أن دي أهم.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني إذا كان العلم في القرآن بهذا الشمول والبراهين بهذا التنوع لماذا سيطرت النزعة النصية في كثير من الأوقات برأيكم؟

يوسف القرضاوي: لأننا بعدنا عن هدي القرآن، عن هداية القرآن، في عصور الازدهار الإسلامية كان الناس قريبين من القرآن، لما حدث التراجع، تراجع الحضارة الإسلامية والتخلف الإسلامي أصبح كل همهم أن يشرحوا كتب الأقدمين فيعمل على المد شرح وعلى الشرح حاشية وعلى الحاشية تقرير إما يطول المختصرات أو يختصر المطولات ولا يبدع، فالبعد عن هداية القرآن وعن ميراث النبوة هو الذي أوقع الأمة في هذا المضيق ولذلك كانت النتيجة أنهم تخلفوا وتقدم غيرهم وناموا واستيقظ غيرهم، الغرب اقتبس منهم نور الحضارة وسار به خطوات وخطوات والأمة نامت نومة أهل الكهف.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني هناك من يسعى لإثبات صحة القرآن الكريم من خلال العلوم الطبيعية كيف ترون الأمر؟

يوسف القرضاوي: هو أخوانا الذين يبحثون في الإعجاز العلمي هو أنا لا أرى مانعا من هذا وبعض المباحث تدخل في هذا الموضوع تدخل في صلب العلم بعضها تدخل في ملح العلم كما سماها الإمام الشاطبي لا بأس فيه هذا إذا كان هناك شروط علمية، أولا أن لا يكون هناك تكلف يعني نريد أن نقسر الآية قسرا على أن تفيد معنى معينا، وأحيانا يكون يعني غير مقبول إطلاقا يعني يخرج الإنسان زي يعني بعضهم قال {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا..}النساء1، قال النفس الواحدة هي الإلكترون وزوجها البروتون فلما الإلكترون والبروتون يعني اجتمع الشحنة الكهربائية الموجبة مع الشحنة الكهربائية السالبة تكونت الذرة التي أساس، هذا يعني في الحقيقة يعني تكلف لا يعطيه لفظ القرآن ولا سياق القرآن يعني إذا كانت اللفظة تؤدي المعنى، زي مثلا {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}الذاريات49، أنه ربنا خلق الكون على طبيعة الازدواج كل شيء فيه موجب وسالب، حتى الذرة موجب وسالب مش بس الحيوان اللي فيه ذكر وأنثى أو النبات اللي فيه برضه حبوب تذكير وحبوب تأنيث، كل شيء إذا كانت الحقيقة بهذه الطريقة لا بأس أن اللفظ يؤدي المعنى، أن لا يكون هناك تكلف في هذا الأمر، أن يكون الأمر العلمي حقيقة ما يكونش مجرد افتراض أو نظرية من النظريات وأنت عايز تدلل عليها بالقرآن فإذا كان هكذا لا مانع من قبول البحوث القائمة على بيان الإعجاز العلمي في القرآن.

عثمان عثمان: طبعا سيدي يعني هذا الموضوع بحاجة إلى بحث طويل ومعمق. أشكركم في ختام هذه الحلقة فضيلة شيخنا العلامة الدكتور على هذه الإفاضة الطيبة. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل، هذا عثمان عثمان يحييكم، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة