الفقر وعلاقته بالجريمة   
الاثنين 1429/2/26 هـ - الموافق 3/3/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:38 (مكة المكرمة)، 13:38 (غرينتش)

- ارتفاع نسبة جرائم الفقر في مصر
- استفحال الفقر وازدياد الجرائم في المغرب

أحمد بشتو
عزه كريم
 
الأحسن العمراني
أحمد بشتو
: مشاهدينا أهلا بكم إلى حلقة جديدة من الاقتصاد والناس. يقول عالم الاجتماع الأميركي روبرت واتسون إنه حيث تكون البنية الاقتصادية ضعيفة تكون معدلات الجريمة مرتفعة. ويتمثل الضعف الاقتصادي في إهمال المشاريع الاقتصادية الحيوية ونمو البطالة والافتقار إلى الخدمات العامة والدعم المالي، المتابع هذه الأيام للصحف العربية سيلاحظ تناميا لافتا في معدلات ما يمكن أن نسميه الجريمة الفقيرة وهي المرتبطة بتدني مستويات المعيشة في عدد من الدول العربية، فمن قتل النفس يأسا إلى السرقة وقتل الغير كرها، تتحدث الأنباء الآتية من مناطق يتدنى فيها مستوى المعيشة وتنعدم فيها الخدمات ويخبو فيها الأمل. لن نتحدث عن نموذج بعينه فكل الحالات متشابهة على امتداد أحزمة الفقر في الدول العربية، للأسف لا توجد احصاءات أو أرقام يمكن الاستناد عليها لرصد مدى تنامي تلك الظاهرة، لكن الأكيد نظريا على الأقل أن معدلات تلك الجرائم ستزداد طالما اتسعت رقعة الفقر والبطالة. سنحاول مع ضيفي الحلقة وضع القضية على الطاولة في حلقة نتابع فيها..تزايد أعداد الفقراء، والحكومة تعترف بوجود أزمة ثقة مع المواطنين في مصر. الفقر والإجرام في المغرب ظاهرتان متلازمتان وثمة خيط رفيع ومتشابك يجمع فيما بينهما إلى حد جعل من الأولى رديفة للثانية.

أحمد بشتو: حلقة لا تبرر جرائم الفقراء، ولكنها تتمنى القضاء على مسبباتها. تابعونا... تقرير حالة السكان العالمي لعام 2007 يوضح أن الشباب بين سني الخامسة عشرة والرابعة والعشرين هم أكثر من يرتكبون الجرائم المنتشرة في المدن، حيث أنهم ينشؤون في بيئات فقيرة غير مهيأة للمعيشة الإنسانية وترتفع فيها نسبة الفقر والجريمة بكافة أشكالها وأنواعها. بدأ الأمر مع ازدياد أحجام وأعداد أحزمة الفقر المحيطة بالمدن العربية والمتغلغلة داخلها مع انسياب الهجرات الداخلية إلى المدن الكبرى والعواصم الرئيسية هربا من بؤس الحال في المدن الصغرى والقرى، ومع تنامي الظاهرة بين عامي 1950 و 2000 بدأت الجريمة الفقيرة تزداد حدة وانتشارا وربما تأصلا وتجذرا في تلك المجتمعات. التقرير التالي الذي أعده الزميل محمد فاوي، قد يكون صادما في رصد الظاهرة ولكنها الحقيقة على أية حال.

[تقرير مسجل]

محمد فاوي: عويل ثكلى تبكي مع زوجها العجوز حسرة على ابنهما المزارع الفقير الذي انتحر يأسا من الحياة بعد عجزه عن دفع ديونه، هو فيلم هندي أراد أن يجسد به مخرجه واحدة من أشد الظواهر الاجتماعية الاقتصادية مأسوية، إنه الانتحار بسبب الفقر. إحصائيات منظمة الصحة العالمية تبدو أكثر من مروعة، فقد بلغ عدد المنتحرين في العالم مليون ومائة ألف منتحر سنويا أي ما يعادل ثلاثة آلاف حالة انتحار يوميا بمعدل حالتي انتحار كل دقيقة. الفقر أصبح أحد العوامل الرئيسية وراء حوادث الانتحار، ولعل المفارقة اللافتة في هذا الصدد تتمثل في أن هذه الظاهرة بدأت تتسلل خلسة إلى عالمنا العربي الذي كانت ظاهرة الانتحار فيه لعوامل متعلقة بالموروث الديني والثقافي أبعد ما تكون عن الفقر، ففي مصر وصلت نسبة المنتحرين الذين يقدمون على هذه الخطوة بسبب الفقر إلى 69% من إجمالي عدد المنتحرين، وفي الأردن ارتفع عدد حالات محاولة الانتحار إلى أربعمائة حالة، وفي اليمن قفز عدد المنتحرين من جراء الظروف الاقتصادية الصعبة بنسبة 52% ليصل إلى 465 حالة سنويا. أكثر من ذلك لم تعد أي دولة عربية بمعزل عن الأمراض النفسية والعصبية المرتبطة بالفقر والديون وزيادة الأعباء المعيشية مع اتساع رقعة الفقر في العالم العربي لتشمل أكثر من 130 مليون يعيشون تحت خط الفقر، حتى أن دولة مثل مصر وصل فيها عدد المصابين بالاكتئاب إلى ستة ملايين مواطن، هذه الأرقام تدق حسب ما يرى الكثيرون ناقوس خطر مدو بشأن تنامي شوكة التداعيات الاجتماعية السلبية للمشكلات الاقتصادية التي تعصف بالمشهد العربي.

[نهاية التقرير المسجل]

ارتفاع نسبة جرائم الفقر في مصر

أحمد بشتو: في مصر تقول الإحصاءات إن أغنى 20% من السكان يحصلون على 44% من الدخل القومي، وإن أفقر 40% منهم يحصلون على أقل من 9% فقط، هذه الفجوة وهذا الحرمان البشري يعني أيضا نسبة بطالة تطال أكثر من 12% من السكان حسب أكثر الإحصاءات المستقلة تحفظا، تعني أيضا وجود نحو 12 مليون مواطن يعيشون في المقابر والعشش مع انتشار أكثر من ألف منطقة عشوائية تقول الدراسات الاجتماعية إنها بيئة واسعة لتفريخ الجريمة والإرهاب وتجارة المخدرات والدعارة والتفكك الأسري والعنف بكل أشكاله. محمد البلك من القاهرة وهذا التقرير.

[تقرير مسجل]

محمد البلك: شيوع نماذج الفساد مع ضآلة حجم المساءلة وسيطرة الاحتكار على السوق الاقتصادية، تلك عوامل يراها البعض من الأسباب الرئيسية لزيادة معدلات الفقر في مصر، وبالتالي الجرائم التي ترتكب بسببه، بعد أن أكدت تقارير التنمية البشرية أن 2% فقط من المجتمع يستحوذون على 43% من عائد التنمية. لكن معاناة الفقراء تتزايد مع غول الغلاء خاصة في الأسواق الغذائية، ويتركز الفقراء في المناطق العشوائية حيث أشار تقرير حكومي صدر في الفترة الأخيرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية أن 11 مليون مواطن يعيشون في 961 منطقة عشوائية، منها 81 منطقة يجب إزالتها لتردي الأوضاع المعيشية لسكانها وتفريخ المجرمين والخارجين على القانون منها، وتشير الدراسة إلى أن 80% من مساكن العاصمة المصرية يعيشون بمناطق عشوائية تمثل 36% من إجمالي سكان القاهرة. وتركز الحكومة المصرية على دعم الفئات المهمشة اجتماعيا والفقيرة من خلال مظلة الأمن الاجتماعي التي تصل الآن إلى مليون أسرة يحصل منها على دعم نقدي يصل إلى مائة جنيه، ولكن البعض يطالب الحكومة بتغيير أنماط حياة الفقراء بمعاونتهم على زيادة الدخل الشهري بتحويلهم إلى مجتمع منتج حيث لا تحتاج تلك الخطط إلى استثمارات ضخمة كالتي يحصل عليها كبار المستثمرين من الائتمان المصرفي. ومما يجعل الموقف أكثر تعقيدا عدم وجود خطة محددة لدى الحكومة المصرية لمحاصرة الفقر الذي يتمدد يوميا دون آمال محددة في القضاء عليه.محمد البلك، الجزيرة، القاهرة.

[نهاية التقرير المسجل]

أحمد بشتو: من القاهرة نرحب بالدكتورة عزة كريم أستاذة في علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية. دكتورة عزة، كي يفهم الناس الأمر بشكل علمي، مدى ارتباط الفقر بظهور الجريمة ونوعيات ربما جديدة من الجرائم.

"
الفقر أكبر وأخطر آفة يمكن أن تؤدي إلى مظاهر سيئة لأي مجتمع من المجتمعات
"
عزة كريم

عزة كريم
: الحقيقة هو من الناحية العلمية والواقعية في ارتباط قوي بين الفقر والجريمة، وليست الجريمة فقط ولكن كل تدهور يمكن أن يحدث في المجتمع ويعوق التحضر يأتي أساسا من الفقر، فيعتبر الفقر أكبر آفة وأكبر خطر يمكن أن يؤدي إلى مظاهر سيئة جدا لأي مجتمع من المجتمعات..

أحمد بشتو(مقاطعا): طيب دكتورة لنركز على الحالة المصرية تحديدا، مدى تفاقم ارتباط الفقر بالجرائم في مصر الآن؟

عزة كريم: الحقيقة الفقر في مصر مرتبط طبعا بانتشار الجريمة زيها زي أي مجتمع آخر، ولكن يمكن في مصر في مشكلة أخرى وهي أنه في فئتين، فئة من الفقراء وهم كثيرون والفئة الأخرى من الأغنياء يعني في صراع طبقي أو فروق طبقية كبيرة، ودي بتؤدي إلى أضرار أكبر للفقراء ومن مظاهر الفقر خصوصا بالنسبة للجريمة، فزادت نسب الجريمة واختلفت أشكالها فعندما يزداد الفقر نجد أن الجريمة ترتبط بالعنف خصوصا في المجتمع اللي فيه فروق طبقية عنف شديد جدا..

أحمد بشتو(مقاطعا): طيب دكتورة، هل رصدتم ربما تصاعدا لهذه الحالات في الآونة الأخيرة مع ازدياد سبب الفقر والضغط المعيشي؟

عزة كريم: ما في شك في هذا، زادت نسبة الجريمة مش فقط زادت نسبة الجريمة وظهرت أشكال جديدة من الجرائم دخلت فيها الطبقة المتوسطة، وهذه هي الخطورة الكبرى. لأننا كنا دائما بنقول إن الفقراء فقط هم الناس الغير متعلمين وينتشر بينهم الجهل والمرض إلخ، ولكن للأسف دخلت الطبقة المتوسطة لأن الفقر أصبح نسبي بالنسبة لها ومن هنا دخلنا إلى جرائم المهنية بشكل شديد جدا، جرائم الفساد جرائم الاغتصاب جرائم الإتجار بالبشر الإتجار بالأطفال. أيضا أصبحت كل جريمة ترتبط بالعنف يعني كانت في الماضي السرقة مجرد سرقة دلوقت أصبح نتيجة للفقر أصبح مرتكبي الجرائم لا يهتمون إلا بالوصول إلى مآربهم ودون النظر إلى المخاطر..

أحمد بشتو(مقاطعا): طيب دكتورة عزة، اسمحي لي أن أذهب إلى الشارع المصري، استطلعنا آراءه حول ازدياد الجرائم المرتبطة بحالة الفقر لديه.

[شريط مسجل]

مشارك1: الفقر يؤدي إلى السرقات يؤدي إلى الاغتصاب يؤدي لتناول المخدرات يؤدي لكل حاجة، لازم أول تنحل هي مشكلة البطالة لو مشكلة البطالة انحلت لتفك عن أسر كثيرة جدا.

مشارك2: ممكن تؤدي لاكتئاب الشاب نفسه يعني بيقول لك أنا بتعلم وبتخرج من الكلية وأهلي بيصرفوا علي وبالآخر بطلع وما بلاقي شغل، فدي المشكلة الكبيرة.

مشارك3: في شغل بس بكم بـ200 جنيه 300 جنيه 350، وصاحب الشغل عايز يموتك بالمبلغ ده. تروح علشان يفطر الصبح ويتغدى مش أقل من 7 أو 8 جنية يعني يصرف في اليوم 20، 30 جنيه طيب 30 جنيه احسبها في الشهر 900 جنيه أنت بتقبض 400 جنيه ولا 500 جنيه أنت حتعمل إيه.

مشارك4: الطبيعي أن الواحد دلوقت لازم يسرق، أصله حيجيب منين؟ الحكومة ما بتدعمش حاجة، المواصلات ما فيش دعم، الأكل ما فيش دعم، السكن ما فيش دعم، الشغل أقل شغل دلوقت اليوم لما واحد مثلا يشتغل راتب كويس 400 جنيه 500 جنيه حاجات كلام فارغ يعني.

[نهاية الشريط المسجل]

أحمد بشتو: دكتورة عزة، يعني كما تابعت نحن لا نبرر وقوع الجريمة لكن الجريمة أسبابها موجودة، في مصر ارتفعت نسبة المنتحرين لأسباب اقتصادية بنسبة 52% إلى 465 حالة سنويا، يعني الوازع الديني غاب مع ازدياد نسبة الفقر إذاً؟

عزة كريم: طبعا ما فيش شك أن الفقر بيؤثر تأثير سيء جدا على أخلاقيات الإنسان منها الوازع الديني لأن الفقر يعني الاحباط يعني المعاناة يعني قتل أحلام الإنسان، يشعر الإنسان أن ليس له قيمة ولا كيان داخل المجتمع وبالتالي بتختل كل قيمه الأخلاقية، يعني حتى اللي سمعناه في التقرير ليسوا هم كل الفقراء قوي، ولكن من كل الطبقات المتوسطة والطبقة الفقيرة وكلهم في حالة معاناة شديدة جدا، للأسف أن دائما المعاناة بتجلب الإحساس بالإحباط والعنف والتمرد وعدم الانتماء وهذا السلوك الحقيقة هو السائد الآن بشكل كبير جدا ولذلك نقول إن جرائم الفقر..

أحمد بشتو(مقاطعا): طيب دكتورة عزة، من جهتكم كمراكز بحثية علمية هل أصدرتم تنبيهات ما عن مدى تردي الوضع، خطورة الوضع؟

عزة كريم: ما فيش شك أن نحن مختلف بحوثنا بتمس جانب الفقر ونحذر من مخاطر الفقر، يعني بنقول عمالة الأطفال وأولاد الشوارع والفساد وانتشار الجرائم والاغتصاب كل هذه الأشياء نجري عليها أبحاثا وترتبط ارتباطا مباشرا في النهاية بالفقر، فنحذر تماما أن انتشار الفقر يعني انتشار كل ما هو سيء وضار وخطر جدا على المجتمع في كل المجالات، وزي ما بنقول إن الفقر يعني مرض يعني جهل يعني أمية يعني جريمة يعني كل ما هو فاسد، كل ده بنحذر منه..

أحمد بشتو(مقاطعا): أشكرك جزيل الشكر دكتورة عزة كريم أستاذة علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية الجنائية، حدثتينا من القاهرة. بعد الفاصل، في المغرب أيضا الفقر والجريمة متلازمتان تؤدي الأولى للثانية وتابعونا.

[فاصل إعلاني]

استفحال الفقر وازدياد الجرائم في المغرب

أحمد بشتو: أهلا بكم. أفقر 10%  من سكان المغرب يحصلون على أقل من 3% من أجمالي الدخل القومي مقابل 31% من الدخل يحصل عليها أغنى 10% من السكان حسب تقديرات تقرير التنمية البشرية، وبين عامي 1950 و2000 ازدادت حدة الهجرات الداخلية من الريف المغربي إلى الدول الكبرى من 23% إلى 51% لتشكل ما يسمى مدن الصفيح الفقيرة، منها انطلق من نفذوا الهجمات الإرهابية داخل المدن الكبرى وداخل أحزمة الفقر المغربية تنتشر الجريمة والعنف بكل صورها وأشكالها، أنس بن صالح يطلعنا على الصورة من الرباط.

[تقرير مسجل]

أنس بن صالح: تصاعد وتيرة الإجرام في المغرب بات أمرا مقلقا، فالإحصاءات الرسمية تؤكد أن معدلات الجريمة ارتفعت بنسبة 13% السنة الماضية، إذ رصدت الدوائر الأمنية نحو 100 ألف جريمة كل ثلاثة أشهر، ما دفع السلطات إلى تخصيص ميزانية قدرها سبعون مليون دولار لمواجهة الإجرام، على أن أسباب تنامي هذه الظاهرة في مجتمع مثل المغرب يطرح علامات استفهام كثيرة بخصوص مسبباتها، ولكن أصابع الاتهام تشير بشكل واضح إلى استفحال الفقر.

مشارك1: ظاهرة الفقر مسبب رئيسي في خلق الجريمة وفي تكوين الجريمة وحتى في تطويرها.

مشارك2: إنسان ما عنده شيء يأكل أو شيء يشرب، الوسيلة القريبة هي السرقة وارتكاب الجرائم.

أنس بن صالح: والحال أن معدلات الفقر في المغرب بلغت 14% وتقدر أحدث تقارير البنك الدولي أن 15% من المغاربة يعيشون حالة من الفقر المدقع بسبب ضعف النمو الاقتصادي في مقابل زيادة كبيرة في عدد السكان، فدور الصفيح تنتشر كنبات الفطر في ضواحي المدن الكبرى وسكانها يعدمون سبل العيش الكريم فيما أن البطالة غدت كابوسا يقض المضاجع.

مشارك3: المجرم مجرم من الأصل وخلي يكون عنده خلي يكون مجرم لأن المجرم مش هم الفقراء.

مشارك4: بطالة عندهم بطالة أخي وتخلف والأمية.

أنس بن صالح: لكن ثمة من يرى بأن ارتفاع معدلات الجريمة مرده إلى خلل في المنظومة الثقافية وفشل السياسات الاجتماعية التي انتهجتها الدولة المغربية على مدى عقود طويلة قبل أن تعمل على استدراكها ببرامج للتنمية البشرية.

علي شعباني/ باحث في علم الاجتماع: القيم في المجتمع المغربي قد مسها نوع من الخلل وتخلخل يعني هناك العديد من الشباب العديد من الناس الآن لا يتلقون تلك التربية التي كانت سائدة في السابق.

أنس بن صالح: ليس الفقر وحده من يتحمل مسؤولية تصاعد وتيرة الإجرام في المغرب، فهذه الصورة النمطية وإن انطوت على قدر كبير من الحيف والإجحاف لكنها لا تحجب حقيقة أن ثمة مسببات كثيرة لظاهرة تكاد تكون قاسما مشتركا بين سائر المجتمعات، أنس بن صالح، الجزيرة، الرباط.

[نهاية التقرير المسجل]

أحمد بشتو: من الرباط ينضم إلينا السيد الاحسن العمراني الخبير في قضايا التنمية البشرية، سيد العمراني، في المغرب كيف ترصد حالة ارتباط تفاقم الفقر بازدياد وتيرة الجريمة هناك؟

الاحسن العمراني: أشكرك أستاذ أحمد، أود في البداية قبل أن نتحدث عن رصد عوامل الفقر وعلاقته بالجريمة أن نتفق بداية عن مفهوم الجريمة. أعتقد أن علماء القانون والخبراء في المجال عرفوا الجريمة طبعا دون الدخول في التعرفيات بحسب مستوياتها التعريف القانوني والتعريف الأخلاقي والتعريف الاجتماعي، أعتقد أن الجريمة هي كل فعل أو سلوك يخرج عن العادة المقبولة اجتماعيا فهو يأخذ بعين الاعتبار العوامل الاجتماعية، وبالتالي ففقهاء القانون لما يتحدثون عن الجريمة بهذا المفهوم لا بد أن تتوفر فيها ثلاثة شروط أساسية، لا بد أن يكون هناك ركن مادي أو ما يتعلق بالفعل المجرّم، ثم أيضا أن يكون هناك ركن قانوني يتعلق بوجود قاعدة قانونية تجرم هذا الفعل، وأيضا الركن الثالث من أركان الجريمة حسب القانون دائما يتعلق بالأهلية القانونية إذ هناك أناس ...

أحمد بشتو(مقاطعا): طيب دكتور الاحسن، الفقر كمسبب للجريمة كيف يراه الفقهاء في القانون في علم الاجتماع؟

الاحسن العمراني: أنا أعرف أن بالنسبة للفقهاء التعريف عندهم قاعدة قانونية تقول لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص. وبالتالي السؤال المطروح الآن هل وضعية الفقر تؤدي تلقائيا إلى الجريمة؟ هل كل من هو معتبر ضمن خانة الفقراء هو مجرم تلقائيا؟ كلها من الأسئلة المشروع أن نطرحها. ولكن بداية أعتقد أيضا ما دام أننا تحدثنا عن الجريمة لا بد أن نتحدث أيضا عن مفهوم الفقر، فالفقر إذا لم نحدد المفهوم بداية يصعب علينا أن نربطه بالجريمة. الفقر اليوم يا سيدي جرت العادة أن نتحدث عن الفقر على أساس أنه اعتبار لعوز مادي، والحاصل أن تطور مفهوم الفقر اليوم يتحدث عن نقص في الإمكانيات عن نقص في الفرص عن نقص مرتبط بالقدرات البشرية للإنسان، وبالتالي لو جمعنا هذه المعطيات كلها المرتبطة بوضعيات الفقر يمكن أن نقول على أنها تساهم، مع التأكيد على أن ليس كل الفقراء بالضرورة مجرمون، على أن كل من يأتي جريمة من الجرائم ليس بالضرورة فقيرا، وإلا فأنواع الجرائم اليوم.. طبعا لما نتحدث عن علاقة الفقر بالجريمة أعتقد لا بد أن نحدد مجال الاشتغال في الجريمة، عن أية جريمة نتحدث؟ الجرائم المالية..

أحمد بشتو(مقاطعا): أشكرك جزيل الشكر دكتور الاحسن على هذا الإطار القانوني، لكن اسمح لي أن أذهب إلى الشارع المغربي ورأيه حول ارتباط الجريمة بالفقر.

[شريط مسجل]

مشارك1: أعتقد أن الفقر هو سبب مباشر للجرائم، أنه بسبب الفقر أعتقد تقع الكثير من الجرائم.

مشاركة1: الفقر مش حافز أن الإنسان يكون مجرم ولكن يعني إيش نقول لك يعني واحد تجي لحظة تلاقي انفلت زمام الأمور من يده.

مشاركة2: الفقر مش سبب من أسباب الجريمة لأن كانت الجرائم كثرت جرائم البسيطة اللي يقدروها الناس اللي عندهم حاجيات، ناس فقراء والمستوى المعيشي منخفض بالزاف جرائم هاي قام حدودها، ولكن الجرائم الأخرى جرائم الفساد جرائم الرشوة لا علاقة لها بالفقراء ويرتكبوها ناس عندهم إمكانيات.

مشارك2: الفقر دائما يكون هو سبب من بين الأسباب التي تؤدي إلى القيام بالجريمة.

مشارك3: الفقر هو سبب رئيسي من أسباب الجريمة ولكن الوازع الديني يغيب على الناس لذلك ولو يكون من الفقر يا ريت يحافظ على القيم دياله والأخلاق دياله.

[نهاية الشريط المسجل]

أحمد بشتو: سيد الاحسن، عندما خرجت الجريمة الإرهابية من داخل التجمعات الفقيرة في المغرب لتضرب مدنا مغربية، لماذا لم تتنبه الحكومة لأسباب ما حدث؟

"
الجريمة يمكن أن يكون الفقر أحد أسبابها ولكن هناك جرائم ليست لها علاقة بالفقراء
"
الأحسن العمراني

الأحسن العمراني
: أنا أعتقد أن هذا الأمر يرتبط أساسا.. بتعرف في الجريمة دائما فيها فاعل أصلي وفيها فاعل معنوي، الذي يخطط للجريمة والذي ينفذها، ليس بالضرورة أن يكون المخطط هو المنفذ. صحيح أن منفذي التفجيرات الإرهابية المدانة التي وقعت في المغرب خرجت من أحياء يعني منفذوها هم من أحياء فقيرة من أحياء صفيح من دور غير صالحة للسكن في أوضاع معيشية غير مقبولة هذا مؤكد، الحكومة انتبهت بعد وقوع الأحداث الإرهابية خصوصا سنة 2003 ولذلك جاءت مجموعة من التدابير التي حاولت أن تحسن من الأوضاع المعيشية في هذه الأحياء. لذلك لو سمعنا إلى نبض الشارع نستخلص على أن هناك اتجاهين اثنين، على أن الجريمة يمكن أن يكون الفقر أحد أسبابها ولكن أيضا في الجريمة هناك جرائم ليست لها علاقة بالفقراء. وارتباطا بالموضوع نؤكد على أن الوضعية التي يعيشها الإنسان.. فلما قلت لك الوضعيات الفقيرة حتى المفهوم، فقمة التنمية الاجتماعية المنعقدة في نيويورك في فبراير 2006 عددت 11 عاملا من العوامل التي تؤدي إلى الفقر، فإذاً نتيجة والحديث عنه يقودنا عن الحديث عن أسبابه ومسبباته..

أحمد بشتو(مقاطعا): طيب سيد الاحسن، تكدس الثروة في يد القلة في المجتمع المغربي وضياعها مقابل فئة أخرى كبيرة أيضا في المجتمع المغربي، باختصار، كيف يمكن أن تؤدي إلى أمراض اجتماعية من بينها الجريمة؟

الأحسن العمراني: أنا أعتقد أن هذا يؤدي إلى أمرين اثنين، الأمر الأول هو أن هناك وضعية الاستزادة من الفقر والاستزادة من الغنى، إذ أن الفوراق بين الأغنياء والفقراء فوارق شاسعة جدا وهذا يؤدي في المرتبة الثانية إلى نوع من التباين في المراكز الاجتماعية، وبالتالي فالذي يعتبر نفسه محروما من أبسط الخدمات من العيش الكريم من سكن لائق من صحة مقبولة من تعليم ضروري من شغل قار، يعتبر نفسه في بعض الأحيان على أن هذا الحق، المشروع بالنسبة إليه، مأخوذ، لأن ليس هناك نوع من تقاسم الثروات بشكل عادل يسمح له بأن يستفيد من خيرات هذا البلد ..

أحمد بشتو(مقاطعا): أشكرك جزيل الشكر، من الرباط السيد الاحسن العمراني الخبير في قضايا التنمية البشرية على هذه التوضيحات. في ختام الحلقة نتذكر قول سقراط "إن الفقر هو أبو الثورة وأبو الجريمة" وقانا الله وإياكم شرها وشر مسبباتها. دائما راسلونا عبر بريدنا الإلكتروني iqtsad@aljazeera.net لكم تحيات مخرج البرنامج صائب غازي، وأطيب تحياتي أحمد بشتو، إلى اللقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة